يعتبر التمويل للمنظمات غير الحكومية الشريان الحيوي لاستمرارها وديمومتها، فكلما أمكن التغلب على مشكلة شحة الموارد المالية وتوفيرها من مصادرها المختلفة،كلما استطاعت هذه المنظمات أن تحقق الدور المنوط بها ولقد أثبتت كثير من الدراسات الميدانية التي طبقت على المنظمات غير الحكومية أن مشكلة التمويل هي من أهم المشاكل التي تعاني منها هذه المنظمات. وبصورة عامة يتم تمويل المنظمات من اربعة مصادر أساسية تتمثل في التمويل العام – تمويل حكومي- والتمويل الذاتي من خلال مساهمات واشتراكات الأعضاء والهبات، إضافة إلى ممارسة الأنشطة المولدة للدخل.

أما المصدر التمويلي الثالث فهو التمويل الخارجي ممثلا في معونات نقدية أو عينية، تقدمها دول أو منظمات. والمصدر الرابع هوتمويل البنك الدولي لمنظمات المجتمع المدني.

ما هو البنك الدولي؟ وما هي طبيعة عمله؟

يعد البنك الدولي مصدراً مهمّاً لتقديم المساعدات المالية والفنية لمنظمات المجتمع المدني. ويساعد البنك الدولي ايضا حكومات البلدان النامية على تخفيض أعداد الفقراء عن طريق توفير الأموال والخبرات الفنية التي يحتاجون إليها لصالح مجموعة واسعة النطاق من المشروعات، كمشروعات التعليم والرعاية الصحية والبنية الأساسية والاتصالات وإصلاحات الأجهزة الحكومية، وأغراض أخرى كثيرة.

إن تحليل البيانات المالية للمؤسسات غير الحكومية والتطوعية يكشف أن هناك تنوعا في مصادر تمويلها و مكونات دخلها، وهنا نتعرف على مصدر تمويل البنك الدولي لهذه المنظمات والكيفية التي يتم بها هذا التمويل. يقوم البنك الدولي بإدارة أنواع عديدة من الآليات التمويلية التي تهدف إلى تقديم المنح المالية المباشرة لمنظمات المجتمع المدني. ويقوم برنامج المنح الإنمائية بإدارة تلك الأموال وتقدم منحاً كبيرة لآليات التمويل سنوياً، وعلى سبيل المثال قدم البنك في عام 2003- 157 مليون دولار لثمانية وأربعين من برامج المنح الداخلية والخارجية. وتتضمن بعض البرامج التي يمولها برنامج المنح الإنمائية مجموعة من صناديق المنح الصغيرة (التي تتراوح بين 15 الفاً و 10 آلاف دولار) بهدف دعم نشاطات المجتمع المدني في مجالات معينة مثل البيئة والإئتمان البالغ الصغر وإعادة الاعمار في فترات ما بعد النزاعات وتكنولوجيا المعلومات وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والممارسات الإبداعية. وهناك نوعية أخرى من آليات التمويل وهي الصناديق الإئتمانية التي تمولها الحكومات التنموية (مثل المملكة المتحدة وهولندا واليابان) وهي موجهة لمجالات محددة مثل التنمية الاجتماعية والحد من الفقر. وبالرغم من أن منظمات المجتمع المدني يمكنها الحصول على برامج المنح الصغيرة من البنك مباشرة من خلال تقديم العروض لمكاتبه التي تعمل في بلدان عديدة. فإن هذه المنظمات يجب عليها المشاركة مع الوكالات الحكومية أو الوحدات التابعة للبنك الدولي من أجل الحصول على الأموال من الصناديق الإئتمانية. قد أعد البنك دليلاً بعنوان – دليل موارد المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى- يحتوي على معلومات عن أموال المنح التي يقدمها البنك الدولي وعن موارد التمويل التي تتيحها المؤسسات الأخرى. وقد قام برنامج البنك الدولي المعني بالمنح الصغيرة بإعداد هذا الدليل بالاشتراك مع مؤسسة الشباب الدولية. وتتم إدارة معظم هذه الآليات التمويلية من واشنطن، ولكن بعضها (خاصة برنامج المنح الصغيرة والسوق التنموية) تقوم بإدارتها المكاتب التابعة للبنك الدولي في العديد من الدول. ويتم تمويل العديد من تلك الآليات بالمشاركة مع جهات حكومية مانحة أخرى مثل الأمم المتحدة والوكالات الثنائية – مثل برنامج الأمم المتحدة التنموي وإدارة التنمية الدولية والوكالة الكندية للتنمية الدولية – ويقتصر دعم بعض هذه الآليات التمويلية على منظمات المجتمع المدني، بينما تقوم آليات أخرى بدعم العروض التي تقدمها الوكالات الحكومية والشركات.

