حسين بهاز – أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة قاصدي مرباح ورقلة .

الملخّص:

هناك مقولة مفادها أنه عندما يوجد فرد يسود السلام وعند وجود اثنين ينشأ الصراع وعند وجود أكثر تبدأ التحالفات… هذه الحكمة تشير إلى القانون التاريخي الذي يحكم حياتنا بشكل عام سواء تعلق الأمر بالمجتمعات الوطنية أو الوحدات السياسية على المستوى الدولي من شكل الوحدة الإنسانية أو السياسية ابتداء بالأسرة الى القبيلة إلى الأمة إلى المنظمة وصولا بالدولة فإنها محكومة بقانون الصراع تلك قاعدة تاريخية لا تحتاج إلي إثباتات مجهدة , و يرى العديد من دارسي العلاقات الدولية أن الصراع ظاهرة طبيعية ذات أبعاد متناهية التعقيد، بالغة التشابك، يمثل وجودها أحد معالم الواقع الإنساني الثابتة. و حيث تعود الخبرة البشرية بالصراع إلى نشأة الإنسان الأولى، حيث عرفتها علاقاته فى مستوياتها المختلفة: فردية كانت أم جماعية، وأيضاً فى أبعادها المتنوعة: نفسية أو ثقافية، سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو تاريخية، … الخ كما أن أشكاله ليست واحدة و نتائجه مختلفة فهو يتدرج في شدته فيبدأ صراعاً ناعماً في مستوى الأسرة ليصل إلى حد الحروب والصدام المسلح …

و عليه نحاول من خلال هذه الورقة و في خضم الأحداث المتعاقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية و ما تلاها من صراعات متعددة الأبعاد خاصة بعد تلاشي آليات الضبط التي كان يمارسها نظام الثنائية القطبية بعد نهاية الحرب الباردة نحاول تقديم مقاربة نظرية لفهم وتحليل مفهوم الصراع: طبيعته، أسبابه، وأنواعه. وأبعاده ، بالإضافة إلى تشابك تفاعلاته وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة ،فضلاً عن التفاوت فى مستويات الظاهرة من حيث المدى أو الكثافة والعنف1.

وعلى ذلك فإن الدراسة تعتمد على تقديم تحليل مقارن للاتجاهات النظرية الرئيسية فى مجال الصراع الوقوف على طبيعة الصراعات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية و كذا آليات الإدارة الدولية للصراعات الدولية و ما يرتبط بها من خلال محاور ثلاثة تتلخص في :

1. التعريف بمفهوم الصراع كظاهرة معقدة و طبيعته و أسبابه العامة كمفهوم وكعملية مركبة، أنواع الصراع وجذوره كظاهرة متعددة المظاهر تتميز بالاعتماد المتبادل بين جذورها ومظاهرها.

2. طبيعة و خصائص صراعات ما بعد الحرب الباردة

3. مقاربة مفاهيمية في معضلة ” إدارة الصراع″, ” تسوية الصراع ” و” حل الصراعات الدولية”.

الكلمات المفتاحية : الصراع الدولي – النزاع- الحرب- ادارة الصراع – ادارة الأزمات- النزاعات الداخلية –

Approche théorique sur les conflits internatioanux

Cet article vise a souligner les differents dimmensions qui caracterise les conflits internationaux surtout apres la fin de la bipolarité ou la societé internationale s’est trouvé devant d’autres types de conflit (les conflits internes )… s’arrete devant quelques termes qui se croisent avec ce phenomen multi-dimentionnnel …donne quelques outils theoriques qui serrent a expliquer les causes et les sources des conflits internationaux …devoile la problematique de la gestion des ccrises …des conflits et ses repercutions sur les differents spheres locales regionales et internationales.

Mots clé .conflit /gestion de crise/ gestion de conflit /guerre /conflit internes

المـداخـلـة:

إن الحديث عن ادارة الصراع الدولي عموما تحتم علينا و بصفة جد موجزة إعطاء مقاربة نظرية لظاهرة الصراع الدولي من خلال بعض المفاهيم المرتبطة بتطورات الأوضاع المؤدية الى قيام الصراعات بداية من الأزمة الى النزاع و الحرب مع تحديد مختلف أبعاده و موضوعاته و أهم المنطلقات النظرية التي تساعد على تفسيره , و الى التطرق الى طبيعة النزاعات بعد الحرب العالمية الثانية و أهم الخصائص التي تميزت بها .

مفهوم الصراع:

تتميز ظاهرة الصراع الدولي عن باقي ظواهر العلاقات الدولية بالتعقيد بسبب تعدد أبعادها و تداخل مسبباتها و مصادرها و تشابك تفاعلاتها و تأثيراتها المباشرة و غير المباشرة, ومن الأمور التي يجدر التنويه بها هو إمكانية الخلط بين بعض المفاهيم المرتبطة بظاهرة الصراع كمسألة لتفريق بين الصراع و الحرب الخ… فالصراع في صميمه هو تصادم بين الإرادات الوطنية و التنازع الناتج عن اختلاف الدول في الدوافع و التصورات و الأهداف و التطلعات الشيء الذي يؤدي إلى اتخاذ قرارات أو انتهاج سياسات خارجية تختلف أكثر مما تتفق .و من المفاهيم المرتبطة بالصراع و المعبر عنها بالخصومة و تصارع الإرادات وذلك وفق خطورتها مفهوم التوتر, الأزمة, النزاع و الحرب.1

