دراسات سياسية

مفاهيم سياسية: الموقف الدولي

الموقف الدولي هو هيكل العلاقات القائمة بين الدول الفاعلة في المسرح الدولي، ومع كثرة الدول العاملة على المسرح الدولي إلا أن الدول الفاعلة فيه قليلة تبعاً لقوة تلك الدول. ولما كان وقاع كل دولة يعتريه التغير والتبدل قوة وضعفاً، فإن العلاقات بين هذه الدول يعتيرها التغير والتبدل تبعاً لذلك. وقد يحدث هذا التغير والتبدل بسبب حرب تطيح بدولة، وتضعف أخرى من التأثير في المسرح الدولي، فيندفع غيرها ليحل محلها، وقد يحدث التغير والتبدل وقت السلم من خلال عملية التطور التدريجي للقوى، فتضعف دولة، وتقوى أخرى، إلا أن الحروب أفعل في التغيير. ومع هذا التغير والتبدل في أحوال الدول وقواها يتغير الموقف الدولي، أما في تغيّر هيكلية العلاقات، وأما في تغير أطرافها. ونظراً لأن التغيّر في أحوالي وقوى الدول الفاعلة في المسرح الدولي ليس سريعاً، فإن التغير في الموقف الدولي يحتاج لفترات طويلة.

وقوة الدولة لا تنحصر في قوتها العسكرية، وإنما تشمل جميع الطاقات والقدرات المادية والفكرية والمعنوية التي تستطيع الدولة تعبئتها وحشدها خارج حدودها، فهي تشمل المبدأ، أو الرسالة العالمية التي تحملها الدولة رسالة للعالم، كما تشمل القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والمهارة في الأعمال السياسية، والحنكة في الدبلوماسية.

وتستعمل الدولة في صراعها مع غيرها على المسرح الدولية من عناصر قوتها الأقوى والأفعل، أو ما تظنه كذلك، أو ما تسمح الظروف الدولية باستعماله. فقوة المبدأ، والقوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، في كل منها القدرة على إيجاد المصالح، والحفاظ على تلك المصالح، وإيجاد الهيبة والمكانة الدولية للدولة على المسرح الدولي، إذ يمكن ترجمة أي منها إلى نفوذ سياسي قوي، لكن القوة العسكرية تبقى أبرز العناصر وأفعلها، لأنها عنوان الدولة، ورأس قوتها، فهي دائماً تلوح وراء أعمال السياسيين لإمكانية اللجوء إليها إذا فشلت الوسائل الأخرى.

والقوة العسكرية لا تنفصل عن إرادة استعمالها، فقوة الإرادة قوة لها، وضعف الإرادة ضعف لها. وتضعف إرادة دولة ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أقوى منها بكثير، أو عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق، وذلك عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق، وذلك عندما يؤدي سباق التسلح بينهما إلى قدرة كل منهما على تدمير الأخرى تدميراً شاملاً وأكيداً. وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة، مثل قوة المبدأ، والثورة الاقتصادية، والديبلوماسية، والأعمال السياسية.

وعمل الدولة على المسرح الدولي إنما هو لإيجاد مصالح للدولة، وحماية تلك المصالح. ومصالح الدولة خارج حدودها عديدة ومتنوعة، منها المبدئي، مثل إيجاد الظروف الملائمة لنشر المبدأ، ومنها المعنوي مثل الحفاظ على هيبة الدولة وكرامتها ومركزها الدولي، ومنها المادي كتلك المتعلقة بالأمن مثل المواقع الاستراتيجية، أو تلك المتعلقة بالمنافق مثل المواد الخام والأسواق التجارية لتصريف الفائض من المنتوجات الصناعية والزراعية.

