من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

لقد أعلنت الولايات المتحدة حرباً اقتصادية على العالم، فهل هذا العالم على استعداد حقاً لمواجهة هذه الحروب الجديدة؟ قليل، بل قليل جداً من زعماء العالم، والحالة هذه، يأخذ الأمور بجدية، إذ ليس لمعظمهم أية ثقافة حول المعلومات الخاصة بالاقتصاد، إذن فإن الأمر يقتضي العجلة من قبل مسؤولينا في المستقبل في دراسة الاقتصاد، خاصة من يهتم بالمشروعات الاقتصادية، من المنتجين ومن الموظفين. وإن الأمر لحيوي جداً، وسيصبح ضرورة بشكل لا يمكن تجنبها عاجلاً أم آجلاً، خلال العشرة سنوات القادمة، حيث سيمثل الاقتصاد أحد الأخطار الرئيسة(1).

الحرب الاقتصادية موضوع البحث

كما هو الأمر في أن يجادل البعض من الاختصاصيين في الاستراتيجية الملائمة للتعبير، المطابقة لذوق العصر اليوم، منذ حرب الخليج، ينكر آخرون، تلك “الحرب الاقتصادية”، كون الحرب مرتبطة حصراً باستخدام القوات المسلحة، طبقاً لرأيهم، “الحرب ليست الشيء نفسه كالمنافسة التجارية”، ويوضح آخرون، مثل لوران موراوييك LAURENT MURAWIEC مدير الخدمات الجيو سياسية، بالقول: “لا يمكن الحديث عن الحرب خبط عشواء”(2)، ويعتبر آخرون، بالمقابل، خصوصاً الجنرال بيشو-دوكلو PICHOT DUCLOT وإدوارد لوتواك، رئيس رتل الفكر الاستراتيجي الأمريكي، أن الحرب الاقتصادية، هي أحد الأشكال الرئيسة للنزاعات الحديثة.

ويمكن تعريف الحرب الاقتصادية، على أنها العملية التي تستخدم فيها دول أو مجموعة دول، الحق الملكي “قوى عسكرية، وزارات، خلايا استخبارية، مساعدات مالية دولية، قوانين، الدبلوماسية، دوائر خاصة… الخ”، وأمور غير مباشرة “وسائل الإعلام”، منظمات دولية، منظمات غير حكومية، منظمات إنسانية… الخ”، من أجل إخضاع الأسواق، أو المحافظة عليها، لصالح الشركات الوطنية”. ولم يعد امتلاك العديد من الرؤوس النووية، في ظروف العولمة، والمنافسة العنيفة بين ثلاثة من الأقطاب الرئيسة للقوى الاقتصادية: البلدان الصناعية في آسيا- بما في ذلك اليابان والصين- الولايات المتحدة، وبشكل أوسع بلدان أوربا الغربية، وبلدان اتفاق التبادل الحر في شمالي أمريكا (ALENA) ، لم يعد يعبر عن القوة، بل الحصة في السوق الدولي، وبنسبة النمو، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة في العراق وتدميره، وفي يوغوسلافيا السابقة، ويشهد مفهوم الحرب الاقتصادية، من واقع، أنه لم تعد الكتل الأيديولوجية –السياسية، هي التي تتصارع في العالم، بل الدول أو الكتل الجيو- سياسية “وهذا لا يبتعد مطلقاً، كونها حضارية في الوقت نفسه”، هي المتخاصمة والمتزاحمة.

فهل لم يصرح الرسميون الأمريكيون، أنفسهم، أن العالم بعد الآن هو في حرب اقتصادية. وهذا ما اعترف به رسمياً وارن كريستوفر WARREN CHRISTOPHER، أمام مجلس الشيوخ الأميركي في (13) كانون الثاني
(1993) بقوله: “يجب أن يكون الأمن الاقتصادي الأمريكي، مرفوعاً، إلى مرتبة الأفضلية الأولى في السياسة الخارجية الأمريكية (…)، ويجب العمل على تقدم الأمن الاقتصادي بتوفير أكبر قدر من مصادر الطاقة، كما كان عليه الحال في زمن الحرب الباردة”. كما لم يتوقف الرئيس بيل كلنتون، من جانبه عن التكرار، وعلى مدى فترة رئاسته أن الأقدمية في سياسته تبقى الدفاع عن المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة”. كما أكدت مادلين أولبرايت في (8) كانون الثاني (1999) أمام مجلس الشيوخ، سواء أردنا أم لا، أصبحت التنمية الاقتصادية إلى جانب الأشياء الحضارية، الأرض الرئيسية للمجابهة بين القوى الكبرى والمتوسطة، لما بعد الحرب الباردة، خصوصاً بين الولايات المتحدة وبين منافسيها التجاريين المرعبين الأكثر الاثنين: الاتحاد الأوربي والبلدان المصنعة في آسيا. استمعوا إلى ما يقوله إدوارد لوتوك (EDWARD LUTTWAK): “إننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام مبدأ [دعهم يعملون] والعولمة الاقتصادية، في حين تمارس آسيا، وربما أوربا غداً، ما أسميه بالجيو اقتصادية، بعبارة أخرى، المعركة الاقتصادية لصالح بلد واحد، أو مجموعة بلدان واحدة(..). لقد يَسَّر الاقتصاد العالمي، وعلى مدى عملية توحيد طويلة، أو عولمة مشجعة، بواسطة السلم الأمريكي، هو في طريقه اليوم إلى التجزؤ من جديد إلى كتل اقتصادية متنافسة”(3).

لقد أعطت العولمة، في الحاصل، ولادة إعادة انتشار قوى اقتصادية بعيداً عن السماح ببناء مجتمع كوني موحد، وانحصر التوحيد في الأسواق فقط، بعبارة أخرى، في حقل المعركة، وليس الفاعلين فيها، كون الهدف هو الغزو الشامل للأسواق، أيضاً، أو حتى ارتقت “الاتحادات الاقتصادية الإقليمية” إلى مرتبة أفضل من المرتبة الثانية، وحتى وصلت الأسواق المتكاملة تحت علم منظمة التجارة الدولية (OMC) إلى المرتبة الأولى، وتستمر السوق في معارضة الفاعلين الذين يتصرفون في نطاق منافسة محتدمة، لا سيما أنه لم تعد توجد أسواق محمية، وبحيث لم يعد الرهان، الحصول على جزء من منتج معطى، جدير بالاحترام، على غرار ما كان يواجه آنذاك في الثمانينيات
(1980)، ومن كونه الأول، ما عدا واحداً من الجميع الآخرين، كما توضح حالة الميكرو سوفت (MICROSOFT) في مجال المعلوماتية. ففي أذهان أصحاب القرار من الأمريكيين، وممثلين في منظمة التجارة الدولية، ومن لم يقع هذا موقع الاستحسان لدى المصالح المعادية للتروستات- أي الاتحاد الاحتكاري بين عدد من الشركات للحد من منافستها- التي تتزعزع في أمريكا نفسها، سوقاً هي معتبرة “مفتوحة” وإذن “ليبرالية”. مع وجود “احتكار فعلي”، ما أن تصبح الإمكانية النظرية، والاتهامات، معترف بها. وسيستفيد المستهلك أيضاً أكبر فائدة، في مستوى أنظمة الاستغلال، لمكروسوفت MICROSOFT المهيمن، المحرض بجهاز (APPLE)  المتخلف(4) وجهاز (LINUX) المُفْترض، بحيث تدخل القسمة العادلة لسوق اللوجيسييك بين المصنعين العديدين، وسمح هذا الطراز الجديد الليبرالي للهيمنة في فهم شراسة الأمريكيين لفرض المنتجات الزراعية، في منظمة التجارة الدولية، من المنتجات معدلة الجينات (TRANSCENIQUES) ، وهي معيار غذاء جديد من أجل الغد والذي سيتغلب بالكامل، وبالتالي للدول الأخرى كالأوربيين، الأسواق الرافضة والهامشية من أجل المنتجات الحيوية (BIO). وفي مثل هذه الظروف من الإفلاس الليبرالي، والتنافس التقليدي، أو نظريات التبادل الحر، وحق المنافسة، لم تعد جميعها أكثر من أسلحة في فن الخطابة موجهة للأوربيين والبلدان المصنعة حديثاً، من أجل تبرير المفهوم الجديد “للحرب الاقتصادية”، و”اقتصاد المعركة”. ويبين لوتواك (LUTTWAK) أن الولايات المتحدة مدعوة إلى تحويل نظامها الإنتاجي إلى آلة حرب اقتصادية، إذا أرادت المحافظة على احتلالها المكان الأول في العالم.

فكيف يمكن للولايات المتحدة أن تسرع في هذه الحرب من أجل المحافظة على وضعها كقوة أعظم، في ظروف عديمة الشفقة من العولمة والمبادلات، وكيف العمل لتطوير مجتمعها بصورة جذرية خلال عشرة سنوات-في وقت هي مهددة بالانطلاقة الآسيوية بشكل خطير- نحو اقتصاد المعركة الحقيقية والوصول إلى مرتبة النصر من جديد على جميع الجبهات، وترتبط من جديد بالنمو والمنافسة؟(5) في الواقع، لقد بدأ كل ذلك منذ نهاية السبعينيات (1970)، عندما تأكد للولايات المتحدة بأنها في الطريق لتصبح محتلة من قبل السيارة والمعلوماتية اليابانية. وهكذا، طُلبَ إلى وكالة المخابرات المركزية (CIA) ، منذ مطلع رئاسة الرئيس بوش، تقديم التقرير المشهور عن اليابان عام
(2000)، مما بيَّنَ العوز إلى المعلومات الفدرالية- أيضاً غطى المعلومات الخاصة بالخطر السوفياتي- فيما يتعلق بالذكاء الاقتصادي، والمشروعات الأمريكية، أيضاً دارت كثيراً حصراً نحو السوق الداخلي. فأعاد كلنتون توجه آلة الدولة نحو المساعدة لغزو الأسواق والسيطرة التكنولوجية المتقدمة، مع الوعي بضرورة الهجوم المعاكس وفي التركيز على التآزر بين آلة الدولة وعالم المشروعات.

ولقد أدى ذلك لإنشاء “مجلس اقتصادي قومي “NATIONAL ECONOMIC -COUNCIL NEC ، النظير الاقتصادي للمجلس القومي للأمن، أيضاً إلى ولادة شبكة دفاع (ADVOCACY NETWORK) (شبكة “للمشورة”) وضعت تحت إمرة نائب الرئيس آلغور (AL GORE)، الاختصاصي الكبير بالحرب الاقتصادية، وعلى نحو مبسط، أصبح للمجلس الاقتصادي القومي كمهمة تقديم المعلومات الضرورية لرئيس الولايات المتحدة من أجل استخدامها في الاستراتيجية القومية للتصدير التي انطلقت منذ عام
(1993)، وضمنت للقوة الأعظم الأمريكية، الزعامة التكنولوجية العالمية. وينسق مجلس الأمن القومي الاقتصادي، أعمال الوكالات الاتحادية وكالة المخابرات المركزية” CIA و مجلس الأمن القومي  و مكتب التحقيق الفيدرالي الخ” مع وزارة الخارجية من أجل الكشف عن التكنولوجيات الجديدة التي ستتحكم بالمستقبل، ومن أجل اختيار العروض الدولية الأكثر أهمية، أيضاً، التأكد من أن المشروعات الأمريكية ليست متروكة لنفسها بنفسها، وتستفيد اليوم، من دعم جدي من جانب الدولة الأمريكية، على الرغم من قدوس الليبرالية الأنجلو-ساكسونية. أما مركز شبكة الدفاع فهو مكلف بتحليل المعلومات القادمة أيضاً من إدارة الدولة أي وزارة الخارجية، كذلك من وزارة التجارة. ويقوم ذلك المركز بمراقبة كل شيء، خصوصاً فيما يتعلق بأن الشركات الأمريكية تحافظ على موقع مهيمن ما أن تصبح مشاركة في رهان مهم في مجال الدفاع عن المصالح الأمريكية، مزودة إياها بالمعلومات الأساسية التي هي بحاجة إليها. وطبقاً لرأي نيكولاس هاربيلو NICOLAS HARBULOT وسمح هذا النموذج الجديد من المشاركة بين الحكومة الأمريكية، فيما يقال “غير التدخلية”، وعالم الأعمال، في خلق فرص عمل جديدة يصل إلى (400000) فرصة، وفي زيادة الصادرات بمقدار (25.9) مليار دولار، وتقدر بعض الإحصاءات الأحدث، أنه نشأت (2) مليون فرصة عمل جديدة، أو جرى المحافظة عليها، كما أن مجمل النموذج الجديد، يُكلِّف بإزالة “العوائق” أو الإقلال منها، التي يمكن أن تواجهها شركات التصدير، بفضل تدخل السلطات المركزية، والبيت الأبيض “فقد أقنع كلنتون شخصياً الملك فهد لشراء البويينغ بدلاً من (الإيرباص)، كما وجه رسالة شخصية لرئيس البرازيل لكي يرسو عطاء الرادارات للأمازون من أمريكا…”. وكون الولايات المتحدة، قوة كونية، فإن الضغوط الممارسة عبر المؤسسات الدولية أيضاً، حيادية نظرياً، هي في الحقيقة موضوعة تحت تصرفها، وتقوم بتنفيذ ماتطلبه منها:

–   المنظمات الدولية للتجارة [منظمة التجارة الدولية، الغات سابقاً، التي تشكلت على أربع مراحل خلال الفترة [1964-1994]، من التبادل الحر، المعمم تماماً والذي جعل السياسة الزراعية المشتركة الأوربية باطلة وجعل من السوق المشتركة مؤسسة دون هدف، والتي توجب عليها أن يحل محلها الاتحاد الاقتصادي والنقدي، والمرور إلى اليورو، أو النقد الأوربي.

–   صندوق النقد الدولي [FMI] حيث انتهت البرامج المالية في أوربا الشرقية، وفي جمهوريات آسيا الوسطى إلى أن يعرض عليها كما كان عليه الحال في أوربا الغربية في السابق، إجابات المنظمات المالية للولايات المتحدة والتي منها سيصبح ممكناً بيع النصائح والخدمات والمنتجات الأمريكية بسهولة أكبر).

–   بنك التنظيمات الدولية (BRI) –مؤلف التقارير العديدة حول أوهام الخطر المنهجي- الذي ينتج عن أنظمة الدفع بسبب أفكار حمقاء لعام (2000) –و الذي يعمل من أجل المعايرة المالية، خصوصاً وحدة النقد الأوربي (VEM)، على الطراز الأمريكي.

–   منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، وهي الشعاع الموجه لنشر المفهوم الأميركي للتبادل الحر، منذ زمن طويل.

–   البنك الدولي (المخصص لبلدان العالم الثالث).

–   منظمة الأمم المتحدة “الأقل أهلية اقتصادياً، لكن تستخدم أحياناً بهدف مدمر من قبل واشنطن، كما حدث في تقرير عام (1999) حول الهجرة وسوق العمل في أوربا، الذي استهدف إعادة تنظيم سوق العمل، والنظم الاجتماعية الأوربية ضمنياً، وتمتدح فيه أهمية الـ (40) مليون تقني متوسط المؤهلين في الجامعات الباكستانية والهندية.

