من إعـــــــــــــــداد: د / أشــــــــرف محمد كشـــــــــــــــك

عرض وتلخيص: أ / كــــــــردالــــواد مصطفى – سطيف2-

   يتمتّع مضيق باب المندب بأهمية استراتيجية في قلب العالم، كيف لا وهو يمثل منفذا وممرا بحريا حيوي للدول خاصة بالنسبة لتلك التي تملك واجهات بحرية على البحر الأحمر، وتتمثل هذه الدول في كل من: إريتيريا، السودان، مصر، المحتل الإسرائيلي، فلسطين، الأردن، السعودية. ومعلوم بأن البحر الأحمر يُصنّف كبحر شبه مغلق بمفهوم اتفاقية قانون البحار لسنة 1982، فضلا عن ذلك يمثل مضيق باب المندب الضلع الثالث من المثلث الاستراتيجي الذي يضم كل من قناة السويس ومضيق هرمز. وتعبـر هذا المضيق حوالي 25 ألف سفينة سنويا بما يمثل 7٪ من الملاحة العالمية و40٪ من المعروض النفطي العالمي.

  وعلى ضوء نظريات الجيوبوليتيك القائمة على دراسة تأثير الموقع الجغرافي على سياسات الدول، وبأهمية امتلاكها للممرات والمنافذ البحرية، طوّرت القوى الإقليمية والعالمية استراتيجيات لبسط نفوذها على منطقة مضيق باب المندب. وفي هذا الشأن تهدف السياسة الإيرانية إلى وضع منطقة الخليج العربي بين شقي رحى؛ أي بين مضيق هرمز شمالا ومضيق باب المندب جنوبا، وتقترب هذه السياسة في جوهرها من نظرية شد الأطراف للصهيوني دفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي تدعو نظريته إلى حتمية تغلغل إسرائيل في الدول المحيطة بالعالم العربي، وعلى أساس ذلك تمكن الاحتلال الإسرائيلي من إقامة علاقات مع دول ذات مواقع استراتيجية في منطقة القرن الإفريقي على غرار جيبوتي وإثيوبيا.

    بدورها أيضا، شكّلت دول مجلس التعاون الخليجي قوات الواجب البحري الموحد 81، وهي عبارة عن قوة بحرية مشتركة هدفها استباق وصدّ الهجمات الإرهابية التي تُرتكب عبر البحر في منطقة مضيق باب المندب، وتعززت هذه القوة بتأسيس مركز العمليات البحرية الموحد الذي يقع مقره في البحرين. يضاف إلى ذلك جهود قوات التحالف العسكرية التي تضم 27 دولة مقرها في دولة البحرين، وتتوزع مهامها عبر ثلاث قوات على التوالي:

  • القوة 150 المختصة بالأمن البحري ومكافحة الإرهاب؛
  • القوة 151 المختصة بمكافحة القرصنة؛
  • القوة 152 المختصة بأمن الخليج العربي.

   كما يعتبر أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وعلى أساس هذه الأهمية سارعت مصر عقب تدهور الأوضاع في اليمن، إلى إرسال قطع من القوات البحرية المصرية من أجل تأمين الملاحة البحرية في مضيق باب المندب .

   أما الولايات المتحدة الأمريكية التي أعادت صياغة استراتيجياتها العسكرية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فقد أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي، تمثل قيادة القوات الأمريكية في القرن الإفريقي، وهي تجري أي الولايات المتحدة الأمريكية مناورات عسكرية بحرية دورية بالقرب من المضيق، كرسالة ردع للدول المنطقة والجماعات الإرهابية خاصة بعد تعرض قواتها في المنطقة إلى عدة هجمات إرهابية.

  من جهتها قامت الصين من أجل تأمين إمدادات النفط بصياغة استراتيجية عقد اللؤلؤ، التي تهدف إلى إقامة سلسلة من المنشآت العسكرية وشبكة من العلاقات الدبلوماسية، تمتد من سواحل الصين، مرورا بالمسطحات المائية لبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا عبر المحيط الهادي، وبحر العرب وصولا إلى السودان، وتُوّجت هذه الاستراتيجية بإقامة الصين لقاعدة عسكرية في جيبوتي شهر جانفي من سنة 2016.

   نخلص إلى القول بأن مضيق باب المندب وأهميته الإقليمية والعالمية جعلت منه منطقة حيوية لدول العالم؛ وخاصة بالنسبة للدول المطلة على البحر الأحمر،  هذه المنطقة تجوبها عدة قطع بحرية عالية التسليح، تابعة لعدة دول، خاصة بعد القرار الأممي 1861 الذي طالب من خلاله مجلس الأمن كل من الدول والمنظمات بضرورة إرسال قوات بحرية لردع عصابات القرصنة التي تحالفت مع الجماعات الإرهابية، ونفّذت عدة عمليات في المضيق خاصة بين عامي 2008 و2012 ، ولتعزيز هذا المسعى بما يحقق الأمن الإقليمي والعالمي في نقطة التماس الخليجي والإفريقي وجب إيجاد صيغ أمنية تعاونية بين كل من الدول الخليجية والإفريقية المطلة على مضيق باب المندب.

  • المقال كاملا منشور في:

(د أشرف محمد كشك، مضيق باب المندب: نقطة تماس استراتيجي للأمن الخليجي- الإفريقي-، مجلة آراء حول الخليج، منتدى الأمن الإقليمي وتكامل الجهود لنزع فتيل الأزمات، عدد 112،  أكتوبر 2016).