ومن المصالح ما هو حيوي، وما هو ثانوي. والمصلحة الحيوية هي المصلحة التي تكون الدولة مستعدة للدخول في حرب فورية من أجلها. وتطول قائمة المصالح الحيوية وتقصر حسب قوة الدولة وضعفها. فالدولة القوية تطول قائمة مصالحها الحيوية، وتطول بالتالي قائمة ارتباطاتها الدولية، وتدخلاتها على المسرح الدولي. فالمصالح هي التي تفرض على الدولة ارتباطاتها، وليس ارتباطات الدولة هي التي تفرض على الدولة مصالحها. ويحدد اتساع مصالح الدولة نوع الدولة وحجمها. فهناك مثلاً الدولة الإقليمية التي تنحصر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها بمنطقتها، فتجعل من تلك المصالح الإقليمية مجالاً لنشاطاتها السياسية.
وهناك الدولة العالمية التي تنشر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها في كل زاوية من العالم، فيكون العالم كله مسرحاً سياسياً لها.

وبتفحص الموقف الدولي وتطوراته والمتغيرات فيه منذ الحرب العالمية الثانية نجد أنه بقي يدور ضمن المعطيات التي أوجدتها تلك الحرب. فقد أدت الحرب إلى هزيمة كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان، وضعفت كل من بريطانيا وفرنسا، وإلى بروز من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. فكانت الولايات المتحدة أقوى الدول وأغناها، يليها الاتحاد السوفياتي.

وكان روزفلت يحلم أبان الحرب العالمية بأن يحمل محل عالم توازن القوى المتمثل في تكتلات متناحرة، عالم واحد يتجسد في الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية بزعامة الولايات المتحدة، ويقوم على نوع من التفاهم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، أي أن يجسّد هذا العالم الواحد تفوق أميركا العسكري والسياسي والاقتصادي، وبالتالي هيمنتها على كل زاوية من زوايا الشؤون الدولية، بهيمنتها على الأمم المتحدة. وبذلك تكون الولايات المتحدة الدولة المتوجة على العرش الدولي، بينما يكون الاتحاد السوفياتي الدولة الوصيفة.

وقد سيطرت فكرة العالم الواحد على روزفلت بحيث جعلته لا يخفي تودده ومسايرته لستالين على حساب خليفة الأول تشرتشل. ومع أن ستالين وقع على ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنه ما أن وضعت الحرب أوزارها حتى أدار ظهره لها ولدورها في المجتمع الدولي، وفضل تركيز اهتمامه على بناء المعسكر الاشتراكي، بعيداً عن تدخلات الآخرين مما أدى إلى موت فكرة العالم الواحد ليحل محله عالمان.

وقد استقر الموقف الدولي في سنوات ما بعد الحرب في أيدي الدول الأربع الكبرى المنتصرة في الحرب، الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، وبريطانيا، وفرنسا. فكان رؤساؤها أو من ينوب عنهم يجتمعون في مؤتمرات رباعية للنظر في القضايا الدولية وحلها، ولكن الموقف الدولي هذا كان قلقاً للتناقض الكبير في مصالح هذه الدول، وتنافسها الحاد على النفوذ، فكانت لا تكاد تتفق في مؤتمراتها على شيء.

وبعد موت ستالين أخذ قادة الكرملين الجدد يشاكسون أميركا ويغازلونها لعقد صفقة معها. وبخاصة أنهم نجحوا في بناء قوة عسكرية كبيرة. وبعد اتصالات سرية وطويلة استجابت الولايات المتحدة لهم، فكان اتفاق خروشوف وكنيدي في مؤتمر فيينا سنة 1961 تتويجاً لتلك الاتصالات. وقد تم في ذلك الاتفاق وضع الأساس لسياسة الوفاق بين الدولتين، وإسقاط كل من بريطانيا وفرنسا من الموقف الدولي، ومن المشاركة في حل القضايا الدولية، وحصر ذلك في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تصرفانها بلقاءات ثنائية بين رئيسيهما أو من ينوب عنهما.

