محمد عبدالرحمن عريف

   يعدّ «مالك بن نبي» واحدًا من أعلام الفكر الإسلامي الذين حجب فكرهم عن الناس لعدم اهتمام الدارسين بهم .. إنه المفكر العملاق الذي نذر حياته في خدمة القضايا الإنسانية العادلة ابتداء من القضية الجزائرية إلى القضايا القومية والإسلامية وانتهاء بمعضلات العالم الثالث, فلقد أمضى أكثر من ثلاثين عاماً متأملاً يحلّل ويضع شروط النهضة للمجتمع الإسلامي. ورغم التعتيم والتهميش الذي مورس ضده حيًا وميتًا، إلا أن فكره بقي حيًا يُقرأ.. وأفكاره مازالت تنبض بالحيوية والفعالية، تتداولها أجيال ما بعد الاستقلال في الجزائر وفي العالم الإسلامي برمته.

مولده

    ولد «مالك بن نبي» عام (1905م) في قسنطينة بشرق الجزائر في أسرة فقيرة، بين مجتمع جزائري محافظ. في تلك الفترة التي شهدت أحداث كبيرة في تاريخ الجزائر وتاريخ الدول العربية، فقد سقطت الخلافة العثمانية واحتلت فرنسا الجزائر وبسطت هيمنتها على تونس والمغرب وكانت معظم الدول العربية تحت الاستعمار وما ترتب على ذلك من ردود الأفعال سواء في شكل حركات جهادية للتحرر أو دعوات إصلاحية.

مراحل دراسته

    كانت مراحل دراسته الابتدائية والثانوية بين مدينتي (تِبِسّة) و (قسنطينة)، فتتلمذ في المدرسة نفسها على أساتذة وطنيين، في العربية، زرعوا في نفسه بذرة العمل الوطني، كما درس على أساتذة فرنسيين عنصريين، أشعروه بالخطر الاستعماري الفرنسي لمسخ الشخصية الإسلامية العربية في الجزائر، وتشويه تاريخ الوطن.

    حفظ القرآن في الكتّاب في المرحلة الابتدائية وواصل تعليمه إلى المرحلة الثانوية حيث اشتد شغفه بالاطلاع والثقافة.. وإلى جانب تعلمه في المرحلة الثانوية كان يتلقى دروساً في اللغة العربية على يد «الشيخ عبد المجيد» الذي أثر في تكوينه الفكري وغرس فيه حاسة النقد الاجتماعي، كما تأثر أيضاً -كما يذكر في مؤلفاته- في المدرسة الثانوية بالسيد «مارتن» الذي أسهم في إثراء حصيلة تلامذته ومنهم «مالك بن نبي» بالمفردات اللغوية وغرس فيهم ملكة التعبير وتذوقه وحبب إليهم المطالعة.

الشيخ «عبد الحميد بن باديس»

    في هذه المرحلة أيضاً بدأت تتبلور أفكاره وتتحدد رؤيته السياسية والاجتماعية فقد تأثر بالمناخ الثقافي الذي كان يسود منطقة الشرق الجزائري في القسنطينة حيث شاعت فيها روح الإصلاح والثقافة العربية والاتصال بالمشرق العربي، وحيث كان الشيخ «عبد الحميد بن باديس» يقوم بمهمته الإصلاحية بالإضافة إلى ما اكتسبه من قراءته للصحف بمختلف اتجاهاتها (الشهاب) و(الإقدام) و(الإنسانية).

    سافر عام (1925م) إلى مرسيليا وليون وباريس بحثاً عن عمل ولكن دون جدوى، فعاد إلى الجزائر حيث عمل في تِبسَّة مساعد كاتب في المحكمة. وأتاح له عمله هذا الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع أيام الاستعمار مما ساعده على تفسير ظواهر مختلفة فيما بعد.  وفي عام (1928م) تعرّف مالك بن نبي على الشيخ «عبد الحميد بن باديس» (1887- 1940م)، وعرف قيمته الإصلاحية.

    في عام 1930 كانت فرنسا تحتفل بعيدها المئوي لاحتلال الجزائر اضطر مالك بن نبي للسفر إلى فرنسا مرة أخرى وحاول الالتحاق «بمعهد الدراسات الشرقية»، أملاً في التخرج محامياً، فهيأ نفسه لامتحان الدخول، وانتظره هنالك واستعدّ له. ثم اجتازه وكله ثقة في النجاح، لكن النتيجة كانت خيبة الأمل المقررة مسبقاً، فقال عنها: «لقد طلبني مدير المعهد، وفي هدوء مكتبه الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى في الإصرار على الدخول لمعهده، فكان الموقف يجلي لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة: إن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع بالنسبة لمسلم جزائري لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي، ونزلت كلمات المدير على طموحي نزول سكين المقصلة على عنق المعدوم .. وفي ذلك اليوم لم يتحطم فقط أملي، بل شعرت أن حلم والدتي ووالدي قد تحطم أيضاً على صخرة الإرادة المقررة في خبايا الدوائر الاستعمارية في فرنسا مثلما في الجزائر»

   في الوقت الذي كان ينتظر فيه نتيجة امتحان الدخول لهذا المعهد، زار متحفاً للفنون والصناعات كان سبباً في تفكيره لأول مرة في مشكلة الحضارة عندما شاهد عينات التقنية من القاطرة البخارية الأولى والطائرة، وكما كان للوقائع المفاجئة أثرها في تأكيد مسار مالك الفكري، فإنها أيضاً قادته وهو طالب يتلقى مساعدة مالية من والده تعينه على الدراسة في باريس إلى أن يبحث عن مطعم يقدم وجبات غذائية بسعر مناسب يتفق ومقدرته المالية، وكان ذلك سبباً في انتسابه «للوحدة المسيحية للشباب الباريسيين» الذي أتاح له التعرف من قرب على الجانب الروحي للحضارة الغربية، كما أسهمت هذه الوحدة في تعرف مالك على الحياة الأوروبية بشكل تفصيلي عن طريق صديقه الأوروبي الذي كان يأخذه معه إلى منزله ويكتشف «مالك» من خلال تلك الزيارات واقع الحياة الأسرية العائلية الأوروبية.

   ولما لم يتمكن من الالتحاق «بمعهد الدراسات الشرقية» اضطّر لتعديل أهدافه وغاياته، والتحق بمدرسة «اللاسلكي» غير البعيدة عن «معهد اللغات الشرقية» للتخرج كمساعد مهندس، ممّا يجعل موضوعه تقنياً خالصاً، بطابعه العلمي الصرف، على العكس من المجال القضائي والسياسي..‏ لكن تشاء الأقدار أن يدخل «مالك بن نبي» من هذا الباب نفسه إلى عالم الفكر السياسي.

   فهناك في مدرسة «اللاسلكي» كان مطلوباً منه أن يكون مُلماً بالرياضيات ليتمكن من الالتحاق بهذه المدرسة ودخل مالك عالم الرياضيات الذي أحدث له تغييراً عميقاً في النظر وفي التفكير لديه فكانت فترة دراسته للرياضيات نقطة تغيير جذري في اتجاهه الفكري -كما يقول ذلك في مذكراته- ودخل من خلالها إلى مناخ الكم والكيف حيث يخضع كل شيء إلى المقياس الدقيق ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم بميزات الضبط والملاحظة.

   ورغم جده واجتهاده إلا أنه لم يتمكن من اجراء الامتحان التطبيقي الضروري لتخرجه مهندساً بعد أن أنهى دراسته في الكهرباء والميكانيكا بسبب اعتذار المؤسسات والمصانع التي يمكن التطبيق فيها لنشاطه في مقاومة الاستعمار.

    وفي عام (1351هـ – 1931م) تزوج مالك اثناء دراسته في فرنسا من شابة فرنسية أسلمت وسمت نفسها (خديجة) حيث هيأت له أسباب الراحة وساعدته على مواصلة دراسته ومواصلة تكوينه الفكري وقد أفرد لها صفحات مهمة في مذكراته لدورها القوي في حياته وكيف كانت جانباً مضيئاً له في غربته في فرنسا .. كما أنه في تلك الفترة التقى بصديقه «حمودة بن الساعي» الذي كان للقائه به تأثير كبير عليه.

مشاركة مالك بن نبي في الثورة الجزائرية من القاهرة

    بقي مالك في باريس من عام (1939م-1956م)، ثم ذهب إلى القاهرة للمشاركة في الثورة الجزائرية من هناك. وفي مصر كانت مرحلة أخرى له مع التأليف وإتقان اللغة العربية وعقد الحلقات العلمية المفتوحة لجميع الطلبة في منزله بالقاهرة، حيث تتم مناقشة مؤلفاته وشرح أفكاره حيث تأثر بها عدد كبير من الطلبة العرب والمسلمين الذين كانوا يتلقون تعليمهم في القاهرة، إذ أن المناقشات والتحليلات الدقيقة لمشكلات العالم الإسلامي كانت توقظ أذهان العديد من الطلبة وتوضح لهم الحقائق وكانت معظم الموضوعات التي تناقش حول مشكلات الحضارة. وتعتبر فترة وجود مالك بن نبي في مصر من أغنى مراحل عطائه الفكري الذي ألف فيها العديد من الكتب بالإضافة إلى ترجمة البعض الآخر من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية.

   كما أن محاضراته ومناقشاته مع العديد من المفكرين والمثقفين المصريين والعرب ساعدت على ظهوره في الحياة الفكرية ليس فقط في مصر بل في العالم العربي وأثناء إقامته في مصر قام بزيارة سوريا ولبنان وألقى فيهما عدداً من المحاضرات وفي جولة أخرى زار المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا.. وبقي في مصر يحاضر ويناقش ويؤلف إلى عام (1383هـ – 1963م) حيث عاد إلى الجزائر وقد تم تعيينه مديراً عاماً للتعليم العالي..

   وكان مالك قد تزوج أثناء إقامته في القاهرة بسيدة جزائرية.. أنجبت له ثلاث بنات هن: نعمة وإيمان ورحمة. ثم انتقل إلى الجزائر عام (1963م) – بعد الاستقلال – حيث عيّن مديراً للتعليم العالي، ولكنه استقال من منصبه عام (1967م) وانقطع للعمل الفكري وتنظيم ندوات فكرية كان يحضرها الطلبة من مختلف المشارب، وكانت النواة لملتقى الفكر الإسلامي الذي يُعقد كل عام في الجزائر. وظل مالك بن نبي يُنير الطريق أمام العالم الإسلامي بفكره إلى أن توفى في 31 أكتوبر عام (1973م).