     وفي المستوى اللا شكلي الأكثر، الأقل إرغاماً، والأيديولوجية حصراً، الدعاية الاقتصادية الأمريكية مبدلة بطريقتين رئيسيتين:

–   الصحافة الأنجلو- ساكسونية: صحف ومجلات دولية، موالية لأمريكا، بلا قيد أو شرط، لا تقرأ مطلقاً خارج حدود الأنجلو-ساكسون، بطريقة الاشتراك الدولي، مثل الايكونومست ECONOMIST وأسبوع الأعمال BUSINESS WEEK، أو القنال التلفازية (CNN) التي تسكب الأيديولوجية الأمريكية الرخيصة، بلهجة متحذلقة في آن واحد، وهي في الواقع أفضل مصدر لرأي (النخبة) الوطنية في الطريق إلى الأمركة.

ثقافة المشروع الأمريكي، المبثوثة في المجتمعات عبر القوميات الكبرى، ومجالس الاستشارة، لتدقيق الحسابات أم عن طريق المحامين الدوليين، الذين يفرضون أنفسهم شيئاً فشيئاً بالتدريج، على الرغم من ضعف الرواتب والخيارات- على أية حال مرهقة بالتكاليف الاجتماعية- وتفرض بالتدريج كعلامة على النجاح الاجتماعي خارجياً. ولهذه الدعاية الأمريكية كضحية أساسية- في الوقت نفسه للجلادين، لأن الضحايا مدعوين بدورهم للعب هذا دور التقادم في الرأي لدى “الطبقات الدنيا”- والأعضاء هم ما يصفهم جاك أتالي JACQUES ATTALI بـ “الطبقة الأعظم”، أعني، الفضالة من النخبة القومية، ليست أمريكية بالكامل، نذرت نفسها لخدمة اقتصاد الولايات المتحدة، هذه النخبة، جرى تطبيعها أمريكياً، بطريقة ما، لأنها تستفيد من دسم ملائم، من أجل الحصول على بطاقة الإقامة (GREEN CARD)، للعب الدور نفسه لهؤلاء، خارج حدود الولايات المتحدة، الذي يلعبه سكان البلاد والبرابرة الذين منحهم كاراكالا حق المواطنة من أجل ضمان دور الناشر للأخبار أو المخبر في المستعمرات الشرقية في الإمبراطورية الرومانية.

ويجري الدفاع عن فحص الأضابير من قبل الولايات المتحدة، أمام المنظمة الدولية للتجارة(6) “بشأن الموز، والاستثناءات الثقافية، الصويا، والذرة، ولحوم البقر المغذاة بالهرمونات، وكذلك المنتجات الزراعية المعدلة جينياً (TRANSGENIQUE)…الخ”، ضد المنافسين الأوربيين الذين تسببوا بفشل مؤتمر شبيتل (SEATTLE) في كانون أول (1999) فاتحاً الطريق أمام مفاوضات في الدورة الألف لمنظمة التجارة الدولية، والتأكيد على الالتزام والتصميم الأكيد من الإدارة الأمريكية في البحث عن استعلامات اقتصادية لصالح مشروعاتها. ويوضح الأسلوب فيما يتعلق بالصناعات الجوية والصناعات الاستراتيجية من التكنولوجيا العالية المرتبطة بـ (لوكهيد مارتان LOCKHEED MARTIN، مع نورث روب غرومان NORTHROP – GRUMAN (مطلع تموز (1997)، يوضح تماماً الأسلوب المستخدم من قبل الأمريكيين من أجل العمل على خدمة اتفاقيات منظمة التجارة الدولية لصالحها”
(7). في الواقع، ففي حين تعلن واشنطن بصورة منهجية، اغتصاب الأوربيين، تدوس مبدأ التنافس الحر، بحجة أن المساعدات الممنوحة إلى الإيرباص (AIRBUS) هي (20) مليار دولار. فإن الحكومة الأمريكية “البنتاغون” تساهم في كل عام بـ (140) مليار دولار إعانات مالية، للبطل الجديد، على شكل عقود عسكرية. في المجال الزراعي، كان الأوربيون مجبرين، باسم منظمة التجارة الدولية، على خفض إنتاجهم من المواد الزيتية والحبوب، في الفترة (1991-1992)، في الوقت الذي يزيد فيه الأمريكيون من الحصة المخصصة لهم، والتي يحتفظ بها للتصدير للسوق الدولي. ثم يصلون بعد ذلك بوقت قصير، بأن يشتري الأوربيون من الولايات المتحدة، طعام حيواناتهم، على حساب الإنتاج المحلي، ودون الخضوع للقوانين الجمركية. “ويملك الأمريكيون الآن 50% من السوق الدولي للقمح، مقابل 20% للأوربيين، ويطالب الأمريكيون بحصة أكبر، كل ذلك، مع الهجوم، على ما يسمونه بـ “الحمائية الأوربية”، أثناء المفاوضات، فإنهم لا يخطئون إذا شنوا حملة على هذه الحمائية، هم أنفسهم”(8). وإن مساعداتهم للزراعة ضعف ما تقدمه أوربا، كما أن الأجور لكل مزارع، هي أكثر أهمية للغاية في الولايات المتحدة.

في الواقع، تلعب الولايات المتحدة بمهارة، وذلك بأسلوب الاحتجاج لدى منظمة التجارة الدولية بشان المساعدات التي تقدمها بروكسل أو الاتحاد الأوربي للمشروعات الأوربية، لأن المعونات المقدمة للمشروعات المصدرة الأمريكية، التي يشكو منها الأوربيون، لدى منظمة التجارة الدولية منذ عام
(1998)، ذات قيمة أكبر، مما هي الإعانات المالية الأوربية، وخلافاً قريباً من التجاوز بصورة رئيسة في الخفض الهام الذي يصل إلى حجم أعمال سنوي من حوالي (150) مليار دولار. في الواقع، ربع الصادرات الأمريكية مدعومة بصورة غير مشروعة، عن طريق نظام مالي تفضيلي. وتشجع واشنطن المشروعات التصديرية الأمريكية، بلا قيد أو شرط، بالتهرب الضريبي، ويؤدي هذا إلى انتشار شركات وهمية باسم اتحاد برامج الـ (WELFARE) (أي الرفاه)، وهي (ستائر)(9) تنشأ في الجنات المالية “الجزر العذراء، بارباد، غوام”. وتجلب هذه المساعدات المخفية، كل عام، مساعدة مباشرة معادلة
إلى (2) مليار دولار للمصدرين الأمريكيين، من منظمة التجارة الدولية “كوداك، بويينغ، جنرال موتورز، كاتربيلار، كلايزلر، رنيولدز، موتورولا، يونيون كاربايد… الخ”.

وعلى نحو موازٍ، فالولايات المتحدة التي توجه النقد اللاذع للمواقف الحمائية من قبل الآسيويين أو الأوربيين، باستمرار، فهي نفسها تنفذ حمائية شديدة، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فبالنسبة للحمائية المباشرة، تتم بواسطة مجموعة قضائية تسمح للولايات المتحدة بإتباع تلك السياسة: قانون آماتو-كندي، وهلمز- بورتون، يهدف إلى منع استثمار غربي، ليس أمريكياً في بلدان معينة مثل إيران، كوبا، ليبيا، وأقام قانون كوهن(15) عوائق لا تتعلق بالتعرفة فقط، بل تبرر باسم “الأمن القومي” باسم المادة (301) (SUPER)، ويسمح ذلك للكونجرس الأمريكي إصدار مراسيم تؤدي لإجراءات حمائية وحيدة الجانب ما أن يتم اعتبار أي منافس أجنبي أنه ضار للمصالح الاقتصادية الأمريكية… الخ”. وهناك عدة تشريعات فدرالية، في قطاعات الأسواق العامة، تميز بواسطتها الشركات الأمريكية الحصرية، في حين تمنع عدة دول في الخدمات، بلا قيد ولا شرط، من إقامة فروع لشركات تأمين برؤوس أموال عامة، أو أنها تفرض شروطاً قاسية من أجل تشكيل مجالس إدارة. ولنذكر، مع ذلك، بأن الضرائب على الواردات –التي ترغب الولايات المتحدة بخفضها إلى أدنى من مرتبة الـ 10% من أوربا- تتجاوز الـ (15% بالنسبة لسبعماية منتج وخدمات “محمية”(11). أما في الحمائية غير المباشرة، أو “الخفية” فهي أكثر انتشاراً وأصعب على التشكي منها لدى الدعاوى الدولية. في صيغتها المتميزة، كونها عديدة التنظيمات وتشكل حواجز فعالة في عدد من القطاعات، مثل الهواتف النقالة وكذلك الألياف البصرية، مروراً بأجهزة الراديو تلفون، والمعادن غير الخالصة. وهنا أيضاً، أضحت ترسانة مرعبة “مضادة لإغراق الأسواق بتجارة ما” معبأة من أجل تحديد الصادرات الأوربية من الحديد، وذلك بخفضها إلى 10.5% في الفترة (1998-1999). وعلى نحو موازٍ، على الشركات الأجنبية الراغبة في اتخاذ حصص في مشروع الاتصالات TELECOMMUNICATIONS في الولايات المتحدة، أن تجيب على أسئلة إجبارية من (60000) صفحة مكتوبة بالإنجليزية، وتبلغ النية السيئة الأمريكية أحياناً قمماً من الخبث متعذرة الاتهام. أيضاً، في هذا القطاع نفسه، في الاتصالات لا يمكن للشركات غير الأمريكية، المشاركة، في أي حال من الأحوال بنسبة مائوية تتجاوز الـ 20% ، حيث لا يسمح للجنة الاتصالات الفدرالية (FEDERAL COMMUNICATIONS COMMISSION) (FCC) ، المنظمة الرئيسة لتنظيم الاتصالات الهاتفية، بأية مشاركة أكثر أهمية(12)، لأسباب بحجة “الأمن القومي” “وبالإجمال، يوضح الجنرال بيشو-دكلو (PICHOT-DUCLOS) ، بأن كل شيء يجري كما لو أن تحليلاً شاملاً للوضع قد انطلق على جهاز منهجي من الهيمنة الاقتصادية الدولي”(13)، أخيراً، يوجد إلى جانب عملاء المخابرات المركزية القدماء من المسرحين في نهاية الحرب الباردة، فهناك منشآت مثل (NEC) أو مركز الدفاع (ADVOCACY CENTER) ودواوين استماع مثل الـ (BIGG) المشهورة. وتتحرك المهارات الاقتصادية الأمريكية عبر مجموعات لوبي. في بروكسل، تستخدم الولايات المتحدة مئات الأشخاص حيث مهمتهم التنسيق مع اللجنة الخاصة بالاتحاد الأوربي UNION EUROPEEN COMMITEé، فرع من غرفة التجارة الأمريكية المشهورة والمرعبة، أمشام (AMCHAM) المكلفة بالدفاع عن مصالح مئات المشروعات الأمريكية في العالم.

ليست الحرب الاقتصادية منفصلة عن الأشكال الأخرى من الحرب (الإعلامية) والنفسية… الخ. وبعيداً عن أن تحل محل النزاعات، فإنها ترافقها، بمقدار ماتبررها، كذلك شوهد ذلك الأمر في حرب الخليج الثانية، بل أيضاً وبطريقة أقل وضوحاً، أثناء تدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي في يوغوسلافيا السابقة، كذلك، تملك القوات المسلحة الأمريكية اليوم، كل شيء، كالسفارات، وخلايا حربية في المعلوماتية (INFO-WAR) كذلك الحرب الاقتصادية. ومن هنا، يتضح أن كل طارئ عسكري أمريكي في العالم يترافق مع مفرزة من “ضباط الشؤون المدنية”.

وتساعد الشؤون المدنية على الانطلاق ومساعدة البلدان التي تتعرض للمشاكل والأزمات للخروج منها “كما للولايات المتحدة مراكز مراقبة لمراقبة الاقتصاد المحلي، تسمح باستقبال المعلومات بدقة كبيرة على الأرض، تسمح للمشروعات المدنية على الأثر أن تتمركز في منشآت متنوعة في المستقبل
(…) ، فكانت البوسنة مختبراً جيداً جداً للتجارب الإدارية. وعمل المجلس الاقتصادي القومي، وإدارة الدولة، أو وزارة الخارجية، انسجاماً مع وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون، من أجل إقامة المشروعات الأمريكية (…) كما جرى إنشاء روابط وثيقة مع النخبات المحلية”(14). هذا ما يوضحه هاربولو (HARBULOT) وبيشو دوكلو PICHOT- DUCLOS .

في الواقع، القطاعات الأساسية في الاقتصاد الدولي هي سر القوة العظمى الأمريكية، حيث تمر المحافظة على الزعامة الشاملة عبر سيطرة “القطاعات الأعظم” على الأسواق الدولية: النفط، الحبوب، صناعة الأسلحة، التكنولوجيات الحديثة، الصناعات الجوية، التوابع- المعلوماتية، المنتجات السمعية- البصرية، أخيراً الاتصالات.

وتحتل هذه (القطاعات الأعظم)، ومساعدة الشركات الأمريكية للتمركز أو الارتقاء في المقام الأول الدولي، إذا كان ممكناً، تحتل في ذلك وضعاً احتكارياً، وتجري مساعدة هذه المهمات الرئيسة للعقل الاقتصادي الأمريكي، الذي تنفق الولايات المتحدة من أجله (26) مليار دولار سنوياً، وتجرى مساعدة الانتظام الجديد بالتكنولوجيات المتقدمة [التوابع، أنظمة التنصت، التجسس على الانترنيت…الخ]، مما يسمح كل ذلك لـ “اقتصاد.. المعركة جمع معلومات استراتيجية، وحتى في تنفيذ “هجمات معلوماتية” تستهدف إضعاف مواقع المنافسين. وكما يبين هاربولو:

“إن ذلك ليس وليد الصدفة، إذا كانت المنتجات والشركات التي تحقق نتائج صناعية مثل آريان (ARIANE)، والميراج، والفالكون، وقطارات الـ (TGV) وطائرات الإيرباص الكهرباء المنتجة نووياً، (…) هي جميعاً، هدف للهجمات الأمريكية، حسب الأصول، جبهية، أم غير مباشرة (…).

