يشهد العصر الحالي، الكثير من الأحداث الشديدة التأثير على واقع الأفراد المجتمعات والدول خاصة في المجال السياسي، مما يقتضي من الباحث في ميدان العلوم السياسية تفسيرها ومحاولة تعميق فحصه لها، لكن نظراً لتعدد مستويات الظاهرة الاجتماعية مكانياً ضمن المستويين المحلي والدولي، ألزم الباحثين التخصص ضمن مسعى علمي عام للكشف عن الحقيقية ، لذلك تعد الظاهرة الدولية أوما يعرف بالعلاقات الدولية أحد تجليات تعقد الواقع الإجتماعي بمعناه الشامل ، والدولي بمعناها التخصصي.

العلاقات الدولية محاولة لضبط المصطلح

يعتبر المحتوى النظري للتعريف شاملاً بالنظر لعدم تحديده للبعد السياسي للعلاقات لدولية، ولافتقاره لمنهجية علمية معينة في ضبط مصطلح العلاقات الدولية.
ذهب كل من كيرك وشارب إلى تعريف العلاقات الدولية بـ: “تعني بحث وتشخيص العوامل الرئيسة المحركة على أن تدرس السياسة الخارجية بشكل منظم” .
يرتكز التعريف على متغير العوامل المؤثرة في صيغ الجوانب النظرية ثم التطبيقية لإعداد سياسة خارجية لدولة ما، نحو مجالها الخارجي.
كما يعرفها ريمون آرون Raymond Aron،بـ:”تمثل العلاقات بين الوحدات السياسية الموجودة منذ عصر الدولة المدينة الإغريقية وحتى الدولة القومية المعاصرة”
يدرج الباحث في تعريفه السابق للعلاقات الدولية ، للعمق التاريخي للمصطلح ويشير لفكرة الثبات النسبي لتوصيف العلاقات الدولية من حيث كونها علاقات سياسية بالدرجة الأولى منذ الحضارة إلىونانية لغاية التوصيف المعاصر للمصطلح الذي حافظ على البعد الرمزي للدولة وعلاقتها الخارجية رغم ظاهرة العولمة.
.ولقد ظهرت تعريفات أخرى لهذا الموضو ع في أعوام 1970- 1950 م، وكان من أبرز هذه التعريفات، التي وردت في أفكار هانس مورجانثو، كينث تومنس، ستانلي هوفمان ، جون بيرتن، جورجي شافنزاروف، ماكيلاند، كابلن ، فايتل ، فرانكل ، روز وغيرهم.

التعريف الإجرائي؛
ويؤسس الباحث في العلاقالت الدولية جون أستتين John Austin، من خلال طرحه التالي ؛” أن مفهوم العلاقات الدولية مرتبط حصريا بالدولة وبمجالات التفاعل السيادية ، أي كل ما ارتبط وظيفياً بمسائل السلم والحرب أو السياسة العلىا”.لمحاولة تثبيت الركائز المعيارية والواقعية للدور الدائم للدولة من حيث كونها سبب ونتيجة لمعظم تفاعلات العلاقات الدولية الراهنة.
لذلك يمكن بناء تعريف إجرائي لمصطلح العلاقات الدولية على أنها؛ تلك التفاعلات بين الوحدات ذات سيادة والغير ذات سيادة، التي تؤثر في محصلة العمليات الدولية بأبعادها السلمية والصراعية.مما تسهم في تعديل أو المحافظة على الوضع الدولي والإقليمي لدولة ما