مؤثرات البناء الفكري

   إن البناء الفكري لأي مفكر أو عالم لا يبدأ من فراغ فلا بد من المؤثرات الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية أو بعض الأعمال الفكرية التي تسهم في نمو هذا التفكير. ولقد أوضح المفكر المسلم مالك بن نبي في العديد من مؤلفاته وفي مذكراته التي أطلق عليها عنوان «مذكرات شاهد للقرن» أن هناك مواقف صادفته في طفولته وشبابه سواء في المنزل أو الشارع أو المدرسة كان لها تأثير عميق في حياته وبعض هذه المواقف دفعته إلى تغيير تخصصاته الدراسية وبالتالي تغيير خطط حياته كما أن هناك العديد من الأعمال الفكرية التي تركت بصماتها في فكره فقد كان غزير القراءة يقرأ في كل مجال وقد بدأ في القراءة منذ أن كان صغيراً بالمدرسة الابتدائية، أما في المرحلة الثانوية فقد بدأت الصياغات الأولى لفكرة تأخذ اتجاهين:

«الأول»: الارتباط بالإسلام وتراثه

«الثاني»: الانفتاح على الحضارة الغربية وعلومها

     قرأ مؤلفات الشيخ أحمد رضا والشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن الكواكبي واطلع في الفترة التي قضاها في قسنطينة -وتعد من أبرز الفترات في حياته وتفكيره ليس بتأثير أساتذته فقط بل بإطلاعه- على مختلف المؤلفات الأدبية والتاريخية والفلسفية والاجتماعية مما أثر في عمق تفكيره وشمولية معرفته.

    فقد اطلع على ألوان من الأدب العربي القديم كشعر امرئ القيس والشنفري وعنترة والفرزدق وأيضاً في الشعر الحديث لحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي.

    ويعتبر التراث العربي الإسلامي ومنابعه الأولى وخاصة «القرآن الكريم» الباعث الروحي الذي يمثل الأساس الأول في تكوين مالك وقد وضع في القرآن أول مؤلف له وهو «الظاهرة القرآنية» ومن المؤلفات التي أثرت في مالك «مقدمة ابن خلدون» حيث استمد منها نظريته في الدورة الحضارية وعن التغيير الاجتماعي من دورة الدولة عند ابن خلدون وان اختلف عنه في أنه لم يقف عند أحد نتاجات الحضارة وهي (الدولة) بل استقرأ الواقع الاجتماعي الإسلامي التاريخي والمعاصر ومحاولاته للوصول إلى الحضارة وبين كيفية العودة بالمجتمعات إلى مرحلة الحضارة وإمكان ذلك بإدراك شمولها ومراحل تطورها بصفتها واقعة اجتماعية.

   أيضاً قرأ مالك مؤلف «ازوالد اشبنجلر» (تدهور الحضارة الغربية) ومؤلف «ارنولد توينبي» (دراسات التاريخ) وتأثر بهما واخضع هاتين الدراستين للعديد من التحليلات الصحفية في مؤلفه (شروط النهضة).

واطلع على كتابات المستشرقين عن الإسلام مثل كتاب «أوجين يونج» (الإسلام بين الحوت والدب)، وكتاب «ايزابيل هارت» (تحت ظلال الإسلام الدافئة) كما تأثر مالك بعدد آخر من الفلاسفة والمفكرين الغربيين مثل «نيتشه» وكان قد قرأ كتابه (هكذا تكلم زرادشت) وقد شغله فكرياً كما يقول.. وقرأ لـ «كانت» وتأثر به وظهر ذلك واضحاً من خلال فكرة مالك عن (الواجب والحق) التي احتلت مكاناً بارزاً في كتاباته.

وعلى الرغم من القيادات الفكرية والأيديولوجية التي كانت سائدة في قسنطينة أثناء دراسة مالك فيها إلا أن مالك كان أقرب إلى التيار الإصلاحي وأثناء وجوده في باريس كان الحي اللاتيني يموج بالعديد من التيارات الفكرية والمذاهب إلا أن مالك كان يدعو إلى الإسلام .. والقارئ لفكر مالك يلمس عمق إيمانه وقوة عقيدته واستقامة منهجه السلوكي والفكري.

   إن ما يميز مالك كمفكر أنه يدين بالفضل في تكوينه النفسي والفكري إلى عدد كبير من الأشخاص وليس فقط العلماء والمفكرين والأدباء والأساتذة أمثال «حمودة بن الساعي» والشيخ محمود شاكر في القاهرة، حيث أفاده في مجال اتقان اللغة العربية والاطلاع على مصادر التراث الإسلامي وتعريف مالك بالعديد من العلماء والأدباء ورجال الفكر في مصر.

أما «حمودة بن الساعي» فقد كان تأثيره عميقاً في بناء مالك النفسي والفكري منذ أن تعرف عليه في باريس أثناء دراسة حمودة بن الساعي للدكتوراه حول الإمام الغزالي في جامعة السوربون فأخذ مالك معه إلى عالمه الفكري بحكم تخصصه في العلوم الإسلامية واهتمامه شخصياً بالإصلاح…وكان مالك يطلق عليه صفة (معلمي) تقديراً له ولدوره في تكوينه الفكري وتشجيعه له لكتابة أول مقالة له بعنوان «خطاب مفتوح للضمير العالمي» وعلى إلقاء محاضرته «لماذا نحن مسلمون؟» وكان يحضر معه المحاضرات المفتوحة في جامعة السوربون التي يقدمها كبار الأستاذة في مختلف الموضوعات.

ومن الشخصيات التي كان لها دور تربوي عظيم في نفسه وسلوكه (جدته لأمه) وهي امرأة صالحة أخذت بيده طفلاً في عالم الخير والقيم المعنوية الإسلامية بما يتناسب وإدراكه وبما يتفق والتربية الصالحة ولقد أدت دور المربي الأول الذي صاغ رؤياه الأولية نحو القيم الأخلاقية وأيضاً من حكاياتها عند الاستعمار كانت البذور الأولى لمأساة الاستعمار والاحتلال الأجنبي تجد طريقها في عقل ذلك الطفل وأيضاً والدته كان لها تأثير عميق في نفسه وقد حزن حزناً شديداً عليها عند وفاتها.

أيضاً في دائرة تأثير المرأة في حياته من جدته ووالدته نجد أن دور زوجته الفرنسية المسلمة «خديجة» كان واضحاً فكما يقول عنها إنها أخذت بيده إلى عمق الحضارة الأوروبية معايشة وواقعاً وفكراً وذوقاً وجمالاً.. وفي مثل هذا المناخ الاجتماعي داخل المنزل وخارجه كان مالك يكتسب تطوراً نفسياً جعله ينفر من الأشياء التي تخالف الذوق الجمالي وهو يفسر هذا بقوله:

(إن الاستعدادات التي تدفعني إلى هذا الموقف كانت أصيلة في نفسي وإنما وجودي في فرنسا ومعايشتي لزوجتي طورت هذه الاستعدادات الوراثية إلى أفكار اجتماعية خاصة).

 ويقول في موقع آخر من مؤلفاته يوضح عمق تأثير زوجته في شخصيته: (مضت زوجتي تتفنن من أجل توفير جميع وسائل الراحة لي داخل البيت حتى من الناحية الفكرية، إذ كانت تأتي على الأشياء التي أشاهدها في عالمنا الجديد بشهادة من يعرفها من داخلها، لقد كنت أرى في تلك الأشياء القيم الحضارية التي أصبحت الشغل الشاغل بالنسبة لي من الناحية النظرية ولكن زوجتي ألبستها لباسها وصيرتها ملموسة أمامي، لقد أصبحت في الحقيقة أعيش في الورشة المختصة بالجانب التطبيقي لملاحظاتي عن البيئة الجديدة، وبصياغة توقعي واستطلاعي الشخصي تجاهها، سواء من حيث الفكر والسلوك أو من حيث ما أزكي من فضائلها وما أرفض من رذائلها).

هذه الشهادة من مالك بن نبي لدور جدته ووالدته وزوجته مهمة لإبراز كم للنساء من آثار عميقة في بناء الأسرة والأبناء.. أيضاً ما يتعلق بزوجته «خديجة» وخصوصاً لمن يتعمق في معظم ما كتب عنها نجد أن استقراء مالك للحضارة الغربية لم تكن انبهاراً واستحواذاً كما يحدث للبعض!! ولكنه معايش وواقع عملي مكنه من التعمق في الثقافة الأوروبية وسبب لتحرره من نفوذها ومعرفته لمصادرها ومواردها ودوافعها الخفية وبواعثها العميقة، كما أنه يتميز عن كثير من المفكرين الذين عادوا من أوروبا في تلك الفترة؛ فلم ينحرف مع التيار الجارف الذي كان سائداً ولم يحدث عنده تحول نوعي في أفكاره وآرائه كما حصل للبعض في مرحلته.. وكما يحدث للبعض في واقعنا المعاصر الآن!!

السمات الفكرية لابن نبي

تميزت كتب الأستاذ مالك في عمومها – موضوعاتها ومصطلحاتها ومفرداتها – ببصمات خاصة، فجاءت كتبه تحمل عناوين جديدة ومضامين جديدة لم يعرفها الفكر العربي والإسلامي الحديث بالدقة التي تمت بها معالجته لموضوعات تلك الكتب، ومن أهم معالم التجديد في فكر مالك بن نبي، أنه تجاوز الأساليب التقليدية لدى الباحثين الإسلاميين، وهي الأساليب التي تبحث في العقائد والعبادات والمعاملات والأدب والتاريخ والسياسة، وتحاول أن تنقى الفكر الإسلامي من بعض الأخطاء والتفسيرات التي سادت في عصور الانحطاط…تلك المحاولات كانت تعالج قضايا تحيط بالإنسان المسلم، والمجتمعات الإسلامية، أي أنها تتعامل مع العالم الخارجي أكثر من تعاملها مع عناصر التغيير الداخلية، تغيير الأفكار والنفوس طبقا لقوانين التغيير الاجتماعي.

لكن «مالك بن نبي» الذي أتقن اللغة الفرنسية، وتثقف بها، وعاش بضميره الإسلامي، والذي كان يعانى من وطأة الاستعمار الأوروبي لبلاده الجزائر، كان يفكر برؤية أكثر عمقا وشمولا وتحديدا، وعنده أن الإصلاح والنهوض الفعلي يبدأ من تغيير الإنسان المسلم، والتغيير الأهم ينطلق من الفكر، وعنده أن (الحضارة ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية) تدفع بالمجتمع نحو دوره التاريخي الحضاري. وهو الذي شد انتباه قرائه إلى البعد النفسي والاجتماعي لقانون التغيير كما جاء في الآية القرآنية: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11].

