هناك اليوم حاجة ماسة للتفكير في وضع الموارد البشرية وكيفية تصميم وظائفها وسياساتها، ونتائج أعمالها، وكيف يمكن أن يصبح أحد المتغيرات التنافسية التي تدفع المؤسسة إلى القمة والأداء، وتكمن المشكلة في صعوبة قياس تأثير العنصر البشري على نتائج أعمال المؤسسة ومدى نجاح المقاييس الحالية للموارد البشرية في التحديد الدقيق لإستراتيجيتها في توليد قيمة مضافة للمؤسسة .
ومما لا شك فيه أن هناك ضغوطا قوية لتوسيع دائرة مهام غدارة الموارد البشرية من مجرد تنفيذ الإجراءات الإدارية للعاملين، وهو ما يميل الدور التقليدي إلى دور استراتيجي أكثر عمقا، خاصة بعد أن يحول المورد الأول للإنتاج للاقتصاد الحالي من النشاط إلى رأس المال المعرفي، وفي قياس التأثير الاستراتيجي للموارد البشرية نجد مقاييس الأداء المتوازن BALANCED PERMANCE MEASUREMENT وفيها يتطلب استراتيجية المؤسسة، للتأكد من فهم ودراية المديرين بكيفية خلق القيمة داخلها والقيام بتصميم نظام قياس لتلك القيمة المضافة يتوافر ما يلي:
– الاعتماد على ما هو أكثر من النواحي المالية وتحديد محركات الأداء التي تعتبر أساس نجاح تطبيق الإستراتيجية.
– فهم الارتباطات بين المحددات المالية وغير المالية الضرورية للأداء الكلي للمؤسسة.
وأما النوع الثاني يتعلق بالمؤشرات الإنتاجية وهي النسب التي تحدد معايير أداء الأفراد في مختلف الأبعاد التنظيمية، يمكن أن يكون لجميع الموارد بما فيها الموارد البشرية وتنقسم بدورها إلى قسمين: مؤشرات موضوعية ومؤشرات ذاتية
فالمؤشرات الموضوعية تتفرع إلى عوامل اجتماعية ( المستوى الثقافي العام لأفراد المجتمع هيكل السوق، وعوامل فنية ) وعوامل أو مؤشرات ذاتية منها التنظيمية( مستوى شدة العمل، درجة فاعلية الحوافز)، وفي وقتنا الحالي بدأ استخدام المفهوم القديم (مدخل جديد للتقييم أطلق عليه محاسبة الموارد البشرية )، خلال فترة الستينات والسبعينات تحت مسمى جديد هو “قياس رأس المال البشري”في محاولة لوضع قيمة للعاملين كأصول في المؤسسة ولقياس التحسينات أو التغيرات في هذه القيم عن طريق استخدام المبادئ المحاسبية القياسية، ومن المبادئ الأساسية لقياس رأس المال البشري هي:
– الأفراد والمعلومات هي القوة الدافعة لاقتصاد المعرفة، إذ يعتبر العنصر البشري من أهم الموارد، فبدونه لا يمكن الاحتفاظ بالنمو في كل مجالات الأعمال.
– جمع بيانات يوميا من خلال أداء العاملين، لأنها تعتبر الأصل الوحيد القادر على اتخاذ القرارات، فإن سلوكياتهم هي سبب حدوث كل شيء إيجابيا وسلبيا، ولكي نستطيع أن نطور شيئا فيجب أن نعرف كيف يتعامل الناس مع هذا الشيء من خلال قواعد البيانات الخاصة بتكلفة ووقت وعدد وجودة رأس المال البشري في المؤسسة.
كما وجهت بعض الانتقادات إلى مقاييس رأس المال البشري من حيث دقتها وتماسكها مثل المقاييس المالية، ويرجع ذلك إلى استخدام بعض القياسات الخارجية التي لم يثبت صحتها ودقتها، ولهذا يجب وضع مقاييس ثابتة واستخدامها لفترات طويلة واختيار مدى دقتها، حتى تصبح بنفس دقة المقاييس المستخدمة في النظام الحالي.
ومهما كانت جودة العمليات، أو حتى رأس المال الفكري، فبدون تدخل رأس المال البشري لا يمكن إضافة أية قيمة للمؤسسة، وذلك لأن مهارات العاملين وخبراتهم والمعرفة التي يمتلكونها ودرجة التحفيز بداخلهم، هي التي تخلق القيمة المضافة، فالإدارة توفر رأس المال الهيكلي بأفضل تكلفة والعاملون يعطون الحياة لهذا الرأس المال، من خلال:
– التسيير للمستقبل.
– المدير هو الأساس.
– التجهيز للمستقبل أصعب من التجهيز للماضي.