العلاقات الدولية كظاهرة تاريخية : دراسة للتطور التاريخي​
لقد نشأت العلاقات الدولية منذ نشوء الجماعات البشرية، ثم قامت القبائل وتطورت وعرفت الحرب والسلم والتجارة ، ومن هنا يمكننا القول بأن تاريخ العلاقات السياسية الدولية تاريخ قديم منذ وجود الإنسان
العلاقات الدولية في العصر القديم
إن الكثيرين من العلماء والباحثين في هذا المجال وخاصةً الغربيين منهم، يرون أن العلاقات السياسية الدولية، لم تنشأ إلا منذ مؤتمر واستفاليا 1648 عندما ظهرت الدول القومية​
لكن ، تشير الأبحاث التاريخية لدور معاهدة قادش، التي وقعها رمسيس الثاني ملك مصر مع ملك الحثييين سنة 1278 ق.م كأول معاهدة السلام الفعلي في تاريخ العالم.​
كما أن الرأي ينم عن تحيز واضح للغرب مفاده أن العلاقات الدولية بدأت ونشأت في الغرب دون الشرق . ولكننا نرى أن العلاقات الدولية ، ترجع إلى ما قبل مؤتمر وستفإلىا بأجيال كثيرة ، والكشوف الأثرية ، توضح أنه نشأت علاقات دولية بين بلاد ما بين النهرين منذ نحو 3000سنة ق . م
العلاقات الدولية في العصور الوسطى​
تبدأ منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476 م حتى استيلاء محمد الفاتح على القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية عام 1453م،ولقد تميز البناء السياسي في ذلك الوقت بسيادة النظام الإقطاعي، الذي اتسم بتجزئة السلطة السياسية بين أشكال مختلفة، من حيث أن السلطة المركزية لم تستطيع أن تحفظ الأمن والنظام وتفرض نفوذها على سائر الأرجاء . ولم تكن المملكة الإقطاعية وحدها تباشر السيادة الداخلية والخارجية، بمعنى داخلياً لم يكن هناك وجود لسلطة عليا مركزية ،أما على المستوى الخارجي فلم يكن في استطاعة الملك في الغالب التحرك بحرية في اتخاذ قرارات السياسية الخارجية لمملكته دون دعم أغلب أمراء الإقطاعات له خاصة ً لإعلان الحرب أو السلام.​
كما أدى صعود المتغير الديني في أوربا زمن القرون الوسطى، متجسداً في المسيحية في إطارها العام ودعوتها للسلام المسيحي بين ممالك الأوربية تلك الفترة، إلى؛ ظهور ازدواجيه السلطة في البناء السياسي الأوربي . عبر السلطتين الدينية والزمنية.
إذ استمد البابا هذه الرئاسة من اعتناق مفاده؛ الوحدة السياسية ووحدة مجتمع العالم المسيحي أو ما يسمى بالجمهورية المسيحية.وعرفت العصور الوسطى بعض القواعد الدولية كالمعاهدات والاتفاقات ومشاكل الحدود والهدنة، وتميزت العلاقات الدولية بتفوق البابا والإمبراطور، بينما ظلت العلاقة بين الأمراء المسيحيين قائمة على نظام الإقطاع.
كما أسهمت الحضارة الإسلامية في أخلقة العلاقات الدولية منذ تأسيس دولة المدينة عاصمة الدينية والسياسية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم و اتخاذها مركزً لنشر الدين الإسلامي في عموم شبه الجزيرة العربية ، كبداية ومن ثم الانتشار نحو العالم.
وتشير وثيقة “الصحيفة التي وضعت سنة 1 هــ سنة 226م إلى صياغة الدستور صياغة دستورية محكمة في مواد بلغ عددها اثنين وخمسين مادة, نظمت القواعد الأساسية للدولة المدينة ورعيتها”، كأول دستور عربي في مرحلة الحضارة الإسلامية ، نظمت علاقة المسلمين بغير المسلمين ، لتتطور شكل التنظيم العلاقات بين دولة الإسلام مع باقي دول تلك الفترة على أساس مفهومي دار الٍإسلام ودار الحرب .
تطورت العلاقات لاحقا بين المسلمين وغيرهم حيث تطورت وسائل الاتصال مع الممالك والقبائل، ولم تعد العلاقات بين المسلمين وجيرانهم قاصرة على التبادل التجاري،بل تعدتها إلى نواح اقتضتها ظروف تنفيذ السياسة الجديدة المبنية على السلام لا على القهر وللإسلام تاريخ ممتد طويل في عقد المعاهدات والاتفاقات منها:عهود الذمة ،كما عرفوا معاهدات حسن الجوار والصداقة والتحالف إضافة إلى معاهدات التجارة.العلاقات الدولية مرحلة العصر الحديث والمعاصر​