فالتوتر: هو حالة شيء يهدد بالقطيعة أما الأزمة2تعنيمجموعة الظروفوالأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعةالأشياء، وهي النقطة الحرجة، واللحظة الحاسمة التي يتحدد عندها مصير تطور ما، إماإلى الأفضل، أو إلى الأسوأ مثل الحياة أو الموت، الحرب أو السلم و ذلك لإيجاد حل لمشكلةما أو انفجارها. فقد عرفها “ألستار بوخان” Alastair Buchan في كتابه “إدارةالأزمات” بأنها ” تحدٍّ ظاهر أو رد فعل بين طرفين أو عدة أطراف، حاول كل منهم تحويلمجرى الأحداث لصالحه, أما كورال بل3–Coral Billبأنها ارتفاع الصراعات إلى مستوى يهدد بتغيير طبيعة العلاقات الدولية بينالدول و يشير روبرب نورث Robert Northإلى أن الأزمة الدولية هي عبارة عنتصعيد حاد للفعل ورد الفعل، أي هي عملية انشقاق تحدث تغييرات في مستوى الفعالية بينالدول، وتؤدي إلى إذكاء درجة التهديد والإكراه. ويشير نورث إلى أن الأزمات غالبًاما تسبق الحروب، ولكن لا تؤدي كلها إلى الحروب إذ تسوّى سلميًا أو تجمّد أو تهدأ،على أنه يمكن دراستها على اعتبارها إشتراك دولتين أو أكثر في المواجهةنفسها.كما يعرّفها جون سبانيرJohn Spanirبأنها “موقف تطالب فيه دولة مابتغيير الوضع القائم، وهو الأمر الذي تقاومه دول أخرى، ما يخلق درجة عالية منإحتمال اندلاع الحرب وعليه وفقاً لذلك فإن الأزمة هي “موقف مفاجئ تتجه فيهالعلاقات بين طرفين أو أكثر نحو المواجهة بشكل تصعيدي نتيجة لتعارض قائم بينها فيالمصالح والأهداف، أو نتيجة لإقدام أحد الأطراف على القيام بتحدي عمل يعدّه الطرفالآخر المدافع، يمثل تهديدًا لمصالحه وقيمه الحيوية، ما يستلزم تحركًا مضادًاوسريعًا للحفاظ على تلك المصالح، مستخدمًا في ذلك مختلف وسائل الضغط وبمستوياتهاالمختلفة، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو حتى عسكرية كما تعد فهي مواجهة متوترة بين مجموعات مسلحة معبأة معنويا قد تصل الى درجة التهديد و الصدام الظرفي و تمهد هذه الأوضاع الى حرب أهلية وشيكة أو انهيار عام للقانون والنظام السائد و تكون عندما يجعل أحد الأطراف فجأة الطرف الآخر في وضع لا يطاق و يقتضي منه اتخاذ قرارات سريعة والقيام بردود أفعال عنيفة إذا كان قابل بفقدان قيمته , في حين أن النزاع أو الحرب المحدودة التي يمكن أن تتحول إلى حرب شاملة و قد تحتوي عل كثافة منخفضة في نطاق المواجهات مثل حرب العصابات والفوضى السياسية…

أما النزاع فقد يبدأ بالتوتر ويمكن أن ينتقل إلى طور الأزمة الطويلة أو القصيرة المدى وهذه الأخيرة قد تقود إلى الخيار العسكري, كذلك فان الصراع يمكن أن تتعد مظاهره و أشكاله كأن يكون صراعا سياسيا أو اقتصاديا, عرقيا, حضاريا, دعائيا الخ…كما يمكن أن تتعدد أدواته و أن تتدرج حسب فاعليتها كالضغط و الحصار و الاحتواء والتهديد و العقاب والتفاوض و المساومة و التنازل و التحالف و التحريض و التخريب وصولا الى التصادم الفعلي بوسيلة العنف المسلح و هي الحرب.

و قد تأخذ الصراعات الدولية اتجاهات مختلفة أما نحو التصعيد أو التناقص و أما نحو الاستقرار أو التلاشي, و دون الخوض في النظريات الاستراتيجية المعاصرة التي تفسر ظاهرة النزاعات الدولية كنظرية اللعب ونظرية الاحتواء ونظرية الاستجابة المرنة و نظرية المساومة الخ.

و بشكل عام يمكن أن نعرف مفهوم النزاع أو الصراع بدخول جماعات بشرية أو وحدات سياسية في نزاعات مسلحة, اما بغية الحفاظ على مكاسب تهددها أطراف أخرى أو بغية الحصول على مكاسب جديدة لا يمكن الحصول عليها بالوسائل السلمية, فالنزاع يحصل للحفاظ على وضع قائم مهدد بالتغيير أو لتغيير وضع قائم لم يعد ملائما للطرف مصدر النزاع.

كما يحدث النزاع نتيجة تعارض أو تصادم بين اتجاهات مختلفة أو عدم توافق في المصالح بين طرفين أو أكثر مما يدفع بالأطراف المعنية مباشرة إلى عدم القبول بالوضع القائم و محاولة تغييره.1

مفهوم الحرب :

يفضل الكثير من الباحثين استعمال مفهوم النزاع المسلح على مفهوم الحرب لشموليته لأنه يلغي أو يعطل قنوات التفاعل النزاعي التقليدي ويستبدلها بآليات أخرى تتم بالعنف فكونسي رايت* مثلا يعرفها بالاتصال العنيف بين وحدات متميزة ولكن متشابهة،و يرى كلاوزفيتز* أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى أي يعتبرها إحدى الخيارات السياسية المتاحة أمام صانع القرارلخدمة أهداف الوحدة او المجموعة التي يمثلها2 ، أما برتراند راسل فيعتبر أن الحرب بمثابة نزاع بين مجموعتين تحاول كل واحدة قتل أو تشويه أو تعطيل اكبر عدد ممكن من المجموعة الأخرى للوصول إلى هدف تعمل له.

أما كارل دوتش فيرى في الحرب درجة عالية من العنف المنظم تحضر له و تقوم به الدولة معتبرة ذلك عملا شرعيا يدخل في اطار ابسط حقوقها، ويكون هذا العنف المنظم موجها ضد دولة أخرى أو ضد احدى الوحدات السياسية غير الدولة كالمنظمات والحركات الوطنية والسياسية.

و يميز ريمون أرون* الحروب باعتبارها الأساليب العنيفة للتنافس بين الوحدات السياسية في كتابه الحرب و السلام بين الأمم ثلاث أنواع من الحروب و هي:3

الحروب الكاملة و تكون بين وحدات سياسية يكون بينها اعتراف بالوجود و الشرعية.

حروب فوق الدول أو حروب امبريالية و هي التي يتمثل موضوعها أو منشؤها أو نتيجتها في القضاء على بعض المتحاربين و تكوين وحدة من مستوى أعلى .

حروب تحت الدول أو تحت الإمبريالية, ويتمثل رهانها في الحفاظ على تفكك وحدة سياسية وطنية أو إمبريالية.

و يتم الانتقال من حرب بين الدول الى حرب إمبريالية عندما يقوم أحد فاعلي النظام الدولي راضيا أو لا ببسط هيمنته أو إمبراطوريته على منافسيه في حالة الانتصار4.

وبشكل عام مفهوم النـزاع يكمن في دخول جماعات بشرية او وحدات سياسية في نزاعات مسلحة إما بغية الحفاظ على مكاسب تهددها أطراف أخرى أو بغية الحصول على مكاسب جديدة لا يمكن الحصول عليها بالوسائل السلمية فالنزاع يحصل للحفاظ على وضع قائم مهدد بالتغيير او لتغيير وضع قائم يعد ملائما للطرف مصدر الصراع .