وأخيراً فإن هذه الصناديق تدعم مبادرات المجتمع المدني على المستويات العالمية والإقليمية. وفيما يلي قائمة بروابط لأشهر أو أضخم برامج للمنح الصغيرة، يعقبها قائمة بالصناديق الإئتمانية التي تمول النشاطات التنموية للمجتمع المدني. منها: برنامج المنح الصغيرة الذي يدعم أنشطة المشاركة المدنية التي تقدمها منظمات المجتمع المدني ويتم إدارته محلياً في أكثر من 60 من مكاتب البنك الدولي. وقد صرف البرنامج في عام 2002 ما يصل إلى 2.5 مليون دولار (وكان متوسط قيمة المنحة الواحدة 4 آلاف دولار) ويعد سوق التنمية: بمثابة مسابقة لتمويل مشروعات المجتمع المدني المبتكرة والقابلة للتكرار في مجالات مثل حقوق الإنسان والبيئة والمساواة بين الجنسين وتنمية المشروعات الصغيرة. وقد قام سوق التنمية منذ عام 1998 بدفع 13.5 مليون دولار من خلال برنامجه العالمي (حيث كان متوسط قيمة المنحة 100 الف دولار) بالإضافة إلى 2.5 مليون دولار من خلال البرنامج الاقليمي اللامركزي (حيث كان متوسط قيمة المنحة 10 آلاف). وهناك برنامج البيئة العالمية. الذي يقوم البرنامج بتمويل جهود حماية البيئة والتنوع البيولوجي في كل أنحاء العالم.

وقد قام البرنامج في عام 2002 بدفع مبلغ 20 مليون دولار من خلال برنامج المنح الصغيرة في 60 دولة (بلغ متوسط القرض الواحد 500 الف دولار). والمجموعة الاستشارية لمساعدة أشد الفئات فقراً: تقوم هذه المجموعة بدعم تحسين وتوحيد مبادرات التمويل البالغ الصغر الناجحة. وقد دفعت المجموعة في العام المالي 2002 مبلغ 5.4 مليون دولار (تراوح متوسط القروض بين خمسمائة دولار و1.1 مليون دولار).اما صندوق فترة ما بعد النزاعات: فهو يقدم الدعم اللازم لجهود إعادة الإعمار في 36 دولة، وقد صرف الصندوق في العام المالي 2002 مبلغ 7 ملايين دولار (بمتوسط 643 الف دولار للقرض الواحد). وبرنامج معلومات من أجل التنمية: تقدم الدعم لمبادرات إدارة المعرفة، وتكنولوجيا المعلومات، والإنترنت في كل أنحاء العالم، حيث بلغت الأموال التي تم توزيعها في العام المالي 2002 مبلغ 3.3 مليون دولار (بمتوسط 64 الف دولار للقرض الواحد). اما الصناديق الإستئمانية: مثلا صندوق اليابان للتنمية الاجتماعية: قامت حكومة اليابان بتأسيس هذا الصندوق بالإشتراك مع البنك الدولي في يونيو عام 2000. وتبلغ قيمة هذا الصندوق 95 مليون دولار ويقدم التمويل للحكومات ومنظمات المجتمع المدني والجهات المانحة وغير ذلك من المنظمات التي تطرح مبادرات الحد من الفقر على المستوى القطري لمواجهة خطر الفقر والآثار الاجتماعية التي نتجت عن الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي استمرت من عام 1997 إلى عام 1999. وهناك الصندوق الإستئماني لإستراتيجية الحد من الفقر: يقوم كل من البنك الدولي والأمم المتحدة والجهات المانحة بإدارة كل صندوق من الصناديق الإستئمانية الخاصة بإستراتيجية الحد من الفقر داخل كل دولة. وتلقى الصناديق حالياً دعماً تصل قيمته إلى 20 مليون دولار من هولندا واليابان ويتم صرفه على مدى أربعة أعوام (من أكتوبر 2001 الى ديسمبر 2005)، ومن المتوقع ورود تبرعات من دول مانحة أخرى كما يتوقع أن يستمر عمل الصندوق بعد انقضاء مدته المقررة والتي تبلغ أربعة أعوام.