ويجب التساؤل أيضاً عن السلطة المذهلة المتحدة الاتجاه التي ظهرت خلال عدة سنوات أمام القضاة البلجيك الذين يملكون أضابير عن طراز وكالات المخابرات المحترفة، التي تهاجم بالتتابع (الرؤساء-المديرين العامين)
(P. D. G) التابع لمؤسسة شنايدر، وداسو (DASSAULT) والكاتل (ALCATEL)، بحجة الفساد”

وهناك أمثلة عديدة أمريكية عن “هجمات النفوذ” أو “الالتفاف” وهي جارية، وبالطبع تشمل نشاطاتها اليابان: ويمكن الإشارة هنا إلى قضية تومسون-الكاتل/- إيتيون، حيث كانت هذه الأخيرة على وشك الفوز بعقود هامة في البرازيل “تغطية بالرادار لمنطقة الأمازون”، لحساب منافسين أمريكيين، كانت اتهمت بالفساد من قبل الصحافة الأنجلو-ساكسونية، الرئيس البرازيلي من أجل نسف المواقع الفرنسية، بحيث يسمح للمنافس رايتيون (RAYTHEON) للحصول على العقود بقيمة (7) مليار دولار، عندما كانت تومسون (THOMSON) وألكاتل ALCATEL على وشك التوقيع مع الحكومة البرازيلية عليها، ويمكن التذكير أيضاً بـ “موضوع بيرييه PERRIER ” الشركة التي كانت فرنسية سابقاً وتصدر المشروبات للولايات المتحدة، ثم اتهمت بأن تلك المشروبات تحتوي على مادة البانزين (BENZENE) ، وكما لو أن الأمر كان صدفة وحيث كان المخبر الذي اكتشف آثار البنزين، يحول من قبل المنافس لبيرييه. ودائماً، فهل هذا يعني أن بيرييه قد فقدت مبالغ ضخمة، وبأنها لن تستطيع الانتعاش من جديد، وهكذا انتهى الأمر بأن أعيد شراؤها من قبل نستله NISTLE وأغنيلى AGNELU ولنذكر أخيراً مثال طائرات الميراج الفرنسية، حيث دمرت في البوسنه، طائرة، من قبل الصربيين عام (1995). وفي الساعات التي تلت الحدث، أنتجت أكثر من أربعين قناة تلفاز بالتنافس صوراً للطائرة، وهي غاطسة في الأرض، مع تفسير رئيس “أن أدوات وأجهزة الخداع لم تعمل”… في الواقع، إن إصرار الصحافة الأنجلو ساكسونية حول “اختلال” أجهزة الخداع في الميراج، كانت مرتبطة بالمفاوضات الاستراتيجية الجارية في الوقت نفسه مع الباكستان بهدف توقيع عقد ضخم لبيع طائرات قتالية، حيث كانت المنافسة شديدة… زد على ذلك، فإن أجهزة الخداع في الطائرة الميراج، لم تكن مطلقاً موضوع خلاف، لأن المدفعية الكلاسيكية، وليس الصواريخ أرض- جو، وهي وحدها “القابلة لأعمال الخداع”، هي التي أصابت الميراج وأسقطتها، وهذا ما يؤكده الجنرال بيشو –دكلو PICHOT – DUCLOS لكن الهجمات الإعلامية” التجارية التي تشنها الشركات الأمريكية تمر في أغلب الأحيان عن طريق الصحافة الأوربية، كما جرى التأكد من ذلك في هولاندا، أثناء الصراع من أجل عقد صفقة بين الآباش APACHE من إنتاج شركة ماكدونيل-دوغلاس (MCDONNELL DOUGLAS) والتيجر (TIGRE) الفرنسية-الألمانية، من أجل سوق بقيمة (3) مليار دولار: وأعلنت الصحيفة الهولندية اليومية (التلغراف) أن وزير الدفاع الفرنسي، كان مجبراً على القيام بهبوط إجباري في مارينيان (MARIGNANE) خلال طيران تحقق على الطائرة تيجر، لكن أثبت التحقيق بعد وقت قصير، أن التسجيل المحقق من قبل الأوروكوبتر EUROCOPTER، أن الأمريكيين، قاموا بعملية تنسيق مع هولاندا وبريطانيا العظمى من أجل تنفيذ عقود لشراء الأباش والتقليل من سمعة منافستها الفرنسية(15). أخيراً، كانت مجموعة بول BULL أيضاً التعويض من جملة التعويضات في الحرب الاقتصادية الأمريكية- الأوربية، فقد توصلت الـ (IBM)(16) لإقناع الرأي العام، دون هجوم مباشر، أن بل لم تكن على مقدرة أن ترفع التحدي التكنولوجي.

عندما تتوافق “الحرب الاقتصادية مع حرب المعلومات.

فمع تطور وسائل الاتصال الحديثة وعولمة الاقتصاد، تجلب “السيطرة على شبكات الاتصال، وإنتاج البراغيث المعلوماتية، وحتى تلك الأوراق المقواة السمعية-البصرية، تجلب فوائد أكثر من امتلاك آبار النفط”(17). هذا ما يلاحظه فيليب كوهن. أيضاً، هل تقدم السيطرة التقليدية الشديدة، الخطوة الأولى نحو الهيمنة (الناعمة).

إذا امتلكت الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية(18)، بالتدريج، “قوة ضارية محررةً”، وإن (J: M. GAILLARD) أضفى عليها التفوق المطلق، في مجال القوة والنفوذ الثقافي. أيضاً يزداد التقدم في “المنتجات” الأمريكية الحالية كل عام، حيث تجاوزت حصة السوق من المنتجات السينمائية الأمريكية في الفترة (1985-1999) حوالي 56% بالمتوسط عن الاتحاد الأوربي، وقريباً من 80% بالنسبة لدخول الصالات السينمائية. ولقد سجلت 35 فيلماً أمريكياً من (40) فيلم أفضل النتائج في قاعات الاتحاد الأوربي”(19).

بالمقابل، لا تقبل الولايات المتحدة، إلا ما بين (1-3)% من الأوربيين في قاعاتها “وقد يكون السبب في خطأ الأوربيين لعدم إنتاجهم أفلاماً ذات قيمة”.

ولننظر إلى الأضرار الناتجة عن الحمائية الصامدة لدى الأمريكيين في المجال الثقافي، وجه آخر من وجوه الحرب الاقتصادية. من المعروف، على سبيل المثال، أن الولايات المتحدة تمنع دبلجة أفلامها على منتجي الأفلام الأوربية- وهذا يجعل من المستحيل كل برمجة أوربية كثيفة، فالأمريكيون لا يقدرون الأفلام بصيغها الأصلية. وبالطريقة نفسها “من الحواجز غير المتعلقة بالتعرفة”، فهي تعيق تصوير الحفلات الموسيقية (MUSIC-HALL) الأوربية، لأن التشريعات الأمريكية تمنع على المجموعات أن تجلب
موسيقاها… وعلى نحو موازٍ، يصل حجم السوق الداخلي لأمريكا الشمالية حوالي (260) مليون مشاهد أعني، يذهبون غالباً إلى السينما أكثر بمرتين مما يذهب الأوربيون] وتجعل الولايات المتحدة من السينما على قدرات تمويل ذاتي، وعلى التخفيف العجيب من أثر ذلك، في حين أن أسواق أوربا الوطنية التي لا تحصى، هي مجزأة بسبب استخدام إحدى عشرة لغة وطنية مختلفة، لهذا لا تستطيع أن تضاهي السينما الأمريكية. تستطيع المنتجات الأمريكية المستهلكة في الولايات المتحدة وكندا، على الأثر، أن تصبح مباعة في أوربا والعالم، بأسعار يستحيل مناقشتها أو مقارنتها، لكن بربح صاف أو بأسعار أخفض، أو تحويلها إلى (مسلسلات تلفازية).

ويعتقد بعض الأوربيين أن الفرق الأوربي-الأمريكي، قد سوي في المجال الثقافي في كانون الثاني (1993) على أثر مفاوضات الغات “خلال أورو غواي راوند” بالاعتراف بـ “الاستثناء الثقافي” الأوربي، لكن تبين بعد عدة سنوات، أن حصص أسواق الأفلام الأمريكية في أوربا مستمرة بالتزايد، وبأن الأوربيين لم ينجحوا اليوم في إقامة سياسة كوتا، أو الأفضل، إنشاء (قطب) سمعي-بصري أوربي، قابل لأن يصمد ويكافح بأسلحة متساوية مع صناعة السينما الأمريكية.

تستخدم الولايات المتحدة، إلى جانب منظمة التجارة الدولية، أدوات ضغط متعددة الجوانب الأخرى لتعزيز وضعها الاحتكاري الدولي، تجبر العالم على فتح حدودهم، باسم الليبرالية الكونية الهجومية، مثل الاتفاق متعدد الجوانب الخاص بالاستثمارات (AMI) والمعد في نطاق منظمة التعاون والتنمية الأوربية (OCDE) التي تجبر الدول الموقعة على إزالة جميع الحواجز الجمركية، يحقه بنسبة (كوتا)، وبالإعانات المالية، القادرة على إعاقة المنافسة، بمقتضى تشريع أمريكي، ويشمل المجال الثقافي. والحالة هذه، فإن معاهدة الاتفاق متعدد الجوانب (AMI) أثارت ردود فعل نشيطة من الرفض في نطاق العالم الغني الأوربي، وأحياناً، تشارك فيه الطبقة السياسية(20)، وكتب جاك لانغ JACK LANG : “تقبل بلادنا، بصورة سلبية جداً، في أحيان كثيرة، بعض الغزو، وبعض التخريب، على صور، خلقت في الخارج، وموسيقى موحدة النمط (…) تنجر الثقافة، وتنقل طراز حياة مضطربة، وترغب بعرضها على سكان الكرة الأرضية بالكامل”(21). إن الحضارة الإنسانية، كونها كما هي، في تنوعها، تتعرض لخطر أن تختفي في هاوية القرية العالمية الأنجلو-ساكسونية “وذلك بإغراق السوق العالمي، بالمنتجات السينمائية والتلفازية، ويجبر المنتجون على خنق الإبداعات الوطنية، مع إفراغ المحتويات الثقافية التقليدية الوطنية بالتدريج، لتحل محلها تلك الأيديولوجية الأمريكية(…) ويتعلق الأمر بآلة عجيبة، تغمر الكرة الأرضية بصورة عدوانية، وهي تنقل أيديولوجية جذابة، بمساعدة مليارات الدولارات”(22). في الحقيقة، خلف هذه الثقافة الكونية الأنجلو فونية (فالمثقفون الأنجلو-ساكسون، هم أنفسهم مرتبكون أمام فقر مفردات اللغة من (300) كلمة مستخدمة في الإنتاج الأمريكي”، وهي مقدمة تظهر على أنها (حيادية) وقد نجحت في خلق “هيمنة القوة الأعظم الأمريكية”. ولقد اعترف الاستراتيجي الأمريكي، زبيغنيو برززنسكي، الذي يستحق أن يعبر عن الأمور دون لف ودوران، اعترف نفسه، أن “الطبيعة الجوالة للمجتمع الأمريكي سمحت للولايات المتحدة إرساء هيمنتها في العالم، بسهولة أكبر، دون أن تترك الهيمنة الثقافية للولايات المتحدة، لكي تظهر خاصيتها الوطنية بحصر المعنى(…)، وأصبحت مظهراً أقل من حقيقتها شاملة، حتى الوقت الحاضر. ومهما اعتقدنا بصفتها الجمالية، تستمر الثقافة الجماهيرية الأمريكية في ممارستها تضليلاً لا يقاوم، على السياسة خاصة، وتغذي البرامج الأمريكية ثلاثة أرباع السوق العالمي في المجال التلفازي والسينمائي. وهكذا تجني الولايات المتحدة من هذه الفوائد(…) وجاهة سياسية وهامش مناورة لا مثيل لها”(23)، والرهان إذن، هو السيطرة على الاتصالات الكونية، لا أكثر ولا أقل، وفي هذا الاحتمال، يندمج المايكر وسفت بالتحالف مع (IBM) من أجل ضمان الهيمنة المطلقة على السوق العالمي في مجال الحواسيب. ويلعب التلفاز هنا، بفضل السيطرة على التوابع، دوراً رئيساً، لأنه مع شبكة الـ (CNN) التلفازية، على سبيل المثال، وهي القناة الأولى الكوكبية تغرق تد تارنر TED TARNER أكثر من (80) مليون منزل في أكثر من (142) بلد “بمعلومات هي عيون وأصوات الولايات المتحدة”(24). وتسيطر الولايات المتحدة، بفضل الصحف الرئيسة التي تلعب دوراً هاماً في المواجهة الدولية (النيويورك تايمز نيويورك هيرالد تربيون) إلى الدوريات “ريدر دايجست، ناشيونال جيوغرافيك ماغازين، بلاي بوي تايم، نيوزويك” إلى شبكات التلفاز (TNT, CNN, ABC, NBC) إلى أقمارها الصناعية [دايركت- TV، للاتصالات أسترا وكارتون-نتوورك من تد تارنر]… الخ، إلى وكالات الأنباء [أمريكان برس، أسوسييشن برس، يونا يتدبرس انثر ناشيونال، تسيطر على 95% من الأخبار الدولية” دون أن ننسى السيطرة التكنولوجية على الاتصالات المتقدمة [ميكروسوفت وتفرعاتها، أوراكل، نتسكيب للوجسييل انتل، سيريس- AMD، آبل- IBM. وتمتلك الولايات المتحدة سلطة ذات مدى لا يقبل الشك، تسمح لها بقولبة فكر عدة مليارات الأفراد، بالنسبة للإجراءات  (COM) الخاصة بالمنتجات (HAND HELL)، ونظام الترميز وفك الرموز
(CLIPER- CHIP)، وشبكة الكابلات (TCI). و(TIME WARNER) ، و U.S. WEST و VIACOM-PARAMOUMT .

فهذه هي الطريقة أو الوسيلة للوعي الثقافي، والطبائع والمعلومات والسياسة، واستخدام القوة، التي يدخلها الأمريكيون في الرؤوس(25).

وكما يلاحظ فيليب كوهن PHILIPPE COHEN بالضبط، فإن النتائج الثقافية الأمريكية، هي من صنع “العواطف الأمريكية”، إذ تُعدّ ليس فقط الأذهان ووجهات النظر الأمريكية، بل تدفعها إلى التطابق مع الولايات المتحدة ومصالحها، بحيث تنتهي الشعوب المستهلكة، إلى فقدان رؤية الإحساس بالمصلحة القومية، دون حتى الأخذ بالاعتبار بها، وتصبح واهنة لا شعورياً- بل مطواعة للولايات المتحدة، وربما أن الـ (BLUE- JEAN) والـ (ROCKN-ROLL) (الروك أندرول) بالأمس، والـ (NAVIGATOR)، والـ PLAY STATION، وحتى الحلقات التلفازية (FRIENDS)، ربما هي أكثر حسماً من السلاح النووي من أجل تأسيس هيمنة أمريكية جديدة(…)، ويتعلق الأمر بالعبور من السيطرة المباشرة إلى النفوذ. فأمريكا تهيمن على أربعة أخماس السينما العالمية، ويشكل هذا التأثير الأكثر خيالاً، على الخيال العالمي(26)، في الواقع، ليس النفوذ الثقافي، (قوة ضاربة) حقيقية، وحسب بل ليس سوى الترجمة الناعمة أو المقنعة للإمبريالية- حتى الكلياتية- المعاصرة، التي تترجم التعابير الدارجة، من الآن وصاعداً لا “الكلياتية الرخوة” أو “القوة اللينة”، “POWER SOFT .

أما ما يتعلق بالانترنيت، المتمفصل حول الولايات المتحدة فهذه الشبكة العملاقة للاتصالات، قد أصبحت الدجاجة التي تبيض ذهباً للاقتصاد الأمريكي، على أي حال، عامل لرفع القيمة، أو التحرز من التصرفات التأملية المشابهة لذلك العقار، دون أن يترافق لهذا بإنتاج حقيقي، كما يجعل الانترنيت، بفضل اللغة الإنجليزية وبساطة إجراءاتها، يجعل الانترنيت حافظة للعالم، وهي ساحة رئيسة لاقتصاد ذكي للولايات المتحدة، وبعدها للتجارة الدولية.