إن كثيرين يستشهدون بهذه الآية في كتاباتهم وفى خطبهم، غير أن «مالك بن نبي» يظل صاحب التجليات الفكرية الأكثر عمقا ووضوحا، فيضع تلك الآية كأحد قوانين التغيير الاجتماعي وكأحد شروط النهضة، ولا ينسى أن ينبهنا ألا نتعامل مع نص هذه الآية حسب إيماننا بها فقط، بل يجب أن يتم ذلك في ضوء التاريخ، وفهم حركة التاريخ وما يجسده من خصائص اجتماعية ودينية واقتصاديه وغير ذلك من مكونات المركب الحضاري الذي تبلغه الأمم بعد مسيرة طويلة أهم عناصرها: الإنسان وأفكاره المبدعة وقدرته على استثمار الوقت استثمارا ايجابيا.

ومالك بن نبي صاحب مفهوم «القابلية للاستعمار» الذي اشتهر شهرة بالغة ويعني: مجموعة الصفات البنيوية التي تسهل على الاستعمار مهمته الاستيلائية. وهو مفهوم شديد الجاذبية حيث يبدو كأنه يلخص نصف مشكلة الاستعمار، فهو يطلب منا إلقاء الضوء على العيوب الداخلية في بني المجتمعات التي وقعت ضحية الاستعمار، بعد أن كان التركيز المعتاد لحركات التحرر ينصب أساساً على الدور الذي قامت به القوى الاستعمارية في تأبيد التخلف أو حتى صناعته بعد إذ لم يكن موجوداً.

ولكن ابن نبي في جميع الأحوال كان رجلاً غيوراً على المسلمين وما كان يبتغي من هذا المفهوم إلا حث إخوانه في الدين على نفض غبار التقاعس والكسل العقلي والجسدي والنهوض لبناء حضارة الإسلام من جديد، حضارة قوية لا يستطيع الاستعمار اختراقها.

ولم يقعد مالك بن نبي معقدا سلبيا أمام الحضارة الغربية فلم يشعر بالنقص والدونية أو التفوق تجاه الغرب، بل اهتم بقضية إحياء الحضارة العربية الإسلامية ويقظة العالم الإسلامي ــ الذي هو خارج التاريخ ــ فدرس قضية النهضة باحثا أسباب التخلف والانحطاط المنتشرين فيه، ومتأملا ما اقترحه التيار الإصلاحي، والتيار الحداثي، فالأول طرح قضية إصلاح العقيدة، والثاني ركز على استيراد كل ما هو غربي. لكن يختلف مالك بن نبي عن الإصلاحيين في تقويمه لتخلف المسلمين، إذ يرى أنهم لم يفقدوا إيمانهم بل فقدوا مهمته الاجتماعية، بينما الحداثيين ربطوا التقدم باستيراد الأشياء وحصروا التخلف في العقيدة الإسلامية.

أما غالبية أفراد العالم الإسلامي فلم يكن مشروعهم واضح وله أهداف واضحة ومحددة للنهضة ليجابهوا تلك المشاكل الحضارية بحلول جدية. فشاع عند المسلمين التواكل، وأن مجتمعاتهم مكتملة لما بلغته من روحانيات، بينما عند ابن نبي البناء الثقافي يجب أن يؤسس على المبادئ الأخلاقية، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والتقنية .. فبهذا أراد بحث العناصر الأساسية للشروط النفسية والثقافية لتجنيد المجتمع. فمفكرنا ينظر إلى انحطاط المسلمين من الطريقة التي طبق بها الإسلام وليس نتيجة لهذا الدين في حد ذاته.

ولعل ما مّيز فكر مالك بن نبي وإنتاجه الأدبي تكوّنه المزدوج بين الثقافتين الغربية والعربية الإسلامية نتيجة لما كان يسود الجزائر من صراع بين الثقافتين التي كانت تجسد التصادم بين الانتماء الحضاري من جهة والرغبة في التطور من جهة أخرى.

وقد ترك ذلك أثرا بالغا في نفسه وفي كتاباته التي تتميز بالتزاوج بين المصدرين. فبجانب الاستدلال من التراث والتاريخ الإسلاميين مثل حادثة عمر بن الخطاب مع المرأة التي جادلته في الصداق، وحادثة صفين بين علي ومعاوية، نجد الحديث عن مفكرين معاصرين في أوربا والعالم مثل البريطاني «تونبي» والألمانيان «كيسرلنج» و «شاخت» وأعمال الهندي «ماهاتما غاندي« وغيرهم.

وبجانب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي كان يستدل بها في نصوصه والتي تلقاها في الزوايا والمدارس الأهلية، نجد المعادلات الرياضية والتفسيرات الفيزيائية والكيميائية للظواهر الاجتماعية التي تنم عن فكر رياضي وتقني دقيق وحاد. وقد كان في هذا الجانب لرصيده التعليمي في مجال الهندسة الكهربائية بدون شك أثر في استعارته تلك الوسائل الرياضية والمعايير الحديثة من بيانات إحصائية ودوال ومعادلات غيرها.

ويمكن اعتبار الإطار العام لفكر مالك بن نبي «مسألة الحضارة»…فقد عنون جميع مؤلفاته تحت شعار كبير هو «مشكلات الحضارة». وتكاد محاوره الفكرية تكون واضحة من خلال العناوين الفرعية التي اختارها لكتبه التي تزيد عن العشرين كتابا.

ففي فترة ما يقرب من عشرين سنة من التأليف (1946-1967م) أخرج إلى النور: «شروط النهضة» «وجهة العالم الإسلامي» «مشكلة الثقافة» «الصراع الفكري في البلدان المستعمَرة» «البناء الاجتماعي الجديد» «ميلاد مجتمع» «تأملات في البناء الجديد» «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» «الظاهرة القرآنية» «المسلم في عالم الاقتصاد» «الفكرة الإفريقية الآسيوية» وغيرها من الكتب.

ولذلك فيمكن توزيع أعماله على عدة مجالات علمية أهمها فلسفة التاريخ والسياسة الثقافية والاقتصاد وعلم النفس الاجتماعي والفكر الإسلامي. وكما توزعت أعمال على مختلف المجالات كذلك توزعت جغرافيا في عدة عواصم ابتداء من الجزائر وباريس ثم القاهرة ودمشق وبيروت.

قراءة ناقد في فكر مالك بن نبي

من أجمع ما كُتب في هذا الموضوع بحث للأستاذ «محمد العبدة » بعنوان «قراءة في فكر مالك بن نبي» نشرته مجلة البيان ننقله بنصه، حيث يقول:

إذا عُدَّ المفكرون من المسلمين في هذا العصر فإن «مالك بن نبي» هو من هذه القلة الذين ينطبق عليهم هذا الوصف؛ فالمفكر هو الذي يدرس ويتأمل ويقارن، ويحلل المشكلة إلى أجزائها، ثم ينسق ويركب ويجتهد في إيجاد الحلول.

وقد ترددت كثيراً قبل الكتابة عن مالك بن نبي؛ لا لأنه عميق الغور، غوَّاص في البحث والتنقيب، أو لأن تتبع آرائه وأفكاره يحتاج إلى جهد، بل لأنه يطرح أفكاراً وآراءً لا تتناسب مع عمق تفكيره، يقف الإنسان أمامها حائراً: من أين جاءته؛ وما هي الخلفية الثقافية التي جعلته يتبنى هذا الرأي أو ذاك؛ وهل هو مؤيد أم معارض؟ وقد كان ذلك التردد وإعادة القراءة مرات ومرات حتى لا نظلمه، وليستبين الحق وتتضح الصورة، وتحل الإشكالات .

إن الكتابة عن مالك بن نبي ضرورية للأجيال التي يجب عليها أن تتعرف على ما كتبه أصحاب الخبرة والتجربة في مجال الصراع الفكري المحتدم بين أوربا المستعمرة والعالم الإسلامي منذ نهاية القرن الثامن عشر، فلم يعد من المجدي طرح الحلول العامة والعائمة ولابد من الدخول في التفاصيل، ومعرفة أسباب الفشل وأسباب النهضة، ولكن العجب لا ينقضي عندما ندرك أننا في كثير من الأحيان لا نستفيد مما كتبه السابقون لنا الذين تصدوا للإصلاح في أوائل هذا القرن.

شهادة الشيخ محمود محمد شاكر – في تقديمه لكتاب «في مهب المعركة»

يقول الأستاذ الشيخ محمود محمد شاكر – في تقديمه لكتاب «في مهب المعركة» مصوراً هذه الظاهرة: «فإذا نحن نرى أنفسنا في ضوء ما كَتب قديماً، كأننا لم نتقدم خطوة في فهم البلاء الذي ينزل بنا ولا يزال ينزل، وأشد النكبات التي يصاب بها البشر نكبة الغفلة…».

      ولمالك مشكلة خاصة في انصراف بعض الشباب المسلم عن قراءة إنتاجه الفكري، وهي إحدى الأسباب وليست السبب الوحيد على كل حال ؛ فقد كتب سيد قطب رحمه الله:

      (لقد كنت أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان «نحو مجتمع إسلامي متحضر» ثم عدت في الإعلان التالي عنه فحذفت كلمة «متحضر»، ولفت هذا التعديل نظر كاتب جزائري (يكتب بالفرنسية) ففسره على أنه ناشئ عن (عملية دفاع نفسيه داخلية عن الإسلام) وأسف لأن هذه العملية – غير الواعية – تحرمني مواجهة المشكلة على حقيقتها.

      أنا أعذر هذا الكاتب … لقد كنت مثله من قبل … كانت المشكلة عندي –كما عنده اليوم- هي مشكلة (تعريف الحضارة) .. ثم انجلت الصورة (المجتمع المسلم) هو (المجتمع المتحضر). وفهم الشباب المسلم أن هذا الكاتب الجزائري واقع تحت ضغط آتٍ من مصادر أجنبية، فكان ذلك سبباً لابتعادهم عن قراءة فكر مالك، ولكن القضية هي قضية مصطلحات ؛ فمالك يتكلم عن المجتمع الإسلامي الموجود وأنه يحتاج إلى رفعه إلى مستوى الحضارة حتى يستأنف دوره – وطبعا لا يعني هنا الحضارة الغربية وإنما الحضارة بتعريفه هو – وسيد يتكلم عن المجتمع الإسلامي المنشود وأنه إذا وُجد فثَم الحضارة، والإسلام هو الوحيد الذي ينتج حضارة متكاملة، ولاشك أن سيداً – رحمه الله – أنقى وأوضح تصوراً وفكراً، وهو ينظر إلى الحضارة الغربية من علٍ ؛ لأنه المسلم المتميز بعقيدته وتصوراته، ولكن مالكاً هنا يبحث في التفاصيل والجزئيات، وكيف يركبها لينتقل بالمسلم من حالة التخلف والركود إلى حالة (الإقلاع) للدخول في دورة الحضارة مرة ثانية، وسيد يرى استيراد النظريات العلمية (مجردة) ومالك يقول: هذه الأشياء المستوردة هي نتاج حضارة وثقافة، هذه الأشياء صنعها علم النفس وعلم الاجتماع أيضاً، ولذلك سواء استوردناها أو صنعناها لابد أن تكون هناك ثقافة تحيط بها حتى تضعها في مكانها المناسب، وحتى لا تتحول إلى (تكديس) وهذه الثقافة هي الثقافة الإسلامية .