موضوع و أبعاد الصراع :

حددت بعض الدراسات العناصر المتنازع عليها في التالي:

* الموارد والثروة مثل الأقاليم والمال و مصادر الطاقة والغذاء و كيفية توزيع تلك الموارد

* السلطة قد يتم التنازع بشأن تقسيم آليات الحكم و المشاركة السياسية في عملية صنع القرار.

* الهوية و تتعلق بالمجموعات الثقافية و الاجتماعية و السياسية

* الأوضاع الاجتماعية و السياسية و منها مدى شعور الناس بأنهم يعاملون باحترام و تقدير في ظل النظام الاجتماعي و التقليد السائدة.

* القيم و خاصة تلك المتمثلة في أنظمة الحكم و الدين والإيديولوجية.

كما حدد بعض الباحثين أبعاد الصراع أو النزاع العنيف الذي يتحقق لما تتخلى الأطراف عن الوسائل السلمية و تحاول السيطرة أو تدمير قدرات المخالف لها لأجل تحقيق أهدافها و مصالحها الخاصة حددوها بأربعة عناصر يلزم التمعن في كل نزاع لتحديدها بدقة بقصد وضع سياسات منع نشوء النزاع أو التخفيف منه وهذه العناصر1هي :

v المسائل الجوهرية (الأصلية ) وتكون في احتدام الجدل بشان التنافس على الموارد الطبيعية, والسيطرة على الحكم, وتحديد صلاحيات الأقاليم و المنطق و الإيديولوجيات الحاكمة.

v الأطراف أو مجموعات النزاع سواء كانت عرقية أم دينية أم إقليمية أم تيارات سياسية .

v أنواع القوة المستخدمة و طرق الإكراه مثل أسلحة الدمار الشامل و الإرهاب و الانقلابات و الابادة الجماعية وانتهاك حقوق الإنسان و التطهير العرقي.

v الفضاء الجغرافي, حيث تتم المجازر و عمليات التخريب و النزاعات الدولية و الداخلية

أنواع الصراعات :من الناحية النظرية تتعدد التصنيفات و تتنوع التقسيمات المختلفة للتميز بين الصراعات بتعدد المعايير أو المؤشرات المستخدمة من قبل الدارسين لحقل العلاقات الدولية غير انه يمكن الاشارة الى مجموعة من معايير التمييز بين الأنواع المختلفة للصراعات.

§ فمن المنظور المتعلق بمصدر الصراع، فإنه يمكن التمييز بين صراع بنيوى وصراع مدركى. أما فيما يتعلق بمسببات الصراع فتقسم الصراعات إلى صراعات العلاقات، وصراعات المعلومات ، وصراعات المصالح، وصراعات البنيات، وصراعات القيم.

§ كذلك فإن درجة ظهور الصراع يتم على أساسها التمييز بين الصراع العلنى أو المسافر ، والصراع الكامن والمستتر، والصراعات المقهورة أو المقموعة.

§ إضافة إلى ذلك فهناك أيضا موضوع الصراع ، وعلى ضوئه يتم التمييز بين صراع سياسى، واقتصادى، واجتماعى، وثقافى، ….إلخ

§ أما المتغير الخاص بأطراف الصراع، فعادة ما يستخدم في تقسيم الصراعات إلى ثنائية ومتعددة. وأخيرا ،

§ فهناك درجة العنف المرتبطة بالصراع والتى يتم على اساسها التمييز بين الصراعات العنيفة ، والأخرى غير العنيفة .

المنطلقات النظرية لظاهرة الصراع الدولي :

تتعدد المداخل والمنطلقات النظرية التي تحاول تفسير ظاهرة الصراع الدولي في العلاقات الدولية بارتباطها بما يلي :

§ أولا المدخل المرتبط بالمصالح القومية :

في نطاق صراعات القوة بواسطة السعي الى حماية هذه المصالح من خلال مضاعفة الدولة لمواردها من القوة أو كما عرفه هانس مورغنتو* أن الدافع الذي يحرك الإنسان هو الصراع على القوة من أجل البقاء و مقابلة التحدي و إثبات الذات2 فالمصلحة ليست سوى مرادفا للقوة .

§ ثانيـا المدخل المتعلق بطبيعة النظام السياسي الدولي :

فالصراعات و الحروب لن تنتهي في ظل وجود مبدأ السيادة القومية و بقاء النظام الدولي قائم على تعدد الدول.

ثالثا المدخل السياسي :

للصراع المرتكز أساسا على المنطق الذي يقول أن وجود تكتلات و تحالفات دولية متصارعة يأتي على رأس العوامل التي تؤدي الى الحرب أو تعجل بوقوعها يوضح كيفية تأثير سياسات توازن القوى المرتكزة على التحالفات في مضاعفة حدة التوتر و الصراع الدولي.

§ رابعا المدخل الاقتصادي :

و هو ما يعني أن كل الحروب التي تقع إنما تحركها أسباب ودوافع اقتصادية و تندرج في هذا الإطار النظرية الماركسية وغير الماركسية مثل نظرية هوبسون 3 التي ظهرت في مطلع القرن العشرين.

§ خامسا المدخل الجيوسياسي :

و التي تلتقي معظم نظرياته حول محور أساسي يتعلق بالضغوط التي تولدها ظروف المكان الطبيعي على عملية الصراع من أجل البقاء و النمو و يمكن الإشارة هنا الى نظريات كل من راتزل F.Ratzel,ماكيندرH.Mackinder و سبيكمانN.Spykman4

§ سادسا المدخل الايديولوجي :

ويستند رواد هذا التيار الى اعتبار التناقضات الايديولوجية بين القوى العظمى تأتي وراء الصراعات الدولية خاصة الماركسيون الذين يقيمون تحليلهم على حتمية صراع الطبقي الذي يعكس حسب اعتقادهم الحياة الدولية من خلال النظامين الاشتراكي و الرأسمالي .

§ سابعا المدخل المتعلق بطبيعة النظام السياسي :

5 و يستند دعاة هذا المدخل على المنطق الذي يقر بوجود علاقة بين الديكتاتورية و الصراع و منه يعتبر أنصار هذا المنطق ان أنظمة الحكم الشمولية بحكم عقيدتها والدوافع و الأهداف التي تحركها تعد السبب الرئيسي وراء تزايد حدة الصراع في المجتمع الدولي.