نهج البنك الدولي في العمل مع المجتمع المدني

حدد البنك الدولي العديد من الأسباب المهمة التي تفسر أهمية كل من إشراك المجتمع المدني بصورة مباشرة وكذلك تسهيل تقوية التعاون والتنسيق فيما بين حكومات البلدان الأعضاء والمجتمع المدني على مختلف المستويات، بدءا من المستوى العالمي حتى المستوى المحلي. ومن بين العوامل التي يستند إليها هذا المبرر المنطقي، بصورة جزئية، الخبرة التي حازها البنك الدولي من خلال تعاونه مع المجتمع المدني على مدى العقدين المنصرمين. وتظهر هذه الخبرة المنافع التي يمكن للمجتمع المدني إضافتها إلى جهود التنمية، بما في ذلك: إعطاء صوت لأصحاب المصالح المباشرة (وبخاصة السكان الفقراء والمهمشين) للتعبير عن آرائهم والمساعدة على ضمان وضع آرائهم في الاعتبار عند اتخاذ قرارات بشأن السياسات والبرامج. تعزيز شفافية القطاع العام ومساءلته إلى جانب الإسهام في الجهود الرامية إلى تهيئة بيئة مواتية لتحسين نظام الإدارة العامة. تشجيع بناء توافق عام في الآراء وملكية البلد المعني والتزامه بالإصلاحات على الصعيد المحلي، وتخفيض أعداد الفقراء على الصعيد الوطني، وإستراتيجيات التنمية، وذلك من خلال بناء أسس مشتركة للتفاهم وتشجيع التعاون بين القطاعين العام والخاص. طرح أفكارٍ وحلولٍ مبتكرةٍ، فضلا عن المناهج التشاركية، لحل المشكلات المحلية. دعم برامج التنمية ووضعها بحيث تناسب المستفيدين منها من خلال تقديم المعرفة المحلية، واستهداف المزيد من المساعدات، وتوليد رأس المال الاجتماعي على مستوى المجتمعات المحلية. تقديم الخبرة المهنية وزيادة القدرة على تقديم الخدمات بفعالية، لا سيما في البيئات التي تعاني من ضعف قدرة القطاع العام على تقديم الخدمات أو في حالات ما بعد انتهاء الصراعات. ويتعاون البنك الدولي مع منظمات المجتمع المدني بثلاثة طرق: أولا: يسهِّل البنك الدولي الحوار والشراكة بين المجتمع المدني والحكومات عن طريق تقديم الموارد، والتدريب، والمساندة الفنية، وفي أحيان كثيرة القيام بدور ترتيب عقد الاجتماعات. وتبين ذلك النوع من المشاركة كأوضح ما يكون في عملية وضع وثائق الإستراتيجيات القُطرية لتخفيض أعداد الفقراء. ثانيا: يتحاور البنك الدولي ويتشاور مع منظمات المجتمع المدني حول قضايا وسياسات وبرامج، من خلال الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة ودعوتها لتقديم اقتراحاتها. وتتراوح هذه التفاعلات بين المشاورات بشأن سياسات عالمية، مثل الإجراءات الوقائية الاجتماعية والإقراض لأغراض التكييف، وحتى النقاشات حول المشروعات المحلية التي يمولها البنك الدولي.

