الحرب ظاهرة اجتماعية، وهي أحد الأنشطة التي مارسها الإنسان منذ بدء الخليقة، وسيلتها استخدام العنف والإكراه، وهدفها، حماية المصالح وفرض الإرادة عند تعارض المطالب.

ويُعَرّفْ المفكر العسكري الألماني، كارل فون كلاوزفيتز، الحرب، على أنها “عمل عنيف نقصد منه إجبار خصومنا، على الخضوع لإرادتنا”. أما الموسوعة العسكرية، فقد فسرت الحرب على أنها “شكل من أشكال العلاقات الدولية. يستخدم فيها العنف المسلح، بالإضافة إلى أدوات أخرى، من أدوات السياسة. وبمعنى أوسع وأشمل، هي استخدام القوة بين جماعتين من البشر، تخضعان لنظامين متعارضين، لهما مصالح متعارضة”.

ويُعد تعارض المصالح، والدفاع عن المكاسب والحقوق، من أسباب الحروب الرئيسية، كما أن السعي نحو حياة أفضل، أو الحصول على سلام مستقر، أسباب أخرى للحرب.

   هذه الأسباب في مجملها، توضح لِم كانت الحرب ظاهرة اجتماعية، ولِم عُدت نشاطاً إنسانياً قديماً ومستديماً. ولأن هذه هي طبيعة الحرب، فإن توقع حدوثها أمر بديهيّ، والإعداد لها تبصر وروية، وحرص لا بد منه، لكسبها، وتحقيق القصد منها.

   كانت الحرب قديما، صراعاً محدوداً وفقاً، لإمكانيات الأسلحة والمعدات المستخدمة فيها، وقدرات الرجال الذين يخوضونها. لذلك كانت ويلاتها ونتائجها المدمرة ـ وهي صفات ملازمة لأحداثها ـ محدودة، أيضاً، في منطقة القتال ذاتها، وفي صفوف الجنود والقادة المشاركين فيها، على الرغم من أن النتائج العامة لها ستنسحب على مساحات أوسع، وتصيب قوماً لم يشاركوا في الحرب، وكانوا في منأى عن ميدانها وقت حدوثها.

   تطورت أدوات الحرب، وشملت الأسلحة التي طال مداها، واتسع مجالها، وزادت شدة فتكها. كما شملت المعٌدّةَ فصارت أكثر سرعة، وأقدر على الحركة في أرجاء الأرض وأعماق البحار وطبقات الفضاء، ونتج عن هذا التطور، أن أصبح القرن العشرون أكثر القرون دموية، فقد خاضت البشرية فيه أكثر من 130 حرباً، قُتل خلالها أكثر من 120 مليون شخص، ويتعدى المدنيون أعداد العسكريين من القتلى أو المشوهين، وهي أرقام وحقائق، فاقت نتائج حروب كل القرون السابقة.

أدى التطور المستمر في مجالات التسليح وأساليب القتال، إلى أن تشمل ساحة الحرب مساحة الدول المتحاربة كلها، كما قد تؤثر الحروب على جيران غير مشاركين فيها، تأثيراً مباشراً أحياناً، وغير مباشر، غالباً. كما تعرض المدنيون للقتل والإصابة، مثلما يتعرض لهما العسكريون المحترفون. ودخلت المناطق الخلفية والمدن دائرة التدمير، شأنها شأن خطوط القتال، والدفاعات المحصنة، ولم يعد هناك فرق، فكل مساحة يشملها تأثير الحرب، وأينما وجد الفرد طاله الضرر.

   إنّ اتساع إطار التدمير، وشموله، يتطلب ـ بالمقابل ـ اتساع إطار الإعداد، وشموله، ولم يعد ذلك قاصراً على المقاتلين وما يتعلق بهم، بل أصبح يشمل كذلك كل فئات الشعب، وكافة مناطق الدولة ومنشآتها، فلكلٍ دور في الحرب وعليه الاستعداد له، والتدرب لمواجهة أخطارها وآثارها. وأصبح الإعداد عملة ذات وجهين متلازمين، وقاية، ودفاع، وهما ركنا الإعداد.

   تتطلب إدارة الصراعات المسلحة ـ الحروب ـ أموالاً طائلة. فالأسلحة والعتاد الحربي، أثمانها باهظة، كما أن مواد الإعاشة والطاقة والذخائر، يصعب الحصول عليها وقت الأزمات والحروب، ويستلزم ذلك سياسة حكيمة، ودبلوماسية مرنة.

   ويُستثمر في الاستعداد للحروب، جزء غير يسير من دخل الدولة ومواردها، كان الاقتصاديون يعدونه، سابقاً، استثماراً حبيساً، مقيداً رهن الاستخدام، مُستهلَكاً أو مُدمّراً خلاله. ويصبح بذلك المفهوم استثماراً بلا عائد. والحقيقة أن الاستثمار في إعداد الدولة للحرب لم يعد كذلك. بل أصبح استثماراً مخططاً، ذا فوائد متعددة. فهو يخدم الأنشطة المدنية في الدولة، ويستفيد منه العسكريون، ويسرع بتنفيذ مشروعات، ما كان لها أن تنفذ قبل عدة سنوات قادمة، ترتفع فيها تكلفة الإنشاء وأجور العاملين، بل إن بعضاً من هذه المشروعات، التي يتطلب الإعداد إنجازها أولاً، ذات عائد مادي، يتيح عمالة أكثر، وتقدم تقني أفضل، وربح أسرع. لذلك، أصبح المنظور الاقتصادي، أكثر تفهماً لدور وأهمية الإعداد للحرب، بانعكاساته الإيجابية على كل جوانب الدولة، ومردود عائداته على اقتصادها، ولو كان ذلك غير مباشر.

المفاهيم والأسس

   الإعداد ـ لغة ـ هو التأهب والتهيؤ، يقال ما أٌعد لأمر يحدث، مثل التأهب لهذا الأمر، بالإعداد له. ويقال أَعْدَدَتُ للأمر عِدَّتَهُ، بمعنى تهيأت لمواجهة هذا الأمر بما يناسبه. فالتفسير البسيط لإعداد الدولة للدفاع، يكون بالتهيؤ والتأهب لكل طوائف الدولة لمواجهة الخطر دفاعاً عن كيانها. والتهيؤ يكون باتخاذ إجراءات مسبقة تناسب احتمالات وقوع أخطار معينة، والتأهب هو الاستعداد لتنفيذ الإجراءات عند وقوع الخطر، ويشمل ذلك كل قطاعات الدولة وطوائفها، حيث إن الخطر إذا مس عضواً تداعت له كل الأعضاء. فالخطر إذا أصاب جزءاً من الدولة بسوء، تأثر الكل من جراء ذلك. لذلك، فإن الاستعداد لدرء الخطر، يجب أن يشمل كل طوائف الشعب، كل في مجاله.

وليس من الفطنة أو التعقل، أن ينتظر الإنسان وقوع ضرر هو يعلمه، ويقصر استعداده على اتخاذ الإجراءات المناسبة، لدفع الخطر عندما يقع. وإنما يكون حسن التدبر بالعمل على ألاّ يقع الضرر أصلاً، وذلك بالاستعداد والتهيؤ لرصد الدلائل على قرب وقوعه، ثم العمل على إزالة مسبباته، أو تلافي أضراره وإضعاف تأثيرها، إذا كان منعه أو تجنبه غير ممكن.

   ويكون إعداد الدولة للدفاع ـ من المفهوم المبسط السابق ـ باتخاذ تدبيرين: أولهما مجموعة إجراءات لاتقاء الأضرار عند وقوع الخطر، وثانيهما السعيّ لعدم تصاعد الأحداث إلى حد الخطر (الحرب). وباتخاذ هذين التدبيرين، تتكون خطة الدولة للإعداد للدفاع ضد الحرب، باعتبارها أكثر الأخطار تدميراً لكيان الدولة ومستقبلها.

   ولا يُعد مصطلح “إعداد الدولة للدفاع” مصطلحاً فنياً أو لغوياً ذا حدود ثابتة، كما أنه من البساطة بحيث تجاوزه كثير من الخبراء. كما أن المؤلفات والأبحاث الأجنبية لم تضع له تعريفاً محدداً، وإنما ورد في فقرة مدمجه مع مقدمة الموضوع. وقد فعل ذلك أيضاَ كثير من الكتاب العرب.

جاء في تعريف مصطلح: “إعداد الدولة للدفاع” ـ والذي يعد محاولة من بعض الكتاب لوضع تفسير شامل له – أنه “عملية واسعة المدى تشمل كل ما يمنح الدولة القدرة على ردع العدوان في أية لحظة، وتحقيق النصر في أقل وقت ممكن؛ والصمود للحرب طويلة الأمد؛ والتقليل من الخسائر التي تسببها ضربات العدو والمحافظة على مستوى عال من الروح المعنوية، وعلى إرادة القتال والصمود لدى الشعب”.

وعلى نحو أكثر بساطة، عُرَّفَ المصطلح على أنه “جميع التدابير والإجراءات والجهود، التي تتخذها الدولة زمن السلم، في سبيل تحقيق خاتمة مظفرة للصراع المسلح”.

والدولة كيان سياسي له مقومات ثلاث: أرض، وشعب، وسلطة. وتُعرف الدولة بأنها: هي الكيان السياسي، والإطار التنظيمي، والقوة الاجتماعية المنظمة، والتي لها وحدها السيادة داخل المجتمع، وعلى أي فرد من أفراده، وتعلو إرادتها على كل الإرادات، وتمتلك وحدها سلطة إصدار القوانين، وسلطة تنفيذها، ولها وحدها من دون سائر التنظيمات الأخرى حق الطاعة. وهي شخصية قانونية موحدة.

أولاً: مفهوم إعداد الدولة للدفاع

يعنى إعداد الدولة لمواجهة الخصم (العدو)، وذلك من خلال تطوير واستخدام كافة القدرات والإمكانيات المتيسرة للدولة، في كافة جوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والبشرية (وهي ما تعرف بقوى الدولة الشاملة)، لتحقيق الأهداف والغايات الوطنية[1] والأمن الوطني للدولة، وسلامة أراضيها.

ويعبر هذا المفهوم عن الاتساع اللانهائي، لإعداد الدولة للدفاع. فمن أجل تحقيق النصر في الحرب، والدفاع عن كيان الدولة، يتم الإعداد لذلك في كل مكان ومجال، وفي كل وقت وزمن، وفي كل أوجه النشاط الإنساني. ويعني ذلك استمرار الإعداد المتواصل، وهو ما يعني، ضمناً، ضرورة التطوير لِما سبق إعداده، كلما تغيرت المعطيات، أو استجدت المؤثرات، وهو أمر لا بد منه، لأن التغيير والتجديد من قوانين الكون الأزلية، التي يجب مراعاتها دائماً عند التخطيط.

إن مفهوم إعداد الدولة للدفاع، يشير إلى ضخامة الجهد المبذول، وهو ما يتطلب مشاركة أجهزة ومؤسسات عديدة في الدولة فيه، واشتراك القيادات، بكل مستوياتها، ومشاركة الشعب بمختلف طوائفه، وإنفاق المال والجهد، واستخدام كل الإمكانات المتاحة، والطاقات الممكنة، الفعالة والكامنة[2] في كافة أبعاد قوى الدولة المادية والمعنوية.

وحتى تكون خطط إعداد الدولة للدفاع صالحة لفترات طويلة، إذ ليس من المعقول تغييرها في فترات زمنية متلاحقة، لتكلفتها العالية، وضخامة الجهد المبذول فيها، فإنها تُبنى على أساس المرونة الكاملة، التي يمكنها، عند التنبؤ المبكر بسير الأحداث، أن تواجه الحدث ومتغيراته، وتعدّل من إجراءاتها وأسبقياتها للتغلب عليه، وقد يمكنها أحياناً تجنبه من البداية.

   وتختبر خطط الإعداد، لمعرفة مدى كفاءتها، وشمولها لكل متطلبات مواجهة الصراع، من خلال تمثيل تجارب تحاكي الصراع الحقيقي وأحداثه. ويوضح ذلك ما يحتاجه الإعداد من تطوير أو تعديل أو تغيير، ليكون أكثر ملاءمة ونجاحاً في احتواء المواقف، التي تفرزها المواجهة مع الصراع المسلح والتغلب عليها، وقد يتم ذلك أحياناً، خلال المواجهة الفعلية ذاتها.