§ ثامنا المدخل السيكولوجي :

المرتبط بالنزعة الى العدوان الموجودة لدى الإنسان من خلال غريزة حب التسلط والسيطرة من جهة ومن جهة أخرى ينسب دعاة هذا الاتجاه الدافع الى الصراع الى عامل الإحباط و الشعور بعدم الرضا الشيء الذي يدفع الى العنف والعدوانية كما يقول اريك فروم1 Eric Fromm .

§ تاسعا المدخل المرتبط بعامل سباق التسلح :

و التنافس بين الدول في مجال تحقيق القوة العسكرية, و تطويرها قصد ضمان توازن قوى أو رادع بامكانه تحقيق التفوق و ذلك بواسطة عامل التفوق التكنولوجى في نظم التسلح الذي يدفع أيضا لاستعراض القوة كوسيلة للضغط بصدد التسوية الدبلوماسية مما يؤدى إلى شحن الصراعات بمزيد من التوتر والعنف كما أن إطار السرية المرتبط بسباق التسلح يخلق مناخا من الشك والخوف وعدم التيقن لدى الأطراف المعنية، الأمر الذى لا يساعدها على حل المنازعات السياسية، بل قد يكون سببا في الدفع نحو الصدام والصراع.غير أن أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا المدخل تكمن في أن سباق التسلح في حد ذاته لا يمكن أن يكون سببا بمفرده في خلق الصراع الدولى ، فهو وإن أدى إلى زيادة التوتر وشحن أجواء الصراعات إلا أنه لا ينتج بذاته صراعا، فالصراع سوف يستمر ، حتى في ظل إمكانية التوصل إلى إجراءات نزع السلاح ، وذلك لأن جذور الصراع لازالت قائمة دونما حل، ومن ثم يصبح المطلوب هو تصفية أو تسوية هذه الجذور مما يبرر إضعاف اللجوء إلى سباق التسلح .

§ عاشرا المدخل الاجتماعي :

المرتكز على فرضية رئيسية تقوم على ارتباط وثيق بين الإدراك والصراع الاجتماعى حيث يتطور الصراع نتيجة لإدراك أحد أطرافه لخصومة أو لأعدائه بشكل لا يتوافق مع مصالحه، الأمر الذى يسهم بدوره في تبنى الطرفين لسبل غير متوافقة لتحقيق أهدافهم

وعلى ضوء المداخل و اتجاهات التنظير المتنوعة في تفسير الصراع ومسبباته المختلفة، فإنه يمكن الوقوف على المسلمتين التاليتين :

المسلمة الأولى : تتعلق بمصادر الصراع على المستوى الدولى. في اشارة الى الى انه أيا كانت المصادر المباشرة للصراع ، فإنه عادة ما يرتبط بسعى أطرافه وتنافسهم فيما بينهم لدعم تطلعاتهم في زيادة قوتهم أو الإحتفاظ بها، والعمل على زيادتها ودعمها، والسيطرة على موارد أو مصادر جديدة لتأكيد تلك القوة وبالتالى، فإنه من المتصور أن يؤدى نجاح أحد أطراف الصراع في تحقيق درجة أو أخرى من النجاح في هذا المجال إلى زيادة مخاوف الأطراف الأخرى، وسعيها بالتالى إلى البحث عن طرق أو مصادر بديلة للقوة تستطيع من خلالها استعادة أو تصحيح التوازن في علاقات القوى مع تلك الأطراف، مما يؤدى الى الاتجاه نحو الصراع بين الدول أو توريطها فيه بوجه عام .

المسلمة الثانية : وتتعلق بكون الصراع – بوجه عام – ظاهرة مركبة بالغة التعقيد من حيث مكوناتها وأبعادها ومستوياتها. ومن ثم، فإن محاولة تفسير الصراع استنادا إلى تأثير متغير وحيد تؤدى غالبا إلى قصور خطير في فهم الظاهرة الصراعية من جانب، الشيء الذي يفرض ضرورة تبنى رؤية تكاملية للصراع كأمر ضرورى، إن لم يكن شرطاً أساسياً ليس فقط لفهم وتحليل الظاهرة الصراعية، بل أيضا لنجاح استراتيجية مواجهة الموقف الصراعي.

طبيعة الصراعات بعد الحرب العامية الثانية :

إن ظاهرة الصراع الدولي تتحدد دائما في ضوء هيكلة النـظام الدولي وعلاقات القوة السائدة فيه، ذلك أن انهيار الثنائية القطبية أدى إلى توليد مصادر جديدة للصراع الدولي على مستويات عديدة وأدت هذه الوضعية الى فقدان ميكانزمات الاستقرار وضبط الصراع التي طورتها القوتان العظمتان في ظل الحرب الباردة في إطار قيامها بإعادة تكييف كافة النزاعات الإقليمية وفقا لصراعها المركزي غير أن الأوضاع بعد الحرب العالمية الثانية تميزت بازدياد عدد الصراعات بشكل عام مقارنة مع الفترات السابقة, ويمكن استخلاص العديد من الملاحظات حول طبيعة و أنواع النراعات التي سادت الجزء الثاني من القرن العشرين والتي حصل أغلبها في العالم الثالث (آسيا وافريقيا و امريكا اللاتينية)1مقارنة مع أوربا نتيجة ميزان الرعب النووي بين القوتين العظميين و نظرا لتوصل أغلب الدول الأوربية الى حل كثير من القضايا التي تشكل مصدرا للنزاعات في العام الثالث بشكل أو بآخر، و نشير الى بعض المجالات كأمثلة : بناء الدولة، التنمية الاقتصادية، الهوية الوطنية الخ…

كما حصل ازدياد في عدد النزاعات الداخلية أو التي تبدأ على المستوى الداخلي وتتحول الى المستوى الإقليمي والدولي نتيجة تدخل قوى خارجية عسكريا وسياسيا، ازدادت إذن النزاعات الاثنية والاجتماعية و الوطنية وقابل ذلك انخفاض في عدد الحروب والنزاعات المسلحة التقليدية بين الدول وخاصة الحروب الاستعمارية، ازداد التدخل الخارجي في النزاعات بشكل ملحوظ وتحديدا التدخل المباشر الذي طبع المرحلة حتى آخر الستينيات تقريبا و بعد ذلك صار مجمل أنواع التدخل من النوع غير المباشر أو غير العلني، في السبعينات انخفض عدد النزاعات المسلحة بين الدول مقارنة مع الفترات السابقة و ذلك كون مجمل حروب التحرير الوطني من الاستعمار قامت في الخمسينات والستينات وكون أن مجمل الدول التي شهدت هذه الحروب نالت استقلالها فانتهت المشكلة الوطنية لتبدأ مشكلة بناء الدولة مما يفسر ازدياد النزاعات الداخلية المختلفة, كما ازدادت درجات العنف في الحروب الداخلية و الحروب التقليدية1 ودل على ذلك ارتفاع عدد الضحايا و حجم الأضرار المادية التي تلحق بالمتنازعين.

