كان اللجوء إلى العنف والصراع هي السمة البارزة التي لازمت تاريخ الإنسان منذ أقدم العصور التاريخية وعبر كافة مراحله، حيث تعتبر نزعة اللجوء لاستعمال القوة ظاهرة طبيعية تترسخ في غريزة الإنسان لأنه كان يرى في لجوئه لاستخدام القوة الوسيلة التي يحافظ بها على ديمومة بقائه على قيد الحياة، فمن خلالها كان يضمن الدفاع عن نفسه وتحقيق أمنه الخاص اتجاه كافة الأخطار التي قد تحدق به، كما أنه كان يركن إلى استخدام القوة من أجل السلطة والسيادة، وبظهور التكتلات والمجموعات البشرية، انتقل استخدام القوة من الاستخدام الفردي إلى الاستخدام الجماعي الذي تقوم به الجماعات البشرية لتحقيق غايات مثلت الجماعة، إذ بنشوء المجتمعات البشرية دأب الإنسان على نقل مسؤولية أمنه الخاص إلى الجماعة التي يعيش معها لكي تكون مسؤولة عن تحقيق أمنه الخاص والأمن الجماعي لكافة أفراد المجتمع.

لم يتوقف تطور المجتمعات البشرية عند حد معين، بل تواصل هذا التطور إلى غاية بلوغه مرحلة تشكل الدول التي تعتبر المكون الأساسي للمجتمع الدولي، إلا أن هذا التغير في شكل المجتمعات البشرية لم يصاحبه تغيير في استخدام القوة، فعلى غرار المجتمعات البدائية بقي استخدام القوة المسلحة السمة البارزة لواقع العلاقات الدولية، وحجة كل دولة في ذلك هي حماية وجودها ضد الأخطار الخارجية التي قد تهدد أمنها، ودأبت الدول في مرحلة القانون الدولي التقليدي على اللجوء لاستخدام القوة بمثابة وسيلة الفرض وجهة نظرها على الدول الأخرى، وتوضح السوابق الدولية أن القوة قد استخدمت التغيير أوضاع غير مقبولة أو ضارة أو لاحترام حق يخشى من تجاهله أو عدم الاعتراف به، فضلا عن اللجوء إلى استخدام القوة لتسوية النزاعات الدولية، وقد كان من مسوغات استخدام القوة في هذه المرحلة أن تعد مظهرا من مظاهر سيادة الدولة وحقا أساسيا من حقوقها المشروعة.

تحميل الرسالة