   وقد يجرى التعديل والتغيير والتطوير ـ أحياناً ـ أثناء المواجهة الفعلية، خلال الصراع، وهي أصعب المواقف التي تواجه خطة الإعداد. ويتوقف النجاح في إدارة الصراع، عندئذ، على درجة مرونة الخطة. ينطبق ذلك على كل المستويات، التي تتم المواجهة في إطارها، محلية كانت، أو إقليمية، أو دولية[3].

ثانياً: أهمية الإعداد المسبق

إن الإعداد المسبق للأحداث، يهيئ الفرصة للتأهب لها، وحشد الطاقات والإمكانيات للسيطرة على مجرياتها، والاستفادة من نتائجها الفائدة القصوى. بينما التراخي أو عدم التبصر، يؤديان إلى المفاجأة بالأحداث، وتتوالى الخسائر، لتفقد الدولة ما كان في متناول قدراتها، والتي لم تتح لها المفاجأة، استخدامها بشكل جيد، فتكون الهزيمة وسوء العاقبة.

   يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[ (سورة الأنفال: الآية 60). في هذه الآية الكريمة، حَثُ صريح، وأمر بالاستعداد لملاقاة العدو، فالحرب أمر خطير جلل، تتوقف عليه مصائر الأمم، لذلك هي جديرة بالتحضير والتجهيز والإعداد لها، في مختلف النواحي. لأن الدخول في الحرب من دون تجهيز وإعداد، يسبب الفشل الذي قد يصعب بعد ذلك تخطى نتائجه المدمرة. وتستعد الدول في وقت السلم للحرب، حيث تبنى سياستها وإستراتيجيتها وتعبئ جميع مواردها لتحوز النصر في الحرب، التي أصبحت في العصر الحديث شاملة يشترك فيها الجيش والشعب، وهي بذلك أولى بالإعداد الشامل لضمان النصر.

ثالثاً: الإعداد للجهاد فريضة إسلامية

أكدت آيات القرآن الكريم، أن الجهاد في سبيل الله هو أمر من الموّلى عز وجل، لعباده المؤمنين، وأن الإعداد له فريضة على المسلمين. فقد ورد في القرآن الكريم، قوله تعالى ]وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ[ (سورة الحج: الآية 78). وفي ذلك تشريع وأمر من الله سبحانه وتعالى بالجهاد، الذي خص به المؤمنين وهداهم إليه، في سبيل إعلاء كلمته وابتغاء مرضاته، وحتى يتم النصر على الأعداء والشهوات. فالجهاد هو ملاقاة العدو، والتصدي للعدائيات، للتغلب عليها، والإعداد له هو السبيل إلى ذلك.

وقد أوضح الله أشكال الجهاد وعدّد أوجه الإعداد له، في آيات أخرى من الكتاب الكريم فقال: ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ (سورة التوبة: الآية 41). والنفور هو الخروج لملاقاة العدو، “وخفافاً وثقالاً” تعني التجهيز الخفيف (للمقاتلين المترجلين)، أو التجهيز الثقيل (للفرسان والمعدات الحربية). وتحث الآية على تلبية نداء الجهاد، كل قدر استطاعته، باذلين المال والنفس لإعلاء كلمة الله، وفي ذلك العز والخير، إذا كان المؤمنون أهل علم ومعرفة معاً. فالتجهز هو الإعداد المسبق، سواء كان بالتسلح أو التدرب أو الاتفاق، على أوجه الإعداد.

         قال رسول الله r ]‏جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ[ (سنن أبو داود: 2143، مسند أحمد: 13146). وأوضح أن الجهاد المعنوي (ألسنتكم)، مثل المادي (الأموال والأنفس)، مما يدخل في سبل الإعداد أيضاً، وللإعداد المعنوي مجالات شتى كما هي متعددة في الإعداد المادي أيضاً.

رابعاً: أهداف إعداد الدولة للدفاع

يهدف إعداد الدولة للدفاع، إلى زيادة قدراتها وإمكاناتها عسكرياً واقتصادياً ومعنوياً، واستخدام طاقاتها ومواردها الاستخدام الأمثل. لذلك، فإن الأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، أثناء الإعداد للدفاع هي:

  1. القدرة على صدّ العدوان المفاجئ للعدو، والتحول من أوضاع السلم إلى الحرب، وإدارة العمليات الحربية، وتوجيه ضربة انتقامية رادعة، لانتزاع المبادأة والمحافظة عليها، طوال فترة الصراع المسلح.
  2. تحقيق النصر في أسرع وقت وأقصره، وبأقل خسائر ممكنة.
  3. القدرة على إدارة حرب طويلة الأمد (إذ ألزم الأمر)، وذلك بتوفير كافة متطلبات القدرة العسكرية والاقتصادية والمعنوية.
  4. تحمل الضربات المركزة والقوية[4] للعدو، مع التعرض لأقلّ خسائر.
  5. المحافظة على الروح المعنوية للشعب مرتفعة.

ويعني ذلك، ضرورة عودة المواطنين إلى حالة الأمان، بعد درأ الخطر، في أقرب وقت، من دون أن يكون لذلك تأثير ضار عليهم، مع الاستعداد للاستمرار في الدفاع عن الوطن، إذا دعت الحاجة.

خامساً: عناصر إعداد الدولة للدفاع

يؤدى التوصل إلى نظريات، أو اكتشافات علمية جديدة، في المجالات المختلفة، إلى التطور المستمر، وظهور معدات وأسلحة حديثة. وكل ذلك يؤدي إلى تغير في مفهوم استخدام القوات في الحرب، وتغير في تنظيم القوات والعقائد القتالية المستخدمة. وتتطور ـ تبعاً لذلك ـ الإستراتيجية العسكرية نفسها، مما يدعو إلى مزيد من التطور في المعدات والتجهيزات العسكرية، والعقائد القتالية، وأساليب القتال، في عملية مستمرة ودائمة.

ويعتمد تطور العتاد والمعدات، على إمكانات الدولة المادية، وقدرتها الاقتصادية. ويتطلب ذلك الاستمرار في إعداد الاقتصاد الوطني، لدعم التطور والأبحاث والاختراعات، وتوفير الكوادر الفنية وتدريبها. ومن الطبيعي أن يتوقف مستوى التقدم العلمي والتكنولوجي للدولة، على ارتفاع المستوى الثقافي والاجتماعي للشعب، ويظهر أهمية تناسق العمل الاقتصادي مع العمل الثقافي والعلمي.

   أزال المدى الكبير لوسائل التدمير العصرية، وقوتها الهائلة، الحدود الفاصلة بين الجبهات وخطوط القتال وبين مقدمة القوات ومؤخرتها وعمق الدولة، وأدى ذلك إلى ضَعْفْ العامل الخاص باتساع مساحة الدولة، أو ابتعادها عن جبهة القتال[5]، وأصبحت كل أراضى الدولة مسرحاً للعمليات (القتال).

وتساعد العلاقات الدولية القوية، على تدبير احتياجات الدولة من الخارج في وقت الأزمات، وأثناء الحرب، وهو ما يؤكد أهمية تمتع الدولة بسياسة خارجية جيدة، تتيح لها مساندة فعالة من حلفائها في المحافل الدولية والإقليمية، وتعاون مثمر من دول الجوار الجغرافي، التي يكون استثمار العلاقات معها وقت الحرب مهماً، لحل مشكلات استيراد الاحتياجات من الخارج، سواء كانت احتياجات إعاشة، أو احتياجات عسكرية. فقد تمكنت العراق خلال حرب الخليج الأولى، من التفوق على إيران في أعداد وأنواع القطع الرئيسية من الأسلحة، مثل الطائرات والدبابات والمدفعية والصواريخ، على الرغم من سيطرة إيران على مدخل الخليج العربي، بسبب علاقات العراق القوية مع الدول المجاورة، واستثارتها للروابط والمصالح المشتركة مع تلك الدول، بينما فشلت العراق في ذلك خلال حرب الخليج الثانية، مما أثر على قدراتها لإدارة الحرب. واستمرت تعاني من الحصار الاقتصادي والعسكري المضروب حولها، لفترة طويلة بعد الحرب، بعد أن فقدت علاقاتها مع جيرانها، من الدول العربية وغير العربية.

   يدور القتال بين الدول على شريحة من الأرض، وما جاورها من سواحل وبحار، وما علاها من أجواء، سواء كان ذلك بالقرب من الدولة، أو على أراضيها، أو بعيداً عنها، طبقاً لقدرة الدولة على إدارة الصراع المسلح على أبعاد مختلفة. ويتطلب ذلك إعداداً جيداً للأرض. حتى يمكن استخدام مواردها وطرقها لصالح الدولة وقواتها المسلحة. ويشمل إعداد الأرض كذلك، ما يمكن من استغلال الساحل أو الفضاء، الاستغلال الأمثل.

   يتضح من ذلك أن، إعداد الدولة للدفاع يشتمل على العناصر الرئيسية التالية:

  1. إدارة السياسة الخارجية بما يتلاءم مع أهداف الدولة من الصراع المنتظر.
  2. إعداد القوات المسلحة المحترفة.
  3. إعداد مسرح العمليات المحتمل، لإدارة الصراع داخله.
  4. إعداد الاقتصاد الوطني الكفء.
  5. إعداد أجهزة الدولة.
  6. إعداد الشعب.

سادساً: مراحل إعداد الدولة للدفاع

يلزم ـ للإعداد للدفاع ـ إتباع أسلوب علمي وعصري، لاستغلال إمكانيات الدولة، وتنمية قدراتها، لمواجهة التحديات، والدخول في صراعات ناجحة، تحقق أهدافها القومية.

يتضمن إعداد الدولة للدفاع أربع مراحل رئيسية، هي:

  1. التخطيط

أول مراحل الإعداد وأهمها، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال والإجراءات المكونة لخطة الإعداد (المرحلة التالية للتخطيط). يتطلب التخطيط تحديداً واضحاً للأهداف، والغايات الوطنية، والسياسات المطلوب تحقيقها. كما يتطلب توفير كمّ من المعلومات والبيانات والحقائق، التي يستفاد منها كقاعدة، تُعين المخططين في تحديد الأعمال الضرورية، وأسبقياتها لتحقيق أهداف الدولة.

كما تدرس الأجهزة المسؤولة تحديد البدائل المختلفة، التي تحقق الأهداف، واختيار أنسبها وأكثرها قابلية للتنفيذ، أي أكثرها مرونة. ويجب أن يتمشى التخطيط ومراحله، مع أهداف الدولة وسياساتها المرحلية. فعلى القيادة السياسية العليا للدولة، تحديد “الأهداف السياسية والأهداف السياسية المرحلية، والأهداف السياسية العسكرية” التي يُبنى عليها التخطيط المركزي، لخطة شاملة لإعداد الدولة للدفاع.

وتحدد الخطة المركزية الشاملة، لإعداد الدولة للدفاع، مجموعة القواعد والقيود، التي تحكم استخدام الوسائل المتاحة لتحقيق الأهداف، متضمنة، كذلك، الخطط المرحلية المحققة للأهداف المرحلية، وبرنامج التنفيذ، الذي يتضمن تحقيق أهداف وسيطة، واستخدام أمثل للإمكانيات المتاحة، والجهود المبذولة المتكاملة.

ويجري تطوير البرامج المنفذة وتعديلها، خلال التطبيق الفعلي أو التجريبي، للحصول على أفضل النتائج المرجوة، التي تحقق الأهداف من الخطط الموضوعة.

وتُعد مقترحات ومطالب وزارة الدفاع، والقيادة العامة للقوات المسلحة، بالدولة، أساس وضع الخطة الشاملة للإعداد، التي تُقدَم من قبل مسؤولي العمليات في القيادة العامة للقوات المسلحة، إلى رئاسة الوزراء، بواسطة الوزير المختص (وزير الدفاع)، مُحَدِّدة بشكل دقيق الهدف الإستراتيجي الرئيسي، والمرحلي، من إعداد القوات المسلحة، والشعب، للدفاع، والمطالب الخاصة بكل مرحلة.