      إن ظاهرة انصراف بعض الناس عن فكر معين – بسبب كلمة تقال من عالم مشهور – ليست جديدة ولا غريبة، فعندما ترجم أحد العلماء للمؤرخ ابن خلدون؛ تكلم فيه وانتقد عليه بعض التصرفات الشخصية عنده، فكان ذلك من أسباب إعراض الناس عن (المقدمة) التي تعتبر أعظم ما أنتجه المسلمون في علم الاجتماع وفن النقد التاريخي، ولمالك إيجابيات كثيرة سنتكلم عنها إن شاء الله، وله أخطاء، ولابد من عرض كليهما حتى يتبين وجه الصواب لمن أراده، وهو واضح جلي والحمد لله.

    ويتابع الحديث عن الأسباب الاجتماعية: (فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لا شعورياً في نفسي نوعاً من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة التي كان الشيخ العربي ينتمي إلى واحدة منها) .وكنت أعتقد أنني أقرب إلى الإسلام بالبقاء قريباً من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يحيط به وسط متحضر، وكان الشيخ العقبي يبدو في ناظري بدوياً، بينما يبدو الشيخ ابن باديس بلدياً، فقد تبين لنا أسباب جفائه لزعماء جمعية العلماء وهو شاب، أما عندما نضج فكرياً فسيكون له موقف مبني على أسس عنده.

   عاد إلى فرنسا في مطلع الحرب العالمية الثانية مودعاً الجزائر بهذه العبارة: (يا أرضاً عقوقاً! تطعمين الأجنبي وتتركين أبناءك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرة !)، وبقي في فرنسا حتى عام (1956م) أصدر فيها باللغة الفرنسية: (الظاهرة القرآنية)، (شروط النهضة)، (وجهة العالم الإسلامي)، (الفكرة الإفريقية الآسيوية).

   زار مصر عام (1956م) وبقي فيها حتى عام (1963م)، وكان له في مصر تلاميذ وأصدقاء، وزار خلالها سورية ولبنان ألقى فيها المحاضرات حول موضوع (مشكلات الحضارة)، وفي القاهرة أصدر: (حديث في البناء الجديد)، (مشكلة الثقافة)، في مهب المعركة، (تأملات في المجتمع العربي).

شخصيته:

   يجتمع في مالك بن نبي خطان رافقاه طوال حياته، فهو شخصية عاطفية، خيالية أحياناً، يفكر بأحلام الفلاسفة ويهيم بالتجريد. يقول عن نفسه: (أنا شديد التأثر بالحدث، وأتلقى صدمته بكل مجامعي وبانفعالية تستطيع أن تنتزع مني دموع الحزن حين يثير الحدث الحبور من حيث المبدأ)، وقد         بكى عندما اندحر الجيش الفرنسى أمام ألمانيا عام (1940م) مع أنه يكره الاستعمار الفرنسى، ويعلق هو على هذا التصرف: (رأيت في ذاتي عنصراً آخر كشف كل التعقيد في ضمير مسلم) ولم يوضح ما هو هذا العنصر الآخر ولكن يبدو لي أنه عدم التوازن بين القيم الأخلاقية وأيها يصلح لتطبيقه على الحدث، وعندما سمع حديث والدته وذكرياتها عن الحج لم يستطع حبس دموعه فكان يتظاهر بالعطش ليخرج إلى الشرفة فيطلق العنان للدمع.

     هذه العاطفة أنتجت له شخصية حالمة أحياناً، فعندما يسمع ويقرأ عن شاعر مثل (طاغور) تتفتح أمامه الأحلام عن الشرق وأن الإنقاذ ربما يأتي من روحانية الهند كما يسميها، وعندما يسمع بأنباء الخلاف بين الملك عبد العزيز آل سعود وإمام اليمن يكتب رسالة إلى سفارة اليابان يدعو حكومتها للتدخل باسم التضامن الآسيوي لمساعدة ابن سعود حتى لا تتمزق الجزيرة العربية، وطبعاً لم يستجب (الميكادو) لطلبه!.

    في الجانب الآخر نجد شخصية مالك الناقد المحلل الذي يمتلك القدرة الفائقة على النفاذ لأعماق المشكلة وبيان أسبابها، من خلال النظرة العلمية الصارمة، ومن خلال اطلاع واسع على الثقافة الغربية وكيف تنشأ الحضارات مع معرفة بواقع المجتمعات الإسلامية من خلال معرفته الشخصية بالمجتمع الجزائري، وهو في مقارناته وتحليلاته يشبه سلفه المغربي المؤرخ ابن خلدون، حيث تلتقط الذاكرة كل جزئية وكل حادثة ثم يبدأ التحليل والمقارنة ثم يخرج بالنتائج التي يرتضيها، يقول عن سكان (أفلو) عندما عمل عندهم كمساعد في المحكمة:

      «فملكية الإنسان لأرض ما تخلق في نفسه غرائز اجتماعية قد سلم منها الراعي، ففي دعوى أمام القضاء في (تبسة) يستطيع كل فريق أن يقدم عشرة شهود زور بالمجان، وشهود كل واحد من الطرفين سيحلفان أنهما يقولان الحقيقة، أما في (أفلو) فقد لاحظت الرجل يرفض غالباً أن يحلف ولو كان ذلك لدعم حقه الواضح».

وعندما أراد القيام بعمل علمي مشترك مع صديقه (ابن الساعي) فشلت المحاولة؛ فعلق قائلاً: «ولم أكن أعلم أن العمل الجماعي بما يفرض من تبعات إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع الإسلامي ثم لم يسترجعها بعد خصوصاً بين مثقفيه».

هذان الخطان استمرا في حياة ابن نبي، فالعاطفة التي تجمح إلى الخيال أحياناً جعلته يعقد في الخمسينات آمالاً كباراً على «مؤتمر باندونغ» وظن أنه سيحل مشكلة العالم الثالث، ومن رفات (غاندي) سينطلق يوماً انتصار اللاعنف ونشيد السلم العالمى. كما استمر النقد التحليلى للمجتمع الإسلامي ومواطن الضعف فيه فتكلم عن الذين يظنون أن الإصلاح يبدأ من (علم الكلام) كالشيخ محمد عبده، يقول: «إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده ونملأ به نفسه».

ويكتشف مالك جرثومة المرض، فالذين تركوا الطواف حول القبور وأخذ البركات من الدرويش لم يستطيعوا الاستمرار فتحولوا إلى الطواف حول وثن جديد وهو وثن الأحزاب السياسية والانتخابات، ولأن العمائم أسلمت القيادة إلى (المطربشين) ؛ لأن العلماء لم يكونوا على جانب من الخبرة بوسائل الاستعمار في مجال الصراع الفكري حتى يفطنوا إلى هذا الانحراف (الغوغائية السياسية).

الاستعمار والصراع الفكري

   إن عرض مشكلة الاستعمار يبدو أكثر أهمية إذا علمنا أنه ركز هجومه على العالم الإسلامي، بينما كان أقل شراسة ولؤماً مع الشعوب الأخرى، وحاول إجهاض أي عمل إسلامي مثمر، واستخدم أخبث الوسائل ومنها الوسائل الفكرية.

ومالك بن نبي وإن كان ممن لا يعلقون أخطاء وتقصير المسلمين على شجب (الاستعمار) وحده بل يهتم بالعوامل الداخلية، ويرى أنها الأساس في البحث والتحليل، إلا أنه خبير بخفايا هذا الاستعمار ومواقفه من قضايا المسلمين، لذلك جاءت ملاحظاته وتعليقاته على هذا الجانب فيها عمق ومعاناة، فقد قرأ الكثير وعانى الكثير من استعمار فرنسا للجزائر، وهو يرى أننا إذا أردنا أن نتقصى الحركة الاستعمارية من أصولها فلا بد أن ننظر إليها كعلماء اجتماع لا كرجال سياسة، فظاهرة الاستعمار من طبيعة الرجل الأوربي، فكلما وقع اتصال بين الأوربي وغير الأوربي خارج إطار أوربا فهناك (موقف استعماري) بينما نجد في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية أن رحلات ابن بطوطة وأبو الفداء والمسعودي لم تثر شهيتهم للاستعمار.

 ورحلات مثل هذه تثير شهية الأوربي، إن تحليل (منوني) الكاتب المتخصص بنفسية الاستعمار، يقول: «إن الأوربي يحب عالم دون بشر» ولو قال منوني إن الأوربي يحب عالم دون شهود على جريمته لكان هو الصواب.

وحتى بعض الأفراد الغربيين الذين يشاركون في المعركة ضد الاستعمار إنما يشاركون مادامت في النطاق السياسي، وسرعان ما ينعزل عنها حينما تأخذ طابع الصراع الفكري، فالرجل المستعمَر لا يحق له الدخول في الميدان الفكري.

وفي ميدان الصراع الفكرى وخاصة مع الشباب المسلم الذي يدرس في الغرب نرى الاستعمار يستخدم بخبث منطق الفعالية وخلاصته: (بما أننا نحن المسيطرون ونحن الأقوى إذن فأفكارنا صحيحة). (ويعتبر هذا اللبس المفروش في أعماق نفسية هذا الشباب هو النواة التي تدور حولها جميع دسائس الصراع الفكرى ومناوراته). وقد يرفع الاستعمار أمام أعين المستعمرين شعاراً صحيحاً وهو يعلم أن المستعمرَ سيرفضه لأن الذي رفعه عدو، وبهذا يكون قد صرفه عن عمل إيجابي قد يفكر فيه في المستقبل.

يروي مالك بن نبي تجربة من تجاربه فيقول: «انعقد في باريس مؤتمر العمال الجزائريين بأوربا، وبهذه المناسبة تقرر من لدن المشرفين على المؤتمر توزيع كتيب لصاحب هذا العرض تناول فيه مشكلة من مشاكلنا اليوم، ولكن أصحاب الاختصاص في الصراع الفكري لم يفتهم أن يسدوا الطريق على الأفكار المعروضة، ولذا وجهت الدعوة إلى السيدة الألمانية التي كتبت «شمس الله تشرق على الغرب» وفيه مدح وتمجيد للحضارة الإسلامية، وتقدمت السيدة وقدمت كتابها للمؤتمر، فانتقل على الفور بروحه من مجال المشكلات إلى أبهة وأمجاد الماضي الخلاب»  .