و يمكن رد الأسباب المكونة للنزاعات الداخلية إلى ثلاث مصادر او مجالات متمايزة و لكنها متداخلة في الوقت ذاته: وهي: البنية المجتمعية – الوضع الاقتصادي -الوضع السياسي2 .
1 – فيما يتعلق بالمجال الأول يلاحظ أن غياب التجانس المجتمعي في كثير من الدول يشكل بيئة خصبة لنمو النزاعات خاصة إذ ا لم تعمل السلطة السياسية على محاولة إقامة اندماج وطني، فوجود انقسامات حادة نتيجة وجود عدة اثنيات مثلا أدى إلى غياب ما يعرف بالإجماع الوطني حول نسق القيم و الرموز الأساسية في المجتمع ووجود بدل عن ذلك أنساق قيمية مختلفة يعبر عنها بالتالي بالولاءات المختلفة و أحيانا متناقضة… الشيء الذي يساهم في خلق النزاعات .

ويعرف هارولد لاسويل النزاع الاجتماعي “أنه ينتج عن إتباع جماعات بشكل واع لأهداف و قيم مختلفة” و ما يفجر النزاع أو يزيد من حدته وجود عقائد تعبر عن هذه الاختلافات في عدة نسق قيمية وتعمل كوسيلة للتعبئة السياسية و للتعبير عن ولاءات قد تكون من نوع ما تحت الدولة sub state او عبر الدولةtrans-state لجماعات قد تطالب بنوع من حق تقرير المصير أو تعتبر أنها تنتمي الى دولة اخرى ،كما رأى” مازيني ” أنه لو كان لكل هوية وطنية تعبير عن ذاتها في دولة قومية لساهم ذلك بشكل كبير في إزالة أسباب الحروب ، فحق تقرير المصير الوطني هو الطريق للسلام حسب مازيني1.

وتندرج في هذا الإطار مشاكل الأقليات الوطنية وقدرة أو قدرة السلطة السياسية على النجاح في مشروع الانصهار الوطني.

2 – وتؤدي التنمية الاقتصادية السريعة التي ترافـقها تغييرات قيمية الى إحداث أزمات اجتماعية عديدة نتيجة اضطرار المجتمع للتكيف مع المفاهيم والقيم الجديدة واستيـعابها بسرعة تتخطى إمكانياته وخصوصياته،و يجمع علماء الاجتماع وعلماء النفس أن هذا الوضع يؤدي إلى أزمات حادة عند الفرد و يخلق التحديث السريع الانفصام في الهـوية الاجتماعية مما يؤدي أحيانا الى الارتداد نحو ولاءات وقـيم بدائية أو تقليدية أو حدوث ما يعرف بالاغتراب الاجتماعي،و يمكن أن يؤدي هذا كله الى أعمال عنف أو تمرد أو غير ذلك وقد يكون للتنمية السريعة انعكاسات اقتصادية سلبية أحيانا كازدياد الفروقات الطبقية الناتجة عن توزيع الإنتاج الوطني

3- وقد تنشأ النزاعات نتيجة بنية السلطة السياسية وسلوكاتها كازدياد القمع وغياب قنوات التعبير الديمقراطي او كنتيجة فشل دريع للسلطة في سياسات معينة قد يكون لها نتائج سلبية كبيرة، هذه العوامل مجتمعة تفقد لسلطة شرعيتها أو تضعف تلك الشرعية مما يشجع إلى اللجوء إلى العنف الفردي و المنظم لاحقا بغية التغيير , وغني عن القول أن انعدام الاستقرار او وجود تمخضات قوية في دولة قد يشجع الدول المجاورة أو القوى الإقليمية والدولية على التدخل المباشر أو غير المباشر مما يساهم بتصعيد النزاع و تحويله من نزاع داخلي إلى إقليمي أو دولي.

ومن السمات أيضا التي تشكل مصدر نزاعات في النظام الدولي 2 ما تحدث عنه برتراند راسل عام 1917 عندما لاحظ استحالة قيام نظام دولي جيد الا في حالة تطابق حدود الدول مع حدود الأمم، فوجود قوميات مختلفة ضمن دولة واحدة تطالب باستقلالها أو بالانضمام الى دولة أخرى سيبقى دائما سمة نزاعية رئيسية في النظام الدولي.

و عن أسباب النزاعات الدولية الحالية فهي متعددة فالسباق نحو السلطة أو احتلال إقليم هي أسباب معروفة ولكن نزاعات نهاية القرن العشرين اتسمت بنوع من التعقيد فيما يخص أسبابها وتطوراتها تعقيدها وحتى شرعيتها ويصنفها الدكتور “مايكل كلار” M.KLARE
1-نزاعات إقليمية كالنزاع التقليدي بين الهند وباكستان او النزاع العراقي الإيراني.
2-حروب على الموارد الطبيعية كحرب المياه في الشرق الاؤسط بين اسرائيل والدول العربية او كحرب الخليج الثانية للتحكم والسيطرة على مصادر النفط في العالم

3-نزاعات انفصالية او قومية تحاول فيها المجموعات الاثنية, القومية ( البوسنة، صربيا الشيشان، التامول…( تشكيل دول خاصة بها أي متجانسة قوميا .

4-نزاعات تحاول فيها مجموعات اثنية /قومية تمديد حدود دولها الى أقاليم أخرى تعيش فيها مجموعات تنتمي الى نفس القومية/العرق (مشاريع صربيا الكبرى /البانيا الكبرى/كرواتيا الكبرى/ المجر الكبرى)

5-حروب اثنية دينية وقبلية عندما تتصارع هذه المجموعات داخل دولة واحدة على احتلال الأرض والموارد كما كان الحال في الصومال و رواندا والبوسنة.

6-نزاعات قائمة على العامل القومي والاثني تحاول تمديد حدود دولها لتشمل دولا تعيش فيها مجموعات عرقية مماثلة (مشاريع صربيا الكبرى، البانيا الكبرى، هنغاريا الكبرى …)

7-اشتباكات اثنية قبلية دينية:مجموعات تتصارع في ظل الدولة الواحدة من اجل اكتساب الارض والموارد كما كان الحال في الصومال ورواندا

8- نزاعات ثورية أصولية: مجموعات تهدف الى تغيير الأوضاع وفرض إيديولوجية على باقي مواطني نفس الدولة كما هو الشأن بالنسبة لليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية.