ثالثا: يقيم البنك الدولي شراكات مباشرة مع منظمات المجتمع المدني من خلال التعاقد معها على تقديم خدمات المساعدة الفنية والتدريب، وتمويل مبادرات المجتمع المدني، وإدارة البرامج المشتركة. وهناك العديد من نماذج المشاركات الفعالة في مجالات مثل الحفاظ على الغابات واللقاحات ضد مرض الإيدز، وتخفيض أعداد الفقراء في المناطق الريفية، وتقديم الائتمانات الصغيرة وتطوير تكنولوجيا الإنترنت والاتصالات.

مشكلات تمويل المجتمع المدني

يبقى نشاط المجتمع المدني فاعلاً سواء وجد تمويلاً أو لم يجد مع الإشارة إلى سلبيات تمويل البنك الدولي والموجه في غالبه إلى المؤسسات الأهلية الكبرى، وعدم وجود نظام رقابي مـــن قبــل بعــض المانحيــن على النشاط الممول ومدى الاستفادة العملية منه. كما أنه أثر وبلا شك على فكرة ومفهوم التطوع ذاتها الأمر الذي قلص من فلسفتها وفعاليتها في المجتمع المدني، أن تمويل البنك تأثر باحداث العالم المتصلة بالارهاب وتم توجيهه إلى مناطق أخرى في العالم العربي يمكن أن نطلق عليها مناطق الصراع المحتملة وبمعنى آخر التوظيف السياسي للتمويل من قبل المانحين، وعرضاً تم النقاش والتداول حول السياسي والحقوقي والتداخل بينهما والتأكيد على أن المرجعية هي التي تحدد الفصل بين ما هو سياسي وما هو حقوقي، والتنويه إلى أن الحكومات الكبرى ضغطت على مؤسسات التمويل غير الحكومية لوقف دعمها لبعض منظمات حقوق الإنسان بسبب أنشطتها المناهضة لسياسات هذه الحكومات وتم وضع خطط واستراتيجيات وطنية لتدبير التمويل اللازم لأنشطة مؤسسات المجتمع المدني بشكل مستمر. منها: التأكيد على فكرة الشفافية والمحاسبية الذاتية من قبل مؤسسات المجتمع المدني. وضرورة قيام الجهة المانحة بالرقابة المالية والفنية على الأموال والأنشطة والتشديد على فكرة المشاركة بينها وبين المؤسسات المتلقية. مع ضرورة وجود حوار مستمر ودوري بين الطرفين، المانح والممنوح له، في وجود الطرف الثالث (الحكومة). وضع خطة استراتيجية لجذب التمويلات المحلية وتشجيع المواطن العادي على الانخراط في أنشطة مؤسسات المجتمع المدني، واستثمار آلية التشبيك كآلية داعمة للمؤسسات الصغيرة. التأكيد على إعادة الهيكلة لمؤسسات المجتمع المدني لتصبح قادرة على مواجهة التحديات المختلفة، وتفعيل التطوع كأداة مهمة لضمان الاستخدام الأمثل للأموال. أهمية تطوير نشاط الجمعيات الأهلية والاعتماد على المفهوم المؤسسي في العمل ووضع خطط نشاط سنوية في إطار تخصص كل جمعية ونشاطها بما يؤدي إلى تحقيق التكاملية في النشاط والعمل المشترك بين المؤسسات المختلفة. التأكيد على أهمية فكرة المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص والاعتماد على الذات لضمان استدامة عملية التمويل. قيام مؤسسات المجتمع المدني بوضع معايير صارمة لتلقي التمويل سواء كان داخلياً أو خارجياً، ووجود معايير حقيقية لتقييم أداء مؤسسات المجتمع المدني ذاتياً.

و استقلالية مؤسسات المجتمع المدني عن أية أطراف أخرى.