مسؤولية التخطيط لإعداد الدولة للدفاع

التخطيط عمل تنظيمي، يتضمن مجموعة من الإجراءات، والقرارات، للوصول لأهداف محددة، عبر مراحل خاصة، خلال فترة (أو فترات) زمنية محددة، مستخدماً الموارد المتاحة (مادية كانت أو بشرية أو معنوية) حالياً أو مستقبلاً، بالأسلوب الأمثل. وهو بذلك يرمي إلى اختيار أفضل البدائل، لتحقيق الأهداف، مُرتباً الأعمال التنفيذية، في أولوياته، على ضوء الإمكانات، المتاحة في كل مرحلة، أو فترة زمنية. على ذلك، فإن التخطيط يتدخل عن قصد، للتأثير في حركة، ومسار، الأعمال، ليحدث تغييراً اصطناعياً، يهدف منه، إلى زيادة السرعة، وتوجيه المسار، لتحقيق هدف محدد، في وقت محدد.

تتعدد الجهات القائمة بالتخطيط، كل في اختصاصها. فتتولى وزارة الدفاع، إعداد التخطيط الإستراتيجي، لاستخدام القوات، وتشترك معها أجهزة النقل والمواصلات، والأشغال العامة، والري، في التخطيط، لاستخدام الأراضي، في، مسرح العمليات. وقد تشارك أيضاً الهيئات المسؤولة عن التعمير وبناء المدن. كما تخطط رئاسة مجلس الوزراء (أو وزارة التخطيط) لإعداد أجهزة الدولة المختلفة. وتُعد وزارة الإعلام، وما يتبعها من هيئات، خطط لتعبئة الشعب معنوياً. وتشارك الوزارات الاقتصادية المختلفة (الصناعة، والزراعة، والتجارة، والمالية والاقتصاد، والنقل والمواصلات) في التخطيط، للتحول إلى اقتصاديات الحرب.

وتؤثر نتائج تنفيذ المخططات التخصصية في الخطة المركزية الشاملة. لذلك يجب أن يُنَسّق مضمون الخطط التخصصية من حيث الهدف المرحلي، والمدى الزمني، واستخدامها للإمكانيات المتاحة (حالياً ومستقبلاً)، بما يضمن عدم حدوث تعارض، أو قصور، في تحقيق الغاية من التخطيط.

ويُعهد لجهة واحدة، (هي جهة التنسيق للخطة المركزية للإعداد)، مسؤولية الإشراف، والمتابعة، والرقابة، على التخطيط التفصيلي، وتنسيق الاتصالات الرئيسية، للاتجاهات المختلفة. ويجري كل ذلك في إطار مرحلي موحد، مع مراعاة الظروف السائدة، ومدى الاحتياج لتطابق أزمنة المراحل، في الخطط التفصيلية، حتى تضمن، على نحوٍ دقيق ومتقن، ما يجنبها اللجوء إلى كثرة التعديلات، والتغييرات، لمواجهة الخلل في الأداء مستقبلاً.

  1. التنظيم والتنسيق

تتضمن الخطة المركزية الشاملة، لإعداد الدولة للدفاع، العديد من الأعمال والإجراءات، التي يتطلب تنفيذها اشتراك عدة جهات معاً. وحتى لا تتعارض الخطة، في مراحلها المختلفة، مع الأعمال الرئيسية الأخرى، التي تقوم بها تلك الجهات (الوزارات والمؤسسات)، أو تتأخر أسبقيات أي منهم، فإنه من الضروري القيام بعدة أعمال تنظيمية وتنسيقية، هي:

أ. تنسيق الجهود بين السلطات والأجهزة، والمؤسسات المدنية والعسكرية بالدولة المشتركة، في عمل (إجراء) واحد.

ب. تحديد أوجه النشاط المختلفة، بالهيئات والأجهزة والمؤسسات وحصرها، حتى يمكن التعرف على حجم الإمكانات المتاحة، ويساعد ذلك على سهولة العمل ويسر في الأداء.

ج. تقدير حجم الأعمال اللازمة، وتحديد الأجهزة المنفذة لها ـ طبقاً للإمكانات المتاحة لكل جهاز ـ وتقدير حجم التسهيلات ونطاق المرونة المسموح به عند تغيير الإجراءات، ووضع أسلوب للتنفيذ على ضوء ذلك، بما يحقق أفضل النتائج في أقل الأوقات. (وإن تطلب ذلك تغيير أو تعديل الهياكل التنظيمية للأجهزة نفسها، لتتلاءم مع متطلبات التنفيذ).

د. تنظيم وتكامل القوى العاملة لأجهزة الدولة المدنية والعسكرية، واختيار أفضل القيادات، وتنمية قدراتها ومهاراتها، لتنفيذ الأعمال، وتحقيق الأهداف المخططة، مع تحقيق مبدأ التوازن، بين السلطة الممنوحة والمسؤولية المحددة، لكل جهاز وهيئة في الدولة، تجاه تنفيذ خطة إعداد الدولة للدفاع.

هـ. التوسع في استخدام الأجهزة والمعدات الحديثة، وأساليب العمل العلمية، لضمان تنفيذ الخطط المرحلية، بما يحقق أفضل النتائج، طبقاً لأهداف الخطة المركزية.

  1. التوجيه والمتابعة

تبدأ مرحلة التوجيه والمتابعة بالتوازي مع المراحل السابقة، ولكنها تستمر بعدهما أثناء التنفيذ الفعلي لمِا تم تخطيطه. ويساعد التوجيه الجهات المنفذة، على سرعة فهم التعليمات والقرارات، واستيعاب الهدف من الخطط المرحلية العامة والمتخصصة، حتى يكون التنفيذ، مطابقاً للقصد من التخطيط. ويتم التوجيه من خلال الاتصالات الرئيسية إما، إلى المنفذين، أو إلى المخططين، مما يعاون على تحقيق الهدف من التوجيه، كما تتم كذلك من خلال الاتصالات العرضية (الجانبية) بغرض التنسيق مع الآخرين، وتقليل الجهد وعدم التعارض معهم.

كما يشمل التوجيه، كذلك المتابعة، فهي تبدأ من أول خطة أو تعليمات تصدر، وتستمر ما استمر التنفيذ والتعديل والتطوير. وتعتبر المتابعة خطة مكملة للخطة المركزية الشاملة، وهي تراقب تنفيذها في الوقت المحدد وبالأسلوب المطلوب. وكل خطة تخصصية أو مرحلية، لا بد لها من خطة متابعة، حتى يصبح مكتملاً.

ولا يعتمد في التوجيه والمتابعة، على تلقي النتائج والبلاغات عن سير العمل فقط، بل يجب أن تكون الخطة أكثر إيجابية، باحتوائها على توقيتات لمراجعة الإنجازات، وتطابقها زمنياً وإجرائياً مع التخطيط. كما يجب أن تحتوي على إجراءات مفاجئة، للوقوف على حسن انتظام العمل، واكتشاف المعوقات في الوقت المناسب، وهو ما يجب أن يتوافق، كذلك، مع خطة التنسيق.

وتستمر المتابعة كذلك، في مرحلة التنفيذ لاكتشاف المعوقات، وإخطار الجهات المعنية لإزالتها، أو لتنسيق التعاون بين الجهات المختلفة المشتركة في عمل واحد (في توقيت واحد أو بالتتالي)، لضمان عدم إهدار الوقت أو الإمكانات. كما تنبئ المتابعة، كذلك، عما يمكن أن يحدث من تناقضات معوقة، يجب تجنبها وتعديلها.

  1. التنفيذ

آخر مراحل الإعداد، وفيه يجري تنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه وتخطيطه، طبقاً للخطة الزمنية المعدة للتنفيذ. لذلك، فهذه المرحلة تشارك فيها كل الأجهزة العاملة من البداية. ويكون الهدف تحقيق أفضل النتائج، أثناء تنفيذ الخطط الموضوعة، والمصدق عليها، أو تعديلها وتنسيقها، في ضوء الظروف المحيطة والإمكانيات، وأي عوامل أخرى أُخذت في الاعتبار، عند التخطيط.

والتنفيذ مسؤولية كل الأجهزة، التي شاركت في المراحل السابقة، كما أنه مسؤولية المنفذين أنفسهم. لذلك يجب تحديد المسؤوليات والمهام بدقة ووضوح، عند بدء التنفيذ.

مسؤوليات إعداد الدولة للدفاع

تقع مسؤولية إعداد الدولة للدفاع، على عدة أجهزة. يشرف كل منها على عدة مؤسسات ومنظمات رسمية أو شعبية. ويُسهم المشاركون كلهم، بأقصى طاقة لهم في تحمل مسؤولية الإعداد، مما يعطى هذه المسؤولية سمة الشمول، التي هي صفة الإعداد نفسه. وتتطلب الأنشطة المتعددة والمتنوعة للإعداد، اشتراك كل قيادات الدولة على مختلف تخصصاتها، من خلال الأجهزة التابعة لها، المنوط بها مسؤولية التخطيط والتنظيم والمتابعة والتنفيذ. كما يشارك فيها القيادات الشعبية، والمؤسسات التشريعية والتنفيذية.

أولاً: القيادة السياسية

هي المسؤول الأول عن إعداد الدولة للدفاع ـ ومواجهة كافة الظروف أيضاً ـ مهما اختلف شكل تلك القيادة السياسية[1]. فهي مسؤولة عن إقرار السياسة العامة وتوجيهها، وكذا السياسات التخصصية، بما فيها السياسة الخارجية والداخلية والعسكرية، وهي أهم السياسات المأخوذة عن السياسة العامة.

تتحدد مسؤوليات القيادة السياسية، الخاصة بإعداد الدولة للدفاع، فيما يلي:

  1. 1. إقرار مقترحات القيادة العسكرية ومطالبها، لإعداد الدولة للدفاع.
  2. 2. إقرار الخطة المركزية، لإعداد الدولة للدفاع، بكافة مشتملاتها المتخصصة.
  3. 3. إصدار التعليمات، وتحديد المهام، للأجهزة المنفذة.
  4. 4. إصدار التوجيهات اللازمة، بعد مناقشة وإقرار تقارير الرقابة والمتابعة للأجهزة المنفذّة.
  5. 5. الإشراف الكامل على كل خطوات تنفيذ الخطة المركزية، والخطط المرحلية، في جميع المجالات المحددة، ومتابعة تنفيذ التوجيهات، وإقرار تعديل الخطط الفرعية.
  6. 6. مراقبة تحقيق الأهداف المرحلية، والهدف العام من خطة الإعداد.

وتُعد القيادة السياسية، أعلى مستوى يدير ويشرف على تنفيذ خطة إعداد الدولة للدفاع، لذا، فهي أيضاً مسؤولة عن تحديد الأسس والقيود، التي تعمل كل الأجهزة والمؤسسات والتنظيمات الرسمية والشعبية في إطارها. وتشمل:

  1. 1. تحديد التهديد الرئيسي للدولة.
  2. 2. تحديد نوع الحرب، التي على الدولة الإعداد لها.
  3. 3. اختيار أفضل السّبل لتحقيق السياسة العسكرية للدولة.
  4. 4. تحديد الهدف السياسي العسكري، من الحرب المنتظرة.
  5. 5. تحديد طبيعة الصراع المنتظر، وتوقيته المحتمل، ومداه ومراحله المرتقبة.
  6. 6. تحديد حدود وإمكانيات مسرح العمليات المنتظر.
  7. 7. تحديد الدول والمنظمات والهيئات الأجنبية، التي سيتم التعاون معها، ونوع التعاون المطلوب من كل منهم (الحلفاء)، والشكل الذي سيتم من خلاله هذا التعاون (أحلاف ـ اتفاقيات دفاع مشترك ـ مذكرة تفاهم إستراتيجي) والذي سيُحدد على أساسه، شكل العلاقات الدولية (السياسة الخارجية) للدولة.

عقب حرب يونيه (حزيران) 1967[2] ثبت للدول العربية المُعْتدَى عليها، أن التخطيط والتنظيم والإعداد، لاستخدام معظم أجهزة الدولة وإمكانيتها، للمساهمة في المجهود الحربي، والوقاية من آثار الحرب، كان دون المستوى. وقد كان لذلك آثار عديدة، أهمها احتلال جزء من أراضى تلك الدول، وسوء أداء أجهزتها الرسمية، ورد الفعل الشعبي الغاضب تجاه قواتهم المسلحة، وهو ما يُعد من أخطر تداعيات الأحداث، خلال أو بعد العمليات الحربية، لتأثيره المباشر على تماسك الجبهة الداخلية.