الخصائص الرئيسية لنزاعات ما بعد الحرب العامية الثانية :

تختلف الصراعات الدولية حسب طبيعتها من حيث كونها صراعات بين الدول (الحروب التقليدية) والى حروب تحريرية كحرب التحرير الجزائرية سواء كان ذلك ضد الاستعمار التقليدي أو من احتلال أجنبي والى حروب داخلية (حروب أهلية مرتبطة بصراع طبقي أو اثني أو قومي أو ديني)، وقد بلغ عدد الضحايا في الصراعات الدولية التي وقعت في الفترة الممتدة بين 1945-1994 1 حوالي 20 مليون نسمة أي ما يعادل 400.000 قتيل سنويا2 و عموما يمكننا تسجيل الملاحظات التالية :

1- أصبحت النزاعات أكثر منها داخلية عن كونها دولية ذات طابع اثني او إقليمي فمن اصل 30 نزاع عددت سنة 1992 تم إحصاء 29 نزاعا داخليا,في يوغسلافيا في طاجكستان في الصومال في رواندا و بحدة اقل في هايتي وأفغانستان, ذلك أن الإقصاء السياسي والتمايز الثقافي وفشل التنمية الاقتصادية أدوا إلى اندلاع النزاعات داخل الدول وتراجع بذلك عدد الصراعات التقليدية فيما بين الدول ان ما يميز الحروب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة هو إن الحروب انتقلت من حروب فيما بين الدول الى حروب داخل هاته الدول وعليه أصبحت هاته السمة الداخلية للنزاعات من الأسباب الرئيسية في عجز المجتمع الدولي في تسيير هذه النزاعات من الناحية القانونية بحجة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بدون طلب هذه الأخيرة 3 غير ان التدخل لأسباب إنسانية, أصبح شيئا واردا في هذه المرحلة كما كان الشأن في البوسنة و هايتي.

2- بالنسبة للأطراف المتورطة في النزاعات الجديدة أصبحت تبتعد عن العقلاني في السلوك والتصرف والسبب الأول في ذلك يرتكز على الاعتبارات الاثنية والقومية و الدينية ليتم لابتعاد عن الاعتبارات المنطقية التي اعتدنا عليها فالقومية كأحد المحددات الأساسية و محور بناء الهوية أصبحت احد مصادرا لنزاعات الجديدة

3- في أغلب النزاعات الجديدة تتورط العديد من الأطراف أو الفصائل التي لا تتحكم في مكونات الصراع في حد ذاته، وفي هذه الحالة يصبح من الصعب تحديد أسباب الصراع نظرا لوجود العديد من الصراعات المتداخلة و المتقاطعة الشيء الذي يقلص من نجاح عملية التدخل لحسم الصراع في ظل غياب التحكم في محددات هذا الصراع

4- النزاعات الحالية لا تقتصر على الحرب أو الاشتباك العسكري البحث بل أصبحنا نتكلم عن استعمال المدنيين وحتى قوات حفظ الأمن كرهائن دون ان نتكلم عن خرق حقوق الإنسان، سياسة التطهير العرقي، الاغتصاب الجماعي، عمليات الابادة الجماعية و موجات الهجرة لللاجئين ورغم ان هذه الممارسات ليست بالجديدة الا ان الرأي العام اصبح يتعامل معها وكأنها من تقاليد الحرب الحديثة1 .

إن ما يميز حروب ما بعد الحرب الباردة هو أن هذه الحروب ليست بين دول بل عبارة عن نزاعات داخل الدول ففي صراع صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك المعترف بهم دوليا فان تواجد الأقليات الصربية والكرواتية والبوسنية في الدول الثلاث لا يصنف هذا النزاع من الناحية القانونية على أنه نزاع بين دول وحتى الصراع على اقليم “ناغورني كاراباخ” بين أذربيجان وأرمينيا ما هو إلا حرب انفصال أو ما جرى في الشيشان، هذه السمة الداخلية لهذه الصراعات كانت وراء عجز المجتمع الدولي في تسييرها من الناحية القانونية بحجة عدم التدخل في لشؤون الداخلية للدول بدون موافقة هذه الأخيرة. 2

لقد بلغ عدد الضحايا المدنيين خلال الحرب العالمية الثانية 50% بالمقارنة مع العسكريين بينما في الصراعات الجديدة النسبة تصل الى 90 % 3،وصل فيها العنف الى أقصى الحدود و أصبحت المنظمات التي لها علاقة بالمسائل الإنسانية تتفاوض مع القيادات غير الثابتة والتي لا تحترم أدنى قدر من التعامل الإنساني من خلال استعمال المدنيين وعدم التفريق بينهم وتحويل المساعدات الدولية المرسلة أساسا للإغاثة المدنية.

هذه الصراعات التي تذكيها السوق السوداء للأسلحة والتي يصعب مراقبتها في ظل اختفاء المؤسسات الداخلية للدول التي تشهد بذلك فراغا دستوريا خطيرا فالشرطة لا تتدخل بل تقف الى جانب احد الأطراف والحكومات ان وجدت و قد تتخلى عن مراقبة كامل التراب الوطني، قوانين جديدة لم يصوت عليها أحد تطبق في مناطق النزاع.

إدارة الأزمات الدولية و ادارة الصراعات الدولية :

رغم ما يذهب إليه البعض من القول بأنه مع نهاية الحرب الباردة و تفكك الاتحاد اليوغسلافي لم يعد هناك حاجة الى الاهتمام بموضوع إدارة الأزمات الدولية التي كان مناط الاهتمام بها تجنب تورط القوتين العظمتين في حرب نووية غير انه في الوقت الحاضر تبدو إدارة الأزمات أكثر إلحاحا في وقت تزداد فيه احتمالات وقوع الأزمات و النزاعات على المستوى الإقليمي والتي يمكن أن تؤدي إلى توريط دولتين أو عدة دول من الاقتراب الى حافة الحرب ذلك أت موضوع التوازن الأوربي ظل قائما في وقت أن أوروبا قد استطاعت على خلفية هزيمة نابليون أن تقيم نوعا من التوازن بين الأمم الأوروبية. وعبر فهم ذلك النزاع توصل «حلفاء وخصوم الأمس» إلى إيجاد إطار للسلام يضم دولا ديمقراطية وأنظمة ملكية أكثر قدما. وقد كانت القطيعة في ذلك «التفاهم» قد ساهمت في نشوب الحرب العالمية الأولى التي شهدت نهاية الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية1.