مع بداية انهيار نظام الإقطاعي واقتراب العصور الوسطى في أوربا من نهايتها، بدأ ظهور الدول القومية الحديثة، التي تميزت بالاستقلال في مباشرة سلطتها على إقليمها وعلى السكان المستقرين في نطاق هذا الإقليم . إن هذا التحول برمته أدى ولأول مرة إلى ظهور أولى الدول القومية كانجلتر ا، فرنسا، اسبانيا، البرتغال، السويد،النرويج، الدنمارك، بولندة وروسيا.​
وقد توالى ظهور الدول القومية على خريطة أوروبا حتى عام1500، وفيما عدا ذلك ظلت الولايات الألمانية وبعض أقاليم إيطاليا الشمالية خاضعة للسلطة الاسمية للإمبراطور، الذي كان يتقاسمها معه بابا الكنيسة الكاثوليكية.
كما أخذت دعائم السلام التي ظلت قرونا طويلة تسيطر على ربوع القارة الأوروبية تتداعى وتنهار بفعل كثير من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة تحت تأثير التصادم الديني الذي تفجر بين الكاثوليك بزعامة إسبانيا والبروتستانت بزعامة فرنسا وتحول هذا التصادم إلى حرب ضروس والتي عرفت بحرب الثلاثين بداية من عام 1618 وانتهت عام1648 م حيث تم توقيع معاهدة السلام المعروفة بمعاهدة واستفاليا، التي وضعت ولأول مرة أسس النظام الدولي الحديث.​
يعد مؤتمر واست فإلىا نقطة تحول رئيسية في تاريخ العلاقات الدولية ، في بعدها العام وفي التأسيس لمرحلة انتقالية أخرى للبنية السياسية للنظام الدولي زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية​
 


لقد وضعت هذه المعاهدة حداً للمفاهيم القديمة ،التي كانت تقضي بخضوع الدول لنظام رئيسي أعلى منها فيما يختص بالشؤون الزمنية وهو نظام الإمبراطور في الإمبراطورية الرومانية المقدسة وتبعيتها في الشؤون الروحية للسلطة الدينية وهي السلطة المتمثلة في الكنيسة الكاثوليكية . وان أهم ما جاءت به معاهد ة واستفاليا من مقررات تتعلق بتنظيم العلاقات الدولية هي كالآتي؛​ تعد فاتحة لما سمي فيما بعد دبلوماسية المؤتمرات، التي اتخذت صورة مقابلات بين الملوك والأمراء لتبادل وجهات النظر ,فصلح واستفاليا كان نتيجة لأول اجتماع عقد بين الملوك والأمراء في هيئة مؤتمر.​
أقرت مبدأ المساواة بين الدول دون النظر إلى نظمها الداخلية ,نظمها الدينية فكانت هذه المعاهدة بمثابة الخطوة الأولى نحو تثبيت علمانية العلاقات السياسية الدولية.​
أقرت نظام إحلال البعثات الدبلوماسية الدائمة محل البعثات الدبلوماسية المؤقتة وهذا القرار أدى فيما بعد إلى إقرار القواعد الدبلوماسية المتمثلة بالحصانات والامتيازات الخاصة برجال السلك الدبلوماسي والتي لم تكن معروفة من قبل.​
أقرت فكرة توازن القوى بين دول أوروبا باعتبارها وسيلة لصيانة السلام من خلال ردع الدولة التي تسعى إلى التوسع على حساب دول أخرى, والحيلولة دون هذا التوسع لكي لا يختل توازن القوى بين الدول.​
من أهم مضامين النظرية و العملية لمؤتمر فيينا لسنة 1815 مايلي :​
إقرار مبدأ توازن القوى من جديد واتخاذ إجراءات فعلية لتطبيق ذلك.​
إقرار مبدأ المشروعية والذي يعني إعادة الملوك إلى عروشهم، حيث عد المؤتمر ذلك من الحقوق المشروعة التي يجب أن تعود لأصحابها .​
إقرار مبدأ الحياد الدائم , وقد وضعت سويسرا بمقتضى هذا المبدأ​
في حال حياد دائم .​
إقرار مبدأ حرية الملاحة في الأنهار الدولية .​
تنظيم العلاقات الدبلوماسية بين الدول , ووضع قواعد لذلك لترتيب الممثلين الدبلوماسيين و تحريم تجارة الرقيق.​