اتخذت قيادات الدول العربية الثلاث، المُعتدى عليها، عدة إجراءات وقرارات، كان من شأنها تصويب الأخطاء. تركزت في إعداد مرافق الدولة المختلفة للحرب، واستمرار عمل أجهزة الدولة الرسمية، بمسانده شعبية في أعمالها، لدعم المجهود الحربي، وإعادة تنظيم وبناء قوات مسلحة قوية عصرية (طبقاً للمتاح من الإمكانيات)، مع الاستمرار في تقديم الخدمات لطوائف الشعب المختلفة ـ خاصة الذين تضررواً من العمليات الحربية. كما شملت القرارات الإجراءات اللازمة لتأمين وحماية المنشآت الاقتصادية، والحيوية بالبـلاد، وتخفيف التكدس في مناطـق التجمعات السكانية القريبة من ميادين القتال، أو المعرّضة له.

أصدرت مصر قانوناً، لتنظيم أسلوب إعداد الدولة للدفاع، حُددت فيه مسؤوليات واختصاصات القيادة السياسية، والعسكرية، والمجالس المتخصصة، والعناصر الإدارية والفنية، لخدمة إعداد الدولة للدفاع[3].

ثانياً: القيادة العسكرية

وكما تختلف أشكال القيادة السياسية، فإن القيادة العسكرية، أيضاً، تختلف أشكالها وتنظيماتها من دولة لأخرى، إلاّ أنها في مجملها تشمل العناصر الأساسية التالية:

  1. 1. القائد الأعلى للقوات المسلحة (وهو رئيس الدولة غالباً، أي قمة القيادة السياسية).
  2. 2. وزارة الدفاع.
  3. 3. هيئة الأركان العامة.
  4. 4. المجلس الأعلى لشئون الدفاع (أو الحرب) ويرأسه عادة رئيس الدولة، ويشمل في عضويته العديد من الشخصيات العامة والمتخصصة. وتحدد عضويته إما بناء على الوضع الوظيفي (مثل الوزارات التي لها دور رئيس في إعداد الدولة للدفاع)، أو على أساس الخبرة والعلاقات الدولية والإقليمية لشخص بعينه (يحدد بالاسم في هذه الحالة)، ويكون التحديد إما بنص دستوري ثابت، أو بقرار من رئيس الدولة بتشكيل المجلس.

وتقوم وزارة الدفاع[4] بدور رئيسي لإعداد الدولة للدفاع، فإضافة إلى مسؤوليتها الرئيسية، في تجهيز وتنظيم وتدريب القوات المسلحة وإعدادها للقتال، فإنها ذات دور فعال ورئيسي في إعداد باقي المجالات، بما يتلاءم مع أهداف الصراع المنتظر. لذا، فهي المسؤولة عن تحديد متطلبات خطة الإعداد ومراحلها. وهي التي تعد للقيادة السياسية الخطوط الرئيسية للأسس والقيود، التي تعمل كافة الأجهزة في إطارها. وقد تُكلف من قِبَلْ مجلس الوزراء للقيام بدور الرقابة والمتابعة، لباقي القطاعات والتنسيق بينها (أو تشكل لجنة وزارية لذلك، من قِبَل مجلس الوزراء).

بعد هزيمة 1967، كان إعداد الدولة المنظم والمخطط للدفاع، “من الموضوعات الجديدة على الدولة والشعب المصري”. تقدم وزير الدفاع آنذاك، الفريق أول محمد فوزي، بخطط ومشروعات لإنشاءات دفاعية ووقائية كثيرة، إلى مجلس الوزراء، الذي درسها واعتمد الميزانيات اللازمة لها، وحدد مسؤوليات إنجازها. ووضع وزير الدفاع المصري، برنامجاً زمنياً للتنفيذ. وشكل لجنة متابعة من الضباط المتخصصين بالقوات المسلحة، في نواحي الخطط المختلفة. ورأس لجنة المتابعة مساعد وزير الدفاع، وأعطي صلاحيات واسعة للمتابعة والتوجيه. وقد نتج عن ذلك، أن مجلس الوزراء المصري أقر تحويل ميزانية الدولة إلى “ميزانية حرب”، وتحويل اقتصاد الدولة كذلك إلى “اقتصاد حرب”، وصدر على الأثر القانون الرقم 4/68، الخاص بتنظيم أسلوب إعداد الدولة للدفاع.

فأصبحت وزارة الدفاع تُعد مقترحاتها بخصوص الإعداد للصراع المقبل، في كافة المجالات، وتقدمها لمجلس الوزراء لإقرارها. وهي عادة تشتمل على:

  1. 1. أسلوب تعبئة الجهود، في مجالات الصناعة، والزراعة، والتجارة، والنقل، والمواصلات، والطاقة (النفط)، والموارد المالية، والبحث العلمي.
  2. 2. مقترحات تطوير اقتصاد الدولة (بكافة جوانبه)، ليلائم خطط الإعداد للدفاع، ومتطلبات إعداد القوات المسلحة.
  3. 3. نظام وأسلوب أعداد قطاعات الدفاع المدني، والتنظيمات الشعبية، ودورها في تنظيم وإعداد فئات الشعب المختلفة، عسكرياً. فخلال الإعداد لتحرير الأرض بعد عام 1967، افتتحت القوات المسلحة المصرية، عدداً من مراكز التدريب في معاهدها العسكرية، ودربت فيها عدة أفواج من المتطوعين من أفراد الشعب على أعمال المقاومة الشعبية، والدفاع المدني، والقتال ضد الدبابات في المدن، واستخدام الأسلحة الخفيفة، وتجهيز المباني للدفاع، ونسف الكباري، وإقامة العوائق السلكية والخرسانية وبث الألغام، وغيرها من الأعمال اللازمة لحرب العصابات.
  4. 4. مطالب القوات المسلحة من الأجهزة المختلفة، لإعداد أراضى الدولة وتجهيزها، من وجهة النظر العسكرية، لتلائم الفكر العسكري لاستخدامها في الحرب. ففي فترة الإعداد لحرب أكتوبر 1973، راجع المهندسون العسكريون، مع مسؤولي وزارة النقل والمواصلات والطرق، خصائص شبكات المواصلات والطرق البرية في مصر. وحددوا مطالب القوات المسلحة المستقبلية من طرق جديدة، وتعديل الطرق الموجودة فعلاً، بما يتلاءم مع تخطيط القوات المسلحة، لاستخدامها في التحركات بالكثافة المطلوبة، ودرجة تحمل الطرق لمرور الناقلات العسكرية الثقيلة، والمنشآت الهندسية المقامة عليها (كباري ـ أنفاق ـ تقاطعات) وملاءمتها للمعدات، التي يحتمل مرورها عليها خلال الحرب، وإمكانية استخدام بعض الطرق كمهابط للطائرات الحربية في حالات الطوارئ. كما طالبوا بتعديلات في عربات السكك الحديدية، بشكل يتلاءم مع مطالب الاستخدام العسكري المنتظر لها. وضرورة استيراد أنواع جديدة من تلك العربات (عربات سطح للحمولات الثقيلة أو الكبيرة الحجم ـ عربات تبريد لنقل الأغذية والمواد السريعة التلف ـ عربات صهريج لحمل احتياطي الوقود الإستراتيجي إلى أماكن نائية، بعيدة عن تأثير أعمال القتال، مع سهولة دفعها وقت الحاجة).

    وأصدق مثال على ذلك، تمثل في حرب الخليج الثانية. فبعد غزو العراق لدولة الكويت، الجارة المشتركة للعراق شمالاً، والمملكة العربية السعودية جنوباً، بات واضحاً أن الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية، ستصبح منطقة حشد للقوات القادمة للمشاركة في تحرير الكويت، في إطار قرار مجلس الأمن. وعندما أنشئت قيادة قوات التحالف الدولي، وبُدِءْ في استقبال القوات من شتى بقاع الأرض، كان من المتوقع، مع التضخم السريع لحجم تلك القوات، حدوث مشاكل في التحركات، ونقل القوات من موانئ الوصول البحرية والجوية، في مختلف أرجاء المملكة، إلى مناطق حشدها الأولية، ثم إعادة نقلها إلى مناطق تمركزها، ولأداء مهامها القتالية، طبقاً لخطط العمليات (درع الصحراء ـ عاصفة الصحراء) التي تختلف فيها أوضاع القوات في كل خطة، بما يتلاءم مع المهام المكلفة بها. فعلى الرغم من ضخامة تلك التحركات وكثافتها[5] لم يحدث أن تأخر رتل عن موعده، أو نتج عن التحرك حوادث، بسبب ازدحام الطرق بشتى صنوف المركبات، في كافة الأنحاء المتجهة إلى شمال المملكة. ويرجع ذلك إلى سلامة وكفاءة البنية الأساسية للطرق بالمملكة، التي تربط قلبها بأطرافها، وقدرتها الاستيعابية العالية، والخدمات المتيسرة على أجنابها لمساندة التحركات، من دون أدنى تأخير، حتى أن الأرتال الإدارية كانت تغادر الموانئ المختلفة في الجبيل والدمام وينبـع والقضيمة بمعدل قافلة كل خمس عشرة دقيقة، تُرى من الجو على شكل خطوط داكنة تمتد من سـواحل المملكة إلى باطن الصحراء على مدى البصر. وقد عاون أيضاً على نجاح النقل البري، كفـاءة الخط الحديدي من الظهران إلى الرياض، الذي خُصص لنقل القوات والمعدات لتخفيف الضغـط على الطرقات المتجهة شمالاً[6].

  1. 5. الترتيبات اللازمة لتأمين مطالب القوات المسلحة، في السلم والحرب، من الاحتياجات المختلفة. سواء كانت إدارية، أم فنية، للأفراد والمعدات على حد سواء (وتشمل احتياجات الإعاشة والصيانة والإصلاح والنقل والمواصلات والعلاج، والكوادر المتخصصة في تلك الأعمال، والأدوات والمعدات اللازمة لها)، وأن تكون الاحتياجات مستوفاة بالقدر اللازم، لتنفيذ المهام المحددة (أو الفترة الزمنية المتوقعة للصراع المنتظر).

ويدرك القادة العسكريون، أن القوات المسلحة لا يمكنها القتال من دون إمدادها بالاحتياجات اللازمة، بالقدر المناسب، وفي التوقيت والمكان المحددين. وقد كانت حرب الخليج الثانية خير مثال على هذه الحقيقة. فقد استغرقت الحرب حوالي 15 شهر، من بدء التجهز لها، ولحين مغادرة القوات المتحالفة لأرض المملكة العربية السعودية. وخلال تلك الفترة الطويلة، نسبياً، كان على المملكة ورجال الإمداد والتموين السعوديين، أن يؤمنوا كافة احتياجات القوات (علماً بأن توقيت نهاية الحرب لم يكن معلوماً، لأن الأمر البديهي هو “أنه من الممكن أن تبدأ حرباً، لكنك لن تعلم متى تنتهي”. كان حجم القوات يتزايد سريعاً، ومعظمها جاء على عجل من دون إسناده الإداري والفني. فتزايد العبء على رجال الإمداد والتموين السعوديين، إذ كان عليهم تقديم المأوى ومواد الإعاشة[7] والوقود ووسائل النقل، وأي تسهيلات إدارية أخرى تحتاجها، حتى لو كانت أدوات مكتبية من مستلزمات القيادات[8].

وقد أصدر خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد، تعليماته، بأن تقدم المملكة كل صنوف الإعاشة على نفقتها لكافة القوات المسلحة. وعمل رجال الإمداد والتموين السعوديون، في ظل هذه التعليمات بجهد مخلص. فلم يشكو أحد من نقص، في أي مواد إدارية، طوال فترة وجود القوات على أرض المملكة، على الرغم مما في ذلك من تكلفة باهظة، وجهد كبير. (كـان الأمريكيون يستهلكون وحدهم يومياً 2 مليون جالون من مياه الشرب، وقد تكلفت المملكة لمواد الإعاشة وحدها 10 مليار دولار، وشارك في توريد مطالب الإعاشة أكثر من 125 شركة سعودية للأغذية، وحوالي 600 متعهد ومقاول رئيسي وفرعي (من الباطن) ، وهو ما يوضح حجم التأمين المادي، الضخم الذي تم إنجازه بنجاح في تلك الحرب، مما ساعد القوات على أداء مهامها بكفاءة عالية.