ومن وسائله الماكرة، التي لا يزال يتقن استعمالها رميه للمسلم بشتى الاتهامات، بل يحاول الإيحاء بأن المسلم منبوذ القرن العشرين، وفي هذه الحالة يصبح سلوك المسلم ردود أفعال، وترفع عنده توتر طاقات الدفاع حتى يكون في حالة توتر شاذة، ويعيش إما مُتهِماً أو مُتَهماً، وفي هذه الظروف فإن مختبرات الاستعمار تصرف كل إمكانيات المسلم إلى معارك وهمية، يُسمع فيها قعقعة السلاح ودوي الحرب ولكنها معارك مع أشباح، والمسلم يظن أنه انتصر ويرتاح نفسياً، والتاريخ الإسلامي الحديث لا يخلو من هذه المعارك الوهمية كتلك التي خاضها الأفغاني ومحمد عبده ضد أرنست رينان وجبرايل هنوتو، والمشكلة ليست في الدفاع عن الإسلام ولكن في تعليم المسلمين كيفية الدفاع عن أنفسهم .

لقد تدخل الاستعمار في كل شيء حتى لا يترك فرصة لأي بعث إسلامي، فكانت الإدارة الفرنسية في الجزائر هي التي تعين المفتي والإمام لا طبقاً لمشيئة جماعة المسلمين بل تبعاً لهوى المستعمرين، وبذلك تجمع في يدها أنفذ وسائل الإفساد، فاختيار رجل يؤم الناس في المسجد لا يكون بناء على تميزه بضمير حي أو علم بأصول العقيدة، بل يراعى في ذلك ما يقدمه للإدارة من خدمات، حتى كأنه (جاويش) صلاة، ولا شك أن هذا التحكم في شعائر الدين مما يقض مضاجع أصحاب العقائد من المؤمنين لما يرون من أحداث غاية في الفساد: إمام جاسوس، ومفت فاسد، وقاض مرتش، وغاية الاستعمار أن يجعل من الإسلام صورة عجيبة، وبذلك يكدس العقبات والعوائق على طريق النهضة الإسلامية) .

دور الاستشراق

كان للمستشرقين دور بارز في محاولة تشويه وتزييف التاريخ الإسلامي والطعن في الإسلام نفسه، ولكن مالك بن نبي يركز على ناحية معينة في إنتاجهم كان لها أثر نفسي سيء في أذهان المسلمين. فبعض المستشرقين خلطوا في كلامهم بين المدح للإسلام وبين وضع السم في الدسم، هذا المدح جعل بعض المسلمين يستسلمون لنزعة الفخر والعيش مخدرين على أمجاد الماضي، وكل من أراد الدفاع عن الإسلام استشهد بكلام لأحد المستشرقين، ( وهكذا يتبين لنا أن الإنتاج الاستشراقي بكلا نوعيه ( المادحون والمفندون ) كان شراً على المجتمع  الإسلامي )   ( وعندما يعلن الاستشراق أنه لا نصيب للعرب في تشييد صرح  العلوم، ربما يؤدى بنا هذا الموقف المتطرف إلى تلافيه بسطحية نشاهد أثرها في إنتاج بعض المفسرين مثل طنطاوي جوهري )    وهو التفسير الذي حول القرآن إلى مادة للعلوم، والقرآن يوجد المناخ العقلي والنفسي للروح العلمية وليس هو كتاب جغرافيا أو فلك أو أحياء..  وأخيراً لابد أن نعلم أن المكر السيئ يحيط بأهله ( فالاستعمار الذي يهلك المستعمَرين مادياً يهلك أصحابه أخلاقياً، وذلك ما يشهد به تاريخ أسبانيا منذ اكتشاف أمريكا )

(إن الأمم الاستعمارية على الرغم من إدراكها لأخطار الاستعمار، تعمى عن هذه الأخطار كأن هنالك قدراً محتوماً يقضي على يقظتها ووعيها )  .

  ويجب أن نعلم أيضاً أنه رغم كل هذه العوائق، استطاع المسلم التفلت من الأنشوطة التي أراد الاستعمار عقدها حول عنقه، فما زالت فطرته وإسلامه يعطيانه القوة والدافع لتلمس الطريق الصحيح.

 ما هي نقطة البدء؟

الإقلاع:

الإيمان العميق بالمبدأ الذي يعتنقه المسلم هو نقطة البدء، هذا الإيمان الذي يعطيه قوة فوق قوته، واحتمالاً فوق احتماله، فيتغلب على المصاعب التي تعترضه، ويتحول هذا الإيمان إلى عاطفة قوية جارفة ( فالروح وحدها هي التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير الجاذبية الأرضية)   (فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل، ويفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان، فالإيمان هو المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية   والمسلم الذي يصل إلى درجة ( التوتر الروحي )  يشعر بالسعادة الغامرة عندما يبني أول مسجد في المدينة ويحمل (لَبنِتَيْن) بدلاً عن واحدة ) وفي هذه الحالة الروحية صبر بلال –رضي الله عنه- ولم تستطع قوة في الأرض أن تخفض إصبعه وهو يقول: ( أحد، أحد )  .

هذا الإيمان يصنع المعجزات، عندما تختفي الأنانيات ويشترك الجميع عن طواعية في بناء حضارة، وفي المجتمع الإسلامي الأول كان المنافقون وحدهم يتخلفون عن أي عمل فيه تعب أو نصب، وكل الكتب والمحاضرات والخطب لا تكفي لإنشاء أمة لا ترتفع إيمانياً وأخلاقياً إلى درجة عالية، كما جاء في الحديث عن جندب بن عبد الله قال: «تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً»  .

والقرآن الكريم وضع ضمير المسلم بين حدين هما: الوعد والوعيد، ومعنى ذلك أنه قد وضعه في أنسب الظروف وهذان الحدان ينطبقان على مفهوم الآيتين الكريمتين:

أ- { فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ }.

ب- { إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ}.

  وبين هذين الحدين تقف القوة الروحية متناسبة مع الجهد الفعال الذي يبذله مجتمع طبقاً لأوامر رسالة  .

يقول الدكتور (الكسس كاريل) معبراً عن هذه الحقيقة: ( فالأمل والإيمان والحمية تؤثر في الجسم تأثير البخار في العجلة المحركة )   ( وإذا نجحت إحدى الأفكار في تغيير سلوك البشر فذلك لأنها تنطوي على عناصر عاطفية إلى جانب العناصر المنطقية، إن الإيمان هو الذي يدفع الإنسان إلى العمل وليس العقل، والذكاء يكتفي بإنارة الطريق ولكنه لا يدفعنا إلى الأمام )  .

هذه الطاقة الإيمانية جعلت الفرد المسلم في عصر النبوة يقسم ثروته مع أخيه الذي هاجر إليه، فالمؤاخاة التي تمت بين المهاجرين والأنصار هي أول عمل تاريخي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده، ولولا قوة شبكة العلاقات الاجتماعية لما استطاع المجتمع الإسلامي الإقلاع باتجاه حضارة، وفي حالة تمزق هذه العلاقات قد توجد العوالم الثلاثة (الأفكار، والأشخاص، والأشياء) ولكنها لا تغني شيئاً، وقد يكون هناك مسلمون متحمسون وهناك أفكار ولكن الشبكة ليست قوية.

إن قصة المؤاخاة ليست خيالية، ولا هي أقرب للخيال، فالإسلام دين واقعي، وليس صعباً أن يحقق المسلمون شيئاً من هذه (المؤاخاة)، والآن توجد (إخوة  إسلامية) خطابية وعظية ولكن لا يوجد (مؤاخاة) عملية فعلية، من هنا المنطلق،  ومن هنا البداية.

الإقلاع باتجاه حضارة:

 التوتر الروحي، أو الإيمان العميق بالمبدأ الذي يعتنقه الإنسان، والاندفاع فيه والحماس له حتى يأخذ عليه مجامع نفسه ويملك عليه قلبه، هو بداية الإقلاع عند مالك بن نبي كما ذكرنا في نهاية المقال السابق، فلكي نبني حضارة، أو نعيد دورة الحضارة لابد أن نصل إلى هذا المستوى من الاندفاع في تطبيق الإسلام…يجب أن تعود شبكة العلاقات الاجتماعية لتربط العوالم الثلاثة (الأشخاص، والأفكار، والأشياء) والمقصود بشبكة العلاقات هو القدرة على التعاون والتنسيق بين هذه العوالم الثلاثة واستخدام الأفكار والأشياء في محلها -المطلوب منها، والأخلاق العالية التي في ظلها يستطيع المجتمع إنتاج حضارته، والمؤاخاة الحقيقية هي إحدى الدعائم الرئيسية للإقلاع، فالطاقة الروحية التي دفعت سعد بن عبادة لأن يقول: (يا رسول الله خذ من أموالنا ما شئت، وما أخذته منها أحب إلينا مما تركت) هي التي جعلت الصحابة يحفرون الخندق حول المدينة بأدوات بسيطة، وبأيام قليلة، وهي التي كانت وراء اعتراف المرأة الغامدية، وهي تعلم أن عقوبة اعترافها هو الرجم بالحجارة، وعندما تاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فرح المجتمع الإسلامي بأسره، فهو مجتمع متماسك وشبكة العلاقات فيه قوية.

هذه الطاقة ضرورية للبدء، لأن المسلم الآن قد لا يؤثر بالوسط المحيط به بقدر ما يتأثر هو بهذا الوسط.

في المجتمع الإسلامي الأول كانت شبكة العلاقات الاجتماعية على أعلى المستويات، وعندما أفل نجم هذا المجتمع في القرون المتأخرة كان مجتمعاً مليئاً بالأفكار (الكتب والمكتبات) ومليئاً بالأشياء، ولكنها لم تغن شيئاً لأن شبكة العلاقات كانت قد تمزقت وأصبح عالم الأشخاص عاجزاً عن أي نشاط مشترك، وهذا هو الذي أشار إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل».

كيف نعيد الفاعلية للمسلم ؟ كيف نؤلف بين العوالم الثلاثة ( الأشخاص  والأفكار والأشياء) بانسجام وتوازن ؟ كيف نعالج أكبر مرض يصيب العلاقات الاجتماعية ألا وهو مرض حب الذات أو تضخم (الأنا) عند الفرد؟.

لا تعود الفاعلية للمسلم إلا بعودة ذلك الاندفاع في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، ووضع طاقات الفرد في أحسن حالاتها، وفي أقصى توترها، وهذا معنى قوله تعالى: { خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } [مريم:12]، وأحسن حالاتها أن توضع الطاقات بين حَدَّي الوعد والوعيد، بين الخوف والرجاء، فلا يأس من روح الله، ولا أمن من مكر الله، وأن تتناسب مع التحدي المفروض عليها فلا هو أكبر منها فتشعر باليأس، ولا هو أصغر منها فتتساهل وتسترخي ولا تقوم بالجهد المطلوب.