فحسب فريق من اختصاصي جامعة ستانفورد في العلاقات الدولية2, أن الغاية من إدارة الأزمات هي تجنب الحرب العضوية التي يعرفها البروفيسور “ألكسندر جورج”3 بأنها الحرب التي يرغب فيها او يتوقعها أطراف النزاع عند بداية الأزمة الدبلوماسية, و التي يمكن أن تحدث في أي وقت خلال مراحل تطور الأزمة .

وتدور المعضلة الأساسية في إدارة الأزمات -وفقا لما كشفت عنه الحقائق التي يمكن استخلاصها من تجارب الماضي- حول المأزق الذي يواجهه السياسيون بين الحاجة الى حماية المصالح المعرضة للخطر والرغبة في تجنب التصعيد غير المرغوب فيه للازمة, لكن كيف يمكن التوفيق بين أطراف هذه المعادلة .

دبلوماسية القـوة4: من الحقائق الثابتة في علم العلاقات الدولية أن القوة أداة للدبلوماسية.وهذه العبارة تمثل جانبا هاما من الحكمة التقليدية لحرفة السياسة استنادا الى أن الجهود التي تعتمد على الدبلوماسية وحدها غالبا ما تثبت عدم فاعليتها أو تحقق الأهداف التي يتوخاها وترمي إليها . و في هذا السياق أثير التساؤل عما اذا كان من الممكن الاستعانة بعنصر القوة الى جانب الدبلوماسية في إدارة الأزمات أم ان استخدام القوة يمكن ان يعيق بصورة خطيرة من حدة الأزمة ويعمل على إشعال الحرب غير المرغوب والتي يمكن تجنبها ؟

وتشير التجارب في إدارة الأزمات الى ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات او الأعمال العسكرية غير القتالية كاستخدام القوات العسكرية لردع الخصم وأثناءه عن تصعيد الأزمة او زيادة درجة استعدادالقوات لمواجهة أي عمليات هجومية اذا حدثت الحرب على أن يكون هناك ما يضمنه التنسيق بين العمليات من جهة والتحركات الدبلوماسية من جهة أخرى.

كما أن البحث في حتمية حدوث الصراع المرتكز اساسا على مبدأ الاختلاف و التباين في المواقف، و وجهات النظر والقيم الثقافية، ووسائل الاتصال، والاحتياجات، جعلت المتخصصين في علم “حل الصراع” Conflict Resolution- يقسمون الصراع إلى درجات مختلفة، منها ماهي “عالية المستوى”، “متوسطة المستوى”، أو”منخفضة المستوى”. كما قاموا بالتفريق بين مفهوم “حل الصراع” ومفهومي “إدارة الصراع” و”تسوية الصراع″، في اشارة الى “جون بورتون” John Burton الذي يعتبر “الإدارة” تعني تحديد الصراع أو إيقافه عند حد معين، بينما تعني “التسوية” التعامل مع الصراع في ظل عمليات قانونية وسلطوية التي يمكن فرضها على يد النخبة، في حين تعني كلمة “حل” إنهاء الصراع جذريا من خلال الوصول إلى أصل المشكلة. ومن ثم، فإن حل الصراعات -على عكس إدارتها أو تسويتها- يمثل حلا دائما، وليس مؤقتا، للمشكلة. وكذلك يمثل حلا مرضيا لجميع الأطراف.

والجدير بالذكر أن مجال “حل الصراعات” بدأ يكتسب زخما مضاعفا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبعد إطلاق الحرب الأمريكية على الإرهاب. فـ”الإرهاب” صار الآن هو المحدد الأساسي للفاعلين الدوليين، وليس “الإثنية” أو “القبلية” كما كان الوضع قبل الحادي عشر من سبتمبر؛ وبناء عليه، فإن مسألة الصراعات وحلها في عالم اليوم ستخضع إلى هذا المحدد “الإرهابي” الجديد، و عليه نحاول من خلال هذه الدراسة الخوض في مسألة مهمة هيالوقوف على مقاربة نظرية لظاهرة الصراع الدولي و ادارته على ضوء ماحدث في اوربا و في منطقتي البلقان والقوقاز بعد عودة الحرب الى هذه القارة التي افتقدتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .

الخـاتـمــة :

و عليه فالنزاع والسلام ليسا عشوائيين, إنما هما ظاهرتين يمكن تفسيرهما و فهم أسبابهما و إدراك مكوناتهما كما يمكن التأثير عليهما و ليس النزاع و السلام ساكنين بل يتميزان بالديناميكية والحيوية ويتطوران بعامل الزمن, كما أن النزاع لا ينتهي دائما بالعنف فهناك من يحل بشكل سلمي و لتكون الإجراءات المتخذة لمنع أي نزاع و تسكينه فاعلة, لابد من تطبيق سياسات و برامج و آليات تتناسب و نوعه و المستوى الذي وصل إليه و على ضوء ما سبق من استعراض مقارنلعدد من الاتجاهات النظرية العامة بصدد ظاهرة الصراع ومفهومه، يمكن الانتهاء إلى التأكيد على نتيجتين هامتين لما لهما من دلالة خاصة في دراسة وتحليل وفهم ظاهرة الصراع، وبالتالى في التعامل معها واختيار الآلية المناسبة لكل موقف صراعى. وتحدد هاتان النتيجتان فيما يلى:

أولا: ضرورة التمييز في دراسة الصراع بين دراسته كمفهوم ، وكظاهرة، وكعملية: إن الصراع كمفهوم له طبيعته المركبة التى تستمد خصائصها من الموقف الصراعى ذاته، ومن طبيعة وعلاقات القوى التى تحكم أطرافه وموضوعه. أما الصراع كظاهرة فإنه يتسم بالتعقد البالغ ، فظاهرة الصراع وإن كانت تجمع – وعلى الأقل بشكل كامن ومحتمل – بين مزيج من الأبعاد الإيجابية والسلبية معا، فإن التكييف النهائى للظاهرة الصراعية إنما يتوقف إلى حد كبير على مجموعة المتغيرات التى تتشكل أولا طبقا لمتغير الإدراك الخاص بأطراف الصراع، ثم ثانيا بمتغيرات التوقيت، الموضوع ، البدائل المتاحة، وغيرها من متغيرات بيئية تسهم بشكل متداخل في تحديد مدى وكثافة الظاهرة الصراعية. وأخيرا، فإن الصراع كعملية إنما يجد جذوره في روافد متعددة، كما أن أشكاله ، ومظاهر التعبير عنه إنما تتداخل وتتقاطع فيما بينها بشكل يعكس قدرا لا بأس به من الاعتماد المتبادل بين منابع العملية الصراعية ومظاهرها.