  1. 6. حدود مستويات المخزون الاحتياطي، من كافة الاحتياجات، لمواجهة متطلبات الشعب والقوات المسلحة. ويحدد مستوى المخزون وقد كانت حرب الخليج الثانية، شاهداً على هذه الحقيقة. على أساس أسوأ الظروف الممكن حدوثها.

فأثناء الإعداد لتحرير الكويت، تنبه قائد القوات المشتركة ومسرح العمليات، صاحب السمو الملكي الفريق الركن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، لأهمية تحديد مخزون احتياطي من الوقود، بما يضمن عدم حدوث أزمة تعطل التحركات في حالة نقص المخزون عن معدل الاستهلاك. ولتقدير ذلك المخزون، طرح سموه على المخططين “سيناريو” وصفه بالتشاؤم، بافتراض توقف بعضاً من مصافي النفط السعودية عن العمل، نتيجة لأعمال القصف المعادي بالصواريخ أو غيره من العدائيات. وطلب منهم تجهيز الحلول البديلة. وبدراسة المعضلة الإدارية التي طرحت، وضح أنه لا بد من تكوين احتياطي من كافة صنوف الوقود، التي تستخدمها القوات لفترة زمنية مناسبة، حتى تعمل المصافي مرة أخرى، وحتى لا تفاجأ القوات بأي نقص. فاتُخذ قرار بتدبير الاحتياطي فوراً من الإنتاج المحلي وبالشراء من الخارج (رغم أن المملكة هي أغنى دول العالم بالنفط) وقد تكلف ذلك 700 مليون دولار تحسباً لأسوأ الاحتمالات. وتم تخزين احتياطي الوقود في ناقلات قرب السواحل السعودية.

  1. 7. مقترحات المواصفات العسكرية للمعدات والمنشآت المدنية، التي ستستخدم لدعم المجهود الحربي للدولة، خاصة المنشآت الإنتاجية، التي يجب أن تتطابق منتجاتها، مع متطلبات الاستخدام العسكري.

وفي زمن الحرب، يحتاج المجهود الحربي لدعم من القطاع المدني للدولة، الحكومي والخاص، لمواجهة المطالب المتزايدة خلال الحرب. وتكون معظم الاحتياجات من الخدمات، وبعضها صناعات مشتركة في القطاعين الحربي والمدني. لذلك، فإن المؤسسات، التي قد يحتاج المجهود الحربي لاستغلال إمكاناتها، يجب أن توائم تلك الإمكانات والمنشآت مع مطالب المجهود الحربي. ففي قطاع النقل مثلاً، قد يحتاج الأمر إلى تعبئة جزء من الشاحنات ذات مواصفات محددة، لاستخدامها من قبل الوحدات المقاتلة أو الإدارية، طبقاً للحاجة إليها. لذلك لا بد عند شرائها أو تصنيفها، أن تكون موائمة لهذا الاستخدام، من حيث الأطوال والأوزان، والقدرة في العمل على الطرق ذات الميول أو الانحناءات الحادة (عند وجود أراضٍ جبلية). أو قد تلجأ القوات المسلحة لنقل معدات واحتياجات بواسطة الخطوط الحديدية، مما يستوجب أن تكون القاطرات ذات قوة محددة، تمكنها من سحب عدد من العربات المحملة، التي تكون غالباً أثقل من مثيلتها في القطاع المدني. وكذلك بعض العربات المجهزة لنقل السوائل شديدة الخطورة، أو الغاز المضغوط، أو ذات التبريد العالي، وغيرها. وعلى الرغم من أن القطاع العسكري لديه وحداته الطبية الميدانية، ومستشفياته العسكرية، إلا أنه غالبا ما يحتاج إلى عدد أكبر من الأسرة، أو أطقم الجراحة، لمواجهة الأعداد المتزايدة من الجرحى. وتقديم العلاج اللائق، ضد الظروف البيئية غير المواتية في زمن الحرب. فالإصابات في الحروب تختلف تماماً عنها في الحياة اليومية العادية للمواطنين، من حيث طبيعتها (انفجارات ـ شظايا ـ صدمات عصبية ـ حروق ـ غازات سامة) وأسلوب علاجها. ويكون من المهم العمل على سرعة عودة المصاب لميدان القتال مرة أخرى (باعتباره جندي مدرب ذو خبرة)، وهو ما يستدعي أن يكون العلاج مكثفاً. لذلك، فالمستشفيات المدنية، والأطباء، وهيئات التمريض في القطاع المدني، يجب أن تجهز وتتلقى من التدريبات ـ في فترة السلم والإعداد للحرب ـ ما يمكّنها من معاونة القطاع العسكري، في وقت الحرب.

ومن أمثلة التعاون بين القطاعين العسكري والمدني، للإعداد للدفاع، ما تم خلال حرب أكتوبر 1973، وما قبلها خلال حرب الاستنزاف (67 ـ 1971) على الجبهة المصرية ـ الإسرائيلية. فقد كان على القوات المصرية أن تبني دفاعات قوية، تستلزم وجود ملاجئ للأفراد على أعماق مناسبة من سطح الأرض، وبأعداد كبيرة، لتسع معظم الأفراد، وتكون واقية لهم من القصف الجوي والمدفعي المستمر، وذلك في الأوقات التي تكون وحداتهم فيها غير مكلفة بمهام هجومية أو تحركات، أو عندما يكون الأفراد في غير واجب الحراسة والخدمة والقتال. وتكون هذه الملاجئ عادة مكونة من عدة قطع سابقة التجهيز، إما حديدية أو أسمنتية، ليمكن تركبيها في وقت قصير، وبمعاونة هندسية بسيطة، وبانتقال الوحدات المتكرر، وهي صفة مصاحبة لديناميكية القتال، تُترك تلك الملاجئ في مكانها، ويُنشأ غيرها في الأماكن الجديدة. ويعني ذلك الحاجة الدائمة لعدد كبير من تلك الأنواع من المنشآت الميدانية. وحتى تتفرغ عناصر المهندسين العسكريين، والمصانع الحربية، لأعمال أخرى تتطلب خبرة عسكرية بحتة، فمن الممكن تكليف المصانع الهندسية المدنية بإنتاج تلك الوحدات بالمواصفات المطلوبة. لذلك، فإن تدريب العمال في تلك المصانع، على إنتاج مطالب القطاع العسكري، والعمل في نوبات عمل متكررة يومياً، تحت ضغط ضيق الوقت، ووجود آلات بمواصفات خاصة تصلح للقطاعين العسكري والمدني، يصبح ضرورة، للمساندة في وقت الحرب. وينطبق المفهوم نفسه على ورش الإنتاج الميكانيكية، وورش الإصلاح للمحركات، والعربات بأنواعها، وعلى مصانع الملابس الجاهزة، وهكذا.

  1. 8. مشاركة الجهات الأخرى، في كل ما يتعلق بإعداد الدولة للدفاع، وتقديم النصح والمشورة والمقترحات عند التنفيذ.

يتطلب الإعداد للدفاع، أن يشترك خبراء وأخصائيون من القوات المسلحة، مع الوزارات والهيئات العامة والخاصة المختلفة، في وضع خطة الإعداد التخصصية للوزارة أو الهيئة أو المنشأة، بما يتلاءم مع مطالب واستخدامات القوات المسلحة المستقبلية (حيث يجب مراعاة التطور، الذي قد يحدث، طبقاً لدراسات القوات المسلحة، في استخدام المرافق والمنشآت لصالح المجهود الحربي). كما أن القوات المسلحة تكون على استعداد، لتلبية دعوة تلك الجهات الوزارية أو العامة أو الخاصة، لتقديم توصيات بتعديلات للمواصفات، أو أسلوب تنفيذ أو تعديل أسبقيات، عند تنفيذ الخطة التخصصية، بما يتمشى مع المراحل المحددة، وحتى استكمال الخطة المركزية الشاملة لإعداد الدولة للحرب. وتحتاج هذه المهمة، إلى جهود مضنية من أخصائي القوات المسلحة، لتشعب مجالاتها وتخصصاتها، وتعدد الجهات التي يتم التعامل معها، بدءً من إقناعهم بفائدة ذلك الاتصال والتعاون، انتهاءً بتنفيذه. من وجهة أخرى، فإن هذه المهمة من أكثر الأعمال فائدة، للقوات المسلحة، لأنها تتيح لها متابعة أعمال الوزارات الأخرى، والهيئات والمؤسسات، والحصول على آخر البيانات عما أنجز، والمواصفات الحقيقية والقدرات الطبيعية، لما تم تنفيذه في توقيت حديث. وكل ذلك يساعد القيادات العسكرية على تقدير موقف إعداد الدولة للدفاع، في الوقت الآني، بدقة.

  1. 9. تحديد مدى الالتزام (عسكرياً) بالمعاهدات والاتفاقيات والتحالفات، مع الدول الأخرى.

تحت ظروف خاصة، تعقد الدول اتفاقيات ومعاهدات، أو تنضم إلى تحالف معين، مع دول أخرى. وقد يكون لبعض تلك المعاهدات والاتفاقيات والتحالفات صبغة عسكرية (أو هناك بنود عسكرية محددة فيها)، تُلزم الدولة بعمل عسكري محدد لصالح الدول الأخرى، أو معاداة أعدائها، ومساندتها ضدهم في حدود معينة. وفي زمن لاحق، قد تتغير الظروف، فتصبح الدولة السابق التعاهد معها، في مصاف الدول المعادية، ولو لفترة مؤقتة (مثل العراق بعد حرب الخليج الثانية 1991 بالنسبة لدول الخليج العربي، ومعظم الدول العربية)، أو أن الأعداء المطلوب معاداتهم، واتخاذ إجراء عسكري حيالهم، حسبما تنص الاتفاقية أو المعاهدة أو بروتوكول الحلف، هم دول صديقة أو حليفة في وقت الإعداد، مما يصعب معه تنفيذ الاتفاق أو التعاهد. لذلك كان على القيادة العسكرية، أن تراجع من وقت لآخر البنود العسكرية للاتفاقيات والمعاهدات والتحالفات، في ضوء المتغيرات المستجدة، وتقترح الموقف الملائم (مدى الالتزام بنصوص الاتفاقيات والمعاهدات والتحالفات)، حتى يمكنها، بعد إقرار المقترحات من القيادة السياسية العليا، أن تعدل في خططها للإعداد للدفاع.

وقد تنشئ بعض الدول، هيئة عسكرية خاصة لمتابعة الأعمال المطلوبة من وزارة الدفاع، لصالح إعداد الدولة للدفاع. وتتبع هذه الهيئة لرئيس الوزراء مباشرة أو لوزارة الدفاع، مع تفويضها بصلاحيات مناسبة، ومدها بالمتخصصين، والأجهزة الحديثة. كما قد تكتفي بعض الدول بوجود إدارة أو شعبة أو فرع، في الهيئة العسكرية المختصة بالتخطيط وإدارة العمليات الحربية، مما يجعلها ضعيفة نسيباً، عند مواجهة حجم العمل الضخم المطلوب منها[9].