جاء الإسلام فوضع طاقات العرب في موضعها المناسب، فالكرم والشجاعة في الجاهلية كانا للفخر والاعتزاز، فوضعهما الإسلام في سبيل مبدأ، في سبيل الله، فالبطولة أصبحت مبرراتها في عالم الآخرة ولم تعد تدور حول ( الأنا) .

إن المجتمع لا يتكون من (كومة) أفراد، بل بعلاقات معينة بين هؤلاء الأفراد، وإذا أخذنا نموذجا من عالم الحيوان فسنجد أنه كلما تعقدت المصلحة كلما كانت الفاعلية أكثر، هناك حيوان يعيش بمفرده، بعيدا عن نظام الأسرة، ونشاطه يسد فقط حاجات بيولوجية بسيطة، فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حيوان يعيش في مستوى أعلى من هذا، فإننا نرى العش الذي يبنيه الطير يعطي صورة للنشاط الاجتماعي في مستوى أرقى، ولكنه دون مستوى الحيوان الذي يعيش في نظام أوسع نطاقاً من الأسرة كالنحل، فإنتاجه هنا يتسم بالفاعلية في صورتين: مادية ومعنوية، فمن الناحية الأولى نرى أن نشاط النحل ينتج أكثر من حاجات سربه، ومن الناحية المعنوية نرى أن هذا الإنتاج يفرض على خليته حياة منظمة خاضعة لقوانين معينة، نجد في هذا المجتمع البسيط ظاهرة تقسيم العمل، وقد تزيد مهامها على عشرة أنواع من العمل   .

إن الفرد في المجتمع الإسلامي، وبسبب ضعف العلاقات الاجتماعية لا تقدم له الضمانات والمبررات التي تجعله يقدم أقص طاقاته، وكيف يقدمها وهو يرى الأنانية والتنافس البغيض، وقلة التشجيع، والأهم من ذلك هو عدم وجود الخبرة الكافية في العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع

إن الذي يخطط للنهوض بالمجتمع الإسلامي يجب أن يكون لديه أفكار. جد واضحة عن هذه الأمور، كما أن عليه أن يكون خالياً من العقد البيروقراطية التي تنتاب الموظف، ومن أخلاق المغرمين بتملق الرأي العام   فعملية بناء كيان اجتماعي ليس بالأمر السهل، لأن العقد النفسية كما يؤكد العالم الأمريكي «مورينو» هي في العلاقة بين الأفراد فيما بينهم وليس داخل الفرد كما يقول «فرويد»

وكل علاقة فاسدة بين الأفراد. تولد فيما بينهم عقدا كفيلة بأن تحبط أعمالهم الجماعية   فالذين يستطيعون ربط العوالم الثلاثة في توافق واتزان هم الذين يستطيعون تحريك القوى جميعاً في حركة دائمة الصعود، وهذا بطبيعة الحال لا يأتي إلا عن صف وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه: { بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ } [الصف:4]  .

توجيه الثقافة:

في هذه المرحلة المهمة من البناء يرى مالك بن نبي أنه لابد من توجيه أمور ثلاثة:

الثقافة.

العمل.

رأس المال.

فالانتقال من حالة الجمود إلى الحركة باتجاه حضارة لا يحتمل التجارب الفاشلة، والمسلم بسبب عقدة تخلفه يظن أن تخلفه يتمثل في نقص ما لديه من (أشياء) ولا يرده إلى الأفكار   بينما الحقيقة أن النشاط يصاب بالشلل عندما يدير ظهره للفكرة، كما أن الفكرة تصاب بالشلل إذا ما انحرفت عن النشاط، ونحن لا نستطيع بصفة عامة أن نعتبر عدد الكتب التي تخرجها المطبعة في عام دليلا على الصحة العقلية في بلد معين، فلا بد من برنامج لتوجيه الثقافة   .

يعرف مالك بن نبي فكرة «التوجيه» فيقول: ( قوة في الأساس وتوافق في السير، ووحدة في الهدف، فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت، فهناك ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندبر هذا الجهاز الهائل في أحسن الظروف الزمنية

توجيه الثقافة: الثقافة مصطلح حديث النشأة وهي مرادفة لكلمة (Culture) الإنكليزية، ويستخدمها كثير من الناس بمعنى (العلم) ولكن مدلولها أوسع من العلم، وقد عرفها مالك بن نبي بأنها ( مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه )   فهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، وهي المحيط الذي يعكس حضارة معينه، والتعلم جزء من الثقافة، وعندما يصبح الهدف هو الحصول على شهادات فنحن بإزاء مرض اسمه (التعالم) ونحن قد نجد رجلا يحمل شهادات عالية ولكن ليس عنده فعالية وقدرة على حل المشكلات، بينما نجد رجلا آخر مثله في بلد آخر عنده هذه القدرة بسبب الثقافة التي تلقاها منذ صغره، فالثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، هذه الثقافة كيف نوجهها ؟ كيف نركبها من أجزائها حتى تؤتي ثمارها ؟ الشرط الأول لتحقيق مشروع ثقافي هو الصلة بين الأشخاص، وهاهو القرآن يعطينا! فكرة عن أهمية هذه الصلة: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [الأنفال:63] فأساس كل ثقافة هو بالضرورة (تركيب) و (تأليف) لعالم الأشخاص طبقا لمنهج تربوي، أي أننا نريد للثقافة أن تكون وظيفة لبناء جيل مسلم تقوم على أكتافه الحضارة الإسلامية ( فالتعليم الفرنسي في الجزائر لم يمنح الجيل الجزائري الفعالية لأن الثقافة لا تشكل على مقاعد الدراسة، ولكن ضمن مجموع الإطار الاجتماعي الثقافي الذي يحيط بالفرد، والمدرسة عامل مساعد من عوامل الثقافة، ولكننا نخطئ في تقدير وظيفتها عندما نعتقد أن في إمكانها أن تحل مشكلة الثقافة وحدها)  .

العناصر اللازمة للثقافة:

في مجال توجيه الثقافة لابد من التحديد السلبي أو تصفية أسباب التدهور والانحطاط، ثم يأتي بعد ذلك التحديد الإيجابي، وإذا كانت عملية التصفية قد قام بها البعض أو أنه من السهل القيام بها، فإن التحديد الإيجابي لعوامل الثقافة هو المهم، والعناصر التي يؤكد عليها مالك بن نبي هي:

1- عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية.

 2 – عنصر الجمال لتكوين الذوق العام.

 3 – منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام.

 4 – التقنية أو (الصناعة) حسب تعبير ابن خلدون.

 أولاً – توجيه الأخلاق:

ونعنى بالأخلاق: قوة التماسك اللازمة للأفراد، هذه القوة التي استطاعت بناء المجتمع الإسلامي الأول، حتى كان الرجل يعرض على أخيه المناصفة في كل شيء وبعض هذه الأخلاق كانت من أسباب بناء المدنية الغربية، والشباب اليوم ينظرون إلى هذه المدنية في يومها الحالي ويضربون صفحاً عن أمسها الغابر ينسون أنه لولا صلات اجتماعية خاصة ما قامت هذه الصناعات ولما قام هذا العلم، ونظرة إلى جامعة من جامعاتهم ترينا أن أساسها كان دينياً قامت به جمعية خيرية دينية، بل إن كلمة دين عندهم (Religion) تعني في أصلها اللاتيني الربط والجمع  .

 ثانيا -المنطق العملي:

إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة أو العقل المجرد، فهذا متوفر فهي بلادنا، ولكن ينقصه منطق، العمل والحركة، كيف يصرف المسلم وقته ؟ كيف ينفق أمواله ؟ كيف يستغل علمه ؟ مع الأسف إن جزءاً كبيراً من حياتنا يذهب عبثا، فالمسلم أحيانا لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً، بل أكثر من ذلك، فهو أحيانا يبغض الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، ولننظر إلى الأم التي تربى ولدها فهي إما أن تبلده بمعاملة وحشية، وإما أن ترخي له العنان وتتميع معه، إن الوهن والسخف يطبعان منطق قولها  .

 ثالثا: الذوق الجمالي:

إذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته، وهو شيء مطلوب فوق الضروريات والحاجيات، وعندما ذكر الله سبحانه وتعالى خلق النجوم وغاياتها ذكر منها (الزينة) { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } [الملك:5] وكذلك عندما ذكر خلق الحيوانات  {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } [النحل:6] وقد ورد في الحديث:  «إن الله جميل يحب الجمال» وذلك في معرض رد الرسول -صلى الله عليه وسلم-  على الصحابي الذي سأله عن اللباس الحسن والنعل الحسن هل هذا من الكبر. فالذوق الرفيع من العناصر الإيجابية في الثقافة، فالتناسب والتناسق في الأشكال والأشياء يعطي للإنسان راحة نفسية، والمنظر القبيح المتنافر لا يوحي بأي خيال جميل، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أزهد الناس ولكنه كان ينفر من ألوان معينة، ويشجع الناس على النظافة والاهتمام بالمظهر الحسن وخاصة في المساجد وأيام الجمع والأعياد.

إن تربية الذوق الحسن في الأمة هو جزء من ثقافتها ومؤشر على درجة ثقافتها.

رابعاً: الصناعة أو (التقنية):

عرَّف ابن خلدون الصناعة بأنها: ملكة في أمر عملي فكري وهذا تعريف دقيق لما يسمى الآن (التقنية) فهي تحتاج إلى العلم والممارسة اليدوية حتى ترسخ مع الزمن وتصبح (ملكة) كما عبر عنها ابن خلدون، وهذه الصناعة لا تكون إلا في مجتمع متحضر، لأن المجتمع البدائي يحتاج إلى أمور بسيطة لا تحتاج لتقنية، فوجودها يدل على درجة التحضر والعلم، فلابد أن يكون في المسلمين فئة تتقن هذه (الصناعة) وتبدع فيها مما يناسب الإسلام والحضارة الإسلامية، وتبتعد عن شرور سيطرة (الآلة) على الإنسان، وهذا يحتاج لمجلس للتوجيه الفني ليحل نظرياً وعملياً المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعاً لحاجات البلاد.

وإن الإمكانيات في البلاد الإسلامية لتسمح بتكوين القيادات التي تشرف على طريقة تنفيذ هذه (التقنية) وأن تخضع لثقافة المسلم وذوقه المتميز.