وشكل توزيع المعلومات المفتوحة على الانترنيت، في عام (1999) في مجال النشاط، من 53% فيما يتعلق بالتجارة “في الوقت الحاضر تزيد الخدمات القائمة، على تجارة البضائع”، وللأبحاث 27% و 5% للتربية، و 9% حكومية، و 6% للمتنوعات. والحالة هذه، فإن الانترنيت، هو الأول، الذي يطلع، على المشروعات الأمريكية، وعلى الأزمات والتغييرات وطراز الأذواق أو التحول فيها، والتي تتكيف مع الأسواق العالمية، وفي مجال الحماية والأمن، فالأمريكيون، هم، في الوقت نفسه، سادة اللعبة، فالشركات مثل (ROSS ENGINEERING)، قادرة على اقتراح نماذج حماية فعالة للمشروعات والإدارات في العالم أجمع “طريقة أخرى للسيطرة على هذا العالم وفي فك رموز هذه الرسائل بصورة أفضل، إذا تأكدت ضرورية”(27). إذ تمتلك الـوكالة الأمن القومي(NSA)  في الواقع مفتاحاً، يعطيها طريقاً إلى الوظائف المرمزة لكل حاسوب مزوداً بنظام كشف الـ (WINDOWS) (95، 98، 2000، NT… الخ).من المكروسوفت، بعبارة أخرى، حوالي 90% من مربد المعلوماتية العالمي… و”يمتلك الأمريكيون في الواقع، التقنية للتسلل إلى الشبكات الأجنبية، إذ يوجد تتبعات مخفية للـ (WINDOWS) والمكروسوفت، حيث الهدف هو استعادة المعلومات عن المستخدمين للحواسيب”، ويوضح مارسل فيغورو (MARCEL VIGOUROUX) ، رئيس اللواء المركزي لردع الجريمة المعلوماتية (BCRCI) بقوله:

“جرى ترك الأمريكيين يعملون كل شيء ابتداءً من المكروسفت، حتى اللوجسييل”(29).

أخيراً، تسيطر الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، على الصور بفضل التحليل الوطني للصور ووكالة وضع الخرائط التي تجمع في (FAIRFAX) في فرجينيا، حوالي (10000) مستخدم، وهذه الوكالة متخصصة بصورة أساسية لتوزيع الصور الفضائية بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية (CIA) ووزارة الدفاع (البنتاغون)، وذهبت حتى أن تأخذ على عاتقها، بعد سنتين في السيطرة على تدفق الصور والرسوم التجارية ولتصبح نقطة المرور الإجباري للصور المدنية، حيث لا تتوقف بالضرورة عن التزايد مع عولمة
المبادلات”(29).

ويستند صراع المعلومات “أو الحرب المعلوماتية” في الواقع، في جزء كبير على الطرق الفضائية، وهي الطريقة الرئيسة الحديثة لاستقبال ونقل وتوزيع المعلومات. فكان أثناء عمليات التنسيق والاستعلامات والضربات الجوية، التي قامت بها منظمة حلف شمالي الأطلسي في كوسوفو خلال الفترة من شهر آذار وحتى حزيران (1999) أكثر من (50) قمر اصطناعي، مشتركاً بصورة مباشرة، كما كان، على الأقل، ما بين (15 إلى 20) نظام فضائي متنوع مستخدم في الاستعداد للهجمات وتنفيذها، لقد أصبح الاستعلام الفضائي إذن مُضاعفاً للقوة، على ثلاثة مستويات استراتيجي وتكتيكي وعملياتي، لفائدة القوة الوحيدة التي تسيطر على التكنولوجيات الفضائية أي الولايات المتحدة. فإذا كان الاستعلام أساس كل عمل عسكري، فإنه من الضروري التأكد أن وسائل الاستعلام الفضائية غير الأمريكية، خلال حرب كوسوفو، كانت تافهة أو لا معنى لها تماماً. ولقد كان (حلفاء) الأمريكيين، استعدوا بعناية في الأمور الأساسية، إلا أنهم لم يؤثروا مطلقاً على أي قرار رئيس، على طول عمليات القوات الحليفة. ولم يكن لدى الأوربيين سوى قمر واحد وحيد في مداره، ولم يستخدم من قبل الولايات المتحدة أثناء الحرب، بل شارك الأوربيون في تدخل مسلح كونهم عميان من الناحية العملياتية، محرومين من الرؤيا الشاملة في مسرح العمليات، في حين تملك القيادة الأمريكية، على العكس، كل وسائل الرؤيا [لهذا تمر قدرة أوربا على امتلاك مصيرها، عبر وجود قوة عسكرية أوربية، لكن سوف لن ترى النور، عما قريب]. مع ذلك، سيكون اتخاذ خطوة تمهيدية حاسمة نحو إصلاح الاستقلال الذاتي، في اتخاذ القرار على جميع المستويات، بإقامة قوة عسكرية متكاملة، في الوقت نفسه إننا، قوة قتالية متكاملة، أكثر سهولة”(30). وهذا ما يبينه جاك بلامون JACQUES BLAMONT مستشار المدير العام للمركز القومي للدراسات الفضائية (CNES). أيضاً، هل هو محزن أن تكون ألمانيا، القوة الاقتصادية الأوربية الأولى، أن تكون تحت ضغط الولايات المتحدة، حيث هي الحليف الاستراتيجي الأساسي في أوربا الغربية داخل منظمة حلف شمالي الأطلسي، مع ذلك فإنها ترفض الاقتراحات الفرنسية المتعلقة بتمويل برنامج القمر الاصطناعي (HELIOS-2 – HORUS) ، مع أنه متواضع للغاية، لأنه لا يشتمل إلا على ثلاثة أقمار اصطناعية رئيسة وقمرين رادار، حتى عام (2015) “ولكل رادار مدة حياة محدودة بثلاث سنوات”.

شبكة (ECHELON) أو آذان الـ (NSA) في أوربا:

يجب أن تكون هناك علامة خاصة تماماً مخصصة لبرنامج التنصت الفضائي، بخصوص الرابط بين التجسس الاقتصادي والتكنولوجي عن طريق الأقمار الاصطناعية، الأنجلو ساكسونية والمعمد تحت اسم (ECHELON) “السلم” والمصمم من قبل (NATIONAL SEURITY AGENCY) (NSA) وكالة الأمن القومي(31). المركزية للمعلومات الإلكترونية الأمريكية في الأصل كانت مصممة لمراقبة الاتحاد السوفياتي السابق، كما نجمت شبكة (ECHELON) عن ميثاق للاستعلامات، سمي (USAKA) ، يجمع خمسة بلدان أنجلو-ساكسون، تتقاسم نتائج برنامج التجسس: بريطانيا العظمى، كندا، زيلاندا الجديدة، استراليا، الولايات المتحدة، وكون هذه الأخيرة الوحيدة التي تسيطر على الشبكة بالكامل، كذلك، أقيمت سلسلة عالمية من محطات التنصت حول الكرة الأرضية بالكامل بهدف اعتراض شبكات الاتصالات الدولية ونقل المعطيات المتلقاة إلى القيادة العامة في الـ (NSA) في الولايات المتحدة في (FORT MEADE) (MARYLAND) وسمح هذا النظام للمراقبة الشاملة وكالة الأمن القومي (NSA) ، بفضل طاقات حواسيبية وبمساعدة عقدة من
(120) قمراً اصطناعياً، ينقل بواسطتها أضخم جزء من الاتصالات الدولية- لالتقاط وتحليل المراسلات الالكترونية بكاملها، محادثات هاتفية، فاكس في كل أنحاء العالم.

أيضاً، يمكن للـ (ECHELON) التقاط حوالي (100) مليون رسالة بالشهر، وليس أقل من (2) مليون اتصال خاص في اليوم، في آن واحد، مختارة بفضل نظام ذكي اصطناعي قائم على كلمات وتصورات أساسية مودعة في (القواميس).

ثم أصبحت (ECHELON) ، رسمياً مخصصة لمكافحة ما يسمى بالإرهاب الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، بل وكما تكشف عن ذلك لجنة الحريات وحقوق المواطن في البرلمان الأوربي في تقرير مقدم في ستراسبورغ بتاريخ (22 و 23) شباط عام (2000)، تُخصص (ECHELON) كأفضلية أولى للتجسس الصناعي والاقتصادي على نطاق واسع، وذلك في نطاق الحرب الاقتصادية بين الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة. وتمت معرفة حالتين للتجسس رئيسة، مسندتين إلى شبكة الـ (ECHELON) موجهتين إلى الإضرار بالمصالح الاقتصادية الأوربية وهي معروفة:

إحداها مخصصة لتومسون التي فقدت أكثر من مليار دولار لحساب شركة أمريكية في مشروع الغطاء الراداري للأمازون، والأخرى للإيرباص، حيث خسرت عقداً مع العربية السعودية لصالح البويينغ.

ويظهر الصحافي البريطاني دونكان كاميل DUNCAN CAMPBELL المتخصص في شؤون التجسس، بالتفصيل، في التقرير المعنون [قدرات الالتقاط للعام (2000)](32)، يصف فيه “حالة التقنيات للتنصت في العام 2000” الجارية بناء على طلب مجموعة العمل بالاتحاد الأوربي الـ “الخيارات العلمية والتكنولوجية المساعدة” (STOA)، يظهر كيف أن كل دولة مساهمة في البرنامج، عندها معرفة كاملة بالسبب، تسمح لوكالاتها السرية و/ أو بعض الوزراء، ولكل استقصاء وطلب كل مادة تجنى، لها أهمية في النظام الاقتصادي. كذلك، هل تؤدي الـ (ECHELON) خدمة للتجسس على أهداف مدنية خاصة: نعم حكومية منظمات من جميع الأنواع، مشروعات تجارية أو صناعية، معاهد وشركات ذات تكنولوجيات عالية… الخ. وطبقاً لآلان بومبيدو ALAIN POMPIDO، رئيس الـ (STOA) (الخيارات العلمية والتكنولوجية المساعدة”. سيصبح 80% من التنصت الذي تقوم به شبكة (ECHELON) مطورة أيضاً لغايات تجسس صناعي، ومن جهة نظر المصالح الأوربية، إن ما يبدو مدهشاً في موضوع الـ (ECHELON)، هو ليس كون الولايات المتحدة تتجسس على الأوربيين، كظاهرة عادية بين خصوم أو متنافسين اقتصاديين، لكن بالأحرى، واقع أن تستخدم عضواً كامل العضوية في الاتحاد الأوربي، المملكة المتحدة، و “علاقاتها المتميزة” مع واشنطن –للتجسس على شركائها الأوربيين الخاصين. والأفضل أيضاً، وكشف عن ذلك تقارير البرلمان الأوربي، ووثائق سرية أمريكية مصنفة(33)، وستكون وكالة الاستخبارات الالكترونية التابعة للمملكة المتحدة، قيادة سلطة الاتصالات (GCHQU)، حلقة في سلسلة أساسية في نسج نسيج من وكالة الأمن القومي (NSA) متمركزة في شلتنهام (CHELTENHAM)   (GLOUCESTERSHIRE) . وتستخدم الـ (GCHQU) (15000) عامل لمهمات تلقي ونقل المعلومات الأجنبية وحماية الاتصالات، يضاف إلى ذلك، هناك العشرات من المراكز المتخصصة في إنجلترا، خصوصاً تلك (MENWITH HILL) ، المركز البريطاني، الذي قام بنشر محطات تنصت في (BELIZE)، في جبل طارق، في قبرص، في عُمان في تركيا، وأستراليا. أخيراً، يبرهن هذا الموقف، على التناقض، على الأقل، لبريطانيا العظمى في نطاق الاتحاد الأوربي، فإن الـ (GCHQU) مرتبطة بـ (NSA) عبر فرقتها (Z)، من الناحية البنيوية، ومهمتها هي وضع نفسها تحت تصرف شبكة الـ (NSA) لمحطة ربط في أوربا، في الحالة التي تمنع فيها التقاط الاتصالات الخاصة، من قبل أجهزة الفضاء في الولايات المتحدة، على المركز الأمريكي، حيث تمنع الأنظمة ذلك بشكل رئيسي.

ولقد وضح ويليام سيسيون (WILLIAM SESSIONS) المدير السابق الـ (FBI)، في مقابلة صحفية مع الـ (NEW STATESMAN)، أنه في ظروف الحرب الاقتصادية، فإن “قوة ما، هي الآن، أو ستكون في المستقبل، الحليف أو العدو للولايات المتحدة، ليس حسب الضرورات العسكرية فقط، بل أيضاً، وخصوصاً، لنتائج المراقبات التي ستحصل عليها الولايات المتحدة، عن طريق وكالات المخابرات، في المجالات العلمية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية(34). وبعبارات واضحة، فإن ذلك يعني، أن قوة ما، حتى إذا كانت (حليفة) لواشنطن، في نطاق منظمة حلف شمالي الأطلسي، ومن العالم الغربي، وحتى إذا كانت تشكل “رأس جسر للولايات المتحدة في الأوراسيا، ستعتبر كعدوة، كما يمكن للاتحاد الأوربي أن يتعرض لصواعق الولايات المتحدة”. ويوضح الأمريكي فيليب زيليكوف (PHILIP ZELIKOV) في كتابة (المخابرات الأمريكية وعالم الاقتصاد) (THE AMERICAIN IN INTELLIGENCE NAD THE WORLD ECONOMY) الصادر في نيويورك عام 1996.

يجب أن تشكل المعركة الهدف الذي له حق الأولوية في الاستراتيجية القومية للأمن الأمريكي لتكون أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

ويعثر من جديد في هذه الفرضية، المعبر عنها بوضوح لدى لسترتورو (LESTER THUROW) عالم الاقتصاد الأمريكي المشهور من معهد ماساشوست للتكنولوجيا “MASSACHUSETTE INSTITUTE OF TECHNOLOGY) (MIT) ، مؤلف كتاب (رأس لرأس) (HEAD TO HEAD) : (أن المعركة القادمة ستكون بين اليابان، أوربا، وأمريكا) (الصادر في نيويورك عام (1992))، فطبقاً لثورو في النظام الدولي الجديد، فإن الولايات المتحدة التي تسيطر على أكبر الأسواق، فهي التي تحدد القواعد السياسية العامة، في الوقت نفسه.  ونفهم من ذلك، وعلى نحو أفضل، إذن، لماذا يمنع الأمريكيون الدول التي تشارك في شبكة التنصت الشامل (ECHELON) للوصول إلى جميع المعطيات التي يتم جنيها. “والمقلق الأكثر في هذا الموضوع من شبكة الـ (ECHELON) هو أن تستغل الدول، بلا حق (NON-DROIT) منطقة ما وتنتهك القواعد التي ستكون موجهة للتطبيق من أجل الجميع، بفضل بعض الوسائل التقنية القوية(35). هذا ما يوضحه دافيد ناتاف (DAVID NATAF) المختص في مواضيع الأعمال الإجرامية.

حرب الإعلام

لقد كتب ألكسي توكفيل (ALEXI TOCQUEVILLE) ، في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) (DE LA DEMOCRATIE EN AMERIQUE) الصادر عام (1835). ما يلي:

(لقد ضرب الاستبداد، في الحكومة المطلقة فقط، الجسم بخشونه من أجل الوصول إلى الروح، وأفلتت الروح من ضرباتها، ونهضت فخورة فوقه، لكن، ليس هنالك إلا القيام بالطغيان في الجمهوريات الديمقراطية، يترك الجسم ويذهب مباشرة للروح(…) لقد فضحت الأنظمة الملكية المطلقة الاستبداد، حذار من يرد الاعتبار للجمهوريات المطلقة”.

إن الاستراتيجية الأمريكية في البلقان وفي أوراسيا، هي زُريدة أساسية في (الاستراتيجية القومية والأمن) المعبر عنها من قبل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وهي مرتبطة على نحو وثيق (بحرب الإعلام) الشعاع الموجه الحديث للحرب النفسية والتخريب التقليدي. والحالة هذه، فالولايات المتحدة هي أكثر تقدماً من الأوربيين، في هذا المجال، وبأنها لا تبالغ إذا قالت إن أحد أسرار القوة الأعظم الأمريكية تكمن في السيطرة على الإعلام، وإذن على الوعي، ومن ثم على      (إسنادات) (القوى المحركة للتاريخ) الحقيقية. وطبقاً للأميرال بيير لاكوست (PIERRE LACOSTE) ، الرئيس السابق للـ”الإدارة العامة للأمن الخارجي” (DGSE) (أن الولايات المتحدة قد جعلت من حرب الإعلام، أحد العناصر الأساسية في (الثورة في المواضيع العسكرية) وقامت بدور مهم في النظرية الاستراتيجية الجديدة في نهاية القرن العشرين
(…)، وإن (الدوائر)، ليست هي الحصرية في حرب الإعلام، بل استخدمت (منها) الكثير من الفاعلين الآخرين، عامين وخاصين: الأداة الحكومية، الدبلوماسية، الأديان- والأديان المنتحلة (على سبيل المثال الطوائف الأمريكية في روسيا) والمصالح الخاصة، القوى الصناعية والمالية”(36).

لقد ترجم كل ذلك بالتعبير الأمريكي عن حرب الإعلام، تحت (عبارة تكنولوجيا الإعلام) (حرب إعلامية) أو ما يسمى بـ (توجه الحرب) (CYBERWER) (الكترونية وإعلام) و (حرب نفسية)، هذا ما يوضحه لوران موراوييك (LAURENT MURAWIEC) (مدير إدارة الجغرافيا السياسية)(37). والحالة هذه، فقد فهم الأمريكيون، منذ زمن بعيد، أن عمليات الحرب النفسية التقليدية، تشكل ” التسبب في آن يفقد سكان الخصم حس التوجه”، والتمكن من أن يصبح هذا الحس المفقود مبنى أيضاً في التكنولوجيات الجديدة لقياس المهمات المباشرة (TELEMISSION). وفي الحرب الالكترونية والإعلامية (CYBERWAR) . أيضاً، توجد في الولايات المتحدة، منذ عدة سنوات جامعة (جامعة الدفاع الوطني) التي تمنح دبلومات (محاربين في الإعلام) ويتم تدريس طرق متعددة الاختصاص فيها، ومجهزة تجهيزاً لأبعد الحدود، وتستهدف زرع حقائق كاذبة وإدخال حركات خداعية نفسية-ثقافية”، وسياسات تذهب باتجاه (المصالح القومية الأمريكية). أيضاً فكرة (حرب الإعلام) هي أن يقال لما يسمع، في أغلب الأحيان، حصة “المعاداة للأمريكيين البدائية” أو “مشايعين آخرين” “النظريات المؤامرة”. في الحقيقة، ليست العمليات النفسية في الولايات المتحدة وكذلك الحرب الإعلامية، أدوات، من بين الأدوات الأخرى فقط، بل لها أهمية أكثر من العمليات العسكرية التقليدية، لأنها تبنى، وتتقدم عليهما. باختصار، فإن العمليات النفسية، تُقَرُّ من قبل البيت الأبيض نفسه. من ثم تصمم وتدار من قبل مكتب مركزي للاستعلامات وإدارة العمليات النفسية التابع لوزارة الدفاع: وكالة الأمن القومي، وكالة المخابرات المركزية، وزارة الخارجية، كذلك، وكالة الإعلام الأمريكية مع جميع تفرعاتها “روابط أقمار اصطناعية دولية، محطات راديو وتلفاز”. أيضاً، (فالحرب الإعلامية)، هي حرب هجومية بمقدار ما هي دفاعية، على نحو تمتلك جميع الجيوش الأمريكية اليوم خلايا متخصصة في (علم الحروب)، ويتعلق الأمر، بمركز الإعلام بالحرب الجوية، يتمركز في القاعدة الجوية في كيلي (KELLY) في تكساس، السرية (609) للحرب الإعلامية، التابعة لجيش الجو الأمريكي، من المجموعة الرابعة للعمليات النفسية للجيش الجوي المتمركز في (FORT BRAGG)، في كارولاّين الشمالية وكذلك مركز حرب الإعلام التابع للبحرية (FIWC) ، أو أيضاً قيادة توجيه الحرب (CYBERGUERRE) بين الجيوش الموحدة (JSIWC) في نورفولك وفي فرجينيا.

ولقد كشف مراقبون عديدون الدور النشيط لخلايا وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون بمناسبة حرب الخليج، وكذلك في يوغوسلافيا السابقة، المكلفة بالقيام بعمليات (الحرب الإعلامية) مثل (EAGLE) المتخصصة في نشر صور (منقحة) أو (معالجة من جديد)، مثل الطائرة الخاصة (COMMANDO SOLO) ، التي تكلف ببث برامج محطات الراديو القرصانية، كذلك الشركات الخاصة المتعلقة بـ (العلاقات العامة) (RUDER FINN) ، حيث تكون المهمة تكدير صور الخصوم، ورفع شأن الأطراف الأخرى المتواجدة، وتذهب أحياناً، حتى العمل على وضع الجرائم المرتكبة من قبل الأصدقاء على ظلم الأعداء، وإثبات ذلك باختيار وتركيب مشاهد مصورة (MONTAGES).

الصحافة والإعلام طريقة وكالة المخابرات المركزية

و (10) داونينغ ستريت DOWNING STREET

تشكل وسائل الإعلام الأمريكية أحد الحلقات الأساسية في استراتيجية الهيمنة (المتكاملة) للولايات المتحدة، بالاستفادة من حرية التعبير الضخمة التي تتمتع بها بعض الصحافة الأخرى في العالم. فإذا كانت محل انتقادات في أغلب الأحيان، تجاه مكانها، فإنها لا تقل تأثيراً على حب الوطن والوطنية بشكل خاص، يجعلها أكثر قابلية للتأثير على نحو طبيعي بأنواع من التعاون مع أوساط الاستخبارات. تعاون، يكون أحياناً تلقائياً، وأخرى بنيوياً، ولقد اعترف جون دوتش (JOHN DEUTCH) مدير وكالة المخابرات المركزية عام (1996)، بأنه (استخدم) صحافيين رسمياً كجواسيس، لأنه من الناحية الأساسية، فإن وكالات الصحافة الأنجلو-ساكسونية هي المعنية الأولى، كمصادر أصلية للإعلام الإعلامي (MEDIATIQUE):

من المعروف على سبيل المثال، أن أكثر من (400) صحافي تابع لوكالات الإعلام الأمريكية، وهي (وكالة الصحافة AP ووكالة الصحافة المتحدة UPI و NBC، وحتى تعمل بعض وكالات الصحافة الأجنبية بصورة سرية لوكالة المخابرات المركزية (CIA)، وكذلك الأمر بالنسبة لعدد من الصحف الكبيرة، مثل النيويورك تايمز، أو واشنطن بوست مروراً بالنيوزويك، على نحو موازٍ، ليس من النادر مشاهدة الجنرالات القدامى في الجيش أو الدوائر الخاصة، المسمين على رأس سلسلة من محطات التلفاز في الولايات المتحدة مثل (WORLDNET) و (TV ROCK) و (CNN) و (MTV)… الخ، أو محطات الراديو، مثل: (صوت أمريكا) والراديو الحر في أمريكا، وراديو ليبرتي،… الخ) ويوزع صوت أمريكا، على سبيل المثال، برامجه الإذاعية مجاناً، والمسجلة على أشرطة على آلاف محطات الراديو في العالم، في الوقت نفسه، يذاع العديد من النشرات الإعلامية، في حين تخصص وكالة الأنباء الأمريكية U.S INFORMATION AGENCY  (U S I) ، ملايين الدولارات للعمليات النفسية-الإعلامية، أما ما يتعلق بـ (CNN)، من المعلوم أن هذه المحطة التلفازية الأمريكية الدولية، تستخدم عسكريين من ذوي الاختصاصات في العمليات النفسية. إذ عمل ويعمل منذ حرب الخليج ويوغوسلافيا السابقة، أشخاص من المختصين في العمليات النفسية” وهم ضباط يعملون في مراكز الـ (CNN) في اطلنطا في نطاق برامج “التدرب مع الصناعة”، كمستخدمين نظاميين في الـ (CNN) ، هذا ما صرح به حديثاً الماجور توماس كولان THOMAS COLLINS) من إدارة المعلومات في الجيش الأمريكي:(حيث ساهموا في الإنتاج الإعلامي أثناء حرب
كوسوفو”(38)، في الواقع، لقد ازداد تواجد الشخصية العسكرية بانتظام، في الـ (CNN)، وهم يرجعون إلى المجموعة الرابعة للعمليات النفسية المتمركزة في (FORT BRAGG) ، وكون النشاط الرئيس لهذه الخلية، نشر معلومات منتقاة”.

ويسمح المجتمع الأمريكي، وبأكبر قدر من التنسيق بين المجالات الإعلامية والاستراتيجية والاقتصادية والجامعية والسياسية، على أيدي العسكريين الأمريكيين، وهذا يعطي لفعالية الاستخبارات أكثر فائدة، والعسكريون الأمريكيون “ليسوا كل شيء، بل هم في كل شيء”.

وهذه الحقيقة، ليست أمراً شائناً، بحد ذاته، مطلقاً، وهذا يظهر تماماً، أن وسائل الإعلام لم تكن مستقلة مطلقاً بالكامل عن السلطة، حتى في الديموقراطيات الحقة). ومن المعروف، يبقى موضوع الرابط الوثيق بين وسائل الإعلام والتجسس مدهشاً، وبأن حوالي عشرين ألف شخص يستخدمون من قبل الـ (CIA) ، وثلث هؤلاء يكلف بالإعلام رسمياً.

لا تتعلق ظاهرة سيطرة الإعلام الإعلامي عن طريق هيئات السلطة بالولايات المتحدة وحدها. بل يمكن إدراك هذه الظاهرة في جميع (الديموقراطيات الغربية)، خصوصاً، تلك الدول التي استحوذت جزئياً على تدخلات منظمة حلف شمالي الأطلسي، في العراق، وفي البوسنة، وفي كوسوفو. كذلك، اشتهرت ألمانيا، الحليف المخلص للأمريكيين في منظمة حلف شمالي الأطلسي، وكذلك بريطانيا العظمى، أثناء حرب كوسوفو وذلك بسبب ديناميتها المعروفة في مجال (الدعاية الحربية). إذ كان الإنجليزي جامي شيا (JAMIE SHEA)، الناطق الرسمي في منظمة حلف شمالي الأطلسي، والمكلف من قبل رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، بإعادة تنظيم جميع الاتصالات في المنظمة بهدف جعل التدخل المسلح يبدو مشروعاً، خصوصاً تمويه (الآثار) الناتجة عن العدوان، و (الخراب اللاحق)، نتيجة قصف منظمة حلف شمالي الأطلس، وذلك في محاولة لابتزاز بعض الصحافة الغربية والدولية التي تذهب أحياناً لدرجة تعنيف بعض الصحافيين والعاملين في وكالات الأنباء الصحافية، في حال نشرها بعض المعلومات التي لا تتوافق مع خطة منظمة حلف شمالي الأطلسي في دعايتها، والتي يمكن أن تؤدي خدمة للسلطة اليوغوسلافية بزعامة (ميلوسوفيتش). وما هو أوضح من ذلك، أن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية نفسها، كانت تضغط على وسائل الإعلام الوطنية، خصوصاً الـ (BBC)، على مدى حرب كوسوفو. وهنا أيضاً، فقد ذهب الناطق الرسمي الرئيس التابع لطوني بلير، ألستر كامبل ALASTAIR CAMPBIELL حتى فرض ضرائب على المراسل الخاص التابع لـ (BBC) في بلغراد، المدعو جون سيمبسون (JOHN SIMPSON) ، بتاريخ (16) نيسان (1999)، بحجة مسايرته للدعاية الصربية، كونه قد وجه أسئلة للصربيين في الشوارع، وبأنه اعتقد أن القصف الجوي الأول تسبب في أن يلتف السكان حول ميلو سوفيتش، وسمح “دون اتخاذ موقف” أن منظمة حلف شمالي الأطلسي استطاعت أن تدمر قطاراً مدنياً ورتلين من اللاجئين. والأفضل، أن يوجه روبن كوك، وزير خارجية طوني بلير، الاتهام علناً لسمسون، كونه متواطئاً مع ميلوسوفيتش”. وهذا، ليس من واجب الناطق الرسمي للحكومة أن يقرر ما يتوجب أن ينشر من أعمال”، وردَّ رتشارد سامبروك RICHARD SAMBROOK رئيس قسم الإعلام في (BBC-TV) على ذلك بسخط”(39). وانتقد مراسل الـ (RAI) الإيطالية إنيو رموندينو (ENNIO REMONDNO)، بعنف، القصف الجوي، خاصة قصف محطات الراديو والتلفاز الصربية، حيث كان هو نفسه ضحية إعدام تعسفي إعلامي، وعامله زملاؤه على أنه (عميل لميلو سوفيتش)، وفي فرنسا، كان عالم الصحافة ريجي دويربه REGIS DEBRAY، هدفاً لحملة حقيقية وعملية شيطنه ضده والتجريد من الأهلية، عندما عاد من إقامة له في الصرب.

وهناك آخرون من رجال الصحافة عوملوا على أنهم عملاء لميلوسوفيتش.

كما كان لفريق من وكالة المخابرات المركزيه الأمريكية (CIA)، من المختصين في الحرب الإعلامية- المعمدين تحت اسم الصقر (EAGLE)، كان لهم كمهمة أثناء حرب البوسنة، وضع شروط الإعلام ومعالجة الصحافيين نحو شيطنة المعسكر الصربي، وتعزيز الصورة الملائمة آنذاك للـ (ضحايا) من البوسنيين المسلحين: وقدر بعض الخبراء، أن عدد من تأثر بآراء خلية الصقر من الصحافيين العاملين في الصحافة الدولية لا يقل عن الألف. فهذه الخلية، كانت تشتري الصور بصورة منهجية وكذلك التقارير غير “الملائمة” لوجهة النظر الأمريكية، ثم “تسحبها من سوق الصحافة”، وبالمقابل تضمن مجموعة المختصين (EAGLE) بعناية، اختيار الصور “صحيفة، أو صور فيديو”، وتنفيذ أعمال (رتوش) على بعض الصور السلبية لزيادة (الأثر العاطفي الحاسم).

أيضاً، تلقى بعض الصحافيين الذين (تساهلوا) (جعالات) أو أثمان (كمكافآت) لـ (انقيادهم) وخضوعهم لجماعة الصقر.

وكانت خلية الـ (EAGLE) في الأصل، تشكل غطاء إعلامياً موسعاً لأعمال العنف، التي يقوم بها البوسنيون، كما حدث في انفجار سوق ماركاليه (MARKALE)، إذ نشرت صور الأقمار الصناعية المزيفة، (القادرة على إيجاد) ركام من الجثث على أرض ملعب قدم في (SREBRENICA)، والملعب موجود فعلاً، لكن لم يعثر أحد فيه مطلقاً على ركام الجثث، في الواقع، كان اختيار ذلك الملعب أريباً، لأنه أثار الحقبة الأشد سواداً في تاريخ القرن العشرين، بالنسبة للكثيرين، لكن، تشكل الهدف الحقيقي الذي يتم البحث عنه في ذلك الصيف من عام (1995)، جذب الانتباه العام وإبعاده عن الهجرة الجماعية لمئات آلاف الصربيين الذين طردوا أو ذبحوا من كرواتيا في كرايينا (KRAJINA)، وجرى التحقق من ذلك، من قبل المدير السابق لمحطة التلفاز الفرنسية القناة الثانية، جاك مرلينو (JACQUES MERLINO) ، في المكان نفسه، وهو مؤلف كتاب عدو للتقاليد: جميع الحقائق اليوغوسلافية ليست جيدة على القول.

وتمتلك الأجهزة الأمريكية، وكذلك التابعة لمنظمة حلف شمالي الأطلسي إلى جانب الـ (EAGLE)، نماذج أخرى من (الأسلحة الإعلامية)، تعمل مباشرة، ويبدو أنها خرجت من رواية أورويل ORWELL عام (1984): بعنوان (مفرزة مغاوير سولو). فهذه الطائرة هيركول (130 HERCULE) الأمريكية، مجهزة من قبل البنتاغون بهوائيات وحيدة الاتجاه، وتحتوي في مخزنها على دارات راديو-تلفاز، تسمح لها من بث برامج مسجلة حالاً، على ارتفاع عالٍ. ويبث العاملون الذين يطيرون على ظهر تلك الطائرة، على منطقة مستهدفة رسائل مصممة من قبل البنتاغون وإدارة العمليات النفسية المتمركزة في (FORT BRAGG) (المركز المشهور في مجال العمليات النفسية لحرب الإعلام)، ويقوم على خدمته مختصون في الحرب الإلكترونية.

وقد استخدم من قبل الولايات المتحدة. من قَبْلُ، في سماء السعودية والتركية أثناء عاصفة الصحراء. ويمكن لـ (COMMANDO SOLO) بث وتوزيع الأخبار التلفازي والإذاعي، على موجات قصيرة وطويلة، على مساحات تبلغ عدة مئات الكيلومترات(40).

ولقد بثت الطائرة راديو، رسائل قرصانية باتجاه المشاهدين الخاصين لتلفزيون صربو-بوسنك (SRT)، في جمهورية الصرب في البوسنة، والصربيون يشكلون (30% من السكان). وكانت الرسائل المبثوثة بواسطة الـ (SOLO) تظهر السكان وقد اهتاجوا ضد سلطة رادوفان كارادتش (RADOVAN KARADZIC)، وهي تشنّه لصالح الموالي لأمريكا المدعو (DE VANJA LUKA)، حيث كانت واشنطن تعده    على رأس جمهورية صربسكا، بعد قلب نظام كارادتش. وتعود تلك الطائرة من جديد لتطير فوق يوغوسلافيا، أثناء حرب كوسوفو، لتبث نشرات باللغة الصربية الكرواتية، على ترددات إذاعية وتلفازية محلية. وعلى نحو مواز، ألقت طائرات منظمة حلف شمالي الأطلسي، حوالي مليوني منشور تدعو الصربيين ليثوروا ضد ميلوسوفيتش، مدعية أنه “المسؤول الوحيد” عن العواقب، وعن “الضربات الجوية”، وموضحة له لماذا كان القصف مشروعاً ومبرراً بالنسبة لأكبر عدد من الشعب الصربي، تأكيداً اعتقد على أنه مقنع قليلاً، لدى المهتمين الذين يتعرضون للأذى نتيجة لقنابل أكثر مما هم معرضون لأذى رئيسهم الذي انتخب ديموقراطياً.

وتسير أفعال الخلايا المختلفة مثل الـ (EAGLE) أوسولو، جنباً إلى جنب مع (الخدمات) المقدمة من قبل وكالات أمريكية خاصة، (بالعلاقات العامة)، أو الاتصالات، المكلفة، هي نفسها بالترابط المباشر غالباً مع البنتاغون، من أجل (العمل) مع الصحافة، وقادة الرأي العام، والجماعات الأخلاقية والدينية، والمسؤولين عن الروابط والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، أو الإنسانية مثل الـ (HUMAN RIGHT WATCH) ، حتى تسريب بعثات تحقق أو استقصاء من منظمة الأمن والتعاون الأوربي (OSCE) والـ (KVM) في كوسوفو، وكذلك منظمة الأمم المتحدة الـ (UNSCOM) في العراق، والـ (MINUK) في كوسوفو… الخ.

وكالات اتصال خاصة جداً

يجري الحديث كثيراً، في الأوساط المتخصصة، أثناء حرب الخليج، عن شرطة أمريكية خاصة بالعلاقات العامة، معمدة تحت اسم HILL KNOWLTON، متخصصة في صنع صور ذات طابع إيجابي أو سلبي لصالح الأنظمة الاستبدادية المقربة من الولايات المتحدة في العالم أجمع! تركيا، أندونيسيا، الكويت، العربية السعودية، والتي هي بحاجة قصوى إلى ترقية ديموقراطية –أو على حساب أنظمة مُشَنعَة! العراق، السودان، ليبيا، صربيا… الخ، والملقبة على أنها المعاقبة والمجرمة، باسم المجتمع الدولي، والمجتمع الدولي من ذلك براء، لأن هذه هي إرادة الولايات المتحدة، في حرب الخليج خدمة لمصالحها، فقد اقترحت (Hill& Knowlton) تقديم (خدمات) على الحكومة الكويتية. ويحتفظ في الذاكرة، ما قامت به من فضيحة “لحاضنات الأطفال” في مدينة الكويت، اتهم بها عملاء عراقيون، بأنهم قاموا بتفكيك الحاضنات قصداً ونقلها من دار توليد كويتية، لكننا نعلم فيما بعد أن الشركة “Hill and Knowlton” قد حققت مونتاجاً تلفازياً خالياً من العيوب في استوديوهات إنتاج أمريكية، مع تجنيد ممثلين، وأخذ مناظر الفيلم والسيناريو! باختصار، بالضبط كما هو الحال بالنسبة لأي فيلم منتج في هوليوود. لكن، سيصبح ذلك الفيلم الأكذوبة مجالاً لاتهامات حقيرة، لكن ذلك الأمر تم كشفه في النهاية، بأنّه أحد الأكاذيب المنتجة من قبل أحد أجهزة المخابرات الأمريكية.

وبعد عدة سنوات، باعت شركة من النموذج نفسه، تسمى RUDER FINN GLOBAL PUBLIC، متمركزة في واشنطن، ومتخصصة في نشر المعلومات و(الإقناع الفعال)، والكذب، باعت خدماتها لكرواتيا اعتباراً من عام 1991)، وإلى البوسنة منذ شهر أيار (1992)، أخيراً إلى (جمهورية كوسوفو المقترحة) اعتباراً من تشرين أول (1992)، وقامت بخدمات في مجالات التزوير بناء على طلب من كان يستخدمها. والحالة هذه تجد نفسها، وكأنَّ الأمر صدفة، بأن الجماعات الإعلامية كانت تطير بالتعاقب لنجدة الكرواتيين والمسلمين والكوسوفيين. ولا يبدو من المحتمل كثيراً الافتراض أن هاتين الجمهورتين المولودتين من جديد، وتلك الثالثة، التي لم يكن لها وجود بعد شرعياً، والتي استطاعت تسوية فواتير (RUDER FINN)، هذا ما لاحظه الكاتب الضابط الفرنسي فلاديمير فولاكوف VLADIMIR VOLKOFF) مؤلف العديد من الكتب حول الاستعلام الاستراتيجي (للدولة)، خصوصاً في العالم الأنجلو –ساكسوني، ولا يعني هذا أبداً، أن ذلك (المجال المحفوظ) لمصالح أو دوائر المخابرات ينجو من السياسات من سيطرة الدوائر الاستخبارية، بل على العكس، فإن وكالة (Hill& Knowlton)، مثلها مثل RUDER FINN GLOBAL PURLIC AFFOPIRES، تعمل على نحو وثيق بالتعاون مع وزارة الخارجية والجمعيات الكبرى التابعة لسلطة المجتمع الأمريكي، مثل ((مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك وشيكاغو، مجلس الشؤون الدولية في سان فرانسيسكو، ومجموعة (BILDELBERG)، والأعمال التنفيذية للأمن القومي، ومؤسسة روكفلر… الخ”، كل ذلك يخضع للسيطرة المباشرة للسلطة، وخاصة وحقيقة لوكالة المخابرات المركزية تماماً والإدارة المركزية (DIA)، وعلى علاقة بالبيت الأبيض مباشرة، ويسمح ذلك فقط بتوضيح كيف يمكن لشركة متواضعة ومحرومة حسب الظاهر من الوسائل الخاصة، والمعتمدة على تحليل من المستخدمين الثابتين، أن تتوصل، في آخر الأمر إلى التأثير على مجرى التاريخ، وذلك بالتأثير على وسائل الإعلام، وكذلك على الرأي العام. ويوضح جيمس هارف JAMES HARFF، مدير الشركة، أن مجموعة البطاقات، الأداة الأساسية، تشتمل على عدة مئات من “الأسماء الأساسية”: لصحافيين، ورجال سياسية، وممثلين لجمعيات إنسانية، ونوادٍ، وجامعيين…الخ”، حيث يختار الحاسوب من علبة البطاقات، وحسب المواضيع المتقاطعة، الطريقة لإيجاد (الأهداف) الفعالة. ثم يقوم الفاكس بالخدمة بإرسال إعلام محدد، وفي وقت محدد، إلى جميع الأهداف المختارة داخل (الجزء) المعالج. ويوضح هارف: مهمَّتنا بَثُّ الإعلام (….) والسرعة هي عنصر حاسم. وما إن يصبح الإعلام جيداً بالنسبة لنا، يتوجب علينا ترسيخه فوراً في أذهان الرأي العام. لأننا نعلم على الوجه الأكمل، أن ذلك؛ هو التأكيد الأول المعتبر، والتكذيبات أو الإنكار ليس لها أية فعالية”. وتتوصل (RUDER FINN) الممثلة لزغرب وساراييفو، حتى منتصف أيار (1993) إلى (العودة) وبفضل العمل  الرائع للإعلام، إلى القادة السياسيين، ومجموعات الضغط والمنظمات الإنسانية أو جرى التأكيد في كوسوفو، منذ آذار (1998) أن (RUDER FINN) وضعت جميع اتصالاتها السياسية تحت تصرف زبونها الحالي “جماعة كوسوفو الديموقراطية” (LDK)، أثناء نقل بعثة من أربعة عشر عضواً من الكونغرس الأمريكي، جاؤوا بمبادرة من جيمس هارف (لمراقبة) الانتخابات الجارية بتاريخ (22) آذار، رتبت من قبل إبراهيم روغوفا. وبعد عدة أشهر ضمنت (RUDER FINN) الأداء لصالح جيش تحرير كوسوفو، كون الـ (UCK) المحادث الجديد المميز لوزارة الخارجية الأمريكية والبنتاغون. ولقد هنأت الـ (RUDER FINN) نفسها لأنها توصلت إلى العمل على تحرير أن الميليشيات الكرواتية والبوسنية، هي حيادية على نحو كافٍ في البداية، وذلك في وثيقة موجهة لتضليل الزبائن الجدد – مدعياً لنفسه دور الأوستاسي آنت (OUSTACHIS DANTE) البالوفيتش (PALEVIC)، المتعاونون مع العدو المرعبون المتحمسون للنازيين، أو فرق الـ (SS) من المسلمين الـ (HANDCHAR) من أجل (المقاومين) والصربيين، والشعب الأوربي، كونهم قاوموا ببسالة جيوش هتلر، وحموا آلاف اليهود أثناء الحرب، منهم مادلين أولبرايت، وكانت (ضربة المعلم)، دون أدنى شك، المونتاج، على أولئك، الزاعمين بوجود “معسكرات صربية للتطهير العرقي”، حيث كانت، عقبة على المستوى الدولي، ذات تأثير ضخم. وتألفت العملية استعادة الإعلان عن (معسكرات الموت) من قبل نيويورك نيوزداي، من أجل التأثير على المنظمات اليهودية والرأي العام. هذا ما وضحه جيمس هارف أثناء محادثة مع جاك ميرلينو (JACQUES MERLINO)، في حين يقول مدير فرانس (2) التلفازية: “لقد خدعنا ثلاث منظمات يهودية كبرى): بناي بريت، المعادية لجماعة ديفاماسيون ANTI DEFAMATION LEAGE، واللجنة الأمريكية لليهود، والمؤتمر اليهودي الأمريكي.

إذ اقترحنا عليهم نشر بيان في النيويورك تايمز، من أجل تنظيم مظاهرة احتجاج أمام الأمم المتحدة. جرى ذلك على نحو ممتاز، ودخول المنظمات اليهودية في رهان إلى جانب البوسنيين، وكان ذلك أمراً غير مألوف، واستطعنا فيما بعد، إقناع الرأي العام، بوجود توافق بين الصرب والنازيين. وكانت المهمة معقدة (….) لكن استطعنا وبضربة واحدة، تقديم عملية سهلة مع الجيدين والسيئين”. ويقص جيمس هارف، في نشرته، بالتفصيل، كيف أنه قد توصل إلى أن يدير الرأي العام الأمريكي لشن موجة من الهلع الجماعي المعادي للصرب: “في الحال، كان هناك تغير في لهجة الصحافة، على نحو واضح، مع استخدام عبارات ذات قيم قوية انفعالية، مثل “التطهير العرقي معسكرات إبادة”… الخ. لقد أثارت قصة معسكر الإبادة حماس الرأي العام الأمريكي، وقد جرى سبر قامت به النيوزويك مسجلة تحولاً ضخماً: كان هناك 35% ممن جرى سبرهم يؤيدون الضربات الجوية، قبل تلك القصة الكذبة، فارتفع إلى الـ 53% يدعمون الضربات بعد تلك القصة. وأظهر استطلاع، قامت به مؤسسة غالوب GALLUP في الأول من آذار (1993)، أن ثلثي الشعب الأمريكي يدعم التورط الأمريكي في البوسنة، حيث استطاعت (RUDER FINN)41- وخلايا الـ (CIA) أن تبدل آراء (المجتمع المدني) الأمريكي.

