مظاهر العلاقات الروسية – الصينية: السياسية، العسكرية، الأمنية والثقافية

  التمهيد:

     لطالما كانت التحالفات عنصراً هاماً في الحصول على القوة والأمن والمكانة في المجتمع الدولي، والاحتفاظ بها، فكلها تصب بطريق واحد تحقق فيه الدول مصالحها عن طريقه وبحسب الظاهر يبدو من الواضح أكثر فأكثر: ان لا دولة يمكنها الثبات في النظام الدولي بمفردها، لقد أصبحت الصين قوة كبرى مع إمكانية منافسة الولايات المتحدة الأمريكية وقوى غربية أخرى تعتمد وبدون تردد، على التحالفات، وبالتالي، لن يكون الأمر إستثنائياً بالنسبة للقيادة الصينية استكشاف احتمال القيام بتحالفات مع دول أخرى نظيرة لها متمثلة بروسيا،

   فروسيا والصين تتشاركان بعض القواسم المشتركة، لديهما نوع متشابه من النظام، تصنف كلاهما كقوتين عظمتين لديهما جيوش ضخمة، وهما دولتان نوويتان، وأيضاً من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ولهما حق النقض(الفيتو)، وغالباً ما تريا نفسيهما على طرفي نقيض مع الولايات المتحدة الأمريكية ومعارضتها في الهيمنة على العالم والدعوة إلى نظام متعدد الاقطاب، وتفعيل دور المنظمات الدولية وبضمنها منظمة الامم المتحدة.

    وقد بينا في هذا الفصل: مظاهر العلاقة بين روسيا والصين في جوانبها الثنائية المختلفة، عن طريق أربعة مباحث: المبحث الأول: إختص بالجانب السياسي، أما المبحث الثاني فقد إختص بالجانب العسكري والأمني، في حين خصصنا المبحث الثالث: للجانبين الاقتصادي والثقافي-الحضاري، فيما وضحنا في المبحث الرابع: التعاون والخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية.

المبحث الاول: الجانب السياسي:

     ترجع بداية العلاقات السياسية الدبلوماسية بين الصين والاتحاد السوفيتي إلى الثاني من تشرين الأول من العام 1949م، واستمرت العلاقات بينهما تشهد تطوراً على أكثر من صعيد لفترة قصيرة، ولكن سرعان ما دب الخلاف بين الدولتين بسبب اختلاف رؤيتيهما الأيديولوجية في قيادة العالم الشيوعي، فضلا عن تعدد المنازعات على الحدود، فقد استمرت العلاقة بين الدولتين متأرجحة ما بين التحالف والخلاف والصراع، حتى تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991م، ولكن كانت هناك رؤى سوفيتية قبل ذلك التاريخ في العام 1989م، بضرورة تحسين العلاقات مع الصين.

    ومع تولى(بوريس يلتسين) الحكم في روسيا، كانت هناك توجهات روسية عامة لتدعيم العلاقات مع العالم الغربي، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع القيادة الروسية إلى التفكير بالصين كواحدة من الخيارات المتاحة لروسيا، ثم جاءت زيارة الرئيس(يلتسين) للعاصمة الصينية بكين في كانون الأول من العام 1992م، وتأكيده خلال هذه الزيارة أهمية التوازن في السياسات الخارجية الروسية بين التوجه الغربي والتوجه الآسيوي، على أساس: أن روسيا دولة أورو-آسيوية.

    وعند مجيء الرئيس(بوتين)إلى الحكم، كانت هناك تخوفات صينية من أن يكون الرئيس الجديد ذا توجهات غربية. لكن سرعان ما أثبت الرئيس( بوتين) تمسكه بالتوجه الروسي تجاه آسيا وبخاصة الصين، حيث أصبحت هناك قناعة راسخة: بأنّ الدولتين، غير الحليفتين للولايات المتحدة الأمريكية، قد أصبحتا في خندق واحد في ظل إصرار الأخيرة على التفرد والهيمنة على النظام العالمي.

     وعن طريق ذلك، تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: المطلب: الاول: خصص للتحالف الإقليمي، وإتفاقية التعاون وحسن الجوار في العام 2001م، فيما تناول المطلب الثاني: الخلل الديموغرافي، وتأثيره في العلاقة الروسية-الصينية.

المطلب الأول: التحالف الإقليمي واتفاقية التعاون وحسن الجوار في العام2001م:

    سعت كل من: روسيا والصين إلى تشكيل تحالفاً إقليمياً يكون صداً بوجه الاختراق الأمريكي، خاصة في المناطق التي تُعدّها الدولتين مناطق حيوية لمصالحهما، فروسيا تخشى توسعة حلف الناتو ليس لأنه يسلخ منها حزامها الأمني السابق في وسط وشرق أوروبا ويقلل من مكانتها الأوربية والدولية فحسب، بل لأن هذا التوسع يهدد مصالحها الحيوية في رابطة(الكومنولث)، حيث أن الناتو خطط لضم دول الرابطة إليه، وقد رأت روسيا: أن التفاهم الاستراتيجي مع الصين يمكن ان يمنع الحلف من التفكير بالاستمرار تنفيذ هذا المخطط، خاصة: ان المرحلة الثالثة تمس أمن الصين ومصالحها الإقليمية، لأنها تشمل أيضاً دول آسيا الوسطى.

   وقد قادت العديد من العوامل فيما بعد الطرفين إلى إنشاء رابط استراتيجي مشترك بينهما وإلى تقوية العلاقات الثنائية في الفترة التي عقبت تولي الرئيس الروسي(بوتين)للحكم في العام 2000م، فعلى الجانب الصيني اسهمت النقلة العالمية في السياسة الدولية عن طريق جهد الاستراتيجيين الصينيين في إعادة تقييم سياسة الصين الأمنية، ومناقشة الاحتمالات والخيارات كافة المتاحة قبالتهم، ومنها: إنشاء تحالف قوي مع روسيا لصد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على مناطق آسيا الوسطى ومناطق النفوذ الروسي، ومحاربة نزعتها الأحادية، حيث أصبحت الشراكة الروسية-الصينية واحدة من أهم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية. أما بالنسبة إلى روسيا، كان عليها استعادة مكانتها وقوتها وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال العمل على تفعيل التحالف مع الصين التي تعتبر الحليف الاستراتيجي لروسيا.(

 وانطلقت روسيا والصين في توثيق العلاقات التحالفية بينهما، من مجموعة محددات جيو-سياسية إقليمية ودولية، وهي كالآتي:

 أولاً: ضرورة تقييد محاولات الولايات المتحدة الأميركية للانفراد بالعالم عن طريق تأسيس نظام عالمي جديد يعتمد على التعددية، وليس على الأحادية القطبية.

ثانياً: شعور كل من: روسيا والصين بالخطر من النفوذ الأميركي في آسيا.

ثالثاً: تمسك روسيا والصين بمبدأ(عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول)، ورفض النزعات الانفصالية الداخلية، وهذا المحدد الأخير تحتاج إليه كل من: روسيا والصين، حيث عانت الأولى من النزعة الانفصالية في شمال القوقاز:(الشيشان على سبيل المثال)، ونفس الأمر تعانيه: الصين (تايوان وإقليم التيبت على سبيل المثال).

رابعاً: التحديات على مسرح روسيا الغربي الحيوي، والامتداد التوسعي لحلف الناتو شرقاً، مع الجهود الواضحة للولايات المتحدة الأمريكية لتقويض التأثير والنفوذ الروسي في آسيا الوسطى، ومناطق أخرى قريبة منها، وهو الأمر الذي زاد من عزيمة روسيا على توثيق علاقاتها مع الصين في هذه المنطقة، مع دعوة الطرفين إلى عالم متعدد الأقطاب، وضرورة إنشاء نظام سياسي واقتصادي دولي جديد.

خامساً: معارضة كلا الطرفين: الدرع الصاروخي الأميركي، والانسحاب الأحادي الأميركي من معاهدة “A.B.M” للحد من انتشار الأسلحة البالستية.

سادساً: لدى البلدين تخوف من القوى والنفوذ الاسلامي في البلدان المجاورة، فضلاً عن تخوف من تنامي الحركات القومية الوطنية في تلك المناطق، مثل: القوقاز، آسيا الوسطى، ومناطق غرب الصين.

سابعاً: إنخفاض انتشار الجيش الروسي في الأماكن المجاورة والبلدان الحديثة الاستقلال، وتبديل روسيا تحالفاتها السابقة في مدة الاتحاد السوفياتي السابق، وتخليها عن معاهدات الدفاع المشترك مع استبدال ذلك كله بعلاقات تعاون وصداقة مع: الهند، فيتنام، كوريا الشمالية، وهذا ما يتوافق مع رؤية الصين مقارنة بوضع الاتحاد السوفيتي الذي كان سابقاً.

   لقد عمدت كل من: روسيا والصين الى تأسيس بعض المنظمات وتفعيل البعض الأخر منها لغرض التنسيق والتعاون بين البلدين، وهذا ما أثمر عن تشكل منظمة(شنغهاي)التي تضم الى جانب روسيا والصين دول من آسيا الوسطى وهي: طاجيكستان، أوزبكستان، كازخستان وقيرغيزستان.

   وتهدف هذه المنظمة كما سنبين ذلك لاحقاً إلى: تعزيز التعاون بين الدول الاعضاء ومناقشة عدد من المواضيع المهمة بشكل دوري، وذلك بهدف: إنهاء مشكلة ترسيم الحدود بين جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي من جهة، والصين من جهة أخر من أجل مواجهة الأخطار المشتركة، وتنسيق الحرب على الإرهاب والنزعة الانفصالية والتطرّف، فضلاً عن للتعاون الاقتصادي، وكذلك مواجهة الاضطرابات الداخلية، وأن معظم هذا الدول إما تشهد صحوة إسلامية كما هو الحال في: طاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، أو تشهد مواجهات بين المسلمين والأنظمة السياسية  كما هو الحال في: روسيا والصين.

   وفيما تحتاج روسيا إلى مساندة الصين في موقفها ضد توسع حلف الناتو، فإنّ الصين تحتاج إلى تأييد  روسيا لموقفها تجاه تايوان التي تخشى الصين من تطور علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار اتساع دائرة النفوذ الأمريكية وان هذه المخاوف نجمت عن إرسال قوات أمريكية إلى المنطقة في أثناء إجراء الصين مناورات عسكرية بالقرب من تايوان إبان الانتخابات التايوانية، وفي إطار تلك الأهداف أعلنت الصين تأييدها الكامل للموقف الروسي المعارض لتوسع حلف الناتو، كما حددت روسيا علاقتها بتايوان، واعتبرتها جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني.

    ثم ما لبثت أن تكثفت الاتصالات والزيارات على المستويات الرفيعة بين روسيا والصين في العام 2001م، فقد إلتقى الرئيس الصيني(يانغ زيمين) والرئيس الروسي(بوتين)مرات عدة، ثم وقعا رسمياً إتفاقية التعاون وحسن الجوار بين روسيا والصين في تموز من العام 2001م، الأمر الذي أدى إلى إرساء أساس قانوني لتنمية علاقات ودية طويلة الأمد بين البلدين، والمضمون الرئيس لهذه الاتفاقية هو: العمل على تقوية التنسيق والتعاون بين البلدين في جميع القضايا سواء أكانت سياسية أم عسكرية وأمنية أم اقتصادية بما يخدم مصالح الدولتين، وعدم تحويل الآخر إلى خصم إلى الأبد، وبُعدّها إتفاقية منهجية لإرشاد تنمية العلاقات بين البلدين، إذ حددت طبيعة العلاقات الروسية-الصينية الداعية إلى: عدم الانحياز وعدم المواجهة وأنها غير موجّهة ضد أي دولة ثالثة، وقدمت إلى المجتمع الدولي مثالاً في البحث عن الأمن بالاعتماد على الثقة المتبادلة والبحث عن التعاون بالاعتماد على المنفعة المتبادلة.

    أما بالنسبة لإتفاقية التعاون وحسن الجوار بين روسيا والصين لعام 2001م؛ حيث أقيمت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الصين والاتحاد السوفييتي في الثاني من تشرين الأول من العام 1949م، أي بعد يوم واحد من تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وكان الاتحاد السوفييتي أول دولة تعترف بالجمهورية الوليدة، وسادت هذه العلاقة الكثير من المنعطفات والتقلبات والقوة والفتور، وفي 27كانون الأول من العام 1991م، وقعت الدولتان ميثاقاً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي إتفقت فيه روسيا على مواصلة العلاقات الدبلوماسية السابقة مع الصين، وفي العام 1996م، صاغت كل من: روسيا والصين شراكة للتعاون الاستراتيجي، وفي العام 2001م، وقعت الدولتان إتفاقية تعاون وحسن الجوار، إذ تعمقت الثقة السياسية المتبادلة بين الجانبين وتكثفت الاتصالات بين قادتهما.

     وقد جاءت هذه الاتفاقية بكل ما تضمنته من نقاط عسكرية وأمنية، كرد حقيقي على التوجهات الجديدة لحلف الناتو الذي بدأ بالتوسع شرقاً، والذي تجاهل مصالح كلا البلدين، خاصة المصالح الروسية، التي طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بإعطائها ضمانات خاصة بتوسيع الحلف شرقاً، والذي سينال من أمنها القومي والاستراتيجي، فضلاً عن البحث الجاد عن شراكة متوازنة مع الاتحاد الأوروبي، ومحاولة جلب الاستثمارات الخارجية، كل هذه القضايا مجتمعة، والتي تحمل الكثير من المخاطر، والتي دفعت الدولتين كما أشرنا مبكراً للتفكير الحقيقي في خلق آليات، عَبِرَ الحوار الثنائي للعودة مجدداً إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

  ويضاعف من نفوذهما على الساحة الدولية بشكل عام، ويقرب سياسات كلا الجانبين على كل المستويات الأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية من جهة، وبما يقلل من المشكلات الداخلية لدى الطرفين من جهة أخرى.

     أن اتفاقية التعاون وحسن الجوار أنجزت إجراءات بناء الثقة الهادفة إلى تنظيم الشراكة الروسية-الصينية، كما أن الصين أصرت على أن تبدأ الاتفاقية بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي وتحريم اللجوء إلى القوة والتهديد باستخدامها في العلاقة الروسية-الصينية، ويتعهد فيها الطرفان: أن أياً منهما لن يكون البادئ في استخدام الأسلحة النووية، وأن لا مطالب بالسيادة على أرض بينهما، كما يتعهد الطرفان عدم مشاركة أي منهما في أي حلف أو كتلة، وعدم السماح بإقامة أي منظمة على أرضيه يمكن أن تهدد سيادة الطرف الآخر، ووحده أراضيه وأمنه.

   لقد جاءت إتفاقية العام2001م، الموقعة بين كل من: روسيا والصين لتدعم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ولاسيما والدولتان قلقتان من التحولات في النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الاوروبيين، فقد إتفق الجانبان وعن طريق تلك الاتفاقية على: ان بناء النظام الدولي متعدد الاقطاب يُعدّ مرحلة مهمة في طريق الحفاظ على النظام الدولي، إذ أكدت الصين على أنهّا لن تقوم بأية سياسة تسبب الأذى بالمصالح الروسية وفي مقابل ذلك، فإن الصين ستتلقى من روسيا الدعم لعملية الاصلاح والتحديث، وكذلك المساندة في تحقيق الوحدة الوطنية بعودة تايوان، حيث عــــــــــــــــــدّت الصين: ان هذه الاتفاقية وضعت الإطار القانوني لعلاقات الصداقة بين البلدين.

وعلى العموم ركزت هذه الاتفاقية المؤلّفة من(25) بنداً.(1) على ما يلي:

1.المعارضة المشتركة للدرع الصاروخي الأميركي.

2.رفض المفهوم الغربي(التدخل الإنساني)* والذي تبناه حلف الناتو عام 1999م في كوسوفو.

3.معارضة الخطط الأمريكية بالتوسع العسكري، والتي لا يمكنها إلاّ أنّ تضر بمصالح الأمن العالمي.

4.الدعم الروسي لمفهوم (صين واحدة) والاعتراف بحق الصين في تايوان كجزء منها.

5.تدعيم التعاون العسكري بين الطرفين.