وقد ردّت بريطانيا على ذلك بأن أخذت تحاول النفاذ للسياسة الدولية من خلال علاقة خاصة مع الولايات المتحدة. أما فرنسا فقد توجهت إلى أوروبا لتجد نفسها فيها، ولتقوى بها، كما عمدت إلى إيجاد رادع نووي فرنسي مستقل، وإلى مشاكسة أميركا علّها تفرض عليها إعادتها للسياسة الدولية، ولكن بدون جدوى، إذ بقي الموقف الدولي مستقراً في أيدي العملاقين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

ومن المتغيرات التي طرأت على المسرح الدولي في فترة الوفاق أن الولايات المتحدة اعترفت سنة 1972 بالصين الشعبية لتأخذ مقعدها في مجلس الأمن، كواحدة من الدول الخمس العظمى، ولتصبح عضواً فعالاً في الأمم المتحدة. ثم جرى تطبيع العلاقات بين الدولتين سنة 1978، مما جعل الصين دولة عظمى، إن لم تكن على مستوى العالم، فعلى الأقل كدولة إقليمية كبرى تتطلع إلى مركز الدولة العالمية.

وكانت السوق الأوروبية المشتركة قد أنشئت مع نهاية الخمسينات للوقوف في وجه أميركا اقتصادياً. ومع توجه فرنسا إلى أوروبا لتتقوى بها في وجه أميركا، فقد حاولت أن تجعل من السوق قوة سياسية إلى جانب القوة الاقتصادية. وقد زاد من قوة السوق الأوروبية انضمام بريطانيا وشريكاتها في منطقة أوروبا الحرة إليها سنة 72 لتتقوى بريطانيا بأوروبا في تدعيم مركزها الدولي، وليس لتكون دولة أوروبية.

وبهذا التجمع الأوروبي الكبير أصبحت السوق الأوروبية قوة اقتصادية تنافس أميركا. ولكن ذلك لم يعط أوروبا ودولها القوة المرجوة، لأن السوق بقيت تجمع دول بعيداً عن الوحدة السياسية، وحتى الاقتصادية، إلا أنه أعطى بعض دول أوروبا مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا قوة سياسية من خلال تنسيق المواقف بين دول السوق.
ومع بداية الثمانينات بدأت آثار الوهن الاقتصادي والاجتماعي تظهر على الاتحاد السوفياتي جرّاء فساد المبدأ، وسباق التسلح، وتكاليف الدور العالمي الذي الزم الاتحاد السوفياتي نفسه به.

وقد دفع هذا غورباتشوف إلى الاعتراف بهذا الوهن على رؤوس الأشهاد، وإلى تبني واسعة وعميقة للإصلاحات الأيدلوجية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية. وقد أصبحت تلك الإصلاحات مركز نبه قادة الكرملين، فشغلتهم عما سواها، وجعلت اهتمامهم تنصرف إلى معالجة المشاكل الداخلية، التي أصبحت تهدد بتفجر الاتحاد السوفياتي من داخله، وبذلك انحسرت اهتمامات الاتحاد السوفياتي الدولية، وضعفت أدواته المبدئية والاقتصادية.

وقد دفع هذا الوضع المتردي للاتحاد السوفياتي، وانصراف قادته إلى معالجة مشاكله الداخلية، وحصلوا زلزال التغيير الكبير في أوروبا الشرقية، والتغييرات الكثيرة والكبيرة داخل الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الحرب الباردة بعد مؤتمر مالطا. دفع كل ذلك إلى سقوط الاتحاد السوفياتي من الموقف الدولي، وإلى تفرد أميركا فيه، وفي رسم السياسة الدولية.

والدور البارز الذي قامت به أميركا في أزمة الخليج أبرز بوضوح هذا التفرد لأميركا في الموقف الدولي، وفي رسم السياسة الدولية. كما أبرز أن الاتحاد السوفياتي لم يعد تلك الدولة العظمة التي تشارك الولايات المتحدة في الموقف الدولي، وفي رسم السياسة الدولية، وإنما أصبح تلك الدولة العظمى التي تساير الولايات المتحدة، وتسير في ركابها، حتى أن بوش لما وصل إلى نقطة الحرجة في أزمة الخليج بعد أن استكمل تحشيد القوات الأميركية تقريباً، ولم يقم باستعمال هذه القوات لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت لجأ إلى دعوة غورباتشوف إلى قمة هلسنكي الطارئة، ليتخذ معه قراراً بالسير في الحلول السلمية، حتى يتلافى نقطة الحرج بفسح المجال للأعمال السياسة، وإبعاد الخيارات العسكرية في الظرف الراهن، فما كان من غورباتشوف إلا تلبية الدعوة، وحقق لبوش ما يريده.