معايير قياس تنمية الموارد البشرية – سلطنة عمان نموذجا حسب (تقرير التنمية البشرية / عُمان 2003 )

 جاء في تقرير للتنمية البشرية لعام 2010 تحت عنوان «الثروة الحقيقية للأمم: مسارات الى التنمية المستدامة»، الصادر عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة في عدد خاص بمناسبة مرور 20 عاما على اصدار تقارير التنمية البشرية. ويتضمن هذا التقرير تحليلا للمكاسب المحققة على مدى أربعين عامًا في الصحة والتعليم والدخل بمقياس دليل التنمية البشرية، ويشمل هذا التحليل 135 بلدًا توفرت عنها بيانات وافية ودقيقة وقابلة للمقارنة، وهذه البلدان تضم أكثر من 90% من سكان العالم. وقال: ان سلطنة عمان تحتل المرتبة الأولى ضمن المجموعة المؤلفة من 135 بلدًا، اذ استثمرت عائدات الطاقة على مدى العقود الأربعة.

و اعتبر (تقرير التنمية البشرية / عُمان 2003 ) من قبل البرنامج الانمائي التابع للأمم المتحدة «تقريرا متميزا نظرا لطبيعته التحليلية التي وضعت فصوله باسلوب نقدي وبمهنية عالية في تشخيصه الموضوعي لواقع التنمية البشرية في السلطنة وللجوانب التي تحتاج الى جهود اضافة لاستدامة التنمية، دون اغفال ما تحقق فعلا من الانجازات. وتنفيذا لقرار مجلس الوزراء الموقر في عام 1999 بوجوب صدور دوري لتقارير التنمية البشرية في السلطنة، فان العمل جار على وضع اللمسات الأخيرة على الاصدار الجديد لـ(تقرير التنمية البشرية) للسلطنة.معايير القياسوخرجت العديد من البحوث والدراسات بتعاريف مختلفة لمفهوم التنمية البشرية، وجاءت متباينة حسب تخصص الباحث، فالمفهوم الاجتماعي يختلف عن المفهوم الاقتصادي وعن النفسي والفلسفي.. وغيرها الاّ أنها جميعا تعني الاهتمام بالانسان وتطويره لوضع يضمن له معيشته وصحته وتعليمه وعمله من ولادته الى شيخوخته. وقد حققت عدة دول لمواطنيها تلك الضمانات فاحتلت الصدارة في عدد من التصنيفات في تنمية الموارد البشرية، حتى إن هناك من فضّل تسمية المصطلح بـ(التنمية الانسانية).وتجدر الاشارة الى أن هناك اهتماما متكاملا بين القطاعين الحكومي والخاص بالتنمية البشرية في دول العالم المتقدمة، فالمؤسسات الحكومية ومصالح وشركات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني كلها تعمل على تنفيذ برامج تتركز على الرعاية والتنمية البشرية بهدف أن يبقى المجتمع آمنا مستقرا.والمعايير التي تقيس مدى تقدم المجتمعات في مجال تنمية الموارد البشرية ورعاية مواطنيها كما يلي:
1 – رعاية الأمومة والطفولة: يعتبر هذا المعيار أساسا للعناية بالانسان في المرحلة الأولى من حياته وقد أقرنت الأمومة بالطفولة على اعتبار أن الواجب الانساني أن تبدي المجتمعات قدرا أوسع من الرعاية وانفاقا كافيا يؤمن للأم ووليدها، وهناك تشريعات وقوانين في عدد من دول العالم تعطي هذه المرحلة انفاقا أكبر من المال العام لتلبية المتطلبات المعيشية والصحية للأم وللطفل. كما تأخذ مؤسسات القطاع الخاص المبادرة في القيام بالدور ذاته الذي تقوم به الحكومات للأمومة وللطفولة. فتنشأ المستشفيات الخاصة بالولادة والرعاية الصحية بالطفل وتوجد بالقدر ذاته دورا للحضانة وعددا من رياض الأطفال يتناسب مع السكان في مرحلة الطفولة. كما تشرّع القوانين للعناية بالأم المرضعة العاملة، بما في ذلك أجراها لقاء رعايتها طفليها وتعتبر الدول الاسكندنافية في مقدمة دول العالم في هذا المجال.
2 – التربية والتعليم: ويأتي هذا المعيار مساويا لمعيار الأمومة والطفولة من حيث الأهمية، اذ يعتبر التعليم حق الانسان الذي يجب أن يقدمه المجتمع للمواطن بما يعده مواطنا صالحا عارفا بحقوقه وقائما بواجباته. ونجد أن معظم دول العالم تقدم لمواطنيها التعليم الأساسي مجّانا، وبعضها تقدم التعليم بمراحله كافة مجانا، الاّ أن المعيار الانساني للتعليم في الدول النامية يتمثل بمحو الأمية وتعليم الكبار. وتشير دراسة لمنظمة اليونسكو إلى أنه سجلت في عدد من الدول النامية حالات انتحار أقدم عليها طلبة وطالبات بسبب عدم اجتيازهم مرحلة دراسية. وذلك بسبب نظم التعليم التي تجعل من التعليم وكأنه سباق حياة أو موت، الأمر الذي يخلّ بالمفهوم الانساني للتعليم.