*يعدّ مفهوم(التدخل الإنساني) من المفاهيم التي فيها إشكالية، وهو يخلق جدلاً كبيراً بين المنظرين تبعا لما يطرحه من إشكالات قانونية وعملية على أرض الواقع، وذلك بالرغم من أن الغايات المعلنة للتدخل تكون في أغلب الأحيان غايات نبيلة وأهدافاً عليا تشرع للدول المتدخلة بها قانونية هذا التدخل، والمقصود بالتدخل الإنساني: ذلك التدخل الذي يتخذ جانباً عسكرياً، وبموجبه تقوم إحدى الدول أو مجموعة من الدول بأخذ الأذن من مجلس الأمن أو بدونه في بعض الأحيان، وذلك لأغراض إنسانية لمنع الفوضى والاضطرابات داخل الدولة الواجب التدخل بشئونها، على الرغم من أن هذا المفهوم الخاص بالتدخل الدولي لأغراض إنسانية أو ما اصطلح علي تسميته بــــ(مبدأ التدخل الإنساني) لا يعد من المفاهيم المستحدثة على العلاقات الدولية المعاصرة حيث شاع استخدامه خلال القرن التاسع عشر مع قيام البلدان الأوروبية بالتدخل في بعض الأقاليم التابعة للإمبراطورية العثمانية بكل من: اليونان، ولبنان، والبلقان تحت زعم حماية الأقليات الدينية المسيحية بها من الاضطهاد، ومع أن هذا المفهوم قد تواري إلى الظل بدرجة كبيرة خلال فترة الحرب الباردة بسبب ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة من علو لمبادئ السيادة وعدم التدخل على غيرها من مبادئ ومفاهيم أخرى ومنها حقوق الإنسان، إلاّ أنّه عاد يطرح نفسه بقوة على الأجندة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة مع التطبيقات العديدة التي شهدها المجتمع الدولي له بدء من العراق في العام 1991م، مروراً بالصومال في العام 1992م، ثم رواندا وهايتي في العام 1994م، وصولاً إلى كوسوفو وتيمور الشرقية في العام 1999م، حيث يدخل مفهوم التدخل الانساني ضمن التوظيف الاستراتيجي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. 

   أما بخصوص الزيارات واللقاءات المتبادلة بين روسيا والصين: ففي 27 كانون الأول من العام1991م، وقعت روسيا والصين على مذكرة لضمان أن ترث روسيا العلاقات الدبلوماسية التي شكلها الاتحاد السوفييتي السابق مع الصين في 2تشرين الأول من العام 1949م، وفي العام 2003م، أصدرت الدولتان بياناً مشتركاً، إذ وافق كلاً من الجانبين على تطوير علاقات حسن الجوار الودية والشراكة الاستراتيجية، أما في العام 2004م، فقد وقعت روسيا والصين كذلك على بيان مشترك، وقرتا على خطوط عريضة لتطبيق إتفاقية التعاون وحسن الجوار، والتي تضمنت: على أن يطلق البلدان “عام روسيا” بالصين في العام 2006م، و”عام الصين” بروسيا في العام 2007م.

  وفي العام 2005م، غدا(هو جينتاو)الرئيس الصيني الأول الذي يزور روسيا مرتين، وقد نقلت وكالة(شينخوا) الصينية الرسمية للأنباء عن الرئيس(هو جينتاو) قوله: إنّ الجانبين اتفقا على ان الشراكة الاستراتيجية الروسية-الصينية تستمر في تحقيق المزيد من التقدم، بل أنهّا وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وتوصلا إلى اتفاقية إضافية في ما يتصل بالجزء الشرقي من الحدود الروسية-الصينية، وبدأ الجانبان دوراً بشأن أمن الدولة، وفتحا قناة جديدة لحوار استراتيجي عالمي المستوى، وأكد الرئيس الصيني(هو جينتاو)على أن البلدين يدعمان بعضهما بعضاً في القضيتين الأساسيتين في تايوان والشيشان المرتبطتين بالمصالح الأساسية لكل منهما، وفي حزيران من العام 2005م، تبادلت روسيا والصين التصديق على الاتفاق التكميلي على القسم الشرقي من خط الحدود بين روسيا والصين، وإنهاء المشاكل الحدودية بين البلدين، وفي العام 2008م، أنتهت عملية التسوية الحدودية بين روسيا والصين، وتم توقيع الوثائق الخاصة بترسيم الحدود، الأمر الذي يعني التسوية القانونية التامة لمشكلة الحدود الروسية-الصينية.

    وعليه، فقد وصف(بوتين)الرئيس الروسي(2000-2004)، ورئيس الوزراء للمدة ما بين الأعوام(2008-2012)، العلاقة الروسية–الصينية بأنهّا: تحمل طابعاً استراتيجياً، وتتميز بالثقة وارتقت إلى أعلى مستوى، وأكد على أن الشراكة الاستراتيجية الحقيقية القائمة بين البلدين تستجيب لمصالح الشعبين على المدى الطويل، وتساعد على ضمان الأمن واستقرار الدولتين، وأن العلاقات بين الدولتين قد بلغت أعلى مستوى لها على مر تاريخ علاقاتهما، وهي تتصف بتنمية التعاون الديناميكي، وتبادل المنفعة في جميع الميادين، وأن العلاقات الممتازة بين روسيا والصين تساعد على توطيد الأمن والاستقرار في العالم.

   وكذلك واصل الرئيس الروسي(ميدفيدف)، ما بدأه كل من: يلتسين وبوتين، فزار(ميدفيدف) بكين في 23 أذار من العام 2008م، وكانت أول زيارة له خارج كومنولث الدول المستقلة منذ توليه الرئاسة، تم التوقيع بين الدولتين على بيان مشترك حول القضايا الدولية الرئيسية، حيث أكد الطرفين من خلاله على: الالتزام بأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، حيث يتعين على كافة الدول الالتزام بمبادئ احترام السيادة، ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والمساواة، والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي، والقوانين الدولية، والاعتراف العام بالمعايير التي توجه العلاقات الدولية.

   وقد أكد الرئيس الروسي الأسبق(ميدفيدف) على أن الصين التي باتت واحدة من القوى الدولية البارزة، تلعب دوراً مهم في تعزيز علاقات حسن الجوار والاستقرار والأمن في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وعلى الصعيد العالمي برمته، وأن العلاقات الروسية والصينية تتميز بطابع الشراكة الاستراتيجية بعد ان ارتفعت إلى مستوى لم يسبق له مثيل من قبل، وقد تجسد هذا التعاون الاستراتيجي على المستويين: الإقليمي والدولي.

 وفي 9آيار من العام 2010م، أجتمع الرئيس الصيني(هو جينتاو) مع نظيره الروسي(ميدفيدف) في العاصمة الروسية موسكو من أجل تدعيم علاقات التعاون والشراكة الاستراتيجية الثنائية، وجاءت الزيارة لحضور الاحتفالات بالذكرى(65)، للانتصار السوفيتي في الحرب الوطنية العظمى على ألمانيا النازية، وقال(ميدفيدف): ان روسيا والصين تشتركان في وجهات نظر متماثلة بخصوص تاريخ الحرب العالمية الثانية، وأن حضور الزعيمين هذه الاحتفالات له مغزى عظيم، وآشار الرئيس الصيني(هو جينتاو) إلى: أنه يتعين على الجانبين تعزيز التعاون في مجالي: التجارة والطاقة، وكذا في التبادلات الشعبية والثقافية.(1)

  وفي العام 2011م وصل الرئيس الصيني(هو جينتاو) موسكو في زيارة دولة للاتحاد الروسي ولحضور منتدى (سان بطرسبورغ) الاقتصادي الدولي الذي يعقد في مدينة سان بطرسبورغ الروسية، وأجرى الرئيس الصيني(هو جينتاو) محادثات مع نظيره الروسي(ميدفيدف)، ووضع الطرفين خطة لتنمية الروابط خلال العشر سنوات القادمة، وآشار(هو جينتاو) إلى أن الشراكة الاستراتيجية الروسية-الصينية شهدت تنمية غير مسبوقة منذ أن وقعت الدولتان معاهدة التعاون وحسن الجوار في العام 2001م.

  وعلى الرغم من أن الجميع يدرك أن الصين قوة صاعدة اذا ما قورنت بقوة روسيا، إلاّ أن محور بكين-موسكو آخذ في الصعود والتمكن، ومع هذا فإنّ الصين تبقى متشككة دائماً من سياسات بوتين تجاه الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا وحلف الناتو. لكن الزيارات العديدة التي قام بها بوتين للصين والتي يسعى من خلالها إلى طمأنة الشركاء الصينيين إلى توجهاته قد أرضتهم، خاصة إثر تأكيد روسيا على تعاونها الوثيق والتزامها بالاتفاقية وبنودها الموقعة مع الصين في العام 2001م.

  ومما تقدم: أن الاتفاقية إنطوت على المبادئ الثلاثة وهي: لا أحلاف، ولا مواجهات، ولا استهداف طرف ثالث، وهي مبادئ يشترك فيها البلدان في نظرتهما إلى بيئة العلاقات الدولية، حيث جاءت هذه الاتفاقية لتعطي للعلاقات بين البلدين آلية جديدة تقوم على: لقاءات منتظمة للتحاور وتبادل الآراء في قضايا ذات صلة بالبلدين، وكذلك الشئون الدولية.

  كما تحدد الاتفاقية مجالات للتعاون المشترك بينهما، وتضع لائحة طويلة لجهود التعاون في موقع بارز منها: التعاون العسكري والأمني والتعاون في مجال التكنلوجيا العسكرية، وكذلك التعاون في مجال نزع السلاح، ودعم الأمم المتحدة، والتعاون في مجال العلوم والطاقة والنقل والمال والطيران، مع دعم سلسلة من التبادلات ذات صلة بالثقافة والتربية والرياضة والأعلام وغيرها من الجوانب الآخرى.

  أن اتفاقية التعاون  لعام 2001م، لم تقتصر على جانب محدد، بل أنها خلقت اوضاعاً جديدة للتعاون المثمر في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والاثقافية، وضمن التنسيق والتعاون المشترك من خلال الاتفاقية نرى: ان روسيا دعمت وبشكل واضح محاولات الصين في إعادة تايوان إلى الوطن الام بصورة سلمية، وتأييد مبدأ الصين الواحد، وهو أمر لا يتفق مع الدعم المستمر الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية لتايوان في المجال التسليحي، الأمر الذي يعيق كل محاولات الصين لأعاده الجزيرة إلى السيادة الصينية.

    إذ أن اتفاقية العام2001م، عكست واقع العلاقات الثنائية بين روسيا الصين، مع رغبة البلدين المشتركة في العمل من أجل قيام عالم متعدد الأقطاب، والحيلولة دون انتشار السلاح النووي، وذلك يتم عن طريق دعم الأنظمة الدولية لعدم الانتشار، بما فيها معاهدة حظر الانتشار، والتصدي بفعالية للإرهاب الدولي، والأزمات الاقتصادية-المالية العالمية المدمرة.

المطلب الثاني: الخلل الديموغرافي وتأثيره في العلاقة بين روسيا والصين:

   أن إنتهاء القطبية الثنائية كان عاملاً في أثارة مشاكل الجغرافيا السياسية في إقليم القوقاز وأسيا الوسطى، وهو ما اعدّته كل من: روسيا والصين متغيراً يؤثر في مصالحهم القومية، أن من الواضح: أن تفكك الاتحاد السوفيتي قد ترتب عليه نشوء دول جديدة مستقلة، سرعان ما إنخرطت في إطار رابطة عرفت باسم(الكومنولث)، وظهور هذه الدول آثار النزاعات الحدودية فيما بينها، سواء أكان تحت تأثير العامل السياسي أم القومي.

    أن المحور الرئيسي في مشكلة الخلل الديموغرافي والنزاعات الحدودية بين روسيا والصين هي منطقة آسيا الوسطى، وأن كل من: روسيا والصين يشتركان بحدود تزيد على(4300)كم، وهذا ما أدى إلى ظهور خلافات حول هذه المسألة على الرغم من ان روسيا والصين لهم أيضاً مشكلات حدودية مع دول أخرى مثل: النزاع الصيني مع دول جنوب آسيا في منطقة بحر الصين الجنوبي، وكذلك النزاع الصيني-الهندي، فالصين سارعت الخطى لتسوية المشاكل الحدودية في إقليم آسيا الوسطى كون استمرار الخلافات والنزاعات الحدودية في تلك المنطقة سوف يؤثر وبصورة كبيرة على المصالح القومية للصين، وعن طريق ذلك تم تأسيس روابط قوية لتوحيد مواقفهم بخصوص هذه النزاعات الحدودية.                                                                                  

   أن تفكك الاتحاد السوفيتي مثل فراغ جيو-استراتيجي ترتب عليه تداعيات سياسية وأمنية كانت تغري بدخول دول وقوى كبرى لوسط آسيا بحيث مثل هذا أيضاً، أغراء لروسيا للنفاذ في الاقليم بقوة، وان عدم الاستقرار في دول آسيا الوسطى، والذي بدأ مع تفكك الاتحاد السوفيتي كان سببه عوامل داخلية، فضلاً عن وجود مسببات خارجية متصلة بطبيعة الصراع والتنافس ما بين عدة دول إقليمية لغرض تعزيز نفوذها في تلك المنطقة.

   لقد شعرت كل من: روسيا والصين بالتوسع والنفوذ الدولي في تلك المنطقة، بحث اعتمد الطرفين على أسلوب الحوار والتفاهم مع تعزيز وتطوير التعاون بينهما على أساس الشراكة الاستراتيجية من جهة، والعمل على تقوية العلاقات الثنائية مع دول آسيا الوسطى من جهة أخرى، وكانت تسوية النزاعات والخلافات الحدودية المشتركة أحدى الوسائل لتطوير العلاقات مع دول الإقليم.(2)

   كما تعد مشكلة: انخفاض أعداد السكان ظاهرة عامة ومشتركة في العديد من بلدان العالم المتقدمة، أن المشكلة الديموغرافية التي تتعرض لها كل من: روسيا والصين ماهي إلاّ تأكيد على العبارة الرائجة، والتي تجسد هذه المشكلة بدقة من خلال التوصيف القائل: أن روسيا أرض تحتاج الى شعب، والصين شعب يحتاج الى أرض، أن مثل هذه المعادلة قد تمثل حدث خطير قد يقلب موازين الأمن والاستقرار في المنطقة.

    بالنسبة لروسيا فأن المشكلة الديموغرافية تعود الى بدايات القرن العشرين، وقبل الثورة البلشفية، حيث كان عدد سكان روسيا حينذاك(72) مليون نسمة في مساحة تبلغ سدس مساحة العالم، وقد تضاعف العدد بسبب سياسة الاتحاد السوفيتي في فتح الهجرة بين جمهوريات السوفيتية، ثم جاء سقوط الاتحاد السوفيتي في العام1991م، ثم بدأ العدد يتراجع،  وأصبحت  مشكلة الخلل الديموغرافي تمثل تهديدا  اللأمن القومي الروسي خاصة: أن نسبة الانخفاض الكبيرة ولم تشهدها اية دولة في التاريخ، ففي أول خطاب له بعد أسبوعين من توليه منصب الرئاسة في روسيا في أذار من العام 2000م، صرح(بوتين): أن عدد سكان روسيا يتناقص بمعدل(750)الف سنوياً، وهناك احتمال أنه في العام 2015م سيكون عدد سكان روسيا أقل بمقدار(22)مليون نسمة، وكذلك في خطابه أمام مجلس الدوما في أيار من العام 2006م، أبدى الرئيس الروسي(بوتين) أهتماماً بالغاً بمشكلة بلاده الديموغرافية، موضحاً أن في حاله استمرار عملية الانخفاض في عدد السكان سيكون هنالك تهديد على بقاء الدولة الروسية نفسها.

  أما المشكلة الديموغرافية التي تواجه الصين فإنهّا تتمثل بالزيادة الهائلة، حيث زاد سكان الصين من(583)مليون في العام 1953م إلى(1243)مليون في العام 1998م، ثم إلى(1259) مليون في العام 2007م، ثم زاد تعداد السكان فوصل إلى(1310)مليون  في العام 2010م.

     حيث يُعدّ الخلل الديموغرافي أحد المشاكل التي على الصين مواجهتها، وهي وأن نجحت في كبح جماحها عبر سياسة الولد الواحد، إلاّ أنّ هذه السياسة نفسها تنتج من المشاكل ما ينذر بأخفافها وتوقفها عن العمل، ما يعني أن عدد سكان الصين سوف يتزايد بشكل كبير جداً بحيث سيقترب في العام 2050م الى مليارين نسمة.