مما جعل بوش يخرج من المؤتمر منادياً بنظام دولي جديد يتوحد فيه العالم في نظام «سلمي ومستقر وآمن» بقيادة الولايات المتحدة. وقد بدأ بوش التفكير بالنظام الدولي الجديد منذ قمة واشنطن التي عقدت بينه وبين غورباتشوف في 31/05/90 فقد صرح بعدها قائلاً: «أن اجتماع القمة بين القوتين العظميين أفرز علاقة صدق جديد، قد تعيد تشكيل التاريخ» وأضاف: «أشعر بالعرفان لغورباتشوف لروح الصراحة التي تعامل بها مع كل مسألة مطروحة على مائدة المفاوضات، واعتبر هذا برهاناً على دخولنا بالفعل مرحلة جديدة في علاقاتنا مع الاتحاد السوفياتي».

وبعث بوش لفكرة النظام الجديد، فكرة العالم الواحد التي تسهل لأميركا الانفراد في السياسة الدولية، وتسهل لها استخدام المنظمات الدولية من أجل تعميق هذا الانفراد هو بعث لفكرة روزفلت السابقة، إلا أن ضعف الفارق بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى عسكرياً واقتصادياً هذه الأيام، والتقدم الاقتصادي الهائل الذي توصلت إليه من كل اليابان ودول السوق الأوروبية المشتركة، خاصة ألمانيا وبالأخص بعد توحيدها سيجعل هذه الدول تزاحم أميركا وتنافسها لتصبح دولاً عظمى تعمل على جعل أميركا تشركها في الموقف الدولي، وفي رسم السياسة الدولية. إلا أن أميركا تعمل على صد تلك الدول عن المشاركة في السياسة الدولية، لتبقى متفردة بها.

أن انصراف الاتحاد السوفياتي لمعالجة مشاكله الداخلية، وانحسار اهتماماته الدولية، وسقوطه من الموقف الدولي المؤثر وتفرد أميركا فيه، وفي رسم السياسة الدولية لا يعني أن الاتحاد السوفياتي لم يعد دولة عظمى، بل لا زال دولة عظمة، ولم يتخل عن اهتماماته الدولي، وانصرافه للداخل كان من أجل أن يعيد بناء نفسه، ليعود ليفرض على أميركا إشراكها له في الموقف الدولي، وفي رسم السياسة الدولية. إلا أن هذا ليس بالأمر اليسير على الاتحاد السوفياتي أن يحققه، أن المجابهة العسكرية دولياً قد انتهت، وأصبح التنافس اقتصادياً وتكنولوجيا وسياسياً، وهو متأخر فيها عن أميركا، بل عن الدول الغربية.

وغورباتشوف يرى أن اعتزال الاتحاد السوفياتي المجتمع الدولي، والمنظمات الدولية كان أحد الأسباب التي أدت إلى ضعفه، فأخذ يعمل جاهداً للعودة إلى المجتمع الدولي وإلى المنظمات الدولية، وإلى الالتزام بالقانون الدولي، وإلى بناء العلاقات الدولية، والسياسة الخارجية على أساس اعتراف الجميع بالمصالح الحيوية والقومية للجميع. كما أخذ يعمل على إيجاد أوروبا موحدة، وإقامة البيت الأوروبي المشترك، الذي يكون الاتحاد السوفياتي جزءاً منه، وفق النظام الدولي الجديد¨

لماذا الصفقة بـ 21 مليار؟
بعد أن انتهت الحرب الباردة بين أميركا وروسيا، وصارت روسيا تحرص على رضى أميركا، لم تعد أميركا بحاجة إلى السلاح المكدس عنها. وكي لا يأكله الصدأ ويضيع هدراً على أميركا رأت أن تبيعه إلى السعودية. ولا بأس أن يضيع هدراً على السعودية، ومن الأفضل في نظر أميركا (الناضح الأمين للسعودية) أن يدمر المسلمون بعضهم بهذا السلاح بدل أن يأكله الصدأ ويتحول إلى خردة¨أمس

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock