لا جدال في أن تبعات الترابط الكوني أو ظاهرة عبور الأوطان transnationa lization كان لها الأثر الجذري في إحداث “أزمة الدولة” crisis of state، ما شكل تمهيدا لهدم نظام “وستفاليا” و تفسخ مفهوم السيادة الإقليمية، إذ فقدت الدولة مزاياها الوظيفية و أضحت عاجزة في تأدية مهامها الأساسية المتمثلة في حماية هويتها القومية و المحافظة على استمرارها، ما عرض سيادتها للتآكل المتدرج و أفضى إلى تحول القرار إلى حكومات مغايرة احتكمت إلى معايير عالمية ناقضت في جوهرها المبادئ التقليدية. لقد أنتجت تفاعلات ما بعد الحرب الباردة نمطا مستحدثا من الظواهر اتسمت في جوهرها بالحركية والتحول، ساهمت في ظهور أشكال غير مسبوقة من الفواعل متعددة المراكز، محكومة بمنطق التفاعلات غير السلطوية، فتلاشت الفروق وبات الفصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي غير وارد، وتحولت الدولة الفاعل المركزي إلى حلقة في مسار متفاعل تلاشت فيه الحدود وانتقلت الاختصاصات من الإقليمية إلى العالمية، وتحولت الوظيفة الأمنية و السياسية إلى فواعل ذات طبيعة مغايرة . و انطلاقا من هذا الطرح تبدو الواقعية التي أقرت للدولة بالدور الأساسي في العلاقات الدولية عاجزة لتفسير مسار التراجع ، ومن ثم بات من الضروري تركيز النقاش في مستوى أول على تحول الهوية الإستراتجية بآلية التكتل أو الترابط من خلال تبيان كيفية انتقال القرار الاقتصادي و السياسي و الأمني تباعا من الدول إلى فواعل فوق قومية، كما وجب التركيز على ظاهرة العنف الداخلي كآلية لإنهاء الدول كوحدات بنائية ، وأيضا البحث في المقاربات البديلة لتفسير مسار التراجع.

blank

 

Print Friendly, PDF & Email
blank