    أما بخصوص تأثير الخلل الديموغرافي وتأثير على العلاقة ما بين روسيا والصين، حيث ان من تداعيات ومخاطر المشكلة الديموغرافية في كل من روسيا والصين تتمثل: بأن الانخفاض الكبير في معدل السكان بالنسبة لروسيا يقابله الارتفاع الكبير والمتنامي في عدد سكان الصين، ان كل ذلك هو مصدر قلق وخوف بالنسبة لروسيا في المديين المتوسط والطويل، فهذه المخاطر والتداعيات ستتعدى مستقبل روسيا ذاتها, لتتفاعل مع التوازنات الإقليمية والدولية، فقد عمدت روسيا الى إحتواء تلك المشكلة، فقد عملت على تعويض نقص السكان من خلال تشجيع عودة نحو(20)مليون روسي يعيشون في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، إلاّ أنّ هذا الطرح لحل المشكلة من خلال عودة الروس من الخارج كان لها تبعات وتكلفة أقتصادية تزيد من المشكلة تعقيد.

   كما أن تشجيع روسيا لعودة الروس من الجمهوريات السوفيتية السابقة قد يسبب حدوث خلل في التعامل مع تلك الجمهوريات التي تُعدّها روسيا مناطق نفوذها، ولها أهمية كبيرة بالنسبة لمصالحها القومية، وكذلك كان لتشجيع الهجرة إثار وتداعيات سلبية على أمن روسيا الاجتماعي، واستقرارها السياسي بسبب بزوغ نزعات فاشية وعنصرية، مع تأثيرها في هوية روسيا الثقافية والدينية.(2)

 أن كل هذه المخاطر تأتي من داخل روسيا؛ بسبب تفاقم مشكلة الخلل الديموغرافي. أما المسالة الاكثر خطورة هي: تأتي من جانب الصين، فروسيا يبلغ تعداد سكانها حوالي(143)مليون نسمة مع مساحة تبلغ اكثر من(17)مليون كم2، في حين يبلغ عدد سكان الصين(1300)مليار وثلاثمائة مليون نسمة مع مساحة تقدر بحوالي(9,5)مليون كم2، ان هذا المعادلة هي الخطر الحقيقي التي قد تدفع بإتجاه التمدد الجغرافي من قبل الصين، هذا ما تخشاه روسيا.

   ومن المخاطر الأخرى لمشكلة الخلل الديموغرافي وتأثيرها على العلاقة بين روسيا والصين هي: أن الصين قد دخلت إلى عمق الأراضي الروسية عن طريق بعض التجار الصينيين الذين عملوا على بناء مستوطنات حدودية نصف سكانها من حرس الحدود، حيث ان التجمعات التي نزحت من الصين إلى روسيا كانت تعمل تحت غطاء التجارة في تكوين تجمعات مستقرة كما حدث في مدينة(أوسوريسك)، هذا ما جعل من تزايد عدد المهاجرين الصينيين الى روسيا، وفي العام 2002م، آشار “ديمتري روجوزين” زعيم حزب رودينا القومي، والرئيس السابق للشئون الخارجية في مجلس الدوما، الى ان الخطر الاساسي على روسيا مصدره الجنوب، وليس الغرب، متهماً الصين بالتخطيط للاستيلاء على سيبيريا الجنوبية في المجال الديموغرافي، وإن لم يكن بالقوة، وفي العام 2006م، طلب “روجوزين” بوضع قوانين جديدة تساعد روسيا على الحماية والسيطرة على حدودها، خصوصاً للحد من تدفق الصينيين الذي اصبح وجودهم داخل الاراضي الروسية يمثل مصدر قلق بالنسبة لروسيا، مع ضرورة حث الروس على الانتقال الى المناطق الحدودية لصد التهديد الصيني لروسيا، وفي مواجهة هذه الاخطار التي تتعرض لها روسيا من خلال الانخفاض الكبير في عدد السكان، وما يرافقه من تدخل من الجانب الصيني على الحدود الذي أصبح يمثل قلق حقيقي من قبل الروس، حيث نرى: أن هدف التوسع الصيني باتجاه روسيا خاصة على حدود سيبيريا الجنوبية والشرق الأقصى: هو ذات بعد اقتصادي الواضح.

 أن الحل الوحيد الذي يخفف من عملية الخلل الديموغرافي ويقلل من التوسع الصيني تجاه روسيا هو: أحباط روسيا لمحاولة أستيلاء الصين على سيبيريا الجنوبية بسبب عامل القرب الجغرافي منها، والشرق الاقصى عن طريق التأجير الجزئي للسيادة لأكثر جيرانها اكتظاظا بالسكان. ولكن يتم ذلك تدريجياً ويتم تحويل التأجير إلى الملكية.                                              

    وفي نهاية هذا المبحث، وبعد دراسة الجانب السياسي المؤثر على العلاقة بين روسيا والصين، وعن طريق دراستنا لأهم الجوانب السياسية التي حدثت بين الدولتين منذ العام 2000م أي بعد تولي الرئيس الروسي(بوتين) للسلطة، حيث كانت إتفاقية التعاون وحسن الجوار التي وقعت في العام 2001م، من أهم الانجازات بين الدولتين بحيث كانت الاتفاقية بمثابة خارطة طريق جديدة، تبين مسار العلاقة بين الدولتين، وكذلك نجحت الاتفاقية في تحقيق تعاون كبير بين الدولتين في ظل الأوضاع التي تشهدها الساحة السياسية الدولية.

     أما بخصوص المشكلة الديموغرافية وتأثيرها في العلاقة بين الدولتين، حيث ترتبط المشكلة الديموغرافية للتعاون الإقليمي الروسي-الصيني بمجموعة قضايا: منها التأثير الصيني على المناطق المتاخمة، وهناك مفارقة واضحة إذا ما نظرنا الى الحدود الفاصلة بين روسيا والصين، فالصين تشهد كثافة سكانية عالية، في حين أنّ الكثافة السكانية الروسية مقارنة بنظيرتها الصينية صغيرة، ومن ثم هناك من يرى من القوميين الروس: أنّ هذه المسألة تشكّل خطراً وتهديداً لروسيا من باب: أن الانفجار السكاني الصيني لا بد وأن يدفع الصين في مرحلة من المراحل إلى التمدّد الجغرافي، فتكون روسيا هي الضحية، وتحدد المشكلة الديموغرافية بوجود تحولات جارية ومستقبلية في البنية الاجتماعية الروسية؛ بسبب توسيع طيف العلاقات الروسية-الصينية.

المبحث الثاني: الجانب العسكري والأمني في العلاقة الروسية-الصينية:

   ما من شك أن الحديث عن العلاقات التي تجمع روسيا والصين ترتكز على أساس تعزيز الشراكة في مختلف المجالات خصوصاً في المجالين: العسكري-الاستراتيجي، ولكنها  وبشكل دقيق ترتكز على أساس مصلحي وفق ما فرضته طبيعة الأوضاع الدولية، التي حتمت على الطرفين ضرورة إقامة علاقات أساسها التشاور والتعاون لمواجهة التحولات التي عصفت بالواقع الدولي.

    وقد تتباين الدول في مستوياتها العسكرية والأمنية، عند مقارنة عناصر قوتها العسكرية بقوة غيرها، إلاّ أنّ الامر الذي لا يختلف بشأنه هو أن القوة العسكرية والأمنية التي تمتلكها أي دولة بالإضافة إلى أنها تحمي أمن ومصالح الدولة من أي أعتداء سواء أكان على المستوى الداخلي أم الخارجي، كما تمثل القوة العسكرية متغير ضاغط يمارس تأثيره في سياسات الدولة، ولا تستطيع الدول أن تتجاوز واقعها العسكري في رسم وتنفيذ سياستها الخارجية، وتصميم علاقاتها الدولية، نظراً لكون مصالح الدولة واهداف قياداتها السياسية تبقى غير محمية من دون وجود واقع عسكري وأمني يحميها.

    وعن طريق ذلك، تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول: خصص للتعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي. فيما تناولنا في المطلب الثاني: التعاون في المجال العسكري  والتسلح.

المطلب الأول: التعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي:

  ان تطوير الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين، خاصة في المجال الأمني-الاستراتيجي يسهم في إنشاء نظام دولي جديد على اساس مبادئ التعايش السلمي وإحترام مصالح الدول كافة والحيلولة دون استمرار نظام دولي تهيمن عليه الولايات المتحد الأمريكية، ويضمن التنوع والعمل المتبادل للحضارات المختلفة، فضلاً عن العمل بفاعلية للبحث عن الحلول اللازمة للمشاكل الدولية ولمجابهة التحديات والتهديدات العامة التي تستهدف ارادة ووحدة وكرامة كل دولة.(1)

    وضمن التعاون والتنسيق الأمني-والاستراتيجي بين روسيا والصين، فقد كانت هنالك رغبة في خلق توازن استراتيجي بينهما يوازي السياسة الأطلسية الهادفة إلى توسع حلف الناتو شرق أوروبا من ناحية روسيا، ومخاوف الصين من توسع نطاق نشاط الحلف إلى خارج القارة الأوروبية، خاصة في منطقة حوض المحيط الهادي.(2) وهناك تفاهم روسي صيني ايضاً في بعض القضايا الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك منها: إحترام كل منهما مصالح الطرف الآخر وما يُعدّه مناطق نفوذ تمس أمنه القومي، حيث دعمت روسيا الصين في ضم تايوان إلى الوطن الأم وتكوين الصين الواحدة، بالمقابل فقد أيدت أيضاً الصين روسيا في إنضمامها إلى(منظمة التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا-الباسفيك)*

*منظمة التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا-الباسفيك: تأسست في العام 1989م، تتألف من(21)دولة، اهدافها: تسهيل التعاون الاقتصادي، تحرير التجارة، الاستثمارات، التعاون الاقتصادي والفني بهدف تحقيق النمو والرخاء للمنطقة. 

   أن العلاقات الروسية-الصينية قد شهدت تحسنناً واضحاً، خاصة في المجال الأمني-الاستراتيجي ذلك في إطار رؤية متقاربة أثمرت عن العديد من المواقف المتطابقة حيال الأوضاع الدولية، خاصة بعد العام 2001م، وما تمخض عنها من أحداث.

    فقد سعت الدولتين إلى تعزيز وتطوير الشراكة الاستراتيجية بينهما وذلك من خلال إجراء محادثات الأمن الاستراتيجي الروسية-الصينية منذ العام 2001م، إذ تأتي تلك المحادثات في ضوء مسعى الدولتين لتدعيم التنسيق في قضايا الأمن الاستراتيجية الرئيسية، حيث يلاحظ: أن العالم شهد هبوطاً متدرجاً لدور الولايات المتحدة الأمريكية مقابل تصاعد ملحوظ لدور روسيا والصين في النظام الدولي، وتدرك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مخاطر التأزم في العلاقات مع روسيا والصين، خاصة في المرحلة التي وقف فيها الاقتصاد الأوروبي والأميركي على حافة الهاوية على أثر الأزمة المالية العالمية في العام 2009م.

 أن روسيا تنظر إلى السياسة الأميركية على أنها مصدر خطر على المصالح الروسية،  كما تحذر روسيا من سياسة الولايات المتحدة العاملة على نشر منظومة “الدرع الصاروخي” في عدد من الدول وتعتبر ذلك تهديداً للأمن القومي الروسي، كذلك ترى روسيا: أن الوجود العسكري في أفغانستان والقواعد العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، هو بمثابة تطويق شامل للأمن الروسي يتكامل مع امتداد حلف الناتو في أوروبا الشرقية، أن مخاوف روسيا من التواجد الأمريكي في مناطق نفوذها, دفعتها نحو الصين من أجل أقامه علاقه استراتيجية معها لضمان مصالحها.

    حيث وجدت روسيا ان الهيمنة الأمريكية أصبحت تمس مصالحها الأمنية،  فقد قدمت الكثير من التنازلات على أمل ان تحضي بدور أكبر في السياسة الدولية، ولكن المصلحة كانت عكس ذلك الأمر الذي دفعها الى إعادة أحياء علاقتها مع حليفها القديم الصين، وذلك من خلال إتفاقية التعاون وحسن الجوار لعام 2001م، واتفاق استراتيجي للتعامل مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، أن في إدراك روسي ان نظاماً متعدد الاقطاب مؤلفاً من أكثر من ثلاثة دول يمتلك قوة كافية ليصبح ميزان القوى بواسطة حلفائها، وفي ظل هذا النظام ستكون بعض الدول اقوى من غيرها، ولكن أي منها سيكون غير قادر على الهيمنة على النظام الدولي، وفي الوقت ذاته فأنها جميعاً لديها الوسائل لمنع الهيمنة، أو يتم استقطابها مع محاور اخرى لأنشاء عالم جديد متعدد الاقطاب(1)

  كما أن اصرار الولايات المتحدة الأمريكية على أنشاء وتطوير(الدرع الصاروخي)، دفع روسيا إلى البحث عن مساحة للالتقاء مع الصين لمجابهة القوة الأمريكية، وتوسيع شبكة التعاون في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والتكنولوجية معها.

  أن التقارب والشراكة بين روسيا والصين ترمي الى تعزيز الثقة والأمن بين البلدين، فقد تعهد كلاهما  في العام 2001م، وضمن مبادئ إتفاقية التعاون وحسن الجوار بعدم استخدام السلاح بما فيها الاسلحة النووية ضد الطرف الاخر، أن أهمية هذا التقارب والتعاون أذا ما تطور الى مراحل متقدمة فانه سوف يعزز من موقف الصين ويجعلها اكثر اندفاعاً في مواجهة قوى مهيمنة في النظام الدولي تقع في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.      

      أن حاجة روسيا الملحة في ظل الهيمنة الأمريكية على العالم، إلى التحالف الاستراتيجي مع الصين، خدمة: لمصالح روسيا الحيوية، وضمان أمن الحدود الجنوبية لروسيا من خلال التنسيق المشترك مع الصين لوقف نشاط القوى الانفصالية والتطرف الديني التي تصعد عملياتها في مناطق الحدود المشتركة.(1)

    كما أن حاجة الصين إلى دعم وأسناد من قبل روسيا، خاصة بعد توسع دائرة النفوذ والهيمنة الأمريكية، وكذلك مواجهة التحالف الأمني الأمريكي-الياباني، وانطلاقاً من إدراك روسي-صيني مشترك مفاده: ان التقارب الصيني–الروسي يعد محاولة ممارسة ضغوط مضادة تعادل ما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية من ضغوط على الدولتين وللحد منه، وكما أن هذا التقارب تزامن مع تصاعد معدلات الضغوط الأمريكية على كل من الدولتين، وتأتي المصلحة المشتركة لروسيا والصين في توسيع نطاق تعاونهما لتخفيف الضغوط الأمريكية عليهما معاً من جهة، ومن جهة أخرى البحث عن مجالات للتعاون في المجالات العسكرية والاقتصادية لتحقيق لكل منهما مزيداً من القوة الجماعية والمنفردة لمواجهة أية ضغوط من القوى الخارجية، ومن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً.(2) وكذلك حاجة الصين إلى المعدات والتجهيزات العسكرية الروسية، فضلاً عن الخبرة والتكنولوجيا الروسية المتقدمة اللازمة لتحديث الصناعة العسكرية الصينية، مما دفعها للحصول على تقنيات عسكرية متطورة من روسيا، الأمر الذي يساعد الأخيرة على دعم صادراتها بصورة عامة وبما يحسن الوضع الاقتصادي الروسي بشكل خاص.

   وترى الصين: ان التعاون مع الجار الشمالي روسيا، سيحقق لها جزءاً من مبتغاها الذي ما انفكت تعمل من أجله، وهو خلق بيئة أمنية آمنة حولها، من خلال تأمين حدودها وعدم إثارة مشكلات إقليمية، كمشكلات الحدود التي تمس سيادتها وتزعجها بين الحين والاخر، وبهذا الصدد فقد عملت الصين مع روسيا على حل المشاكل الحدودية، المعلقة بينهما عن طريق الحوار.