وعندما بدأت مصر الأخذ بالأسلوب العلمي لإعداد الدولة للدفاع، عام 1967، وخلال التجهيز لحرب أكتوبر 1973، طلب وزير الدفاع المصري، الفريق أول محمد فوزي، من الرئيس المصري جمال عبدالناصر ـ عند مناقشة موضوعات وخطط إعداد الدولة للدفاع في مجلس الوزراء المصري ـ “ضرورة تعيين مسؤول كبير، لا يقل عن وكيل وزارة في كل قطاع إداري أو اقتصادي أو إنتاجي أو خدمي، سواء في الوزارات والمصالح والهيئات الحكومية، أو مؤسسات القطاع العام، أو شركات القطاع الخاص، مع تحديد مسؤوليات واختصاصات وسلطات هذا المسؤول (سُميّ مسؤول الدفاع والأمن للقطاع). وكان الهدف من ذلك، إيضاح فكرة وأهمية موضوعات إعداد الدولة للدفاع، التي كانت جديدة، إلى القاعدة العريضة من الشعب. وكذلك، تنظيم عمليات الإنشاءات وخطط الوقاية، طبقاً للخطة المركزية الشاملة، والبرنامج الزمني للتنفيذ. كما أقتُرح أن يقدم رئيس لجنة المتابعة (مساعد وزير الدفاع) تقريراً دورياً لمجلس الوزراء، عن متابعته للأعمال التنفيذية بالوزارات والهيئات والمؤسسات في مختلف القطاعات، عن طريق مسؤولي الدفاع والأمن. وقد ثبت أهمية مثل هذا التنظيم، لتحقيق التنسيق والتعاون، وتنفيذ الأعمال طبقاً للمخطط.

ثالثاً: الأجهزة الحكومية

يشارك الجهاز الحكومي في الدولة (الحكومة المركزية) في كافة الأعمال الخاصة بإعداد الدولة للدفاع. بدءً من التخطيط، إلى التنفيذ، وتحقيق الأهداف الموضوعة، كممثل للدولة، وراعياً للمصالح الأساسية لها، بصفته جزءاً من القيادة السياسية. وكما يشترك في وضع الأهداف، وبحث المسائل الخاصة بأمن الدولة، وسيادتها (المشاكل المصيرية)، يشترك، كذلك، في التخطيط لردع (أورد) الاعتداء من الخارج، ويمارس التخطيط والتنفيذ من خلال وزاراته المختلفة. كما يقوم من خلال الأجهزة المتخصصة (‘يُعَدّ مجلس الأمن الوطني، من الأجهزة الحكومية التي تشارك في إعداد الدولة للدفاع بجهد وافر، خاصة أنه يشتمل على ممثلي معظم الوزارات والهيئات الحكومية الأكثر صلة بمتطلبات إعداد الدولة للدفاع.’) أو بواسطة وزارة الدفاع، بالمتابعة والتقويم والتنسيق، لضمان نجاح الأعمال المرحلية، والخطة الأساسية.

   وتعمل الأجهزة الحكومية على ضوء المهام، التي تكلف بها من قِبَل القيادة السياسية (الوزير المختص). ويدرس كل جهاز ـ في مجاله ـ دراسة وافيه، ما يوكل إليه من أعمال خاصة بإعداد الدولة للدفاع. ويشارك في وضع الخطة العامة، التي توضع منها الخطة الخاصة (التخصصية)، بعد أن يُحدد الهدف التخصصي، والسياسة الخاصة بتحقيقه، وهي تقسّم إلى أهداف مرحلية، تنفذها خطط مرحلية كذلك، في فترات زمنية محددة التوقيت (أو ذات مدى زمني)، كما تحدد أيضاً مطالبها، للتخطيط والتنفيذ.

   وتشكل عادة لجنة (لجنة وزارية)، أو تحدد هيئة خاصة (وزارة التخطيط) تتولى تجميع خطط الوزارات المتخصصة، لدراستها وتنسيقها معاً. وتعد منها الخطة المركزية، وتعرضها على القيادة السياسية ـ التي يمثلها غالباً، المجلس الأعلى للدفاع (أو مجلس الدفاع الوطني طبقاً للتنظيم). وتكلف القيادة السياسية اللجنة الوزارية (في حالة إقرارها للخطة) إصدار التوجيهات للتنفيذ.

   وتُعد التوجيهات، الصادرة من اللجنة الوزارية المشكلة (باسم المجلس الوزاري)، هي الأساس الذي تبنى عليه كل وزارة، وجهاز حكومي، الخطة التنفيذية التفصيلية الخاصة به، والتي تُنسق مراحلها في خطة زمنية تقدم إلى مجلس الدفاع الوطني لإقرارها، والتصديق عليها، من القيادة السياسية (رئيس الدولة ـ القائد الأعلى). وبذلك تكون جاهزة لإصدار المهام (التكليفات) للأجهزة التابعة لها، لبدء التنفيذ، مع تحديد المهام، والمسؤوليات الخاصة بذلك.

   وعلى كل جهاز حكومي (وزارة ـ هيئة ـ مؤسسة)، أنّ يلتزم بالدور المحدد له في الخطة التفصيلية، والتوقيتات المحددة في الخطة الزمنية. ويقدم رئيس الجهاز (الوزير ـ المدير)، تقريراً دورياً عن سير العمل في الخطة ـ طبقاً للتوقيتات المحددة لذلك ـ موضحاً فيه مدى ما أُنجز من أعمال في الخطة، والأهداف المحققة، ذاكراً المصاعب التي واجهت أجهزته التنفيذية، والتقصير في حجم الإنجازات عن المخطط، وأسباب ذلك، ومقترحاته للتغلب على تلك الأسباب (أو مطالبه من الآخرين إذا كانت خارجة عن قدرات أجهزته وطاقاتها).

   تؤدي الحكومة دوراً رئيسياً ومهماً في هذا المقام ـ خلافاً لدورها في التخطيط والتنفيذ ـ وهو المتابعة والرقابة[10] والتوجيه والتقييم[11] وما يتبعه من تقويم للأعمال المنفذة، طبقاً للظروف، التي تطرأ. ويكون الهدف الأساسي، ضمان عدم حدوث خلل (أو اختناق)، يؤدى إلى توقف الأعمال المنفّذة، في مرحله ما، أو انحراف الأعمال عن مجراها، بحيث لا تحقق أهدافها. ويمكن للأجهزة الحكومية أن تتلافى ذلك، بالتنبؤ بالأحداث والاختناقات المؤثرة على سير العمل بالأساليب العلمية العصرية، واستخدام قواعد البيانات والمعلومات المتدفقة في داخل دورة العمل الأساسية[12] وهو جزء مهم من إدارة عمل عملاق، وجهد ضخم، مثل إعداد الدولة للدفاع. ويجب أن تأخذ تلك الأجهزة (وقياداتها) حذرها، من الظروف غير العادية، التي يمكن أن تُفرض عليها، لإكمال إعداد الدولة في ظروف حرب قائمة بالفعل، لتحقيق الأهداف الرئيسية، والمرحلية نفسها، وبالكفاءة المحددة، في الخطة الرئيسية. فإعداد الدولة للدفاع عن كيانها، لا يحتمل مفاجآت، ولا يستقيم بأنصاف الحلول، ونواقص الأعمال.

إدارة السياسة الخارجية لصالح الدفاع عن الدولة

تُعرَّفْ السياسة على أنها “النشاط الاجتماعي، المدعوم بالقوة، المستندة إلى مفهوم ما للحق أو للعدالة، لضمان الأمن الخارجي، والسِلّمْ الاجتماعي الداخلي، للوحدة السياسية”. أي أن السياسة، كنشاط إنساني، هي علاقة مع آخرين “نشاط اجتماعي”، وأنه يلزم دعمها بقوة ما. قد تكون قوة السلطة، أو النفوذ، أو المال، أو العقيدة، أو القوة المطلقة (القوة البدنية قديماً والعسكرية حديثاً)، أو قوة الفكر أحياناً. والدعم بالقوة مطلب أساسي، حتى تكون لتلك السياسة مصداقية مؤثرة، أي إن الآخرين يثقون في تنفيذها، بسبب ما تستند إليه من تلك القوى. ويشير التعريف إلى أن السياسة تستند، كذلك، إلى الحق أو العدالة بمفهوم ما (أي أن للسياسية أن تشكل مفهوم الحق والعدالة، بمنظورها الخاص). وعلى ذلك، يكون الهدف من تلك السياسة القوية ذات المفهوم الخاص، ضمان الأمن الخارجي والسلام الاجتماعي (الأمن الداخلي)، للوحدة السياسية “الدولة”.

ويتصل بذلك، ما تحدده المفاهيم السياسية، مع أن السياسة “تُعني بدراسة الأفكار وتوضح المفاهيم، وتحدد الغايات والوسائل، والخيارات، ومقارنة البدائل، لذلك فهي تؤثر بشكل مباشر، أو غير مباشر، في اختيار أفضل البدائل، والحكم عليها (القرار)”. وتصبح السياسة، من هذا المنطلق، هي السلسلة المتكاملة لصناعة واتخاذ القرار، لتحقيق هدفها (أي الهدف الذي سبق أن حددته السياسة) والذي يكون القصد منه، تحقيق الأمن خارجياً، وداخلياً.

وتُعَدّ إدارة السياسة الخارجية (وهي شق أساسي في السياسة)، أحد مشتملات إعداد الدولة للدفاع. ويكون ذلك بالإعداد السياسي، لتحقيق الهدف من الدفاع عن الدولة. وتصبح السياسة، بذلك، سابقة لإعداد الدولة للدفاع، بتحديدها للأهداف السياسية، ثم متضمنة لها، بما تتخذه من تدابير سياسية لتحقيق الهدف منها. وهي في مجال إعداد الدولة للدفاع، تتحول إلى أداة مساندة للإعداد العسكري والإعداد الاقتصادي، وهما من القوى التي تدعم السياسة في علاقات المجتمع بالآخرين (خارجياً)، أو بين أفراده (داخلياً). وهو تداخل شديد، يوضح مدى العلاقة الوثيقة، بين تلك العناصر الأساسية الثلاثة (سياسية واجتماعية وعسكرية) وتأثرها بعضها ببعض.

أولاً: أُسس إدارة السياسة الخارجية

تعتمد القيادة السياسية، في تحديدها لشكل سياستها الخارجية لصالح الدفاع عن الدولة، على الأسس التالية:

  1. الأهداف والمصالح القومية للدولة، وإستراتيجيتها.
  2. الارتباطات والاتفاقيات، السابق عقدها مع دول أخرى.
  3. القدرات الذاتية، والمستوى العلمي والتقني للدولة.
  4. الموقف الدولي، وتأثيره على الموقف المحلي.
  5. الموقف الإقليمي، وتأثيره على الموقف المحلي.

تقود الدراسة الواعية والعميقة، لأسس الإعداد السياسي، إلى التنبؤ السليم والدقيق، بالأوضاع السياسية، والعلاقات بين القوى السياسية في العالم، التي ستسود في الحقبة المقبلة. ومن هذا التنبؤ يمكن تحديد الخيارات المناسبة للإعداد السياسي، والأدوات التي تصلح لكل منها وترتيبها في أولويات حسب أفضليتها، لتكون دليلاً للقيادة السياسية في اختيار أفضلها كقرار. وهذا هو منهج الإعداد السياسي لكسب الرأي العام العالمي، والإقليمي، لصالح الدولة من جهة، وحرمان العدو من التأييد العالمي له من جهة أخرى، إلى جانب التصدي لتحركات العدو السياسية.

   وتشتمل إدارة السياسة الخارجية، لصالح الدفاع عن الدولة، على عدة إجراءات (سياسية)، لدعم قوى الدفاع في الدولة، وهي:

  1. عقد اتفاقيات (سياسية، وعسكرية، واقتصادية) مع الدول والمنظمات الأجنبية، لدعم الدولة في حالة الحرب.
  2. كسب تأييد مجموعات الدول، باختلاف توجهاتها، لصالح قضايا الدولة، خاصة المتعلقة بالدفاع عن كيانها ومكاسبها.
  3. ضمان حياد دولة (مجموعة دول)، خلال إدارة الصراع مع العدو.
  4. الإعداد لكسب الرأي العام العالمي، سياسياً وأيديولوجياً، لصالح الدولة، وقضاياها الدفاعية.
  5. إضعاف قدرات العدو، الاقتصادية والعسكرية.
  6. إضعاف الموقف السياسية للعدو، عالمياً وإقليمياً.
  7. الإجراءات السياسية المضادة للتحرك السياسي للعدو.