التمويل الذاتي قوّة للمجتمع المدني واستقلاليته

إن المجتمع المدني عندنا غائب أو مُغيّب عن هذه الحركية لمفهوم المجتمع المدني ذي الفاعلية، فما هو واقعي ومألوف عندنا بمجرد حصول المنظمة، أو الجمعية على اعتمادها من الوزارات أومن جهة ما او حزب معين او تتقدم بطلب الدعم المالي إلى الهيئات الرسمية العراقية، تقوم هذه الهيئات والاحزاب باشتراط برنامج عمل سنوي معها قابل للتطبيق. إن الكثير من الجمعيات التي تتلقى الدعم غالبا لا تقدم أي نشاط، حيث يصرف مبلغ الإعانة في أغراض أخرى تحت عنوان : التبادل الثقافي، أو تجهيز مقرّ الجمعية بأجهزة وآلات حديثة ليُتبين فيما بعد أنها نُقلت إلى أماكن أخرى غير معروفة. إن ضُعف ثقافة القانون على مستوى التعامل مع الحقوق والواجبات أدّى بأعضاء ومتعاوني الجمعيات المدنية إلى اعتبار المساعدات المنصوص عليها قانونا شكلاً من أشكال المنح والهبات، مّا أدّى إلى إقامة علاقات مبنية على الولاء والتبعية للإدارة أكثر منها للقانون، أو إلى نوْع من الذلّ والمسْكنة.

إن بعض مؤسسات المجتمع المدني في العراق اليوم تمثل امتدادا لسلطة الدولة، و كانت تحت مظلة الحزب الواحد الذي كان بدوره هو السلطة، لم تستطع اليوم بالرغم من استقلاليتها أن تنفطم عن موالاتها السابقة، وما تأسس في إطار التعددية من مؤسسات ومنظمات تفتقد إلى مفهوم المجتمع المدني المعاصر الذي وظيفته التكامل مع وظيفة الدولة، ومساعدتها في القيام بما تخلّت عنه من وظائفها السابقة تُجاه المجتمع، وليس كما هو مفهومٌ عندنا اليوم بأن المجتمع المدني إمّا هو نِدٌّ للسلطة حتى وإنْ كانت في بعض المواقف في الاتجاه الصحيح، وإمّا هي مؤسسات مجتمعية في الظاهر مستقلّة عن السلطة، ولكن في حقيقتها مؤسسات ترضع من حليبها، وما هي بقادرة أن تنفطم، وهي رهينة الحاجة تنتظر المهماز كي تطفو في المناسبات في حملات التعبئة والمساندة لهذه الجهة أو تلك. ولا ننكر أن هناك مؤسسات نشطة أثبتت وجودها عن جدارة ولم تنتكس. وما حادت عن أهدافها الأولى، وبقيت وفية لمناصريها، وللمجتمع.منها ما يدافع عن حقوق الإنسان، ومنها ما يعمل في إطار التكافل الاجتماعي والمجال الخيري، ومنها ما ينشط في المجال العلمي، والثقافي، والتاريخي، والصحي. ويبدو لي ومن المعايشة اليومية لمؤسسات المجتمع المدني وواقع وجودها، وتحرّكها عندنا إنْ وطنيا، وإنْ محلّيا لا تزال هشة وعودها لم يقو بعد، وبالتالي غير قادرة على التأثير في الأحداث الوطنية إنْ سلبا، وإنْ إيجابا..فما بالك بإسماع صوتها خارجيا للتنديد بالظلم الذي تمارسه القوى العظمى في شتّى المجالات. حقّا من الصعب أن ينشأ المجتمع المدني، ويقوى عُوده لدى مجتمع يعاني الكثيرُ من أفراده من الأمية، والبطالة والحرمان، والتهميش..وبالتالي من الفقر الذي تتولّد عنه الحاجة، والجوع، والمرض، والآفات الاجتماعية كردّ فعْل لذلك. إذْ يصعب احتواء الأفراد في هذه الحالة لهيكلتهم، وإقناعهم بالمشاركة في الحياة السياسية، وحركية مؤسسات المجتمع المدني. ويبدو لي في نهاية هذا الحديث أن المجتمع المدني المفترض وجوده عندنا ما عمل حقّـا وصدقا على ترسيخ مفهومي المواطن، والمواطنة حيث لا يمكن لأيّ مجتمع أن يحقّق المواطنة التي هي المشاركة بوعْي في الشؤون العامة، بدون مواطن يشعر بعمق بحقوقه وواجباته في الفضاء الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ولا يبخل بأداء واجباته تُجاه وطنه، وتُجاه مجتمعه.