   أما روسيا فهي ترى: ان الشراكة الاستراتيجية مع الصين ستكون بالنسبة لها وسيلة لإحلال الاستقرار في آسيا الوسطى، ولضمان أمن حدودها الجنوبية، لاسيما اذا توسعت هذه الشراكة وشملت الى جانب الصين كلاً من الهند وايران في مرحلة لاحقة، فقد كانت الاعتبارات الأمنية هي التي رسمت توجهات العمل السياسي لدى روسيا والصين في آسيا الوسطى.

   وضمن التعاون والتنسيق الأمني-الاستراتيجي بين كل من: روسيا والصين في منطقة آسيا الوسطى، كان تأسيس منظمة(شنغهاي) في العام 2001م، وهو ما سوف نتطرق له في الفصل القادم بالتفصيل، حيث جاء تشكيل منظمة(شنغهاي) تأكيداً على استمرارية النهج الأمني في السياسة الخارجية لكل من الدولتين، واستكمالاً للمباحثات الأمنية الروسية-الصينية التي إنطلقت منذ عام 1996م، ما يعطي مؤشراً على نوعية الحراك الروسي-الصيني في هذه المرحلة الحاسمة في النظام الدولي.

    أما بالنسبة لقضية مكافحة الإرهاب نرى: ان كل من: روسيا والصين قد دعمت وبقوة الولايات المتحدة الأمريكية في محاربة الارهاب، خاصة بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، واشتراكهما في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أدراكاً منهما خطورة القضية على أمنهما الداخلي وعلى مصالحهما العليا مع الولايات المتحدة، ووجدت كل من: روسيا والصين في قضية مكافحة الارهاب الدولي، خطوة إيجابية في تعزيز وتطوير العلاقة الأمنية والعسكرية بينهما، لكن من جهة أخرى شعرت الدولتين بخوف من الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الارهاب، الرامية إلى إحتواء وتطويق الدولتين، خاصة في منطقة آسيا الوسطى، كما تعهد الطرفان بالتعاون لمواجهة الإرهاب، والانفصال، والتطرف، وهي إشارات إلى هواجس روسيا والصين من التطورات السياسية في كيسنجان الإسلامية في الصين، وآسيا الوسطى، والشيشان، حيث عارضت الدولتان التوجهات الجديدة التي تدفع إليها الولايات المتحدة، سواء بالفعل من طرف واحدة، أو تحت غطاء الأمم المتحدة، فإن البلدين أكدا انهما يعملان على تطوير علاقات التنسيق والشراكة الاستراتيجية الشاملة لحماية المصالح الأمنية، وحماية الاستقرار الإقليمي والسلام العالمي.

   وإنطلاقاً من مساعي روسيا الرامية لبناء دور جديد لها ينسجم مع تطلعاتها الإقليمية والدولية، فقــد وضُعت القيادة الروسية أمام خيارات جديدة، كان في مقدمتها التوجه نحو إقليم آسيا-الباسفيك لدعم نفوذها وحماية مصالحها فيه، ومن أجل استثمار الاوضاع المستمدة في طبيعة البيئة الاقليمية، وعن طريق تفعيل هذا التوجه، أقدمت روسيا على تطوير علاقاتها مع الصين، الى جانب تحسين علاقاتها مع كوريا الجنوبية، وإزالة الصواريخ النووية الروسية المتوسطة المدى في الشرق الأقصى، وتخفيض أعداد قواتها في هذه المنطقة، إلى جانب زيادة إجراءات بناء الثقة على الحدود مع الصين، والتي كانت في السابق سبباً للعديد من الازمات بينهما.

المطلب الثاني: التعاون في المجال العسكري والتسلح:

   في أعقاب العمليات العسكرية لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في يوغسلافيا واعلان الرئيس الأمريكي الأسبق(كلينتون)استكمال العمل على منظومة الدفاع الصاروخي، أتصف الاعلان الروسي-الصيني المشترك في كانون الاول من العام 1999م، بتوجيه النقد لواشنطن وسياساتها الأمنية، حيث بدء الاعلان بتوجيه الدعوة إلى كل الدول لبناء عالم متوازن ومتعدد الأقطاب، أن سبب التخوف الروسي-الصيني من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية هو: من أن تستخدم حلفاءها بمن فيهم تايوان لنشر منظومة الدرع الصاروخي في منطقة آسيا-المحيط الهادي، كما رفضت كل من: روسيا والصين تحركات الولايات المتحدة الأمريكية ضد يوغسلافيا باعتبارها تجاوزاً على سلطة الامم المتحدة.

    وهنالك عدة قضايا ومشتركات تجمع ما بين روسيا والصين في الجانب الأمني والعسكري منها شعورهم بالاستهداف من قبل الغرب بصورة عامة، والولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة، مما أدى ذلك إلى: الحاجة لتبني سياسة أمنية مشتركة مع تنسيق المواقف والسياسات حيال قضايا استراتيجية ذات صلة بمصالحهما العليا.

   وكذلك المواقف المشتركة الروسية-الصينية تجاه نظام الدرع الصاروخي الأمريكي حيث تقدمت كل من: روسيا والصين بمقترح في 7حزيران من العام 2002م، إلى مؤتمر نزع السلاح في جنيف لعقد إتفاقية دولية تحظر نشر أسلحة صاروخية في الفضاء، كرد فعل تجاه القرار الأمريكي بالانسحاب من إتفاقية عام 1972م للأسلحة الصاروخية.

  ان عدم الاستقرار في دول آسيا الوسطى، والذي بدأ مع تفكك الاتحاد السوفيتي كان سببه عوامل داخلية، فضلاً عن وجود مسببات خارجية متصلة بطبيعة الصراع والتنافس ما بين عدة دول إقليمية لغرض تعزيز نفوذها في تلك المنطقة، كما أن تفكك الاتحاد السوفيتي أدخل معطيات جديدة في السياسة الدولية، إذ أصبح النظام الدولي أحادي القطبية، وترتب عليه أيضاً تداعيات سياسية وأمنية كانت تغري بدخول دول وقوى كبرى لوسط آسيا، بحيث مثل هذا أيضاً أغراء لروسيا للنفاذ في الإقليم بقوة.

  وفي ما يتعلق الأمر في التعاون الأمني والعسكري في منطقة آسيا الوسطى، يلاحظ: أن روسيا وأنّ وافقت على الجهود الأمريكية لمحاربة الأصولية الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى، على أعتبار أن هذا الهدف يتوافق مع المصلحة الروسية، إلاّ أنّ روسيا لا تريد من هذه الجهود أن تؤسس لحضور عسكري وسياسي أمريكي فاعل في المنطقة, ومن المواقف الأخرى في التعاون والتنسيق المشترك هو معارضة التدخل العسكري الأمريكي في العراق عام 2003م.

   أما التعاون الأمني والعسكري في منطقة آسيا-المحيط الهادي، لاشك أن تلك المنطقة شهدت متغيرات جديدة في التوازن الإقليمي، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث سعت كل من الدولتين إلى تقليص النفوذ والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مع أضعاف التحالف الأمريكي الكوري الجنوبي، والعمل على فكل ارتباط كل من اليابان والهند بالولايات المتحدة الأمريكية، لأن تحالف مثل هذا: سوف يهدد مصالح روسيا والصين في المنطقة.

 لقد كان للاتحاد السوفيتي السابق في مرحلة الخمسينيات دوراً مهماً في تحديث القوات الصينية عندما كانت الحرب الباردة تستدعي من الدولتين الاشتراكيتين موازنة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد زود الاتحاد السوفيتي الصين بالأسلحة التقليدية لتطوير قدراتها الحربية، وكذلك لبناء صناعة الدفاع الصينية، وعلى الرغم من حصول تدهور في العلاقات السوفيتية-الصينية منذ منتصف ستينات القرن الماضي وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي, إلاّ أنّ إتجاه الصين لتطوير قدرتها العسكرية لم يصل إلى مرحلة تستطيع بها تأمين قدرات دفاعية توازي قدرات الغرب أو روسيا، ومازالت الصين تعتمد في تحديث أسلحتها على الخارج، وفي العام 2000م، إندفعت الصين إلى روسيا لتزويدها بالأسلحة والمعدات العسكرية بمختلف صنوفها وأهما: الطيران، والقدرات البحرية وغيرها من المعدات الأخرى، وأعطيت الصين اهتماماً لتحديث قدراتها البحرية فحصلت من روسيا على مدمرات، ثم زودت بصواريخ مضادة للسفن.

   ويُعدّ التعاون في المجال العسكري والتقني بين روسيا والصين ذات أهمية كبرى، أذ تستورد الصين كميات كبيرة من الاعتدة والمساعدات التقنية والمهارات من المصانع العسكرية في روسيا، وقد إرتفعت أرقام المبيعات الروسية من السلاح إلى الصين بعد وصول الرئيس(بوتين) إلى سدة الرئاسة في العام 2000م، وقد زار بوتين الصين في تموز من العام 2000م، وتوج زيارته هذه بتوقيع إتفاق استراتيجي حول “التعاون التكنولوجي المتعلق بالقضايا العسكرية كجزء من الخطة المشتركة لتعميق العلاقات الاستراتيجية الروسية-الصينية وتنميتها. وبطبيعة الحال، تستفيد روسيا كثيراً من الطلب الصيني على الأسلحة والتكنولوجيا الروسية، ولكن الصين مستفيدة وبشكل أكبر أيضاً، وذلك عن طريق حصولها على التقنيات العسكرية الروسية المتطورة والتي تفتقد هي إليها خاصة في الغواصات والمدمرات والأسلحة الدقيقة.

   وبتوقيع اتفاقية التعاون وحسن الجوار في العام 2001م، في المجال العسكري، وعندما زار الرئيس الروسي(بوتين)، الصين في كانون الأول من العام 2002م، توسع التعاون واتفق الطرفان على بقاء الاتفاقيات في المجال العسكري سرية.

   وضمن التعاون بين الدولتين في مجال التسلح، قد أعربت الصين عن حاجتها إلى شراء غواصات نووية، ونقل تقنية عسكرية متقدمة للنهوض بالصناعات العسكرية الصينية، حيث دفعت الصين في العام 2002م،(5,8) مليار دولار للحصول على طائرات سوخوي(27) و(30)مليار دولار لشراء مدمرتين، و(1,5)مليار دولار للحصول على منظومة دفاع جوية، و(800)مليون دولار مقابل أربع غواصات تقليدية، حيث تمثل العروض الصينية في مجال التسليح والصناعات العسكرية مصدر مورد أساسي للصناعات الحربية الروسية.

   أن الصين تمثل السوق الرئيسي للسلاح الروسي، وتستأثر وحدها بما يزيد على(50%)من أجمالي مبيعات الأسلحة الروسية التي تعدها روسيا احد أهم مصادر الدخل القومي، حيث يتراوح العائد من صادرات الأسلحة للصين وحدها بين(1 و(1.5 مليار دولار سنوياً، هذا إلى جانب العائد من تدريب الضباط الصينيين في المعاهد العسكرية للنقل، وفي العام 2004م اشترت الصين طائرات قاصفات من طراز(M3-TU22) وكذلك(TU95)عابرة للقارات وحاملة لأسلحة نووية، وبما أن الحظر على بيع الأسلحة للصين مازال قائماً منذ أحداث ساحة( كيان تيانمن) في العام 1989م فإن ليس أمام الصين مورد غير روسيا كي تتم عملية تحديث قدراتها العسكرية.

   وأصبحت الصين ثاني أكبر مستورد للسلاح الروسي في العام 2004م، بعد الهند، وحصلت الصين وحدها على(50%)من صادرات السلاح الروسي، ووافقت روسيا خلال زيارة الرئيس بوتين للصين في تشرين الاول من العام 2004م، على تزويد الصين بمنظومة الدفاع الصاروخية(إس300) المنافسة لمنظومات الدفاع الصاروخية الأميركية، والتي كانت واشنطن قد حصلت على تعهد من الرئيس الروسي الأسبق(يلتسين) بعدم تصديرها لأي جهة أجنبية.

  كما أن الصين تعتمد اعتمادا كبيرا على روسيا في مجال إمدادها بالأسلحة، ولا يقتصر التعاون العسكري على عملية التجارة والتجديد والصيانة فقط، ولكن امتد التعاون إلى المجال الاستراتيجي والتدريبي والتخطيطي، من خلال إجراء المناورات المشتركة كتلك التي أجريت في آب من العام 2005م، أمام ميناء(فلاديفاستوك) الروسي وشبه جزيرة(شاندونج) الصينية على ساحل المحيط الهادي.

    وزودت روسيا الصين بحوالي(95%)من احتياجاتها العسكرية في العام 2005م، بما في ذلك غواصات(كيلو-كلاس) ومدمرات(سوفيرمني-كلاس)، وكذلك وقعت الصين في هذا الاطار عدة صفقات تسليحية مع روسيا تصل قيمتها الى المليارات من الدولارات وأبرزها(200)، طائرة قتالية طراز(سي يو27)و(24) وطائرة قتالية طراز(سي يو30)، و(8)غواصات طراز(كليب كيلو)، وغواصات طراز(سوف رميني)، و(3) طائرات إنذار مبكر طراز(إيه 50)، فضلاً عن نظم الرادار والصواريخ الخاصة بتشغيل وتسليح هذه الأسلحة.

  وضمن التعاون في المجالين: العسكري والتسلح بين الدولتين اشترت الصين خلال المدة الممتدة بين الأعوام(1992-2009م)أسلحة روسية بنحو(28)مليار دولار، فإنّ التعاون العسكري يظل ركيزة هامة للعلاقات التحالفية بين الدولتين، وخير دليل على كذلك، ما قامت به الصين في إطار التعاون العسكري والتسلح، حيث تعاقدت الصين مع روسيا في العام 2009م، على شراء(48)مقاتلة روسية من نوع(سوخوي-35)متعددة الأغراض، وكذلك شراء أربع غواصات تعمل بوقود الديزل، وفي العام 2012م، وقعت روسيا والصين اتفاقية إشترت بكين بموجبها(55) طائرة مروحية من طراز(مي-171).

    وفي نهاية هذا المبحث،  نرى: أن التعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي والتعاون العسكري والتسلح، يحتل اهمية كبرى، إذ يمثل البُعد العسكري في تقديرات الصين لعلاقاتها مع روسيا غاية من الأهمية، فمن الناحية الاولى/ترى الصين ان تفكك الاتحاد السوفيتي لم يفقد لروسيا القدرات العسكرية والأمنية، فهبوطها من مرتبة القوة العظمى الى درجة القوى الكبرى لم يمنعها من الاستفادة من القدرات النووية الاستراتيجية، وكذلك احياء التطور التقني لمواصلة الثورة في التقنية العسكرية، كما وان روسيا استطاعت الحفاظ على ترسانتها النووية فهي قادرة على القيام بعملية الردع العسكري، اذا ما تعرضت إلى هجوم، إذ اشتملت العقيدة الروسية في حقبة التسعينيات من القرن الماضي على خمسة مبادئ أساسية تصب في خانة القضايا ذات الاولوية في مدركات التفكير الاستراتيجي الروسي، ولعل أبرزها: كيفية إحتواء التهديدات العدوانية، أذ ركزت القوات المسلحة الروسية على بناء قوات عسكرية كافية لمواجهة التهديدات المحتملة. أما بالنسبة للصين التي اعتمدت في السابق في الجانب العسكري والأمني على سياسة الاعتماد الذاتي في المجال العسكري، فأنهّا في الوقت الحاضر تسعى جاهده للحصول على منظومات الأسلحة التي للصين حاجة كبيرة إليها وهي تقوم بعملية تحديث قدراتها الدفاعية.

المبحث الثالث: الجانب الاقتصادي والثقافي-الحضاري في العلاقة:

   لا تتوقف العلاقات الدولية عند اشكال أو مظاهر التفاعلات السياسية والعسكرية والأمنية، وإنما هناك مظاهر أخرى للتفاعلات الدولية، وهي التفاعلات الاقتصادية والثقافية-الحضارية.

   ويشكل البعد الاقتصادي والثقافي-الحضاري أهمية كبرى من بين القضايا المتعلقة في العلاقات الروسية-الصينية، ويُعدّ في نفس الوقت واحد من بين الجوانب المهمة التي تربط الدولتين، ذلك بحكم عمق وأهمية العلاقات بين البلدين ورغبتهما في تطوير وتنمية اقتصادهما عن طريق التعاون في مجالات الاقتصاد والعلم والمعرفة والمجالات الثقافية، فقد أصبحت سمة التعاون هي السائدة في العلاقة بينهما، لاسيما في مجال الاستثمارات المتبادلة، وتبادل الخبرات وتعميق التعاون في المجال الثقافي والحضاري، كما يعد العامل الاقتصادي أكثر فاعلية في تطوير العلاقات الروسية-الصينية بعد الحرب الباردة، خاصة في منطقة آسيا الوسطى، حيث نرى: أن هناك تنسيق وتعاون مشترك من أجل تدعيم الجانب الاقتصادي بينهما في تلك المنطقة.