وطبقاً لما اعترفت به ميرا بيهام (MIRA BEHAM)42-، الصحافية الألمانية، أن الكثير من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية المختلفة، والعاملة بتعاون وثيق مع “وكالات العلاقات العامة”، والتي كانت قد أُنشئت أو التُمست من أجل الدفاع عن المصالح البوسنية والكرواتية. من بينها الرابطة من أجل الشعوب المهددة، والتي أنشئت عام 1970 في غوتنجن (GOTTENGEN)، واعتُرف بها كمنظمة غير حكومية، مجهزة بوضع استشاري لدى منظمة الأمم المتحدة، ويقودها تلمان زولش ‎ TILMAN ZULCH) منذ إنشائها، وهو يلتزم منذ زمن طويل بجملة معادية للصرب، ومؤلف كتاب “التطهير العرقي وأعمال الإبادة في سبيل الصرب الكبرى”، وهو مزود بمزانية من (2.9) مليون مارك ألماني، ويتركز النشاط الرئيس المنوط بهذه الرابطة حول استعادة القسم الأعظم من المعلومات حول “خرق حقوق الإنسان” المرتكبة من قبل الصربيين، وحسب، ومن ثم نشرها في وكالات الصحافة، من بين المتعاونين المقربين مع المنظمة غير الحكومية، يوجد الصحافي روج غوتمان (ROJ GUTMAN)، حيث كانت المعلومات التي ينشرها تستخدم من قبل (RUDER FINN) في أغلب الأحيان، واستقبلت جادرانكا تيجلى (JADRANKA TIGELI)، وهي قومية كرواتية من البوسنة، من قبل محكمة العدل الدولية في لاهاي كشاهد، أخيراً، لم تتوقف الرابطة من أجل الشعوب المهددة، من تخويف الصحافيين الألمان الذين يحاولون إعلام السكان على نحو إيجابي، وبالتالي اتهامهم بفقدان ثقة السكان بهم، متجاهلة التصريحات العديدة من قبل السجناء القدامى في (BUCHENWALD) بالسكوت عن الدعاية المعادية للصرب والموالين للكروات والمسلمين من قبل الجمعيات غير الحكومية. ويوجه المقربون من تلك الرابطة الاتهام بصورة منظمة إلى (الموالين للصرب)، من الصحافيين الألمان النادرين الذين تجرؤوا على أن ينسبوا المانوية إلى (الصربي السيِّئ) و (جميع اللطفاء من أعدائهم) حتى لو كان الأمر يتعلق بشخصيات محترمة، مثل رونات فلوتن (RENATE FLOTEN) من دير شبيجل، وحجي هشت من (SUDDEUTSCHE ZEITUNO).

ويمكن كذلك، أن نذكر دور الجمعية الإنسانية “العاملة من أجل السلام” والتي بعد أن عملت في المكسيك ونيكاراغوا، كأنها تشكل أحد الأجهزة المدنية من الوسط الاستخباري الأمريكي، وإن جمعية العاملين من أجل السلام، هي في الواقع مختصة بـ “الدفاع عن الطريق المدني” حسب مفهوم “المقاومة باللاعنف” وهي المخُرْجَة لأناس ووسائل إعلام. كذلك، هنالك أمثلة كثيرة عن التزوير والتزييف والانتهاكات التي تنفذها وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية الأمريكية وأجهزة أخرى متعددة تحت أسماء عديدة، كلها تحت شعارات لا تمت للحقيقة بصلة، وفي أي مكان يكون للولايات المتحدة مصالح تستفيد منها. وهذا ما يؤكده هارف، عندما يقول: “إن عملنا ليس التأكد من المعلومات. وإننا لم نؤكد وجود معسكرات إبادة وموت في البوسنة، ولو علمنا أن الـ (NEWSDAY) قد أكدت ذلك، فنحن مهنيون. ولايدفع لنا لإعطاء دروس بالأخلاق أو التمسك بها (…) فلدينا عمل يجب القيام به، وقمنا به”. وهل يعترف المهنيون في “الاتصالات الاستراتيجية” الذين يستخدمون حججاً ومؤثرات أخلاقية، على الدوام، حتى الأخلاقيين، في سبيل التجريم، وإثارة الشفقة لدى الرأي العام المستهدف، أو خلق عدم الثقة لديه، فهل يعترفون أن تقنياتهم الدعائية، هي وقحة وعديمة الأخلاق.

حرب البيانات

من الثابت والمؤكد أن شيطنة العدو، من الأمور الثابتة في سياسة الولايات المتحدة: فهي مخصصة لـ “تشنيع” كل معادٍ للولايات المتحدة. بالأمس الشيوعية والفايتونغ، وفييتنام، واليوم كاسترو، القذافي، صدام حسين، ميلوسوفيتش. أو أيضاً الدول التي تسميها (منبوذة)43- وقد كتب الأميرال لاكوست (LACOST). ففي مثل هذه الظروف من (حرب البيانات) والشيطنة الكلية للعدو الخاص للأمريكيين، حيث يجب دراسة الدعاية التي تستخدمها منظمة حلف شمالي الأطلسي والولايات المتحدة، واستخدمت في عاصفة الصحراء والبوسنة وفي كوسوفو وأماكن أخرى. والحالة هذه، يتضح أن هذه الدعاية تتمحور على نحو مطلق على مقارنة الأنظمة التي تحاول الوقوف في وجه الضحية الأمريكية، وحتى شعوب تلك الأنظمة في مجملها بأنها (نازية). هذه هي الحال، فقد تصرف الناطق الرسمي لحلف شمالي الأطلسي باستمرار، بطريقة مشابهة لتصرف بيل كلنتون، ويقول إنها حرب صليبية ضد بلغراد، وكان كلنتون هو (تشرشل) ضد (هتلر). أما مادلين أولبرايت، فقد ذكرت بالتنافس الذي كان في شبابها، علماً أنها هي نفسها كانت ضحية في يوم من الأيام، للنزعة النازية مما قادت عائلتها إلى الهرب من مولدها في تشيكوسلوفاكيا عام (1939) إلى الولايات المتحدة.

إن المعنى الحقيقي لـ (حرب البيانات)، وهو اختلاق أو تزييف التفسيرات الذاتية للأحداث، أحياناً خداعة، ويكون هدفها، أن تجعل من هذا الطرف وكأنَّ أعماله مشروعة، أو هذا السبب أم ذاك أمراً مقبولاً، بإحداث تأثيرات لدى الرأي العام بشكل تجعله يتعاطف مع ما تقوم به، على الرغم من الأعمال الوحشية المرتكبة من قبل مدبري الأحداث ومرتكبي الفظائع. ويطلق فلاديمير فولكوف VLADIMIR VOLKOV القول: “ميلوسوفيتش هذا ليس قدح من الشاي، لكنه ليس هتلر أيضاً”. ويجب إدانة الاغتصابات الرهيبة التي ارتكبت من قبل الجيش الصربي، وخصوصاً الميليشيات الصربية منذ عام
(1991)، لكنها مع ذلك، لم تكن أقل فظاعة من تلك التي ارتكبت من قبل المعسكرات الأخرى المتواجدة على الأرض نفسها. مع ذلك يتحمل الصربيون ونظام بلغراد جزءاً كبيراً من المسؤولية في الكوارث التي حدثت في يوغوسلافيا السابقة منذ عام (1991).

الأدوات الأساسية لحرب البيانات

الإشاعات، قولبة الإشاعات، تحريف الكلمات

ماذا يُنتظر بالضبط من “حرب البيانات”؟ لقد اعتمدنا على التحديد المعطى من قبل عالم الجيوسياسي ايف لا كوست (YVES LACOSTE) من قَبْلُ، فبالنسبة لـه: تحليل البيانات المتعادية، هو أحد العناصر الأساسية للتقريب الجيوسياسي. ويوضح ذلك، أنه في زمن قدرة وسائل الإعلام على التأثير “فإنها نوع خاص جيوسياسي للمنافسات الإقليمية التي تجعل هدف البيانات المتناقضة اليوم منتشرة من قبل وسائل الإعلام بشكل واسع وباعتبار أن حرب البيانات كونها حرباً تستهدف عملية تبيان عالمي لمجموعات متخاصمة، فهي إذن مرتبطة حتماً بما يسميه الآخرون “حرب الوسائل” أو (الحرب الإعلامية). لكنها أكثر من ذلك. وطبقاً لرأي آرنو أأرون أو بنسكي ARNAUD AARON UPINSKY: يتعلق الأمر، “بحرب الكلمات، حرب اللغة، حرب المنطق: إنها حرب علم الدلالة. ويشك المدافع بمعنى الكلمات. وبأنه لم يعد يعرف بما يفكر حقاً، وبأنه يصبح عاجزاً عن التعرف على العدو من مواطنه. وتصبح أنظمته المناعية ملغاة بواسطة ازدراع فيروس منطقي في لغته الخاصة، وفي عقله. وفي هذه الحرب، فإننا لا نكافح ضد جيوش، بل ضد الكلمات”. ولنتذكر أن كل حرب، هي قبل كل شيء تعود إلى أرض البيانات، إذن فهي معالجات. ويوضح أوبنتسكي أن هذا الطراز من الحرب، ليس جديداً، بحد ذاته، لأنه جرى تحليلها بتفصيل أكثر قبل ستة قرون من عصرنا، من قبل الاستراتيجي الصيني (سان تزو SUN TZU). “وإن ماهو جديد فهو الوسائل التقنية الموضوعة تحت تصرف السلطة، وتتضاعف أو تتزايد الوسائط الحديثة، وهي إما تُجَزّئ أو تلغي البيان من واقع الرغبة. فالتكنولوجيات الجديدة الخاصة بالبيانات هي العربة والأداة الإلكترونية للـ “ديموقراطية بلا حدود”، للـ “نظرية في مجمل السياسات”، ومن التفجر المبرمج “للحدود” الموروثة من الماضي.

أما بالنسبة للوران مواروييك (LAURENT MURAWIEC)، حرب نفسية (حرب إعلامية) (INFOWAR) حرب التوجه ( CYBER GUERRE) أو (حرب البيانات) فهي كذلك مفاهيم متقاربة، ومترابطة مدرجة فيما يسمى بـ “الحرب الإعلامية”. فقد ولدت من ثورة تكنولوجية مثلثة: إلكترونية، معلوماتية، واتصالات بعيدة. ولا تقوم الحرب الإعلامية إلا استرجاع النجاحات القديمة للدعاية ثم جعلها أكثر فعالية، وكذلك التخريب والمعالجات الموصوفة منذ زمن سان تزو. وفي الظروف الراهنة، تتكون “حرب البيانات” أولياً من إضعاف معنويات الخصم أو العدو، وتحريف أو جعل اتصاله مع الواقعي منحرفاً، وذلك بغرس الحقيقة –الكاذبة لديه، بيان كاذب يبدو “حقيقياً” وأكيداً حسب الظاهر، ومحققة ويتعذر دحضها، وتعيش من قبل المشاهد المذهول بـ “حقيقة” الصور، مباشرة. فالتقدم التكنولوجي، في المجالات (الافتراضية) التي ساهمت بشكل لا جدال فيه، في تحطيم الحدود بين الحقيقة والخيالي، بحيث لم تكن التقنيات والمعالجات الجماعية تحت تصرف السلطة وخدمتها وكذلك الحروب، لم تكن مرعبة في الماضي، بمقدار ما هي عليه اليوم. حتى في المجتمعات المسماة بالديموقراطية.

ويمكن تمييز مستويات متعددة بشكل عام للتقنيات المختلفة والدعاية والتداول، قبل كل شيء، الدعاية البيضاء، أو الإشاعة الكاذبة البيضاء، التي يمكنها أن تشتمل على فتح الطريق أمام سيل من المعلومات المحظورة أمام سكان البلاد، في بلادهم، فقد لعبت الـ (BBC) وراديو أوربا الحرة، وراديو ليبرتي، هذا الدور، باتجاه البلدان الأوربية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق، وإلى الاتحاد السوفياتي نفسه” مع ذلك، بقيت الإشاعات الكاذبة البيضاء الغربية موجهة نحو الكتلة الشيوعية السابقة، حتى بعد مرور أكثر من عشرة سنوات على سقوط جدار برلين. وتوجه خاصة إلى البلدان السلافية- الأرثوذكسية أو تلك الآسيوية: بلغاريا، يوغوسلافيا السابقة، روسيا البيضاء، روسيا، كوريا الشمالي، فييتنام، الصين. إذ يقوم صوت أمريكا بإيصال كمية كبيرة من المعلومات الكاذبة، أو الممنوعة، مباشرة إلى فئات الشعب. فالبلدان الصامدة أمام محاولات الهيمنة الغربية –الأمريكية، هي في حالة عجز مطلق وكلي لمقاومة تسريب المعلومات الهدامة للغاية، بفضل الأنترنت والأقمار الصناعية وشبكات الكابل – حسب المعنى المعطى من قبل عالم النفس الاجتماعي، روجر موكشييلي ROGER MUCCHIELLI- للأكاذيب البيضاء TELEMATIQUEIN الحديثة، من واقع خاصيتها بقدرتها على اجتياز الحدود، وغير قابليتها للالتفاف عليها حسب متطلبات العولمة. إلى جانب ذلك، توجد الدعايات “السمراء” أو “السوداء”، فهذه تبرز على نحو أوضح من التخريب، وفي الخداع الصرف، ومن الغش. وإننا نجد مثل ذلك في التقنيات العتيقة “الأخبار الكاذبة”و “لإشاعات المراوغة”، وكذلك “الحيل الحربية” الأخرى. فهل لم يستخدم أوليس (ULYSSE) الحيلة –للخداع في اليونان- عندما أعلن الحرب على الوحش متعدد الرؤوس (POLYPHEME) بأنه لم يعلن اسمه لأحد؟ فجن جنون الـ (POLYPHEME)، وسيلتمس العون من نظرائه، دون جدوى، اللذين استخلصوا أن ما من (أحد) قد هاجم العملاق سيكلوب (CYCLOPE) إذن، فقد جرى فقأ العين الوحيدة، فمن جهة، أصيب بالعمى، من حيث البصر ومن حيث علم الدلالة، إذن صار ضال الوجهة تماماً، إذن تهاجم عمليات “الدعاية السوداء” “الوعي المكاني”46- لسكان ما، و”البيانات” الأساسية التي تُزيِّف، ليس فقط وعي الانتماء إلى جماعة ما وحسب، بل أيضاً السمات النفسية والزمنية والرمزية الأساسية. فمن وجهة نظر علم السياسة فإنها تكتسي فائدة كبيرة، لأنها تهاجم عملية الاعتراف الشرعي، الواقع نفسه للسلطة، وإذن وسيلة التاريخ الإنساني.