هذه العناصر التي يرى الأستاذ مالك بن نبي أنها من مكونات الثقافة وأنها تحتاج لتوجيه معين لاشك أنها تصلح لكل مجموعة بشرية أو لكل أمة تبحث عن ثقافتها الخاصة، وكأن مالك استلهم هذا التحديد من علماء الاجتماع والحضارات في أوربا، وكان الأولى أن يذكر زيادة على هذا العناصر الخاصة بالثقافة الإسلامية، إن عنصر الأخلاق مثلاً أو الذوق الجمالي يتبعان عقيدة المسلم وتصوراته الخاصة، فهل يقال للمسلم يجب أن يكون عندك ذوق في الموسيقى أو النظر إلى فن التصوير ؟ ! لاشك أن للمسلم خصوصياته في هذا المجال.

 أهمية الاقتصاد:

لم يعد الاقتصاد في العصر الحديث من الأمور الثانوية، وما كان كذلك في القديم، ولكن العصر الحديث زاده أهمية وزادت مشاكله حدة بسبب التقارب الجغرافي، وظهور مذاهب الرأسمالية والاشتراكية التي جعلته من المحاور الرئيسية في حياتها، وبسبب جشع الغرب ومحاولته إبقاء دول العالم الثالث مستهلكة لإنتاجه (فأوربا التي تكتلت في القرن الحادي عشر من أجل الزحف الصليبي وتكتلت في القرن التاسع عشر في الميثاق الاستعماري، تعود اليوم إلى تكتل جديد في صورة «السوق المشتركة» في الظاهر من أجل الصمود في وجه الاقتصاد الأمريكي والياباني وفي الواقع من أجل الزحف الاقتصادي على مناطق الحضور الأوربي سابقاً «العالم الثالث والإسلامي بوجه خاص» لترسي فيها دعائم وجود أوربي جديد بوسائل الاقتصاد).

وليس هذا موضع تفصيل نظرة الإسلام إلى الاقتصاد ولكن الذي لاشك فيه أن دولة أو أمة تعيش على فتات الموائد والإعانات من القمح والدقيق والقروض من البنك الدولي، كيف يتسنى لها الاستقلال السياسي، وكيف تبقى بعيدة عن ضغوط الشرق والغرب.

كان الطلب على الحاجات قليلاً في الماضي، ولم تقع الشعوب الإسلامية فريسة الاستهلاك، وبسبب التخطيط الاقتصادي الفاشل صار الفلاح ينتظر لقمة العيش من أمريكا، وقد كان في السابق مكتفياً هو وأسرته في مزرعته وأرضه (فالعالم الإسلامي يواجه اليوم «حالة إنقاذ» تفرض عليه أن يتخذ قرارات صارمة في المجال الاقتصادي ).

ونحن لا نضخم من دور الاقتصاد، ولكن ألم يكن كبار الصحابة تجاراً ومزارعين، ولابد من إعمار الدنيا بالقدر الذي لا تنخرم فيه أمور الدين أو أمور  الآخرة، وكيف يكون المسلم عزيزاً إذا كان جل اعتماده على الكفار.

الاقتصاد اليوم أصبح علماً قائماً بذاته، والظروف الحالية تتطلب تخطيطاً اقتصادياً يناسب حاجات وموارد بلادنا، وإذا كان الغرب يسخر الاقتصاد للرفاهية والاستغلال، فلماذا لا يسخره المسلمون للاستقلال ونشر الدعوة والجهاد.

الإقلاع الاقتصادي:

ولأهمية هذا الموضوع كان السؤال المتبادر: كيف ينهض المسلمون اقتصادياً؟ وكيف يكون لهم اقتصاد مستقل؟ فالعالم من حولهم في سباق رهيب، المنتجون في الشمال على محور (واشنطن – طوكيو) يريدون بقاء العالم الآخر (محور: طنجة – جاكرتا) المحطة الرئيسية للاستهلاك، (والمسلم في أول هذا القرن لا هو بالمنتج الذي يرعى حقه، ولا المستهلك الذي ترعى حاجته، لقد كان أداة عمل مستمر فقط، ولم يتكون لديه وعي اقتصادي ولا تجربة في عالم اقتصاد غريب عليه بكل مفاهيمه ).

وعندما حاول العالم الإسلامي النهوض تعثرت خطواته كثيراً، وفشلت التجارب التي لم تأت عن دراسة لواقع المسلمين الثقافي، بل أخذت من الشرق أو الغرب كأنها «وصفات» جاهزة لتطبيقها في أرض غير أرضها، قامت صناعات قبل أن توفر الغذاء للعامل في المصنع، واستقدموا الخبير الألماني «شاخت» ليطبق نظرياته في أندونيسيا، ولكنه فشل لأن تجربته كانت مع الشعب الألماني وليس مع الشعب الأندونيسي.

ومن الناحية النظرية، وعندما يكتب المسلمون عن الاقتصاد يبدو تأثير النظريات الغربية، فهم يحاولون دائماً إثبات أنه يمكن أن تقوم بنوك دون ربا، واستثمار دون ربا فكأن قضية المال هي الأساس الأقوى في الاقتصاد، ولا يعرجون كثيراً على موضوع الإنسان الاجتماعي (فالمعنى الاقتصادي لم يظفر في ضمير العالم الإسلامي بنفس النمو الذي ظفر به في الغرب) أو لا يعرجون على العمل وأهميته ( فالعمل وحده هو الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي) (وعندما كان المسلمون الأول يشيدون مسجدهم الأول بالمدينة، كان هذا أول ساحة للعمل صنعت فيها الحضارة الإسلامية).

وفي مجتمع ناشئ (فإن كلمة أجر تفقد معناها، لأن العامل لا علاقة له بصاحب عمل ولكن بجماعة يشاطرها بؤسها ونعماها، فإعطاء ثلاثة حروف من الأبجدية عمل، وإزالة الأذى عن الطريق عمل، وغرس شجرة عمل، واستغلال أوقات فراغنا في مساعدة الآخرين عمل…وهكذا).

توجيه رأس المال:

يفرق مالك بن نبي بين مصطلحي الثروة ورأس المال، فالأول يستخدمه الفرد في ميدانه الخاص مثل عقاره أو قطيعه أو ورشته ( فالثروة لا تسعى لغايتها كقوة مالية مستقلة، بينما رأس المال ينفصل عن صاحبه ويتسع مجاله ليخلق حركة ونشاطاً، ويوظف الأيدي أينما حل وحيثما ارتحل )   فالثروة مال ساكن، ورأس المال مال متحرك، والمطلوب من المسلمين توجيه المال في خدمة الاقتصاد الإسلامي (فالقضية ليست في تكديس الثروة ولكن في تحريك المال وتنشيطه، بتوجيه أموال الأمة البسيطة إلى رأس مال متحرك ينشط الفكر والعمل).

وقد نتج عن عدم توجيه (المال) أن (زاد أغنياء المسلمين على فقرائهم في العطل برغم ما يملكون من ثروات، فكثير منهم لا يهتمون بتولي طفل مسلم لتربيته تربية علمية) (والأموال تنفق في توافه الأشياء وتترك المشاريع ذات النفع العام كالمدارس والمستشفيات إنها مشكلة توجيه رأس المال، إنها مشكلة نفسية وليست مالية).

ومع هذه الدعوة إلى توجيه رأس المال إلا أن مالك يحذر الدول ( من اختيار مبدأ التنمية الرأسمالية لأنها تكون كما لو قررت مبدئياً أن تضع عملها من أجل النهوض الاقتصادي في سجن المؤسسات المالية العالمية )   بل يرى أن  المشكلة ليست في المال ولكن في تعبئة الطاقات الاجتماعية، والرصيد الأساسي هو الإنسان، ( لو سمح لى أن ألخص وجهة نظر عبّرت عنها منذ ربع قرن لقلت أنه ليس من الضروري «ولا من الممكن» أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي لا تستطيع الأيام أن تنقص من قيمته شيئاً، الرصيد الذي وضعته العناية الإلهية بين يديه: الإنسان والتراب والوقت )   ( إن الاقتصاد ليس قضية إنشاء بنك وتشييد مصنع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان، وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات )  .

وبمثل رأي مالك هذا قال ابن خلدون في مقدمته: ( الكسب هو قيمة الأعمال البشرية، والله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان، وامتن به عليه في غير ما آية من كتابه {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } [الجاثية:13] وسخر لكم الأنعام، ويد الإنسان مبسوطة على العالم )

الزراعة والصناعة:

إن ظروف العالم الإسلامي تقتضي عندما يريد النهضة الاقتصادية أن يبدأ بالزراعة، فهي الأساس، وهي التي تمده ببعض المواد الخام، وهي التي تحميه من الضغوط الاستعمارية، هذا هو رأي مالك بن نبي الذي يكرره كثيراً في كتبه، يقول:

( والأرض هي الوسيلة المأمونة – كما يقول اليوم الاقتصاديون الذين  يدرسون مشاكل العالم الثالث – لضمان «إقلاع» مجتمع ما من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية )   ( ولكي يصل الاقتصاد إلى مرحلة التصنيع فليس له ما يعتمد عليه سوى الزراعة من ناحية والمواد الأولية «الخام» من ناحية أخرى، وهذان هما ثديا الاقتصاد الإسلامي على العموم )   .

وتجربة الجزائر هي أكبر مثال على ذلك حين اهتم بالصناعة وأهمل الزراعة، ووجد الشعب والعمال أن المواد الضرورية للغذاء غير موجودة.

لاشك أن وجهة نظر مالك بن نبي صحيحة بشكل عام، ولا أظنه يعني أنه لابد من استكمال الزراعة حتى نبدأ بالصناعة، ولكن الزراعة هي الأساس، وهذا شيء طبيعي بالنسبة للعالم الإسلامي، فضعفه في الزراعة ومحاولة الانتفاش أنه صناعي جعلته يستجدي أخيراً المواد الغذائية من الغرب.

لم يقدم مالك بن نبي هنا نظرية متكاملة في الاقتصاد، بل إشارات وخطوط عريضة فقط، بل نستطيع القول أنه بسط الأشياء أحياناً، وهي أكثر تعقيداً وخاصة في ظروفنا الحالية.

كما أنه وبسبب «السذاجة السياسية» وقع في غلطة كبيرة عندما ظن أن ما قام به قادة انقلاب (23) يوليو في مصر مما سمي بـ (الإصلاح الزراعي) سيكون خطوة كبيرة في طريق الإصلاح الاقتصادي، إن ما قام به هؤلاء لا يعدو أن يكون ارتجالاً وتشنجات نفسية ضد الإقطاع وليس نابعاً عن خطة مدروسة فضلاً عن أن تكون خطة إسلامية، وقد خرجت مصر بعد ذهابهم أضعف اقتصاداً مما كانت عليه يوم جاءوا، ولكن مالك الذي عاش في الغرب يفرح بأي خطوة يخطوها أهل المشرق مما يظن أنه من الإصلاح.