   وفي ضوء ما تقدم، سوف نعالج في هذا المبحث الجوانب الاقتصادية والثقافية-الحضارية بين البلدين، حيث تم تقسيم المبحث إلى ثلاثة مطالب: تناولنا في المطلب الاول: العلاقات التجارية بين الدولتين. أما المطلب الثاني فقد خصصناه لأهمية النفط الروسي والتعاون في مجال أمن الطاقة. وتناولنا في المطلب الثالث: التعاون الثقافي-الحضاري بين الدولتين.

المطلب الأول: العلاقات التجارية:

   أن الاهداف والمصالح المتبادلة المشتركة بين البلدين دفعت  كل منهما الى تعزيز وتطوير علاقتها مع الاخرى، لا سيما أن اقتصاد كل منهما يتسم بالتكامل مع اقتصاد الاخر، هذا ما يتطلب توافر الجهود لكي يكون هناك تعاون اقتصادي مشترك بين البلدين في مختلف الجوانب.

   وتعتبر روسيا شريكاً تجارياً قوياً للصين، حيث ازداد ارتباط الصين بموارد الطاقة الروسية، كما ازداد ارتباط روسيا بالاستثمارات والتكنلوجيا الصينية، وبتجربة الصين في ميدان التكامل مع الاقتصاد العالمي، ففي العام 2000م، بلغ التبادل التجاري بينهما نحو(7)مليارات دولار،   وعـــــــــــدّت الصين ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا بعد ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا شك في أن الإمكانات المتاحة للبلدين تتيح الفرصة لمضاعفة التبادل التجاري بينهما، ولمزيد من التعاون في المجال الاقتصادي.

   وكذلك يلاحظ: بأنّ إنضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية آواخر لعام 2001م، أسهم في تنشيط حركة التبادل التجاري بين روسيا والصين، لذا يبدو بأن كلا البلدين عازمان على تعزيز وتقوية صلاتهما الاقتصادية مع بعضهما البعض، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين ما بين الأعوام(2001م-2010م)، من(7)مليار دولار إلى(60)مليار دولار فمتوسط النمو السنوي للتبادل التجاري بين البلدين قد بلغ(30%).(

   كما كانت الرغبة الروسية في جذب الاستثمارات الصينية إلى روسيا، عن طريق خلق مناخ إستثماري ملائم في مناطق سيبيريا الجنوبية والشرق الأقصى لتطويرها، واستغلال الثروات الطبيعية فيها، وقد حرص القادة الروس على إشراك رجال الاعمال الروس من الذين يديرون شركات تعمل على طول مناطق الحدود المشتركة بين البلدين في الزيارات التي قاموا بها للصين، والحرص على مقابلة رجال الاعمال والمستثمرين الصينيين، بهدف تشجيع الاستثمار ودفع التجارة بين البلدين إلى الأمام، ففي العام 2002م، استثمر نحو(1100)مشروع روسي في الصين بقيمة(250)مليون دولار أمريكي.(1) وصدرت الصين في العام(2002م)،ما قيمته(3,5)مليار دولار واستوردت من روسيا(8,4)، مليار دولار. أما بالنسبة لحجم التبادل التجاري بين روسيا والصين في العام 2004م، قد بلغ (15,76)مليار دولار، وقد اقتربت من(20)مليار دولار في العام 2005م.

   وخلال العامين(2006–2007م) تطور التعاون في مجال التجارة والاستثمارات والطاقة، كما أقيمت ندوات روسية-صينية لممثلي قطاع الأعمال، وقد بلغ حجم التجارة بين روسيا والصين في العام 2006م، نحو(34)مليار دولار، ثم ازداد في العام 2007م، ليصل إلى(48,16)مليار دولار، وازداد التبادل السلعي الروسي-الصيني في العام 2008م، بالمقارنة مع العام 2007م، بنسبة(38,7%)، وبلغ قيمته نحو(55,9)مليار دولار، وازداد التصدير الروسي إلى الصين في العام نفسه وبنسبة(33%)، كما ازداد الاستيراد الروسي من الصين بنسبة(42,3%)، وبلغ العجز في تجارة روسيا مع الصين  في العام 2008م، ما قيمته(13,5)مليار دولار، وشغلت الصين في العام 2008م، المرتبة الثالثة بقائمة الشركاء في التجارة الخارجية مع روسيا، وذلك بعد ألمانيا وهولندا، إذ بلغت حجم التبادل التجاري الخارجي لروسيا في العام 2008م، ما نسبة(7,6%).

  ويلاحظ ابتداءاً من العام 2008م، انخفاض حجم التبادل السلعي مع الصين، وذلك على خلفية الازمة المالية والاقتصادية العالمية، ففي العام 2009م، وقعا على خطة للتعاون الاستثماري المشترك بينهما، وقد بلغت حجم الاستثمارات الصينية في روسيا(5%) من إجمالي حجم الاستثمارات الصينية الخارجية في العام 2004م، ومخطط لها أن تصل(12%)بحلول العام 2020م، وتم أيضاً في العام 2009م توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية بين الأقاليم والمؤسسات الاقتصادية في كل منهما، أما بخصوص نسبة التبادل التجاري بين روسيا والصين في العام 2009م، فنرى أنها إنخفضت مقارنة مع العام 2008م، إذ انخفض التصدير الروسي إلى الصين بنسبة(41%) وتقلص الاستيراد الروسي من الصين بنسبة(36%) الامر الذي أنعكس سلبياً في تجارة روسيا مع الصين بقيمة(1,5)مليار دولار.

   وعن طريق المؤشرات السابقة بالنسبة للتعاون التجاري، يلاحظ: أن هناك تزايد وتنامى في العلاقات التجارية بين الدولتين، حيث شغلت الصين في العام 2009م، المرتبة الاولى في التجارة الروسية الخارجية، وذلك بالرغم من انكماش حجم التجارة المتبادلة معها، أما بالنسبة لحجم التبادل التجاري في العام 2011م، فقد شهد ارتفاعاً كبيراً ليصل إلى أكثر من(70)مليار دولار، بزيادة نسبة(55,6%) وبلغت قيمة الصادرات الصينية إلى روسيا(38,9)مليار دولار، بزيادة (31,4%)، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين(88)مليار دولار في العام 2012م، وبحلول نهاية العام 2012م، إستثمرت الشركات الصينية(4,4) مليار دولار في روسيا، وقرر قادة البلدين تحقيق زيادة في حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى(100)مليار دولار بحلول العام 2015م، وإلى(200)مليار دولار بحلول العام 2020م، وهو ما يعنى: أن الصين قد ضمنت لنفسها أن تظل الشريك التجاري الأول لروسيا على امتداد العقود القادمة.

    أن من أسباب التقارب الروسي-الصيني يعود إلى(القوة الاقتصادية) التي تمتلكها الصين وما للصين من تأثير على عملية التبادل التجاري بينها وبين روسيا، خاصة في منطقة دول حوض المحيط الهادي-الآسيوي إيجابياً أو سلبياً، فضلاً عن احتمال أن تكون الصين كتلة باسيفيكية اقتصادية في شرق المنطقة، خاصة أن عودة(هونغ كونغ) إلى الصين في العام 1997م، زادت من قوة الصين الاقتصادية إلى الضعف، مع احتمالات عودة تايوان للصين الام، وما تحمله من قوة اقتصادية مضافة للصين يمكنها أن تدعم العلاقات الاقتصادية مع روسيا وبقية دول المنطقة. ومن بين الاهتمامات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، نرى: أن هناك استثمارات كبيرة بين البلدين، وخير دليل على ذلك هو: وجود أكبر مشروع أستثمار صيني في روسيا، حيث بدأ تنفيذه في أذار من العام 2006م، ويبلغ أستثمار هذا المشروع حوالي(1,384)مليار دولار تقدمها سبع شركات صينية كبيرة، حيث يقدر: أن استثمارات الصين في روسيا ستصل في العام 2020م، إلى(12)مليار دولار.

   ومن الأسباب الاخرى التي ساعدت على التقارب الروسي-الصيني في المجال الاقتصادي هي: الضغوطات الأمريكية على عجلة البناء والتقدم الصيني عن طريق فرض الضرائب على البضائع الصينية، وغيرها من الممارسات لإضعاف التقدم الاقتصادي الصيني، لذلك شعرت الصين خطورة ذلك على اقتصادها، فذهبت إلى تعزيز وتطوير علاقاتها مع روسيا، كما وأن روسيا لها دوافع في تقاربها مع الصين، فهي تمارس عليها نفس الضغوطات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عَبِرَ القروض الدولية، والمساعدات الاقتصادية التي تحتاجها روسيا، هذا ما دفع روسيا نحو تطوير وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين.

  وفي ظل هذه الظروف، أصبحت روسيا شريكاً أكثر قبولاً للصين، وهناك عدة أسباب لذلك نذكر منها. وهي:

 أولاً: إن روسيا ليست عضواً في منظمة الدول المصدرة للنفط(أوبك)، ومن ثم فهي تتمتع بحرية أكبر في تقرير سياستها الاقتصادية، وبخاصة سياسة إنتاج وتصدير النفط.

 ثانياً: مع صعود(بوتين) إلى الرئاسة في العام 2000م، أصبحت السياسة الخارجية الروسية أكثر توجهاً نحو آسيا.

 ثالثاً: أن التعاون الاقتصادي المتنامي بين البلدين في المجالات المختلفة أظهر بالفعل: ان روسيا قد تكون عنصراً يمكن الاعتماد عليه لأمن الطاقة الصينية.

رابعاً: ان روسيا تسعى عن طريق تقاربها مع الصين اقتصادياً، ولاسيما تجارياً للاستفادة من علاقاتها مع الصين في تعزيز مكانتها ونفوذها السياسي والاقتصادي في منطقة آسيا الوسطى، خاصة وأن روسيا تعد الشريك التجاري الأكبر للصين في تلك المنطقة، وخير دليل على ذلك الانضمام إلى منظمة(شنغهاي)، حيث سعت روسيا وعن طريق المنظمة إلى الاقتراب من دول آسيا الوسطى من أجل تدعيم الاقتصاد الروسي، وكذلك عودة النفوذ والتأثير السياسي والاقتصادي الروسي في المنطقة.(1)

  وفي ضوء تلك المؤشرات الايجابية بخصوص حركة وواقع التبادل التجاري بين البلدين، فضلاً عن المشاريع الاستثمارية المشتركة، كلها تُعدّ مؤشرات توضح مدى تكامل اقتصادات البلدين فيما بينها، وعن طريق ذلك تبين لنا: ان العلاقات الاقتصادية بين البلدين تسير إلى الأمام من أجل تحقيق نمو اقتصادي في كلا البلدين، مما يعزز من شراكتهما الاستراتيجية.                 

المطلب الثاني: المصالح النفطية والتعاون في مجال أمن الطاقة:

     ما تزال العلاقات الاقتصادية الروسية-الصينية تشكل بوابة واعدة لتقوية العلاقات والاستثمارات المشتركة، لا سيما في القطاع النفطي وقطاع الطاقة بشكل عام، أن الصين تمثل سوقاً مستقراً ومزدهراً للنفط والغاز، وإن السياسة الصينية لتأمين الحصول عليهما مرتبطة بمقيدات علاقات الصين في السياسة الدولية من جهة، وبسياسة إدامة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى، ومن المبادئ الأساسية في سياسة النفط الصينية: تعدد مصادر التزويد بالنفط والغاز، وإمكانية الاستثمار والمشاريع المشتركة، والقرب الجغرافي، خاصة من أقاليم الصين التي بها حاجة إلى التنمية. لقد اسهمت الطاقة الروسية بدور كبير ومهم في تنمية العلاقات الثنائية السياسية والاقتصادية الروسية-الصينية وتطويرها منذ العام 1996م، وبشكل متزايد، ومنذ زيارة الرئيس الصيني(يانغ زيمين) لروسيا العام 2000م، والعلاقات في مجال الطاقة تتسارع وتكبر.(

   إذ وقعت شركات النفط في الدولتين إتفاقاً ضخماً في العام 2001م، يهدف إلى إنشاء أنبوب نفطي طوله(2400) كم، مع قدرة على نقل ما بين(25-30)مليون برميل سنوياً، كما تبلغ كلفته ما بين(3-5,2)مليار دولار تقريباً، وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن الصين ستحصل عبر هذا الأنبوب في حال إنجازه بشكل كامل على مليون برميل يومياً من حقول(أناغارسكز)، من النفط الروسي.

   وقبل أن تحدث قضية شركة (يوكوس)* الروسية كانت شركة(CNPC) الصينية وقعت معها في حزيران من العام 2003م، مذكرة تفاهم حول المشروع، واقترح(بوتين) فيما بعد إعطاء الصينيين حصة في الشركة التي تنتج(1%)من نفط العالم الخام، وكان(بوتين) يأمل بذلك: ان يعيد النفط تسخين العلاقات الروسية-الصينية الباردة تاريخياً.

  لكن العام 2003م، شهد أيضاً تطوّر بعض المشاكل في العلاقات الثنائية، وذلك نتيجة تجميد مشروع خط أنابيب نقل النفط الخام من روسيا إلى الصين المعروف اختصاراً باسم خط(إن دي)، وهما الحرفان الأوّلان للمدينة الروسية التي سينطلق منها الخط، والمدينة الصينية التي سيصب فيها، والواقع: ان روسيا هي التي بادرت في تشرين الثاني من العام 1994م، بطرح هذا المشروع حيث وقّعت إتفاقية بين الحكومتين في هذا الصدد في تموز-وأيلول من العام 2001م.

*(قضية شركة يوكس): تعد شركة يوكس النفطية الروسية الشركة العملاقة الأولى لإنتاج النفط ومشتقاته في روسيا، على من ارتفاع نسبة انتاجها من النفط 100% في أثناء الأعوام الثلاثة(2001-2002-2003) ليصل معدل البرميل إلى(1,7) مليون برميل يومياً، أي(29%) من إجمالي الإنتاج النفطي في روسيا، إلاّ ان هذه الشركة واجهت تحدياً عنيفاً تمثل  في مطالبة الحكومة الروسية اياها في تشرين الثاني من العام 2004م، بسداد ضرائب ضخمة تصل قيمتها إلى(14) مليار دولار، منها(4) مليار دولار كانت الشركة مدينة بها عن عامي(2001-2002)، و(3,4)مليار دولار ضرائب مدينة بها الوحدة الرئيسة المنتجة للنفط(يوجانسك)التابعة ليوكس، فضلاً عن ضرائب أخرى تقدر بنحو(6,7) مليار دولار، وكان مبلغ الــ(14)مليار دولار يقدر بحوالي ضعفي القيمة السوقية لأسهم الشركة في البورصة، ما يعني أنها أصبحت من دون قيمة حقيقية، لأن قيمة أصول الشركة كلها لم تكن كافية لتغطية المبالغ المستحقة عليها، ونتيجة لهذه الأزمة شنت السلطات القضائية الروسية حملة لإلقاء القبض على معظم المسئولين الكبار للشركة أبرزهم رئيس الشركة الملياردير اليهودي(ميخائيل خودوركوفسكي).                                            

                                  
    إلاّ أن الحكومة الروسية قامت فجأة، وبعد شهر من توقيع الاتفاقية في آيار من العام 2003م، بتغيير رأيها، مفضلة التعاون مع اليابان في المشروع  بدلاً من الصين عبر مد خط أنابيب أطلق عليه اختصاراً خط (إن إن)، ومنذ ذلك الحين لم يتخذ بشأنه خطوة واحدة على الرغم من الوعود كافة الصادرة عن الجانب الروسي بإلتزام تشييده، ان الجانب الروسي لم يغير رأيه إلاّ نتيجة تضارب المصالح بين كتل المصالح داخل روسيا، وخلفيات كتل المصالح الروسية في غاية التعقيد، فكل كتلة من هذه الكتل عادة ما تقوم بالضغط والتأثير على الحكومة للمحافظة على مصالحها الذاتية، إذ قامت الصين بالضغط على روسيا من أجل الحصول على أنبوب النفط آنذاك، وذلك خلال القمّة التي عقدها الرئيس الصيني(هو جنتاو)مع الرئيس الروسي(بوتين) في 15تشرين الأول من العام 2004م، حيث طالبت الصين بالحصول على صفقة خط الأنابيب من أجل زيادة إمداداتها من النفط، وقال مجلس التجارة الصيني الروسي والذي تتمتع فيه الصين بتأثير كبير: إنّ الصين مهتمة جداً بالحصول على الصفقة، وبعد قضية(يوكوس) ربما سيكون البديل المتاح أن تقوم شركة(تران سنفت)الروسية بنقل النفط السيبيري إلى ميناء(ناخودكا)الروسي على المحيط الهادئ، ومنه بالناقلات البحرية إلى الموانئ الصينية المجاورة، ومن المتوقع أن يزيد هذا الأنبوب النفطي في حالة تم تزويده، من حجم التجارة المتبادلة بين روسيا والصين بنسبة 5(%)عما هي عليه في العام 2005م، وإضافة إلى النفط.