3 – حق العمل والتشغيل: رغم أن هذا المعيار مختلف على أهميته وما يعطى من وزن عند المفاضلة في تصنيف دول العالم في التنمية البشرية، على اعتبار أن النظم السياسية (الاقتصادية – الاجتماعية) ومدى غنى وشح الموارد الطبيعية في الدولة لهما أثر كبير على الأنشطة الاقتصادية قوة وضعفا، ومن ثم امكانية توفير فرص العمل وتشغيل للمواطنين، فان عدم توفير فرص العمل وترك نسبة ما من المواطنين من غير عمل أو تعليم سيؤدي حتما الى الفقر. وعليه فان هذا المعيار يؤدي الى معيار مهم وهو(نسبة المواطنين في سن العمل والمؤهلين ولا تتوفر لهم فرصة العمل).وتعاني معظم دول العالم ذات التعداد السكاني الكبير من وجود نسب ترتفع وتنخفض بالتناسب مع الأزمات الاقتصادية حدة وضعفا. حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية ذات الاقتصاد الأكبر والأقوى في العالم احتلت مراتب متدنية في تصنيف التنمية البشرية بسبب وجود نسبة تزيد على 10% من ومواطنيها في حالة لا تتوفر لهم فرص عمل نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية منذ منتصف عام 2008.
4 – الرعاية الصحية العامة: من بين المعايير التي تأخذ ترجيحا مهما بين معايير المفاضلة في التنمية البشرية هو معاير مدى توفّر الرعاية الصحية ونشر الوعي الصحي بين مواطني الدولة. وتختلف النظم الصحية من دولة لأخرى، في مدى مجانية الرعاية الصحية وعدد الأطباء والمستشفيات العامة والخاصة منسوبة الى جملة السكان. ولعل تلك الدول التي ضمنت دساتيرها الزاما برعاية اي انسان على أراضيها بالرعاية الصحية تعتبر في مقدمة الدول التي تنال تصنيف الصدارة في التنمية البشرية. وتعاني معظم الدول النامية من ضعف الرعاية الصحية وتخلف مواطنيها بالوعي الصحي؛ الأمر الذي جعل من معيار مشتق من هذا المعيار من العوامل التي تجعل من كثير من الدول في مواقع متدنية في تصنيف التنمية البشرية. وتعتبر الدول الكثيرة السكان من الدول ذات القدرة المحدودة على تقديم الرعاية الصحية المناسبة لمواطنيها.كما أن تفشي الأمراض الوبائية والمتوطنة في عدد من دول العالم أحد الأسباب التي جعلت منها في أسفل قائمة تصنيف التنمية البشرية.
5 – نظم الرعاية بالمسنين وبذوي الإعاقة: ومن بين المعايير الجديدة التي أضيفت لمعايير التصنيف (مدى رعاية المواطنين المسنين والمعوقين)، فالدولة التي تكفل مستوى معيشيا وصحيا لائقا انسانيا لهذه الفئة من مواطنيها نالت تقييما متقدما على اعتبار أن الانسان الذي يعيقه تقدمه بالعمر وتعيقه الاعاقة يحتاج الى رعاية خاصة كواجب من مجتمعه له باعتباره انسانا لم يكن قد اختار وضعه، فوجبت رعايته. وبالرغم من أن الكثير من المجتمعات اعتادت من خلال عاداتها وتقاليدها أن تتبنى التكافل الأسري والاجتماعي، الاّ أن الدولة معنية أن تبادر وتقدم تلك الرعاية لهذه الفئة من المواطنين.
6 – مساواة المرأة: أدرج هذا المعيار وأخذ موقعا متقدما بين غيره من المعايير بسبب تخلف معظم المجتمعات في التنبه للظلم وللأذى الذي لحق بالمرأة على مر التأريخ بسبب الفوارق الطبيعية الجسمية لا الذهنية – الادراكية، فالدول التي لم تنصف المرأة حقها المساوي للرجل في التعليم والعمل والأجور وصنع القرار والمشاركة الكاملة اقتصاديا وسياسيا، تراجعت الى أسفل قوائم التصنيف لأنها تسقط من نصف المجتمع (المرأة) حقها الانساني. ويمكن الاستشهاد بإجادة المرأة وتقدم دورها في تكوين وتقويم اقتصاد مجتمعاتها في تلك المجتمعات التي عانت من الحروب التي حصدت معظم الرجال، فبادرت المرأة لتحتل مكانها في المصنع وفي المزرعة وفي المدرسة وفي الدوائر الخدمية، وفي مرافق الحياة كلها.
* وهناك معايير أخرى مشتقة مما سبق ذكره من المعايير مثل نسبة مشاركة المرأة في صنع القرار أو مشاركتها في السلطة التشريعية ( البرلمان) والحرية الفكرية والسياسية للفرد وغيرها
* تجدر الاشارة الى أن معظم المعايير والتصنيفات في التنمية البشرية هي من وضع لجان ومفكرين من المجتمعات الغربية (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) التي تضع المعايير من منظور فلسفي وفكري مختلف عن الطبيعة الاجتماعية والفلسفية لمجتمعات شرقية، ورغم أن الانسان هو الانسان، الاّ أن الذي يجعل من العادات والتقاليد والأعراف متباينة بين مجتمع وآخر هي البيئة الطبيعية.لذا فليس من العدل تطبيق كل المعايير على المجتمعات كلها في تصنيف التنمية البشرية للمفاضلة بين الدول.