ثانيا: محورية دور الإدراك في فهم ظاهرة الصراع : ويندرج تحت ذلك الاهتمام مجموعة المتغيرات المتنوعة المشكلة للعملية الإدراكية، والمحددة لها فتأثير وأهمية الإدراك لا تتوقف فقط عند فهم وتوصيف الظاهرة الصراعية ، بل إنها تتجاوز ذلك إلى التحليل الدقيق لأسبابها ، واختيار لآلية الحل أو التسوية المناسبة . وهنا تجدر الإشارة أيضا إلى محورية المتغيرات الثقافية في فهم المواقف الصراعية وأهميتها لتجاوز ما قد يرتبط بها من أبعاد ذات تأثير إيجابى أو سلبى في فهم ظاهرة الصراع، وبالتالى في اختيار آلية الحل المناسب.

كما انه يمكن الانتهاء إلى التأكيد على ثلاثة ابعاد تشكل محاور أساسية فى التعريف بمفهوم الصراع:
1- البعد الأول يتعلق بالموقف الصراعى ذاته: ويشير إلى أن مفهوم الصراع يعبر عن موقف له سماته أو شروطه المحددة فهو بداية يفترض تناقض المصالح أو القيم بين طرفين أو أكثر، وهو ثانياً يشترك إدراك أطراف الموقف ووعيها بهذا التناقض، ثم هو ثالثاً يتطلب توافر أو تحقق الرغبة من جانب طرف (أو الأطراف) فى تبنى موقف لا يتفق بالضرورة مع رغبات الطرف الآخر، بل إن هذا الموقف قد يتصادم مع باقى هذه المواقف.

2- البعد الثاني ويتعلق بأطراف الموقف الصراعى: من خلال مستويات ثلاثة: المستوى الأول يتعلق بالصراعات الفردية: أى التى يكون أطراف الصراع فيها أفراداً، ومن ثم فإن دائرة مثل هذا الصراع وموضوعه يتجهان إلى أن يكونا محدودين بطبيعتهما. وفى المستوى الثانى يكون الصراع بين جماعات: وتتعدد أنواع هذا الصراع بتنوع أطرافه، كما أن دائرته ومجالاته تكون عادة أكثر اتساعاً وتنوعاً عن نظيرتها فى دائرة الصراع الفردى. أما المستوى الثالث فإن يختص بالصراع بين الدول، والذى عادة ما يعرف أيضاً بالصراع الدولى، وتكون دائرة (أو دوائر) الصراع فيه أكثر تعقيداً واتساعاً عن المستويين السابقين من الصراعات.

3- البعد الثالث ويهتم بالصراع الدولى: وهنا تجدر الإشارة إلى أن اتساع دائرة المستوى الثالث من الصراعات، عبر المراحل التاريخية المتعاقبة للعلاقات الدولية، كان من شأنه توجيه وتكتيل قدر متزايد لا يستهان به من الجهود العلمية والأكاديمية لدراسة وتأصيل الظاهرة الصراعية، وذلك بهدف تطوير التفسيرات والنظريات العلمية التى تيسر فهم أسبابه ومحدداته، ومن ثم تقدم البدائل المختلفة التى يمكن من خلالها التحكم فى الظاهرة الصراعية، أو على الأقل التقليل من المخاطر المرتبطة بها والمترتبة عليها، وتحديد أساليب التعامل معها. وفى هذا المجال، فإن هذه الجهود العلمية قد أسفرت عن تراث غنى وأصيل من النظريات والتفسيرات، ولعل من بينها نظريات المعرفة العقلانية، النظرية السلالية، نظريات القوة، نظريات صنع القرار والاتصالات،النظم،غيرها كثير من النظريات المفسرة للصراع فى أبعاده المختلفة:النفسية، البيولوجية، الثقافية والاجتماعية، الاقتصادية،السياسية،مؤخراً البيئية والحضارية … الخ.

الهوامــش :

[1] – إسماعيل صبري مقلد : العلاقات السياسية الدولية: دراسة في الأصول والنظريات، الكويت : جامعة الكويت ، 1982، ص. 213.

2جراد (عبد العزيز),العلاقات الدولـية.الجزائر: موفم للنشر.1992. ص:97.

3 الأزمة هي نقطة تحول مصيرية فيمجرى حدث ما، تتميَّز بتحسّن ملحوظ أو بتأخر حاد، وترتبط بتجاذبات قديمة لا بد أنتزول لتحلّ محلها ارتباطات جديدة، وتورث تغيرات كمّية ونوعية في هذا الحدث. الأزمةكمصطلح قديم ترجع أصوله التاريخية إلى الطب الإغريقي – “نقطة تحول” بمعنى أنها لحظةقرار حاسمة في حياة المريض – وهي تُطلق للدلالة على حدوث تغيير جوهري ومفاجئ في جسمالإنسان. في القرن السادس عشر شاع استخدام هذا المصطلح في المعاجم الطبية. وتماقتباسه في القرن السابع عشر للدلالة على ارتفاع درجة التوتر في العلاقات بينالدولة والكنيسة. وبحلول القرن التاسع عشر تواتر استخدامها للدلالة على ظهور مشكلاتخطيرة أو لحظات تحوّل فاصلة في تطور العلاقات السياسية والإقتصادية والإجتماعية. والعام 1937 عرّفت دائرة معارف العلوم الإجتماعية الأزمة بأنها “حدوث خلل خطيرومفاجئ في العلاقة بين العرض والطلب في السلع والخدمات ورؤوس الأموال”.

[1]- في كتابها “إتفاقيات الأزمة– A study in Diplomatic Management the Conventions of Crisis”[1]- حتى (ناصف يوسف),النظرية في العلاقات الدولية.بيروت:دارالكتابالعربي.الطبعةالاولى.1985 .ص: 293.

* و هو منظر أمريكي اهتم بتحليل الظواهر الدولية و ركز على مسألة التخصص عاش في الفترة 1890-1970

*كارل فون كلاوزفيتز جنرال و منظر عسكري بروسي حارب نابليون في الجيش البروسي ثم في الجيش الروسي كتابه من الحرب (1831) من الكتب اللاسيكية في الفكر الاستراتيجي .

2- Sous la Direction de Philippe LEMARCHAND, L’EUROPE CENTRALE ET BALKANIQUE . ATLAS D’HISTOIRE POLITIQUE .Edition COMPLEXE ;.Bruxelles, 1995,p : 27.

* و هو أحد كبار رواد المدرسة الفرنسية في العلاقات الدولية

Print Friendly, PDF & Email