   وما زالت مشاريع نقل الغاز الطبيعي من سيبيريا عند مدينة(أركوتسوك) تنتظر تدبير(12) مليار دولار لمدّ أنبوب للغاز وفق تقديرات العام 2005م، وستحصل الصين حين إتمامه على ملياري قدم مكعّب يومياً من الغاز الطبيعي، وعلى الرغم من أن الصين حريصة على إتمام تلك المشاريع وتظهر جدية في التعاون مع روسيا مشترطة إلاّ تزاحمها اليابان في حصة من التصدير، فإنهّا لا تضع ثقلها كله على المصدر الروسي.

   وأصبح تأمين الامدادات من الطاقة واحدة من الاعتبارات الرئيسية التي تصوغ بها الدول سياساتها وعلاقاتها الخارجية؛ وأن جوانب الطاقة تقود لتحالفات ونماذج جديدة للتعاون بين الاطراف الرئيسية لسوقها من جانب، بحيث صارت الاحتياجات من الطاقة من ناحية أخرى مصدراً وسبباً للتوترات والصراعات الدولية على مختلف المستويات.(1)

    أن رغبة الصين في تنوع مصادر وارداتها النفطية، وزيادة الاعتماد على النقل البري أكثر من الممرات البحرية، مع تكامل رغبة روسيا في تنويع أسواقها النفطية خارج أوروبا، فقد عملت كل من: روسيا والصين وفي إطار منظمة(شنغهاي) تعاون كبير في مجال أمن الطاقة في منطقة آسيا الوسطى، لِمّا تمتلكه المنطقة من موارد وطاقات هائلة تمثل نقطة التقاء بين البلدين.(2)

   وكذلك وبسبب المخاوف التي باتت تهدد أمن الطاقة، عمدت الصين للتعاون وبشكل كبير مع جارتها روسيا في هذا المجال، ذلك لتوفير ممرات طاقة آمنة وبديلة يعكس عن طريقها تجنب استخدام خطوط الاتصال البحرية المعرضة للخطر، ففي هذا المجال تم الانتهاء في كانون الأول من العام 2005م، من العمل في شطر(أتاسو-ألاستكوا)، وهو خط أنابيب لنقل النفط من كازاخستان إلى الصين، علماً: أن الجزء الكبير من هذا النفط في هذا الخط يأتي من حوض(توراغي) التركمانستاني، ومن روسيا.

     فضلاً عن ذلك، فإنّ هناك مشاريع أخرى بعيدة الأمد تشير إلى: مدى التعاون الاقتصادي ما بين البلدين، ومن ابرز تلك المشاريع: بناء الطرق الحديثة للسيارات عَبِرَ جمهورية التاي الروسية إلى جمهورية الصين الشعبية، وكذلك بناء جسور جديدة عبر الأنهار الحدودية في إقليمي(شيتا-وأمور)، وتحسين وتحديث السكك الحديدية التي تربط أقاليم الشمال الشرقي للصين مع مدن أراضي(بريموسكي التجارية البحرية).

    وعلى ضوء تلك المؤشرات الايجابية السابقة حول حركة التبادل التجاري ما بين البلدين، فضلاً عن المصالح النفطية والمشاريع الاستثمارية المشتركة في مجال الطاقة وغيرها من المجالات، توضح لنا مدى تكامل اقتصاديات البلدين، فضلاً عن أنهّا تؤشر على أن واقع العلاقات الاقتصادية ما بين البلدين سوف تكون على مستوى عالي مما يؤدي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في كلا البلدين.     

   كما وأن النفط والغاز من غرب سيبيريا سيخفف القلق الأمني عند صناع القرار السياسيين والعسكريين الصينيين، وبما أن الاعتماد الصيني المتزايد على الطاقة من الخارج يأتي أغلبه من الشرق الأوسط، فسوف يصبح من الصعوبة بمكان إغفال احتمال تأثير خط الإمداد البحري من الشرق الأوسط، وأندونيسيا، والسودان بالأزمات الإقليمية والدولية، ولذلك فإنّ خيار الاستثمار، والاعتماد على منابع النفط، ومكامن الغاز في شرق روسيا، والتي هي بحاجة إلى التطوير سوف يوفر مجالاً أوسع لحرية الحركة في السياسة الخارجية الصينية.                  

وآشار الرئيس الروسي(بوتين) إلى أن تزويد الصين بالنفط يجب أن يكون له الأولوية القصوى في مشروع خط أنابيب شرق سيبيريا-المحيط الهادئ، وأن (بوتين) في كلامه هذا يعني: أن أنشاء خطوط الأنابيب إلى ساحل المحيط الهادئ الذي كانت اليابان تلح على تنفيذه، سوف يجري تنفيذه في المرحلة الثانية، أي عندما يجري التأكيد من وجود احتياجات نفطية، وضمن هذا المشروع تتوقع روسيا أن يبلغ تصديرها إلى الصين(400,000) برميل في اليوم، عن طريق خط الأنابيب و(200,000) برميل في اليوم عن طريق السكك الحديدية إلى الشرق الأقصى الروسي، وناخودكا التي تُعدّ بوابة المحيط الهادئ.

   وزادت احتياجات الصين من الطاقة بمعدل يفوق نمو معدل استخلاص النفط المحلي فيها، فقد زاد معدل استهلاكها للنفط بنسبة(5.82%)سنوياً، بينما أنتاجها المحلي لم يزد ألاّ بنسبة (1.67%) سنوياً، وفي هذا الصدد حاولت الصين تنويع مصادر وارداتها النفطية، وتزايد إستهلاك الصين من الغاز الطبيعي بمعدل سنوي، وصل إلى(13%)  ما بين العامي(2000م-2005م)، فقد عملت  الصين في هذا المجال على تطوير وزيادة خطوط أنابيب الغاز الطبيعي، وكذلك توسيع أسطول ناقلات الغاز الطبيعي المسال الخاص بها، كما ترى أن عملية الانتهاء من خط الأنابيب بين شرق وغرب الصين بطول(3800)كلم يُعدّ إنجازاً كبير ومهماً بالنسبة لطموحات الصين الخاصة بالغاز الطبيعي.

    وفي العام 2001م، بلغ الحجم الاجمالي للوقود وموارد الطاقة المصدرة من روسيا إلى الصين(500) مليون دولار، ولكنه ارتفع في العام 2007م، ليصل إلى(6,7)مليار دولار، وعلى أثر الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي(بوتين) في أذار من العام 2006م، إلى الصين والإعلان عن عزم روسيا عن تغيير بنية التجارة عن طريق زيادة نصيب المشاريع ذات التكنلوجيا العالية، حيث تم في العام 2007م توقيع إتفاقية بين شركة “روس نيفت” ومؤسسة الغاز والنفط الحكومية الصينية بخصوص بناء مصنع لتكرير النفط في(زيانغ زيمين) باستطاعة قدرها(10)ملايين طن في العام، كما وقع بموسكو في تشرين الثاني من العام 2007م، ملحق للاتفاقية الحكومية المعقودة بتاريخ 18/كانون الأول في العام 1992م، بخصوص التعاون لبناء مصنع في الصين لإنتاج أجهزة الطرد المركزي التي تعمل على الغاز وذلك لتخصيب اليورانيوم.

   وتُعدّ محطة(تيان وان) الكهرو ذرية واحدةً من المشاريع الذرية الروسية الواعدة التي تم بنائها في الصين،  فضلاً عن وجود مشاريع في مجال الفضاء، زيادة على العقود في مجال الطاقة المائية، كما أعلن(بوتين) أن شركة غاز بروم الروسية، وشركة (أس أن بي أس) الصينية سوف تبنيان في الصين خطين فرعيين لنقل الغاز من غرب سيبيريا(مشروع ألطاي)، ومن شرق سيبيريا (مشروع كوفيكطين المجمد) بطاقة إجمالية قدرها(60-80)مليار متر مكعب.

 كما وإنّ روسيا تنظر إلى بلدان المنطقة والصين بالدرجة الأولى، كمستهلك مستقبلي للنفط والغاز السيبيريين إلى جانب أوروبا، حيث تم في العام 2009م، عقد إتفاقيات استراتيجية حول التعاون في مجال النفط بقيمة تقارب(100)مليار دولار، وذلك في إطار حوار الطاقة الروسي–الصيني، كما تم توقيع إتفاقيات تجارية بين الأقاليم والمؤسسات الاقتصادية لكلا البلدين، ويتطور أيضا التعاون في قطاعات الغاز والفحم والطاقة الكهربائية.

   حيث يشكل التعاون الروسي-الصيني، في مجال الطاقة، شحم تسريع الشراكة بين العملاقين، حيث تقدم روسيا عرضاً بالمرونة في أسعار أمدادات الغاز شريطة أن يسمح لها بالدخول إلى الأسواق الصينية المحلية، لأن الأرباح تكمن في: الداخل الصيني.

   أن اعتماد روسيا على صادرات النفط، وبيع الأسلحة يجعل الصين في موقع أفضل للاقتراب من روسيا؛ وذلك يعود لسببين:

 أولاً: النظرة المشتركة إلى عالم بعيد عن الهيمنة والقطب الواحد.

 ثانياً: ان التعاون الاقتصادي مدعوم بتفاهم سياسي، كما أن الصين تُعدّ ثاني مستهلك للنفط عالمياً، وأن روسيا تحتاج إلى إحياء اقتصادها بالاستثمار وتصدير النفط.

   وفي نهاية هذا المطلب المخصص بدراسة المصالح النفطية والتعاون في مجال أمن الطاقة بين روسيا والصين يُلاحظ: أن روسيا لديها عوامل قوة في تعاملها مع السياسة الصينية، وعلى الرغم من أن الصين تدرك: أن روسيا متراجعة عنها في الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي ومعدلات النمو والانخراط في المنظمات الإقليمية وحتى الدولية، وأن هذا كله لا يعني: أن روسيا تحت ضغط الاستجابة إلى رغبات الصين، وأن روسيا قادرة على أن تغذي الصين بالنفط والغاز الطبيعيين ليس عَبِرَ الأنابيب التي تمر عبر الأراضي الصينية فقط، وإنمّا إلى موانئ روسية في الشرق الاقصى الروسي، وروسيا بذلك لا تتعامل مع مشاريع صينية، فقط بل عَبِرَ مؤسسات غير قومية غربية أيضاً، وأن كل هذا يعني: أن التعاون في مجال النفط والغاز يمكن أن يأخذ البلدين إلى الشراكة الفعالة.

المطلب الثالث: التعاون الثقافي-الحضاري بين روسيا والصين:

   في وقت تتسارع فيه حركة التاريخ، ويتفاقم فيه الانفجار المعرفي، وينتقل فيه العالم من مجتمع الانتاج الى مجتمع المعرفة, وتصبح فيه الموارد البشرية أهم من الموارد الأولية، يبرز الدور المتنامي للبعد الثقافي–الحضاري بروزاً واضحاً لعلاقته بالقيم التي هي الركيزة في التحديد الجديد للأهداف والوظائف والبنيات، داخل عالم القرية الكونية الصغيرة, فقد بات المدخل الحضاري والثقافي بمفهومه الواسع أهم العوامل المؤثرة في وضع وتأطير استراتيجيات العلاقات بين الدول، من المعروف ان العامل المعرفي هو: ما انتجته القوة الذهنية من برامج ترتكز على المعرفة المعلوماتية، وتعمل على جمع ومعالجة المعلومات اللوجستية والميدانية.

     فلقد صاغ عالم السياسة جوزيف ناي (مفهوم القوة الرخوة أو الناعمة)، أي: إنّ القِوى غير التقليدية من قبيل السلع الثقافية والتجارية، يمكنها أن تـُمارس نفوذاً في الشئون العالمية، فإلى جانب ” القوة الصلبة ” أو ما يسمى بـــــــــ(الأسلوب المباشر)، والآمر في أستخدام القوة، والتي يمكن أن تعتمد على: الأغراء بالجزرة أو التهديد بالعصا، هناك أيضاً الاستخدام غير المباشر أو الهادئ للقوة، فقد تتمكن دولة من تحقيق أهدافها المفضلة في السياسة العالمية، لأن الدول الأخرى لديها الرغبة في أتباعها، أو توافق على النظام الذي أفرز هذا التأثير فيها، ومن هذا المنطلق، فإنه من الأهمية أن نضع برنامج عمل وتركيب الأوضاع في السياسة العالمية بالقدر نفسه الذي تدفع به الآخرين إلى التغيير في أوضاع معينة، وهذا النوع من القوة، أي جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت، يمكن أن يـُسمى (سلوكاً أختيارياً) أو (السلوك الناعم للقوة).

  وبعبارة أخرى، يمكن تعريف القوة(المرنة) أو(الرخوة): بالقدرة على حث فاعل آخر لفعل شيء ما من خلال التأثير فيه، وقد تجعل جاذبية الأيديولوجيا، والثقافة، والهيبة، أو النجاح من بلدٍ ما قائداً للآخرين لكي يكونوا على استعداد لأتباعه، وعليه تعتمد القوة المرنة هذه على مصادر خاصة مثل: ” جاذبية الأفكار” التي تطرحها، أو “القدرة على صياغة برنامج سياسي” يتناسب مع الرغبات التي يبديها الآخرون، وقد أدرك القادة السياسيون والفلاسفة منذ زمن بعيد القوة التي تـُكتسب من خلال صياغة البرنامج وتحديد إطار المناقشة، وترتبط القدرة على صياغة ما يفضله الناس عادة بمصادر القوة غير المحسوسة، مثل: الثقافة والأيديولوجيا والمؤسسات.

   فمن الملاحظ: إنّ لبعض أنواع القوة نطاقات تجتاز الحدود القومية بطرق مختلفة، ففيما يتعلق بأتباع الكاثوليك لقرارات الكنيسة في المسائل ذات الأهمية السياسية، أو في المسائل التي تتداخل فيها السياسة والتعاليم الدينية، نرى القوة السياسية أو النفوذ البابوي يمتد إلى دول عديدة، وينطبق القول نفسه على ديانات أخرى عديدة، حيث إن الديانات العالمية الكـُبرى كلها تضمن تعاليمها، سواء أكان بالتصريح أم التلميح، قانوناً أخلاقياً وسلطة معنوية أسمى من السياسات المتغيرة لأية دولة، ومن ثم تتيح كل من هذه الديانات في تفسيرها لهذا القانون الأخلاقي، فرص ممارسة الزعامة الأخلاقية والنفوذ، وربما القوة، عَبِرَ حدود الدول، وبطبيعة الحال ينطبق جزء من هذا القول على بعض الفلسفات العلمانية كـــــــ(الشيوعية).

   وبدورنا يجب ألا نقلل أبداً من شأن قوة الأيديولوجيا والدين، فالإيمان ربما يكون مكوناً مهماً من مكونات القوة بقدر ما هي الموارد المادية، ففي عالم يتسم بإنتشار معظم عناصر القوة المادية، فإنّ القوة الحقيقية يمكن أن يؤول أمرها من ثم إلى الاعتماد على إمتلاك المصداقية والشرعية، فالإيمان لا يمكن أن يحرك الجبال، لكنه قادر على تحريك البشر. 