لم يعش مالك حتى يرى انهيار المجتمعات الاشتراكية، سواء في الشرق أو في البلاد العربية، وانهيار الاقتصاد المزيف، وطبعاً لا تغني الوصفات من الرأسمالية فالأمل هو في المجتمعات الإسلامية التي ( تعيد إلى عالم الاقتصاد  أخلاقياته، ويتلافى بذلك الانحرافات الإباحية التي تورطت فيها الرأسمالية، كما ينجو من ورطة الماركسية المادية التي سلبت الإنسان ما يميزه عن الآلات والأشياء )   .

بعد الحلقة الأخيرة في قراءة فكر مالك بن نبي كانت النية متجهة للكتابة عن بعض أخطائه ضمن الكتابة عن المدرسة التي تأثرت به، وفي مكان آخر غير صفحات هذه المجلة، ولكن بعض القراء أشاروا وطلبوا أن تكون الكتابة عن مالك في المجلة حتى تتضح الصورة، وتظهر الإيجابيات والسلبيات كي تقع الفائدة المرجوة وتتجنب الأخطاء، واستجابة لهذا سأكتب عن الأخطاء ضمن المنهج الصحيح في الجرح والتعديل؛ وهو أنه إذا غلب على الرجل الخير فالأولى تقديم إيجابياته والتغاضي عن سلبياته أو ذكرها مجملة ما أمكن ذلك، وما أردت في المقالات السابقة إلا عرض خلاصة أفكاره عن أمراض العالم الإسلامي وشروط النهضة، وهي أفكار تستحق الدراسة والتأمل، ونتمنى أن يستفيد منه المسلمون في كل مكان.

فقد أصاب فيها المحز، ووضع الإصبع على الجرح، ورغم مرور سنين على طرحها، لكن مشكلة المسلمين لا زالت كما حللها وكتب عنها.

إن الأخطاء التي سنتكلم عنها ليست أخطاء عادية مما يقع لكل كاتب، فكان لابد من ذكرها والتنبيه عليها.

النظرة السطحية للأحداث والشخصيات: 

كان مالك بن نبي عميقاً في فهم غور الاستعمار وأساليبه الخفية للتسلط على العالم الإسلامي، وعميقاً في معالجة (القابلية للاستعمار) عند المسلمين، ولكنه في عالم الواقع والسياسة فيه سذاجة أو طفولة سياسية، وهذا ليس غريباً فقديماً تعجب الإمام ابن الجوزي من شخصية أبى حامد الغزالي، كيف يجمع بين الفقه والذكاء من جهة، وبين الصوفية وحكايات العجائب والخرافات من جهة أخرى.

أ-أعجب مالك بثورة 23 يوليو في مصر، ومدحها ووضع آماله فيها من ناحية الإصلاح الزراعي والصناعة، وإنشاء وزارة الثقافة والإرشاد، والحياد الإيجابي، وكل الدجل والشعارات التي أطلقها مهرج هذه الثورة.

فثورة يوليو (1952م) عند مالك ( من أهم الحوادث بالنسبة للصراع الفكري، وكان لهذا الحدث تأثير شرارة كهربائية انطلقت في وعي البلاد العربية والعالم الإسلامي )   ( وكل عربي يعلم أن نظرة الرئيس جمال عبد الناصر خطت للنهضة العربية الاتجاه الصحيح الذي يحقق الشرط الأول للانسجام مع القانون العام..)  .

كيف يكون هذا الزعيم بهذه الصفات ونحن لا نعلم أن هناك زعيماً آخر في العصر الحديث ترك بلاده خراباً مثل جمال عبد الناصر ؟ كيف لا يدري مالك بن نبي وهو من هو في فهم اللعبة الاستعمارية أن عبد الناصر كان ضمن (لعبة الأمم)، وأنهم ساعدوه على صنع هذه البطولة المزيفة، وحتى لو كانت هناك بعض الإصلاحات المادية – وهي لم تتحقق فعلاً – فأين الحديث عن الاستبداد السياسي وكرامة الشعب المسحوقة ؟ بل أين تطبيق الإسلام ؟.

2 – علق مالك بن نبي آمالاً كبيرة على مؤتمر باندونغ، واعتبره كتلة سلام للعالم، واعتبر هذا التنوع الذي يضم تسعاً وعشرين دولة، تضم تراثاً فكرياً متفاوتاً ( يمكن بطبيعة الحال أن يقدم العناصر اللازمة لبناء قاعدة متينة للسلام ) .

هذه نظرته لهذا المؤتمر، والحقيقة أنه كان يحب التكتلات الكبيرة لمواجهة الغرب، وقد يكون معه بعض الحق في هذا، ولكن مثل هذا التكتل كان يحمل بذور فشله، وقضية الحياد التي يرفعها لم تكن صحيحة، فكل دولة منحازة، والهند التي كانت من أبرز أعضاء المؤتمر وتدعي السلام والروحانية كانت تحمل بين جوانحها الكره العميق للمسلمين، بل إن صورة الهند العداونية كانت من البديهيات عند الشباب المسلم في الستينات، ولم ينخدعوا بكلام الدبلوماسي الهندي ( ليس لدينا من الخشوع ما يكفينا ونحن ذاهبون إلى باندونغ )، ويصدق مالك بن نبي أن نهرو حمل  رسالة اللاعنف التي سلمه إياها غاندي، ونهرو هذا يكتب في (المجلة العصرية) مقالتين ينكر فيهما على الجمعيات المسلمة الحركة ضد القاديانية ويؤيد جانب القاديانية)، وهند نهرو هي التي احتلت كشمير وأخذتها بالقوة، فأين السلم وأين الديمقراطية التي تدعيها ؟ وما الفرق بين الهند وباكستان في (القابلية للاستعمار).

وقد أدرك مالك أخيراً عدم جدوى أي محاولة تجمّع ليست عناصره  منسجمة، كما كان يلمح في آخر حياته بأن ثورة 23 يوليو لم تقم بالواجب، ولاشك أن الكبار من أمثال مالك بن نبي يتراجعون إذا عرفوا الحق.

 3 – كانت روسيا بعد الثورة الشيوعية تدعي أنها دولة صديقة للشعوب وللعالم الثالث، وأنها ليست دولة استعمارية، وقد صدّق مالك بن نبي هذه المقولة، يقول: ( فالمناخ الاستعماري الذي تكوّن في أوربا وأمريكا على حد سواء، وفي الاتحاد السوفييتي قبل الثورة أيضاً ) ولكن الحقيقة أن روسيا مستعمرة قبل الثورة وبعدها، ولم تتخل عن جشع الدول الكبرى، وهي وجه آخر للحضارة الغربية.

4 – نقد مالك الانتخابات السياسية التي تطالب بالحقوق فقط وتنسى الواجبات، وتعتمد أسلوب المظاهرات والحفلات، وهو محق في هذا، ولكنه شارك في هذه الوسائل، وساعد «مصالي الحاج» في قيام الحزب الوطني، مع أنه ينتقده هو وحزبه، ولكنه حب الحركة ثم يكتشف الأخطاء بعدئذ.

اللاعنف:

 أعجب مالك بن نبي بقصة (اللاعنف) عند غاندي، فهو يذكرها دائماً، بل يذكرها بخشوع، ويبني عليها أحلامه الفلسفية في السلام العالمي، واتجاه العالم نحو مناقشة قضاياه بالسلم والحوار والفكر، يقول عن منطقة جنوب شرقي آسيا: ( هي مجال إشعاع الفكر الإسلامي وفكرة اللاعنف، أي مجال إشعاع حضارتين: الحضارة الإسلامية والحضارة الهندوكية، الحضارتان اللتان تختزنان أكبر ذخيرة روسية للإنسان اليوم).

ويحلق في الخيال والطوباوية عندما يقول: ( فكذلك رفات غاندي التي ذروها فإن الأيام ستجمعها في أعماق ضمير الإنسان من حيث سينطلق يوماً انتصار اللاعنف ونشيد السلم العالمي). (هذا الرجل «غاندي» كان يتقمص إلى درجة بليغة الضمير الإنساني في القرن العشرين).

إن فكرة (السلم العالمي) بمعنى أن يحل السلام في العالم بشكل دائم، أو أن العالم يتجه نحو هذا الهدف، هذه الفكرة غير واقعية وغير شرعية، وهي فكرة خيالية محضة، فهي تنافي مبدأ الصراع الذي ذكره القرآن الكريم {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] كما تنافي مبدأ الجهاد في الإسلام، وهي غير واقعية لأن من طبيعة البشر التغالب والعدوان إن لم يردعهم رادع، والدول الكبيرة القوية تأكل الضعيفة إن لم يكن عسكرياً فاقتصادياً.

والبشرية لن تبلغ رشدها في عمرها الثالث فتصبح الفكرة ذات قيمة قي حد ذاتها كما يتصور مالك بن نبي، بل إنها كثيراً ما تتردى من الناحية الإنسانية، والبشرية لا تبلغ رشدها إلا إذا حكمها الإسلام.

إن فكرة (اللاعنف) و (الإنسانية) من الأفكار الخطيرة التي بذرها مالك ووسعها بعدئذ تلامذته، وحاولوا اللف والدوران كثيراً حول مبدأ الجهاد الإسلامي.

الإنسانية والعالمية

وقريب من مبدأ (السلام العالمي) كان مالك يحلم بأن تتوحد الإنسانية في مجتمع عالمي، ويظن بأن البشرية تسير بهذا الاتجاه، (فالعالم قد دخل إذن في مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار)، (وحين اتجه العالم إلى إنشاء منظمة اليونسكو، كان يهدف إلى «تركيب» ثقافة إنسانية على المدى البعيد) (وما محكمة العدل في لاهاي والقانون الدولي،  والقانون البحري إلا مظاهر خاصة لذلك الاتجاه العام الذي لا يفتأ يمهد الطريق لتوحيد العالم).

هذا المفهوم للإنسانية مفهوم وهمي يراد به محو الشخصية الثقافية الحقيقية لكل مجتمع ولكل أمة، وإذا كان العالم قد تقارب وانتشرت الأفكار في كل مكان، وقد يستفيد المسلمون من ذلك في نشر دينهم الذي يملك عناصر التأثير والقوة، ولكن أن يتوحد العالم في مجتمع واحد فهذا مفهوم ذهني مجرد، وإذا كان هو نفسه شعر بأن فكرة الأفرو آسيوية صعبة التحقيق، ولذلك عاد وكتب عن (الكومنولث الإسلامي)؛ فكيف يظن أن العالم يسير نحو الوحدة؟!.