وكما يوضح ذلك اللغوي الأمريكي المشهور، ناعوم شومسكي NOAM CHOMSKY، بأن اختيار الكلمات، في نطاق (حرب البيانات) هو أساسي. فبالنسبة له، فمن أجل خداع الآخرين، يجب “العمل على فقدان الشمال”، فعبارة المفاهيم المجردة والكلمات –الأساس، لها مستوى فهم قوي جداً عاطفياً و/أو أيديولوجياً، مثل: الحرية الحقيقة، حقوق الإنسان، النزعة الإنسانية، والديمقراطية، إبادة الجنس، عمليات التطهير العرقي، معسكرات الإبادة… الخ، يجب أن تكون مخففة الحدة، مُضَلِّلة، مخربة عمداً. أيضاً، تعطي ميزات الخطابات الدعائية معنى مضاعفاً من حيث العبارات، بشكل عام، وفي إجراء تعاكسات في علم الدلالة، المخصصة لتوجيه الأفكار واختيار قرارات مجموعة الأهداف، ونظامهم الدفاعي الثقافي والفهم لحقيقة الإفساد. ويوضح شومسكي، أنه إذا اختار المعنى الأول للكلمة –الأساس، هو ذلك المعنى تماماً في القاموس، الآخر، ((المعنى المتعلق بالعقيدة))، وله كوظيفة إحداث أو إثارة استيطان منع ضرورات الأيديولوجية –الأخلاقية، وإقامة علاقة أمر لا شعوري لغايات خدمة السلطة، “فخذوا كلمة ديموقراطية، تبين لغوياً، المعنى العقائدي للديموقراطية المخصص للنظام تتخذ فيه القرارات من قبل بعض القطاعات من جماعة العمل، ومن قبل النخبة التي ترتبط بهذه القطاعات. وللمواطنين الحق في تصديق القرارات المتخذة من قبل نخبهم، وفي منح دعمهم لهذا أم ذاك من أعضائهم”. أما ما يتعلق بمفهوم الحرية، “في الممارسة العملية، كل تعبير يشتمل على كلمة “حر” لها حظ جيد أن يراد لها القول، عكس معناها الحقيقي، أو خذوا أيضاً الدفاع ضد العدوان، تعبير مستخدم – كما لو كان يتوجب توقعه- من أجل الحديث عن عدوان. ويتكون العمل الرئيس للأشكال المختلفة للدعاية، من تبرير المشروعات القهرية، وجعلها مشروعة –للتبريرات الأكثر وقاحة وذرائعية، وذلك بمنحها نعوتاً وأسماء حاملة مسؤوليات كبيرة ورمزية وأخلاقية وحتى مثالية قابلة لأن تجلب التلاحم، وتضليل “أهداف الجماهير” بوسيلة التعاكس في علم الدلالة. ونعثر من جديد، في هذا الطراز من حرب البيانات على الجمل الكبرى الثلاث في قاموس أورويل (ORWELL): الحرب فهي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة، لأن حرب “حرب البيانات”، تشتمل على التزييف، لا أكثر ولا أقل، وفي تصوير المعاكس بالضبط للحقيقة في نهاية الأمر، بهدف خدع الرأي العام والتلاعب فيه. وإن إعداد “قولبة التجريد من الأهلية” هو أحد الأهداف الرئيسة في هذه الحرب، ولنتفحص الآن كيف كانت قد استعملت القولبة والإشاعات والدعايات السوداء، وعمليات التحريض، والاتهامات، وتقنيات المعالجات المدروسة في علم النفس الاجتماعي، استخدمت بنجاح ضد العراق، وضد العنصر الصربي، على مدى الحرب الأهلية كلها في يوغوسلافيا السابقة.. وفي كرواتيا والبوسنة حتى تلك الحرب في كوسوفو.

قولبة الأخبار، وعمليات مزجها

ماذا تعني القولبة (STEREOTYPE)؟ . طبقاً لرأي كلود رينودي CLAUDE RAINAUDI المستشار في مجال “نفوذ الاتصالات”، والبروفيسور المساعد في جامعة نيس –صوفيا- أستيبو ليس، إذ يقول: القولبة هي “لفظ” ينظر إليه من قبل جماعات ما كـ “مالك ثابت”، جماعات “قومية، مهنية أو كيان اجتماعي”. ويقوم بالمهمة، “كافتراض ضمني”؛ وسيكون كل ما يؤكده يحفظ في الذاكرة بسهولة، وسيكون كل ما يبطله مُزالٌ أثره غالباً”48. ففي بداية حرب الخليج الثانية، ليس لدى الرأي العام العالمي قولبة، عن العراق، ولا عن أعدائهم، وكان باستطاعة العراقيين، عندئذٍ أن يطلبوا من مكتب خاص بـ نفوذ “الإتصالات” لتعبئة موقفهم المثالي في مواجهة الولايات المتحدة والمتحالفين معها، وذلك بكشف الهدف الرئيس في تلك الحرب، وهو هيمنة واشنطن على منابع النفط في منطقة الخليج العربي، هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة، وكذلك حصولها على الأموال الناتجة عن بيع النفط، بطرق مختلفة. لكن لرئاسات الأركان الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لديها أصول وخطط في مشروع محدد، تدمير العراق، وإعادته إلى الوراء، وبالتالي القضاء على المكاسب الاستراتيجية والتقنية التي حققها في حرب الخليج الأولى، وذلك باستخدام قولبة سلبية للعراقيين، من أجل الأهداف الاستراتيجية الشاملة، باستخدام حرب البيانات، والعراق ليس لديه الوسائل المادية، ولا حتى الدعم الخارجي الضروري من أجل إعداد ردود بيانية وشيطنة أعدائهم الذين يواجهونهم.

إذن، فإن الخلايا الخاصة التابعة لوكالة المخابرات المركزية (CIA) ووكالة الاتصالات الأمريكية، والمنظمات غير الحكومية (ONG) بخلقها قولبة عراقية بأنها المساوية للعدو لإمارات النفط الخليجية، تقوم بإرساء الوعي في تلك المنطقة عن صورة (العراقي السيِّئ) القابل للتبرير للكره الممكن، إذن كره لهؤلاء الأعداء، والحالة هذه، ما أن تترسخ القولبة، ثم تستبطن العمليات اللاحقة من الإشاعات والأخبار الكاذبة “والدعايات السوداء” الأخرى، المستهدفة تعزيز الإحساسات السلبية لهذا الهدف، بالاستفادة من التأثير الحاصل عن (القرائن الجرمية) المزيفة، عندها، يصبح تأثيرها إيجابياً، يمكن الاستفادة منه. وهناك أيضاً، أُخذت الاتهامات والأخبار الكاذبة، بطريقة مضحكة أحياناً، والتي كانت معالجة بظروف أخرى سخرية، أخذت بحرية من قبل القائمين على تلك الأفعال، وكأنها قد حدثت حقاً، وبالتالي إصدار أحكام عقابية دولية استناداً إليها، كما جرى ليوغوسلافيا مثلاً، وكذلك العراق والسودان وليبيا. ومن العجب أن مثل تلك الاتهامات المزيفة، هي من نبع الخيال، وكأنها من روايات بوليسية. وتأكد لدى ذوي الفطنة أن تلك الاتهامات لم تكن سوى إشاعات فظة(49)، على طريقة أفلام “الويشيرن” الخادعة.

شرعة المكيالين.

ما أن تستقر أعمال (القولبة) في الوعي واللاوعي الجماعي، وعندما تتشابك ديناميكية الشيطنة، يأتي دور التصعيد الملازم لذلك الجور و(المقياس المزدوج) أو الكيل بمكيالين. وهنا نفهم الموضوع على نحو واضح. لماذا يجري سحق شعب العراق وإعادته إلى الوراء عشرات السنين، وقتل أطفاله وتجويعه وتشريده، والقيام بكل شيء لإذلاله، بمباركة ودعم القوى الأعظم وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحت حجة غزو الكويت، في حين أن الكيان الصهيوني يمتلك ترسانة أسلحة جبارة، من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، زوده بها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة هذه القوى الأعظم، وأن ذلك الكيان قام بأكثر من عدوان، واحتل أكثر من جزء في أكثر من بلد عربي، ويعتدي ويقتل شعباً بالكامل ويعتدي كل يوم على من يجاوره باستخدام أسلحة ممنوعة دولياً، وبالتالي يقف حق النقض الأمريكي وغيره في وجه كل إدانة لذلك الكيان الهتلري ولا يحاسب على أفعاله في قتل الأطفال والرجال والنساء، بل يجري الدفاع عن أفعاله وتصويرها على أنها حق مشروع له، لا بل بدعم هذه القوى الأعظم.

يمكن إعطاء العديد من الأمثلة الواضحة عن الكيل بالمكيالين، وعلى الوجود “الانتقائي الإنساني، الاستراتيجي”. حيث تستخدم الولايات المتحدة ممارسة القوة في المناطق الوحيدة عندما تقتضي ذلك مصالحها وتوجهها الاستراتيجي، فالولايات المتحدة لم تبد أقل اهتمام مطلقاً أما أعمال قمع بعض الشعوب والتدخل للدفاع حيثما لا توجد مصلحة لواشنطن للتدخل فيها، الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تركيا،…..الخ.

تحريض واتهامات سوداء

تقنيات معروفة منذ زمن سحيق “التحريض” المخصصة لأعمال “الاغتيالات، الاعتداءات على الأشخاص، التخريب، الظلم، الإبادة الجماعية، بالتجويع عن طريق الحظر، التطهير العرقي… الخ”.

وكثيراً ما ارتكبت أعمال شنيعة من قبل الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، بواسطة أجهزته المتعددة الأشكال والمهمات وبالتالي إسناد تلك الأفعال إلى جماعات مزعومة، وتقوم وسائل الإعلام الغربية بتصويرها وترويجها، حسبما تقتضي مصلحة الكيان الصهيوني. فيقابل أطفال الحجارة بالطائرات الحوامة وصواريخها، وبالدبابات والرشاشات الثقيلة، وتوجيه الرصاص القاتل إلى رؤوس الأطفال أو صدورهم باتجاه قلوبهم عمداً من أجل القتل، تعتبر في نظر العديد من الإعلاميين الغربيين دفاعاً عن النفس.

ولماذا تقصف العراق يومياً من قبل طائرات أمريكية وبريطانية ينطلق معظمها من أراضي السعودية والكويت، في حين يقوم الطيران الصهيوني بقصف الفلسطينيين وكذلك يستبيح أرض لبنان، وقيامه بغارات متكررة كما حدث في قانا في جنوب لبنان؟

ولماذا يقصف السودان وأفغانستان من قبل الولايات المتحدة بحجة تعاونها مع هيئات (إرهابية)، بينما يتمتع الكيان الصهيوني بحماية واشنطن، على الرغم من المجازر التي يرتكبها، واحتلاله الكثير من المناطق المجاورة لفلسطين ويقوم بأعمال الإرهاب دون رادع بل بتشجيع من الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي لذلك الكيان وكذلك حمايته من أية إدانة من قبل الهيئات الدولية.

ويمكن الإتيان بالعديد من الأمثلة الواضحة (للمكيالين)، والبرهان على وجود الانتقاء الاستراتيجي والإنساني، حيث تستخدم الولايات المتحدة ومنظمة حلف شمالي الأطلسي ممارسة القوة في المناطق الوحيدة عندما تقتضي ذلك مصالحهم أو توجههم الاستراتيجي. وهم لم يبدوا مطلقاً أقل اهتمام بالتدخل للدفاع، في الواقع، عن الشعوب المقموعة حيثما لا توجد مصلحة لواشنطن فيها.

¡ الهوامش

1-Amiral La Coste L’evenment de Jeudi 6 Janvier, 1995.

2-Murawiec, acte du colloque de democraties la gurre de l’informations, p.21.

3-La reve americain en danger, p.17.

4-Cyniquement subventionné par microsoft a fin de satisfaire aux criteres d une legislation antitrust obsolete.

5-Rappelons tout de meme que l’economie amèrcaine est aujourd’hui la plus forte et le plus competitive du monde.

6-Plusieurs annèes avant la conférence de seattle, les etats-unis avait declenché de nombreuses procédures aupres de (L’omc) pour obtenir une revision de la legislations Européenne en matiere de viande…

7-Michel Bugnon- Mordant l’amerique totalitaire favre, 1997, p.152.

8-ID, IBD, p.150.

9-Les foreign sales corporations (FSC) sont de sociétés- ecrans. Bases dan les paradis fiscaux..

10-La loi du sénateur Bill Cohen. Au nom de la “Securite Nationale”..

11-Exemle: 25/, de droits de douane sont persu sur les pick-up…

12-In Nicolas Harbulot opcit, p.32-33.

13-Pichot- Duclos, “La France est-elle en guerré”, 18 Juillet, 1999.

14-En Bosnie- Herzegovine, on relévera la presence au sein des troupes Americaines, de plusieurs centaines de ces officiers civiles.

15-“Revelations: quand le quai d’orsay desosse la war room” valeurs actueues 22 fevier 1997, p.12.

16-Intelligence Americaine, “Un reseau createur de reseaux”, 1997.

17-philippe Cohen, Les etats- unis vont-ils racheter le monde entier? 1997.

18-En France, Les productions cinematographiques Americaines sont exemptees de quotas depuis, 1946.

19-Michel Burin de rosieres a du cinéma au multimedia, 1998.

20-La France, L espagne… Exigeront l’exclusion de la cultture… (le monde du la Fevrier 1998.

21-Cité in le monde 29 Juillet 1997.

22-Michel Bugnon- Mordant Ibid p.212-213.

23-Zbigniew Brzezinski, Le grand échiquier, p.50-51.

24-Bugnon- Mordant Ibid, p.216-217.

25-ID Ibid, p.200.

26-Philippe Cohen, Marianne opcit, p.63.

27-Bernard Besson a l’intelligence economique Americaine, 1997.

28-Marcel Vigourous laune, 1999.

29-Paul Virilio opcit, p.33.

30-Le monde 23 Avril 1999.

31-La NSA est L’”Agence du chiffre” Americaine creé en Mai 1999.

32-Publié en Mai 1999 en fait, les europeens etudient les moyens de contrer les systemes d’espionnage electroniques du type échelon.

33-Documents: 23 Fevrier “comment les etats-unis espionnes l’Europe” Washington times 30 Avril 1992.

34-Le Monde du 23 Feurier 2000.

35-Le Figaro 20 Septermre 1999.

36-Amiral Pierre la Coste, club democraties 29 Juin 1999.

37-Auteur de la guerre au xx1 siéde Jacob 2000.

38-U.S Army, 21 Fevrier 2000.

39-Le Monde 13 Juillet 1999.

40-P. Brunet “La gurre de l’information 14 Mai 1999.

41-The media happened to be here cite Michel Colin.

42-Mira Beham le tambours de la gurre 1997.

43-Amiral la Coste renseignement et gurre de l’infomations, 29 Juin 1999.

44-Arnaud Daron Upinsy le syndrome de l’orton 1999.

45-Laurent Murrwiec op cit p.194.

46-La propagande noire est fallacieusement atribue, p.97.

47-Noam Chomski, Lauage de cerveau, p.97-98.

48-Claude Rainauo a Rumeurs, meoirs etopinion.

49-La planete de l’oncle Sam: les armes et les lois.