   ان تاريخ العالم لم يشهد: ان سيطرت قوة واحدة على العالم فتلك سنة مخالفة لطبيعة الأشياء، حيث إمكانية حدوث انتقال قوة إقليمية إلى مرتبة قوى دولية مؤثرة، من الممكن حدوثه معتمدة في ذلك على مجموعة من المقومات التي تأتي بها التغييرات الحاصلة في البيئتين: الإقليمية والدولية دون تجاهل للبيئة الداخلية وأهميتها، ولعل ابرز هذه المقومات، هي:

 أولاً: الثغرة الحاصلة في مسارات التفاعل الدولي أحد أهم العوامل المسببة للتغيير، كأن يكون هناك قصور في الآلية كما هو الحال مع عصبة الأمم أو تراجع طرف عن تأدية مهامه كطرف موازن كما هو الحال مع تفكك الاتحاد السوفيتي.

 ثانياً: الأزمة: إذ أن ظهور أزمة معينة في مسار تفاعل يمكن أن يقود لتغير طارئ أو قسري بين الأطراف الدولية.

ثالثاً: الرغبة الطموح أو المصلحة التي تظهرها بعض الأطراف الدولية لأحداث تغيرات مهمة لصالح تحقيق أهداف سياسية واقتصادية واستراتيجية لها، حيث شعرت الدول الأوربية: بأنّ مصلحتها تقتضي التوحد والاتجاه نحو الوحدة السياسية والأمنية المشتركة بين أطرافها وبأنّ الحروب لم تخلف لها سوى الدمار والموت والتأخر.

رابعاً: توافر البديل: في أغلب مراحل التحول أو التغيير التي مر بها النظام الدولي، كان هناك دائماً إمكانية أو فرصة لظهور قوى دولية أو إقليمية جديدة أو تبادل في مراكز القوى الدولية بين التراجع والتقدم والمحافظة على المكانة والدور ذاته، وهذا الأمر ينطبق على التغيير الذي أصاب العالم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة على العالم، على الرغم من حساب الجميع: بأنّ العالم سيتجه إلى التعددية القطبية.

   أن أحد النماذج المغرقة في التفاصيل كان يقوم على افتراض، إن انتهاء الحرب الباردة يعني إنتهاء الصراع الكبير في السياسة الكونية، وظهور عالم منسجم نسبياً، يقول(فرانسيس فوكوياما): ربما كنا نشهد نهاية التاريخ بما هو: نقطة النهاية للتطور الإيديولوجي للبشرية، وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي، فقد تحدث بعض الصراعات في أماكن من العالم النامي ولكن الصراع الكبير قد إنتهى، وليس في أوروبا فقط، وبالتحديد في العالم غير الأوربي، حيث حدثت التغيرات الكبرى خاصة في الصين والاتحاد السوفيتي.

 تتطور العلوم والتكنولوجيا تطورا سريعاً في عالمنا اليوم وتواجه جميع الحضارات على هذا الكون دون إستثناء مسألة التكامل والتنمية، مما مهد الطريق لإبراز أهمية توسيع قنوات التبادل وتعزيز الحوار بين الحضارات المختلفة، ذلك لان الحضارة الإنسانية لا يمكن أن تزدهر إلاّ بالاحترام المتبادل بين حضارات الأمم، وتُعلم بعضها من البعض لتحقيق الاستفادة المتبادلة والتطور المشترك، مما لاشك فيه: أن التقدم والتطور في أي مجتمع من المجتمعات لهما علاقة وطيدة وعميقة بالجانب الثقافي والحضاري للمجتمع، ويميزه عن المجتمعات الاخرى. وأن الفروق الأساسية في سرعه التغيير والتطوير بين المظاهر المادية للجوانب الثقافية والحضارية والغير المادية، والاختلاف والتفاوت في سرعة وسهولة انتقالها من مجتمع إلى آخر يؤدي: إلى حدوث فجوة حضارية واختلال  بين حركة هذين الجانبين من جوانب حياة المجتمع، حيث تبقى مسألة آلية المتابعة وتشجيع الحوار بين الحضارات محل خلاف فيما بين الدول المختلفة، خاصة أن هناك توجهات من قبل معظم الدول والمنظمات لتعميق حوار الحضارات مفهوماً وممارسة.

   كما يمكن أن نعد العامل الثقافي والحضاري عاملاً مستقلاً مثل العوامل الأخرى السياسية والدبلوماسية، والاقتصادية، والعسكرية والأمنية، وهذا يجعلنا أن نفسر السلوك على أساس: البعد الثقافي والحضاري، فمثلاً مقاومة بعض الأقليات العرقية أو الدينية على الساحة الدولية بالاعتماد على ثقافاتهم، لها تأثير قوي ومباشر في سلوك جميع اللاعبين على الساحة الدولية.

   ان التبادل الثقافي يساعد على تحقيق السلام الدائم والاستقرار في العالم، فعن طريق التبادل يزداد التفاهم بين شعوب الحضارات المختلفة ويتحقق التعايش السلمي بينها، كما يمكن تسوية النزاعات والخلافات بينها بطرق سلمية وينحل الحقد والكراهية وتفيد في آخر المطاف: إقامة العلاقات التعاونية بين الدول على أساس المساواة والثقة والمنفعة المتبادلتين.

  أن روسيا، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي لا تزال تعاني من فراغ عقائدي ايديولوجي بحيث لم تنشأ أفكار اخرى فاعلة وقوية وذات قبول عام لدى الشعب الروسي، أن ما زاد من حدة هذه المشكلة شيوع افكار غربية تحاول السيطرة على المجتمع الروسي، مثل: الصهيونية والماسونية، وهي اتجاهات وأفكار غير وطنية وغير قومية، قد إتسمت التبادلات الشعبية والثقافية بين روسيا والصين بالفاعلية، وحقق عام السياحة الروسي نجاحا كبيرا في الصين، كما حقق أيضاً التعاون في البحث التعليمي والعلمي تقدماً، وشهد بدء تبادلات مباشرة بين الجامعات، وتبادل البرامج التعليمية في علوم البيئة والطاقة والتكنولوجيا الإلكترونية.(3) حيث يولى زعماء البلدين دائماً أهمية كبيرة للتبادلات الثقافية والحضارية بين الشعبين، وخاصة بين الشباب، ما يعزز التفاهم والصداقة فيما بينهما، ومن ثم يدعم الاساس الاجتماعي لشراكة التنسيق الاستراتيجية الصينية-الروسية، وهناك ما يدعو الى الاعتقاد: بأنًه مع جهود الجانبين، سيسفر التعاون الثقافي عن مزيد من النتائج المثمرة، ويرسى اساسا صلبا لشراكة التعاون الاستراتيجية بينهما.

    في المجال الثقافي، يُلاحظ: ان للبلدين أوجه تشابه واختلاف في الثقافة والعادات والتقاليد، لكن المشهد الطبيعي وغيره جذب كل شعب للآخر، وقد شهد تبادل إقامة أنشطة سنة اللغة، سنة السياحة، سنة البلد في روسيا والصين نجاحاً كبيراً، كما يمكن أن تعقد في المستقبل أنشطة أكثر تخصصاً مثل: عام الفضاء الخاص بالتكنولوجيا العالية، وعام الثقافة الشعبية لإشراك الناس العاديين مباشرة، وغيرها من الأنشطة لتشجيع التفاعل الكامل بين مسئولين البلدين والمدنيين على السواء.

   وتُعدّ أتفاقية التعاون وحسن الجوار الموقعة بين الصين وروسيا في 16/تموز من العام 2001م، اساساً لتطوير العلاقات الثنائية، وانجزت بنجاح في العام 2008م، خطة العمل الخاصة بتطبيق بنود الاتفاقية للمدة ما بين الأعوام(2005-2008م)، وفي تشرين الثاني من العام 2008م، تم إقرار الخطة المماثلة لفترة السنوات الأربع القادمة، وثمة مشاريع ثنائية ضخمة تساهم في تطوير العلاقات الروسية-الصينية، وبينها مشروعا سنة روسيا في الصين، وسنة الصين في روسيا اللذان تم انجازهما في العامي(2006-2007م) حيث يُدرس بمؤسسات التعليم العالي الروسية ما يزيد عن(18)ألف مواطن صيني، ومنهم(500)طالب يدرس على حساب الميزانية الفيدرالية الروسية، كما يزداد عدد الطلبة الروس الذين يعملون على رفع كفاءتهم في الصين، وبلغ عددهم(9) آلاف طالب، وحضر في عامي(2008-2009م)، إلى روسيا للعلاج والاستجمام اكثر من(1500)، طفل صيني من المناطق التي تعرضت للزلزال.

  وتُعدّ فكرة عام اللغة المتبادل في البلدين، عام اللغة الروسية بالصين في العام 2009م، وعام اللغة الصينية بروسيا 2010م، خطوة هامة من اجل تعزيز التعاون الثقافي الثنائي في ظل الظروف التي يشهدها العالم.

المبحث الرابع: التعاون والخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية:
أدت التحولات الإقليمية والدولية التي تعرض لها العالم منذ التسعينيات من القرن الماضي، وما نتج عنها من إنعكاسات سلبية وايجابية، إلى زيادة دور قوى دولية أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد العالمي، حيث أخذت هذه القوى تنادي بضرورة البحث عن سبل جديدة للقيادة العالمية، وبفعل تلك التحولات، بدأ الحديث عن أهمية إيجاد قوة دولية أخرى غير الولايات المتحدة لتملأ الفراغ الذي خلفه تفكك الاتحاد السوفيتي، ولتعيد التوازن الدولي، ومن بين أكثر القوى المرشحة لاحتلال هذه المكانة كل من: روسيا والصين.
أن مؤثرات البيئة الخارجية تلعب دوراً كبيراً في شكل واتجاه العلاقة بين الدولتين، فكل منهما تتحسب من البيئة الخارجية، فهما تخشيان مثلاً من إعلان التحالف الاستراتيجي خشية استفزاز الولايات المتحدة الأمريكية التي يمكن أن تستغل ذلك باستنفار العالم الغربي ضدهما، كما تؤدي البيئة الخارجية أيضا دورا في تحديد اتجاه العلاقة ومستقبلها، فإذا تعززت العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ العلاقة بين روسيا والصين ستبقى ضمن إطارها الحالي، في حين ستتعمق أكثر في حال تراجع العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.
ونخلص من ذلك كله إلى القول: بإنّ العلاقات الروسية الصينية هي علاقات تعاون استراتيجي قابلة للحياة والاستمرار والتطور، ما لم تكن هناك تطورات أخرى تؤثر عليها.
وعلى هذا الاساس تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: تناولنا في المطلب الأول: التعاون حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية، في حين عمدنا بالمطلب الثاني إلى بيان الخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية.

المطلب الأول: التعاون حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية:
هناك بعض الأمور والقضايا والمؤثرات الخارجية التي ساعدت الدولتين على تقريب وجهات النظر بينهما والعمل على تقويض مثل تلك التوجهات، فقد رفضت كل من: روسيا والصين الهيمنة الأمريكية عن طريق رفض سياسة الأحادية القطبية، والتفرد بالقرارات، والعمل على تشكيل نظام دولي متعدد الاقطاب، ويعكس التنوع الثقافي والحضاري والاجتماعي والمؤسساتي وكذلك تعدد النظم السياسية فيه في إطار التنسيق والتعاون وتبادل المنافع، وكذلك العمل على ان يكون لهما دور أساس في إحتواء بعض مصادر التهديد الجديدة التي فرضت نفسها على العالم.
أن روسيا والصين، ومع تقارب وجهات النظر فيما بينهما من بعض القضايا الدولية حاولت كل منهما ان يكون لها دوراً واضحاً تجاه تلك القضايا الاقليمية والدولية، يتم ذلك عن طريق: أتباع الآليات وسياسات أكثر مرونة من التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة: أن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تدور فقط ضمن مصالحها الخاصة، هذا ما حصل من إعتراض في مجلس الأمن تجاه الكثير من القضايا الدولية، وعلى رأسها: الموقف الروسي-الصيني تجاه الأزمة النووية لكوريا الشمالية، فعندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية توجيه ضربات إستباقية لكوريا الشمالية إثر التصعيد النووي من جانبها، نراها فشلت في إصدار قرار من مجلس الأمن يتيح لها ذلك؛ بسبب رفض كل من: روسيا والصين على القرار الأمريكي.

وهناك تفاهم روسي-صيني ايضاً في بعض القضايا الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك، منها: احترام كل منهما مصالح الطرف الاخر، وما يُعدّه مناطق نفوذ تمس أمنه القومي، فقد أيدت الصين روسيا في منطقة الكومنولث كون: ان تلك المنطقة هي منطقة نفوذ روسي، كما أيدت أيضاً الصين روسيا في إنضمامها إلى منظمة التعاون الاقتصادي للمحيط الهادي وآسيا.(1) وحين ألتقى الرئيسان الروسي(ميدفيدف) والرئيس الصيني(هو جينتاو)، في بكين في 27أيلول من العام 2010م، فقد كان هناك تقارب في وجهات النظر، ومواقفهما من مجموعة القضايا الدولية والأمنية منها: مشكلات التنمية العالمية، والتغيرات المناخية، ودور الأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب، ومنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل، والموقف من كوريا الشمالية.
حيث يُعدّ التوافق بخصوص الملف النووي الإيراني نموذجاً واضحاً للتفاهم بين البلدين، حين نرى: وجود تعاطف من جانب روسيا والصين تجاه الملف النووي الإيراني، على الرغم من الضغوطات التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا والصين تجاه الشركات المتعاونة مع إيران، صحيح: ان الموقف الروسي أوضح كثيراً من الموقف الصيني، أن روسيا هي الشريك الاساسي لإيران، ومصدر تزويدها بالتكنلوجيا النووية، وهذا ما عبر عنه الرئيس الروسي(بوتين) إذ قال: ان مخاوف الإدارة الأمريكية من قيام إيران بتطوير أسلحة نووية لن تثني روسيا عن التعاون معها في المجال النوويـ إلاّ أنّ تأييد الصين لا يقل عن الدعم الروسي، خاصة في المحافل الدولية.

أن التقارب الروسي-الصيني يُعدّ محاولة لممارسة ضغوط مضادة تعادل ما تمارسه الولايات المتحد الأمريكية على كل منهما، ولدفع الأخيرة إلى الحد منها، أي بمعنى: كان التقارب عبارة عن تزامن لتصاعد معدلات الضغط الأمريكي على كل من الدولتين في وقت كانت العلاقات الثنائية بين الأخيريين تنمو في كافة المجالات، وأن المصلحة المشتركة لكل منهما في توسيع نطاق التعاون هو: لتخفيف الضغوطات الأمريكية عليهما من جهة، وللبحث عن مجالات للتعاون في الأفاق الأمنية والاقتصادية لكي تحقق كل منهما مزيداً من القوة الجماعية أو المنفردة لمواجهة اية ضغوط مستقبلية من القوى الخارجية، ومن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً من جهة أخرى. كما هنالك تنسيق وتعاون واضح بين روسيا والصين في منطقة آسيا الوسطى، حيث أن الصين تفتقر إلى الطاقة الكافية لنهوضها، فهي بحاجة إلى مصادر طاقة تساعدها على تنمية اقتصادها الذي اصبح ينمو بشكل مستمر، بحيث أصبحت منطقة آسيا الوسطى تمثل مصدراً جديداً للصين يساعدها على النهوض بواقعها الاقتصادي، كما وأن الصين تطمح إلى تحقيق تنمية متوازنة بين أقاليمها المتفاوتة في مستوى الجاهزية للتنمية، وفي الوقت نفسه، فإنّ الصين حريصة على أن تكون بيئتها المحيطة بها متمتعة بالأمن والاستقرار.
أن الصين تدرك جيداً: أن تلك المنطقة ستشهد تنافس شديد بين روسيا والصين والولايات المتحدة، بحيث أن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية قد يلتقيان على تطويق الصين ولكن روسيا أكثر قلقاً على جناحها الغربي الذي بدأ حلف الناتو بتوسع نطاقه إلى شرق أوروبا حيث مناطق النفوذ الروسي، إذ عدت التوسع يمثل تهديداً للأمن القومي الروسي، أما الصين يمكن أن تعفي روسيا من القلق على جناحها الشرقي، عن طريق تطوير وتدعيم العلاقات الثنائية المتبادلة، وكذلك دعم السيطرة الروسية-الصينية في هذه المنطقة في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

وهناك أيضاً تعاون بين روسيا والصين على نطاق واسع فيما يتعلق بالعمل من أجل تحجيم الحركات الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى، ومكافحة تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة والتصدي للإرهاب، والنزعات الانفصالية، وذلك في إطار مجموعة شنغهاي الخماسية، التي تضم كازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزستان إلى جانب روسيا والصين؛ لأن منطقة آسيا الوسطى تشكل أهمية خاصة بالنسبة لروسيا والصين فلكل منهما مصالحة الخاصة في تلك المنطقة.
كما هناك توافق روسي-صيني موقف تجاه السياسة الأميركية، ورفضهما لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي، وكذلك معارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ التي تقيمها الولايات المتحدة الأمريكية بدعوى حماية أراضيها من هجمات محتملة قد تشنّها ما تطلق عليه بـــــ(الدول المارقة)، مثل: إيران وكوريا الشمالية، حيث ترى كل من: وروسيا والصين أن مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي، يُعدّ: تهديداً للأمن العالمي، وتجديداً لسباق التسلّح.
بحيث نرى: ان المواقف الأمريكية التي تسير في أتجاه الهيمنة، بحيث يمكن وصفها على أنهّا خطر، بدأ يدفع الساحة الدولية نحو عملية إستقطاب جديدة أدركت عن طريقها كل من: روسيا والصين أن مصالحهما في الشراكة والتحالف لمقاومة الهيمنة الأمريكية على العالم، أو حتى في آسيا على الأقل قد أصبحت ضرورة ملحة، فقد أتفق الجانبان: الروسي والصيني على أن بناء عالم متعدد الاقطاب يُعدّ مرحلة مهمة في طريق الحفاظ على النظام الدولي والاستقرار، كما أكدت الدولتان أن أي تحالف أو تعاون بينهما ليس موجه ضد طرف ثالث.

كذلك معطيات الواقع الجغرافي بالنسبة لروسيا، إذ ان روسيا تشكل أكثر من(75%) من الرقعة الارضية للقارة الآسيوية، وأن التاريخ الروسي يشتمل على نزعتين نحو آسيا من ناحية، ونحو أوروبا من ناحية أخرى، فأنّ النزوع بإتجاه أوروبا لن يلغي النزوع التاريخي الثاني بإتجاه آسيا، وأن خطط التوسع لحلف الناتو، على حساب مناطق النفوذ الروسي قد عمق الضغط على روسيا لتجد في الصين ثقلاً معادلاً لذلك التوسع، مع أن القيادات الروسية، لاسيما في المؤسسة العسكرية غير مطمئنة من تطور القوة العسكرية الصينية.
كما أن توسع الولايات المتحدة الأمريكية لتحالفها مع اليابان وحلف والناتو واستراتيجيات الاحتواء التي تستهدف: روسيا والصين، كلها أمور جعلت من تعزيز وتوثيق العلاقة بين الدولتين أمراً لا محال منه.
وكذلك عارضت كل من: روسيا والصين حرب الولايات المتحدة الأمريكية على العراق، وطريقة إدارة الشؤون العراقية بعد الاطاحة بالرئيس السابق(صدام حسين)، كما عارض كلا البلدين التهديدات الأمريكية والاسرائيلية ضد إيران؛ بسبب برنامجها النووي، وبعد العام 2003م، وعندما إتضحت لدى كل من: روسيا والصين بأنّ الهيمنة الأمريكية بدأت تسيطر على القضايا الدولية وطرق التجارة وإمدادات النفط، وأن هذه الهيمنة قد وصلت الى مستويات خطيرة، وأن هذا الشعور قد قرب البلدين فيما بينهما أكثر من أي شيء آخر، إذ نرى: ان المواقف الموحدة بين البلدين المتمثلة في معارضة الحرب على العراق، والتهديدات بالحرب ضد إيران، فضلاً عن دعم الصين لروسيا في قضية شركة(يوكس)، فإنّ تلك المواقف الموحدة تجاه تلك القضايا ساعدت على تنمية وتوثيق العلاقة بين الدولتين.

المطلب الثاني: الخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية:
على الرغم من وجود تعاون كبير بين روسيا والصين في مختلف المجالات، منذ نهاية القرن الماضي وبما إنعكس على مصالح البلدين بعد أن تم توسيع قاعدة التعاون نحو مستويات ومجالات عمل جديدة، بيد أن هذا الواقع لا يعني: حصول تطابق كلي بين الطرفين بخصوص القضايا والمسائل التي تهمهما معاً، صحيح: أن التجاور الجغرافي بين الطرفين ووجود عوامل ومتغيرات سواء أكانت إقليمية أم دولية مثل: توسيع حلف الناتو ومخاطر عدم الإستقرار الإقليمي والتحديات الأمنية، والتي وفرت قاعدة قوية تسمح للطرفين بتطوير المشتركات السياسية والإستراتيجية بينهما، إلاّ أنّ تاريخ العلاقة بين روسيا والصين، لا سيما حقبة الحرب الباردة، شهد: بأنّه تاريخ تنافسي بين قوتين كبرتين على الساحة الآسيوية هما: روسيا الاتحادية والصين الشعبية، وأن كل تلك المؤشرات الإيجابية للعلاقة لا تمنع من وجود خلافات بينهما.
فعلى الرغم من تدهور العلاقات الروسية-الأمريكية، ان روسيا لا يرجح قيامها بربط حركتها بالعامل الصيني، فهي تحاول الاقتراب من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، والأكثر من ذلك هو: ان من مصلحة روسيا أن يكون لليابان دوراً إقليمياً، هذا ما لا يحلو للسياسة الصينية، وأن المخاوف الصينية من تنامي دور لليابان إقليمياً هو: ان اليابان سوف تعيد قراءة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه تطوير وتعزيز الجوانب الاستراتيجية والأمنية، فمن ناحية: أن اليابان سوف تكون أكثر أقداماً على خيارات سياسة عرض القوة فيما حولها، ومن ناحية اخرى قد يرجح لديها خيار الحيازة النووية، هذا ما تخشاه الصين التي تعمل جاهدة على تحجيم مثل هذا التوجه لدعم روسيا لليابان؛ لأن ذلك سوف يلقي بأثاره عليها كدولة تتطلع إلى، أن تكون صاحبة النفوذ الاول في المنطقة.

ومن قضايا الخلاف الأخرى التي رافقت العلاقة بين روسيا والصين هي: إعتراض الصين على الدعم العسكري الروسي للهند وتزويدها بأحدث التقنيات العسكرية، وأنظمة الدفاع، خاصة أن الصين ترى: بأنّ بعض القوى الراغبة في عرقلة مسيرتها، تدعم الهند لتصبح قوة آسيوية موازية للصين، ومن ثم تقف في وجهها وتحد من قدراتها، فلاشك: أن المسعى الروسي في هذا الاتجاه سيصطدم لدى حليفتها الاستراتيجية الصين.
كما أن العلاقات الروسية-الهندية قد تنعكس بشكل سلبي على طبيعة العلاقة الروسية-الصينية من ناحية: أن هناك خلافات بين الصين والهند، وأنّ إقتراب روسيا من الهند قد يسبب للصين هاجس وخوف وعدم الارتياح، وكذلك نرى: أن التنافس الهندي-الباكستاني، أخذي بنظر الاعتبار العلاقات الصينية-الباكستانية قد ينعكس ايضاً على علاقات القوى المساندة لكل منهما من ناحية ثانية.
كما يتبين: إنّ هناك تباين في المواقف بين روسيا والصين اتجاه قضية جنوب آسيا، حيث الصراع الهندي-الباكستاني الذي أخذ طابع نووي، فالصين أيدت باكستان ضد الهند كي تضعف القوة الهندية وتشغلها عن الانصراف إلى الخلافات الحدودية الصينية-الهندية، كما تحاول عرقلة بروز الهند كقوة آسيوية تنافس الصين، أما روسيا فإنهّا: دعمت الهند وزودتها بالأسلحة لكي تكون كعامل ضغط تستخدمها روسيا ضد الصين بحيث تجعل من الهند قوة موازية للصين. وهنالك أيضاً يوجد ضعف الثقة المتبادلة بين الدولتين النابعة من تجارب تاريخية ومواجهات عسكرية، إلى جانب ذلك التقارب الروسي-الهندي والعلاقات الاقتصادية الوثيقة بين الصين والولايات المتحدة، وكذلك التنافس الخفي الروسي-الصيني للسيطرة على آسيا الوسطى.
فقد حاولت الصين استثمار دورها الإقليمي في الشرق الأقصى في علاقاتها الدولية، عندما حاولت معالجة قضية الملف النووي لكوريا الشمالية، التي توليها الولايات المتحدة الأمريكية أهمية كبرى في مسألة حظر انتشار الأسلحة النووية عن طريق دبلوماسية الحوار الرباعي التي تضمنت:(الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، والكوريتين)، واستبعدت منها كل من: روسيا واليابان، وكان الهدف الصيني من إستبعاد روسيا واليابان هو: لاحتكار النفوذ الصيني في كوريا الشمالية، ومساومة الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك لكلي تصبح هي وحدها البوابة إلى القضايا في الشرق الأقصى.
كما أن الصين بدأت بممانعة التوسع الروسي في مناطق نفوذها التقليدية، حيث عارضت الصين من استخدام روسيا لقوتها العسكرية ضد جورجيا، إذ نظرت الصين لهذه القضية على أساس أنها مسعى روسي يكشف عن نيتها في السيطرة على الأنابيب الناقلة للنفط، وهو ما يتعارض مع مسعى الصين نفسها التي تطمح للسيطرة على أسواق الطاقة في أماكن مختلفة من العالم.
إذ الصين تخشى من أن تتحول روسيا إلى قوة إقليمية تحاول إستغلال صلاتها القومية والعرقية مع دول الاتحاد السوفيتي السابق، وهذا ما يساعدها على الهيمنة على مناطق القوقاز وآسيا الوسطى، فقد كان للموقف الروسي بقبول الحضور الأمريكي العسكري في منطقة آسيا الوسطى آثره الواضح؛ وبذلك من أجل موازنه القوة والوجود الصيني على حدودها، وهذا ما آثار حفيظة الصين.

أما بالنسبة لروسيا قد عززت من تواجدها العسكري في منطقة آسيا الوسطى بشكل أكبر خاصة بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، فهي لا تتخوف من السياسة الصينية الرامية إلى: السيطرة على أسواق الطاقة عن طريق شراء أصول في الشركات النفطية العاملة في دول عدة من العالم؛ لأن روسيا هي بالأساس منتج للنفط والغاز.
على الرغم من ذلك، فإنّ المخاوف الروسية من تزايد القوة الصينية على المستوى العالمي، واحتمال أن يكون للصين دوراً بارزاً في منطقة آسيا الوسطى، والتي تُعدّها روسيا مناطق نفوذها، وعلى هذا الأساس أخذت روسيا على عاتقها: موازنة الوجود الصيني بوجود أمريكي مماثل في المنطقة؛لأن المنطقة تمثل أهمية استراتيجية كبرى، وأنّ التركيز والأهتمام الصيني في هذه المنطقة مثار قلق روسي، والسبب يعود في ذلك؛ إلى ان روسيا تدرك جيداً: بأن الصين سوف تقف بوجه أي دور تتطلع روسيا للقيام به في تلك المنطقة، وعلى الرغم من كل الضغوطات التي تمارسها روسيا ضد الصين في المنطقة يبقى الدور الصيني واضح ومؤثر بشكل كبير.
أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تؤدي دوراً محورياً تجاه كل من: روسيا والصين، بحيث شكل التقارب الأمريكي-الروسي خاصة بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، في مسائل عدة منها قضية الارهاب والحرب على أفغانستان، مخاوف لدى الصين بحيث كانت روسيا تستثمر تقاربها مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل مساعدتها على النهوض بالاقتصاد من خلال الاستثمارات والأموال الأمريكية، فهي تدرك جيداً: أن هذا الموقف لابد وأن تتفهمه الولايات المتحدة الأمريكية، وتقابله بالمثل، على أساس: ان هناك ثمة مصلحة حيوية مشتركة بينهما.

حيث يُلاحظ: ان روسيا سوف تواجه أزمات في علاقاتها مع الصين في المناطق الحدودية في الشرق الأقصى، على الرغم أن هذه المسألة قد تم تسويتها جغرافياً، وأن السبب في ذلك يعود إلى: ان الصين لها ضغط على المناطق تلك، بحيث أصبح لها أثراً سكانياً واقتصادياً في روسيا، والتي لم تتمكن من السيطرة على هذه المناطق النائية، على العكس أن مصالح روسيا هي أعمق وأن نفوذها أقوى في آسيا الوسطى، والتي قد ترى الصين: أن لها فيها فرص للتقدم كمنطقة نفوذ مما سيجعلها ميداناً للتنافس الروسي-الصيني-الأمريكي، وليس من مصلحة روسيا أو الصين أن تربط حركتهما بخيار استراتيجي واحد، فتصبح أسيرة الطرف الأخر، فأن علاقة الشراكة تنطوي على مضمون سياسي، وإنهّا أبعد من أن تكون خطة لتنسيق العلاقات الثنائية حيال جملة من القضايا الدولية.
إذ تتأرجح العلاقات الصينية-الروسية ما بين التعاون التكتيكي والتنافس الاستراتيجي، فهما تتكاتفان في حرب توجيه أنابيب النفط والغاز شرقاً باتجاه الصين، ومواجهة الهيمنة الأميركية في آسيا الوسطى والشرقية، ولكنهما تواجهان الكثير من المشاكل، منها، ضعف الثقة الناجم عن تجارب تاريخية ومواجهات عسكرية، كما أن التقارب الهندي-الروسي والعلاقات الصينية الأميركية الاقتصادية الوثيقة، والتنافس الخفي بينهما للسيطرة على آسيا الوسطى، ومشكلة الخلل الديمغرافي، كل ذلك يشكل عوامل خطر على العلاقة بينهما، وهذه معادلة خطيرة قد تقلب موازين الأمن والاستقرار في القارة الاور-آسيوية بأكملها في المستقبل.

وأخيراُ، وفي نهاية هذا الفصل، يتبين لنا: أن النظام الدولي يسير نحو نظام متعدد الأقطاب، وخاصة في ظل صعود العديد من القوى الآسيوية في مقدمتها: الصين وروسيا والهند فضلاً عن اليابان، فقد إستطاعت هذه القوى تحقيق نجاحات اقتصادية وعسكرية مكنتها من تبوء دور ومكانة أكبر في النظام الدولي، وأن روسيا في ظل رئاسة(بوتين) منذ العام 2000م، قد إستطاعت رفع معدلات نمو ناتجها المحلي، وخفض حجم التضخم، وسداد معظم ديوانها الخارجية التي ورثتها عن حقبة(يلتسن)، وزيادة حجم الاستثمارات، كما قامت روسيا بزيادة مبيعاتها من السلاح، والعمل على تكوين علاقات مع العديد من الدول في إطار سعيها لاستعادة مجدها ومكانتها كقوة عظمى في النظام الدولي، أما بالنسبة للصين فقد إستطاعت تحقيق معدلات مرتفعة في نمو اقتصادها وزيادة نتاجها المحلي، واستطاعت أيضاً: خفض البطالة والتضخم، وزيادة حجم الاستثمارات والتبادل التجاري، الأمر الذى جعل الصين تصعد في 2010م، كثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
ومما سبق نرى: أن المصلحة المشتركة لكل من: روسيا والصين في توسيع نطاق التعاون هو لتخفيف الضغوطات الأمريكية عليهما من جهة، وللبحث عن مجالات للتعاون في الأفاق الأمنية والاقتصادية لكي تحقق كل منهما مزيداً من القوة الجماعية أو المنفردة لمواجهة اية ضغوط مستقبلية من القوى الخارجية، ومن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً من جهة أخرى، وسيكون اللبنة الرئيسية لتقويض المركزية الأميركية شيئاً فشيء، وإنهاء الهيمنة الأمريكية التي سيطرت على المجتمع الدولي منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وحتى وقتنا الحاضر، وخصوصاً من الناحيتين: الاقتصادية والعسكرية.

المصدر: رسالة ماجيستير بعنوان العلاقات الروسية – الصينية لفترة 2000-2012، من اعداد الباحثة سداد نوري جاسم العيساوي – جامعة النهرين – العراق