ثانياً: أدوات السياسة الخارجية

تستخدم السياسة الخارجية عدة أدوات، تنفذ بها الإجراءات التي اختارتها القيادة السياسية، واستقرت على أهميتها ومناسباتها للعمل السياسي، والنتائج المرجوة منه. وأهم هذه الأدوات:

  1. البعثات الدبلوماسية

تُعد الأداة الرئيسية، والأكثر تخصصاً عن غيرها من الأدوات، لتنفيذ السياسة الخارجية في وقت السلم، وأثناء الإعداد للدفاع، وخلال إدارة الصراع. وتتولى هذه الأداة، من خلال الممثلين الدبلوماسيين للدولة في شتى أنحاء العالم، توضيح الأهداف المشروعة للدفاع، التي ترتكز عليها سياسة الدولة، وحقها في القضايا المطروحة، والأسباب الداعية لإدارتها للصراع (وتصعيده حسب الموقف) ضد أعدائها.

  1. أجهزة جمع المعلومات

من الأدوات المساعدة المهمة، والضرورية، حيث توفر للقيادة السياسية، والقيادات التخصصية، قدراً من المعلومات، التي تمكنهم، من التقدير السليم للموقف، بكافة جوانبه السياسية، والاقتصادية، والعسكرية. وتُعد أجهزة الاستخبارات الشكل الرئيسي لها، بإمكانياتها وخبراتها في جمع المعلومات، وتأكيدها من مصادر مختلفة، وهي تؤدي أعمالها، عادة، بشكل غير علني.

  1. الإعلام والدعاية

تُنسق القيادات السياسية، بين السياسة الخارجية والسياسية والإعلامية، بما يضمن توضيح وجهات النظر في القضايا المطروحة، والتصدي للدعاية المضادة. وكل ذلك، يهيئ الرأي العام العالمي لتقبل سياسة الدولة وتأييدها (كسب الرأي العام)، أو الوقوف ـ على الأقل ـ على الحياد في صراعها الدائر مع العدو.

  1. العلاقات الاقتصادية

تستغل السياسة الخارجية، العلاقات الاقتصادية للدولة، في تحقيق أهدافها للإعداد السياسي. وقد تقترح مزيداً من العلاقات الاقتصادية مع دول أخرى، أو توثيق الروابط القائمة فعلاً. وتُعد المساعدات الاقتصادية والفنية، والقروض ذات الشروط المعتدلة، والتبادل التجاري، من الصور الاقتصادية الأكثر استخداماً في مجال العلاقات الاقتصادية. والدولة بذلك تضغط على القرار السياسي، لتلك الدول لتؤثر عليه لصالح القضية التي تُدافع عنها. وقد تستخدم العلاقات الاقتصادية بالترغيب في تنميتها، مقابل نمو العلاقة السياسية في الاتجاه المطلوب (التأييد السياسي أو الحياد والبعد عن الدول المعادية). وقد تتخذ شكل الترهيب لإخضاع الإرادة السياسية والحصول على التأييد المطلوب.

  1. الأعمال العسكرية

قد تلجأ السياسة الخارجية، إلى القوة العسكرية، أحياناً، لممارسة ضغط قوي على الدول الأخرى، للحصول على التأييد السياسي أو الحياد. وهي غالباً ما تكون دولاً مجاورة أو قريبة، مما يسّهل التعامل معها عسكرياً. ويعتبر العمل العسكري دائماً، أحد أدوات السياسة، التي يُلجأ إليها عندما تفشل الأدوات الأخرى. ويشترط العمل العسكري ضمان السيطرة على الموقف، والوصول للنتائج المطلوبة، وإلا انعكست الآية، وأدى استخدام القوة لعكس النتيجة المطلوبة، وهو ما يُحدث كثيراً، عندما يكون تقدير نتائج استخدام القوة المسلحة مبني على أسس ودراسات علمية محسوبة، بينما تكون الدولة الموجه ضدها العمل العسكري، في الغالب، دولة صغيرة (أو من دول العالم الثالث)، التي تكون ردود فعلها، في الغالب، غير مبنية على أي أسس علمية، وإنما خاضعة لرؤى القيادة السياسية المنحصرة في شخص رئيس الدولة فقط، أو عدد قليل من المقربين.

ثالثاً: أسلوب تنفيذ الإعداد السياسي

ينفذ الإعداد السياسي، بواسطة العمل الدبلوماسي، بأساليب متعددة، ذات هدف واحد، هو إيضاح مفهوم الدولة للقضية المثارة، وكسب التأييد لما تتخذه من إجراءات لإدارة الصراع ضد الأعداء، سواء كان ذلك بوسائل سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، أو بها جميعاً لما يمليه الموقف من تصاعد. وأهم هذه الأساليب هي:

  1. الخطب السياسية لرئيس الدولة، وكبار المسؤولين بها.
  2. تصريحات كبار المسؤولين في الدولة، للصحف وأجهزة الإعلام.
  3. كلمة الوفود الرسمية في المحافل الدولية والإقليمية.
  4. الزيارات الرسمية والمقابلات الشخصية، لرؤساء الدول.
  5. المندوبون الشخصيون للرؤساء (الجوالون)، لشرح القضية المطروحة.
  6. جلسات العمل، على هامش المؤتمرات الدولية والإقليمية، لرؤساء الدول، وكبار المسؤولين، ورؤساء الوفود.
  7. الندوات السياسية والقانونية، والمناظرات مع مؤيدي الرأي الآخر (شرط الإعداد الجيد لها).

   ونجد ثلاثة أمثلة، في التاريخ المعاصر، على نجاح الإعداد السياسي للدولة للدفاع، في تحقيق أهدافه، وهي أمثلة إقليمية. فالمثال الأول من حرب أكتوبر 1973، حيث حققت السياسة الخارجية المصرية نجاحاً باهراً، في إعدادها لتلك الحرب. والمثال الثاني كان نجاح السياسة الخارجية السعودية في حرب الخليج الثانية. أما المثال الثالث فهو لدولة عظمى، هي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أدارت السياسة الخارجية لصالح الإعداد لحرب الخليج الثانية، واستمرت في استخدام الأدوات السياسية بنجاح خلال الحرب وما بعدها، لتحقق الهدف وتحافظ على المكاسب.

رابعاً: الإعداد السياسي المصري لحرب أكتوبر 1973

عندما تولى الرئيس المصري محمد أنور السادات، مسؤولية رئاسة الدولة، بعد انتخابه في 15 أكتوبر 1970، خلفاً للرئيس جمال عبدالناصر، كان أمامه معضلات سياسية عديدة. فقد كانت الدولة في حالة حرب منذ أكثر من ثلاث سنوات، عقب الهزيمة غير المتوقعة، في 5 يونيه 1967، وكانت مصر قد خرجت للتو من حرب أخرى، هي حرب الاستنزاف، التي توقفت في 8 أغسطس 1970، بعد قبول جمال عبدالناصر مبادرة وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز، أي منذ أقل من شهرين من تولي السادات الحكم، ولم تثمر المبادرة عن شيء أكثر من ذلك[1]. كل هذه العوامل وضعت السادات في مأزق واختبار حقيقي، أمام شعبه وأعدائه وحلفائه دفعة واحدة.

كان تقدير الرئيس السادات للموقف، أن كل المعضلات سياسية بالدرجة الأولى، داخلية كانت أم خارجية؛ وأنها جميعاً تصب في إناء واحد، وهو القوات المسلحة، بمعنى أنها (أي القوات المسلحة) هي المتأثر الأول أو المباشر، بما يجري في كل ميادين السياسة وأزقتها. لذلك، كان حرص الرئيس السادات على أن يهيئ للقوات المسلحة المصرية، التي كانت تستعد لخوض معركة آتية لا ريب فيها، تستعيد بها الأرض والشرف والثقة معاً، ثلاث لوازم حيوية، هي في حاجة لها: “سلاح أكثر تقدماً، وتدريب أكثر كفاءة”، وأرضية سياسية في الداخل والخارج أكثر تقبلاً للتضحيات، وأوسع كرماً في المساعدات”.

كان العامل الحيوي الثالث، اللازم للقوات المسلحة، والتي يجري إعدادها تسليحاً وتدريباً (وهما العاملان الأوليان)، هو الإعداد السياسي. وقد قُدّر أن هذا الإعداد لا بد أن يغطي الشقين معاً: الداخلي والخارجي، وأن الشق الخارجي لا بد أن يشمل الجبهات المؤثرة كلها، وهي:

  1. الجبهة الإسرائيلية، حيث يقف العدو الإسرائيلي، في كبرياء وغرور، على الضفة الشرقية لقناة السويس، منتظراً تداعي الأحداث على الساحة المصرية، ومقدراً، بعد رحيل جمال عبدالناصر، أن هذه الجبهة أصبحت المرشحة الأولى، للنفاذ خلالها بعد أن كانت مستعصية. وسبب ذلك في تقدير إسرائيل، يعود إلى قصور الإدارة السياسية الجديدة، عن اتخاذ قرار بالقتال، أو إدارة معركة شاملة. وكانت السياسة المصرية، حريصة على بقاء الرؤيا الإسرائيلية على ما تظنه، حتى تحين الساعة لتكتشف وهم تصورها وعكس تقديرها. وهو ما كان بالفعل.
  2. الجبهة السوفيتية، وقد كان الاتحاد السوفيتي، المورد الوحيد للأسلحة الرئيسية للقوات المسلحة المصرية، والمؤيد لمصر في السياسة الدولية. إلاّ أن قياداته السياسية كانت تحاذر من مغبة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، المساندة لإسرائيل. لذلك، كانت القيادة السوفيتية حذرة من أن يوحي سلاحها للمصريين بالثقة الزائدة، فيبادروا إلى الحرب، للخلاص من الموقف الذي طال على جانبي القناة. كما كان من المهم أن يظل التأييد السوفييتي السياسي للقضية المصرية، في المحافل الدولية إيجابياً، ومن ورائهم دول أوروبا الشيوعية، والأنظمة الشمولية في العالم. وقد استطاعت السياسة المصرية الحفاظ على ذلك القدر من التأييد السياسي. كما استطاعت الحصول على الأسلحة للقوات المصرية، بالقدر الذي أتاح لها معركة ناجحة بعد ذلك، على الرغم من حادثة استبعاد الخبراء السوفيت من مصر في 17 يوليه 1972، (وكان قد بلغ عددهم 17 ألف خبير عسكري) مع بدء التخطيط للعمليات القتالية.
  3. الجبهة الأمريكية، وهي انحياز تام إلى إسرائيل، كسياسة ثابتة منذ نشأة الدولة اليهودية. وقد كانت هذه السياسة أكثر ظهوراً وفاعلية في حرب يونيه 1967، وما تلاها، حين تبنت السياسة الأمريكية، المطالب الإسرائيلية، وتمكنت من إحباط كل الجهود الدولية خارج الأمم المتحدة، أو داخلها لحل مشكلة الشرق الأوسط. وقد أدخلت الإدارة الأمريكية الجديدة، بتولي ريتشارد نيكسون السلطة في يناير 1969، مشكلة الشرق الأوسط، والصراع العربي/ الإسرائيلي، في ملف السباق بين القوى العظمى على الاستئثار بالنفوذ. وأصبحت الحلول كلها مجمدة في وعاء سياسة الوفاق الدولي، التي يجري خلالها تبادل الصفقات السياسية، على أسس من المصالح والأمن، وليدفع الآخرون الثمن. وقد استطاعت السياسة المصرية، أن تجذب انتباه الإدارة الأمريكية، وتفتح معها حواراً لم يكن موجوداً من قبل، باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر قدرة على إيجاد الحل النهائي، فحتى الانتصار في الحرب، لم يكن ليعطي سوى انفراجاً مرحلياً. وكان ذلك نجاحاً للإعداد السياسي الذي وضع تصوراً صحيحاً للمتطلبات السياسية أثناء القتال وبعده.
  4. الجبهة العربية، وهي وإن كانت متماسكة ظاهراً، إلا أنها مليئة بالتناقضات باطناً. وكان الأمل معقوداً على إنشاء جبهة متماسكة في الشرق العربي الآسيوي، وأخرى في الغرب العربي الأفريقي، وأن تتعاون الجبهتان فيما بينهما، بدعم وتأييد من القوى العربية المؤثرة. وكان على السياسة المصرية، أن تعد الجبهة العربية سياسياً، وتنسّق جهودها ونشاطها لصالح الإعداد للحرب المقبلة. وقد نجحت في ذلك نجاحاً باهراً، مؤيداً من القوى العربية من أقصى الشرق العربي حيث العراق، إلى أطراف الغرب العربي، حيث المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية. وفي جنوب الوطن العربي كانت المملكة العربية السعودية، ممثلة في ملكها فيصل بن عبدالعزيز، طرفاً رئيسياً في لم الشمل وتوحيد الكلمة إزاء معركة المصير. وبذلك كانت القوى العربية المؤثرة، تقف خلف مصر وسورية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لدعمهما ومساندتهما، وهي النتيجة المطلوبة من الإعداد السياسي.
  5. الجبهة الأفريقية، وهي جبهة مهمة جداً للسياسة المصرية، لمكانة مصر الرائدة في القارة، ولزيادة النشاط الإسرائيلي في أفريقيا في الآونة الأخيرة، خاصة بعد هزيمة مصر في يونيه 1967. وكان على السياسة المصرية أن تسعى إلى كسب التأييد السياسي الأفريقي، وهو قوة لا يستهان بها، لكثافته العددية، وأهميته الاقتصادية، في المجتمع الدولي. كما كان عليها في الوقت نفسه، أن تصفع السياسة الإسرائيلية في القارة الأفريقية صفعة قوية، آن وقتها، لتحرم العدو الإسرائيلي من موارد مهمة كان يستند إليها في القارة، اقتصادياً وسياسياً، مما يضعف مخططاته. وكان نجاح السياسة المصرية في تلك الجبهة مبهراً، فقد نتج عن الجهود السياسية المصرية، التي استخدمت كل الأدوات المتاحة، تأييد يرقى لمصاف الإجماع، بقطع كل الدول الأفريقية علاقتها السياسية مع إسرائيل[2] قبل بدء الحرب في 6 أكتوبر 1973.
  6. المنظمات الإقليمية، وهي جبهات مؤيدة لمصر أصلاً، لأن مصر، دولة مؤسِسَة في هذه المنظمات، وذات عضوية فعالة فيها. وهذه المنظمات هي: حركة عدم الانحياز (111 دولة)، ومنظمة المؤتمر الإسلامي (47 دولة)، إضافة إلى جامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الأفريقية. وكانت السياسية المصرية تهدف إلى، تأكيد وزيادة فاعلية تأييد هذه المنظمات للقضية المصرية، ومحاولة التأثير على علاقة إسرائيل بالدول الأعضاء في تلك المنظمات. وقد أيدت غالبية الدول وجهة النظر المصرية، وقطعت بعض الدول، الأعضاء في حركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي، علاقاتها مع إسرائيل، أو حدت من نشاطها التجاري معها، تضامناً مع مصر، وانضمت إلى الدول العربية والأفريقية، ليصبح تجمعاً ضخماً، وفعّالاً.
  7. المنظمة الدولية، وهي المنظمة الأكثر أهمية في النهاية، حيث تتجمع فيها كل الجبهات السابقة. وكانت إسرائيل تسعى دائماً لكسب الأصوات فيها، وتتعاون مع الدول الغربية الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا) باستخدام حق الاعتراض (Veto)، على القرارات التي تجد أنها ستدينها. وكانت أهمية المنظمة الدولية، في صدور قرارها الرقم 242 عقب حرب يونيه 1967، الذي كانت مصر تحاول تنفيذه، بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وتكمن أهمية المنظمة، في تأييد دولها الأعضاء لما سيعرض عليهم من مشروعات لإيقاف إطلاق النار، أو إدانة، أو غيرهما من المشروعات لقرارات الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، التي لا يسيطر عليها أصحاب حق الاعتراض. كانت مصر، وعدة دول أخرى من الدول المؤسسة للمنظمة الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، قد لاحظوا سيطرة الدول الكبرى والعظمى على أعمال المنظمة وقراراتها. فاتفقوا على تجميع أصواتهم، حتى يمكنهم الحصول على قرارات منصفة لهم. وعُرف هذا التجمع (الذي ظهر اعتباراً من عام 1967) باسم مجموعة الـ77، نسبة إلى 77 دولة أفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية أعضاء فيها، وتزايد العدد فيما بعد، بتزايد أعضاء المنظمة من الدول الصغرى حتى وصل، وقت الإعداد السياسي لحرب أكتوبر 73 إلى 128 دولة. وقد نجحت السياسة المصرية في الحصول على تأييد معظم تلك الدول.

خامساً: الإعداد السياسي السعودي، في حرب الخليج الثانية

المملكة العربية السعودية، إحدى القوى الإقليمية الكبرى، في المنطقة العربية عامة والخليج خاصة، منذ قيام الدولة السعودية الثالثة في بداية القرن العشرين. وسبب ذلك ما تتمتع به من موارد طبيعية، ونفوذ سياسي وديني، إضافة إلى القوة العسكرية، التي أنشأتها وطورتها في العقود الأخيرة من القرن.

   مع بداية حرب الخليج الأولى (80 – 1988) بين العراق وإيران، تكوّن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي ضم 6 دول، على رأسها المملكة العربية السعودية. وأصبحت السياسة السعودية المعبرة عن دول المجلس الست، منذ ذلك الحين، والدائمة التنسيق فيما بينها، في كافة الأحداث العالمية والإقليمية، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن الوطني والدفاع، وهي من الأهداف الرئيسية للمجلس.

وعلى الرغم من نجاح العراق، في الخروج من حربه مع إيران، التي دامت ثمان سنوات، منتصراً ظاهرياً، إلاّ أن تلك الحرب أثقلت على اقتصاده، والذي أصبح يعاني من ضخامة الديون وخدمتها (الفوائد المترتبة على القروض)، فضلاً عن توقف معظم مشروعات التنمية خلال فترة الحرب الطويلة، واحتياج الدولة إلى إعادة إعمارها، ويتطلب ذلك ميزانية ضخمة لا تتحملها الموارد النفطية للدولة، وهي المورد الرئيسي لها.

   كذلك، احتفظ العراق بعد الحرب بقواته المسلحة، التي تنامت خلال سنوات الحرب من 180 ألف جندي، إلى أكثر من مليون مقاتل تحت السلاح بصفة دائمة (قوات نظامية)، وهي قوات ذات خبرة قتالية عالية[3]. ويفرض ذلك الموقف، إعادة التسليح وتطوير الأسلحة القديمة، وهو ما يزيد من إرهاق ميزانية الدولة إلى حد الاختناق، فالعجز فالسقوط في دوامة القروض حتى الإفلاس.

منذ مارس 1990، بدأت تظهر، اللهجة العدائية للرئيس العراقي تجاه دول الخليج العربي، وهجومه المستمر على الوجود الأمريكي في الخليج، ثم حديثه عن المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية، وتورط دول الخليج العربية فيها. وعزت الدوائر السياسية الخليجية والسعودية، تلك الظاهرة، إلى الأزمة الاقتصادية العراقية، وهو ما تأكد عندما بدأ حكام وساسة العراق، مع بداية صيف عام 1990، في التلميح بإسقاط الديون العراقية من قِبَل دول مجلس التعاون الخليجي (وكانت المملكة العربية السعودية، قد تنازلت عن ديون العراق تجاهها والتي قدرت بحوالي 25 مليار دولار، خلال زيارة الملك فهد لبغداد في إبريل 1990، بينما رفضت الكويت التسامح في مالها لدى العراق من الديون، التي بلغت عشرة مليارات من الدولارات).

وخلال قمة بغداد في 28 مايو 1990[4] فوجئ الرؤساء العرب (21 رئيس دولة) بهجوم الرئيس العراقي (في جلسة سرية اقتصرت على الرؤساء فقط بناء على طلب العراق) على دول الخليج العربية، واتهامه لهم بأنهم يخوضون حرباً اقتصادية ضد العراق، باستخراجهم نفطاً أكثر من الحصة التي حددتها لهم الأوبك، وقد حاول الملك فهد احتواء الموقف؛ إلا أن الرئيس العراقي حصر تهديداته في دولتي الإمارات العربية والكويت، التي قال إنها تسحب من حقل نفط الرميلة كميات كبيرة، بما يضر بالعراق لكون هذا الحقل مشترك بينهما (على الحدود بين الدولتين). وطالب في النهاية بإسقاط 30 مليار دولار، هي ديون الدول العربية الخليجية المستحقة على العراق، وكذلك طالبهم أن يدفعوا له 10 مليار دولار فوراً، وانتهى الاجتماع من دون التوصل لأي نتيجة[5].

قابل الملك فهد، رئيس الوزراء العراقي سعدون حمادي، في الرياض في 25 يونيه 1990، إثر جولة قام بها رئيس الوزراء في دول الخليج. ووافق الملك فهد على المطالب العراقية، بتخفيض حصص إنتاج النفط لدول الخليج حتى يرتفع سعره. إلاّ أنه أوضح عدم فائدة الاستعجال في عقد مؤتمر طارئ للأوابك (المنظمة العربية للدول المصدرة للنفط)، لأن وزراء النفط العرب سيجتمعون بعد شهر، ويمكنهم في ذلك الاجتماع طرح القضية ومناقشتها. ولكن هذا الرأي لم يرق للعراقيين.

بدأ العراق في حشد قواته على الحدود الكويتية في 17 يوليه 1990، بعد خطاب الرئيس العراقي في ذكرى الثورة العراقية، الذي ندد فيه بالدول الخليجية وتوعدها باستعادة حقوق العراق، ووضح أنه يقصد استخدام القوة العسكرية.

   عرضت المملكة العربية السعودية، عقد مؤتمر بين قادة الدولتين في جدة، لتسوية الخلاف بالمفاوضات المباشرة، ووافق الطرفان. وعقد المؤتمر في 31 يوليه بين ولي العهد الكويتي، ونائب الرئيس العراقي في حزب البعث. وقد حاول السعوديون إزالة التوتر قبل بدء التفاوض، وتركا الوفدين معاً إلاّ أن الجلسة، لم تستمر طويلاً، بسبب الخلافات التي نشبت، والحدة التي استخدمها الطرفان، وتبادل التهم والشكوك، وفشلت المفاوضات، التي انتهت في اليوم التالي (أول أغسطس)، على الرغم من محاولة الملك فهد تقريب وجهات النظر، حتى أنه عرض أن تُكمل المملكة العربية السعودية مبلغ مليار دولار، كان ولي عهد الكويت قد أسقطه من المطلب العراقي وهو 10 مليار دولار، بموافقته على منح العراق 9 مليار دولار فقط، في شكل قرض جديد. وغادر الوفدان جدة إلى بلديهما، من دون أن يتفقا على التفاصيل، بل من دون أن يصدرا بياناً مشتركاً أو حتى يودعوا مضيفيهم السعوديون. وقد استيقظ العالم فجر اليوم الثاني من أغسطس 1990 على اجتياح القوات العراقية للكويت.

   كان أمام السياسة السعودية تحدٍ جديد. فبعد أن فشلت محاولات ولاه الأمر السعوديون في تهدئة النفوس، وتهيئة الفرصة لمفاوضات مباشرة مثمرة بين طرفي الخلاف، كان عليهم السعيّ لمواجهة الخطر الجديد، بعد أن أصبح الجيش العراقي على حدودهم مباشرة، في حشود كبيرة، وأمير الكويت وأسرته ووزرائه لاجئون لديهم.

   صدرت بيانات عديدة من معظم دول العالم، تدين العدوان العراقي، وتشجبه كافة المنظمات الدولية والإقليمية، وطالب العالم كله بانسحاب القوات العراقية من الأراضي الكويتية. إلاّ أن الصلف العراقي استمر في تكريس الاحتلال، وبدأ في الإعداد للدفاع عما استولى عليه من أراضٍ، وتهديد المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وبدا أن هناك معركة قادمة لتحرير الكويت، قبل أن تغزو الجيوش العراقية المملكة العربية السعودية، وهو ما يتطلب إعداد الدولة.

   بينما كانت القوات العربية والإسلامية والأجنبية، تتوافد على أرض المملكة[6] في أكبر حشد عرفه التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية، كان السعوديون يهيئون المسرح سياسياً للأحداث المقبلة، ويتأهبون لمواجهتها.

وعلى الرغم من أن الجهود السعودية السياسية، لاحتواء الأزمة، وتجنب تصعيدها، لم تكلل بالنجاح، كما كان يرتجى بسبب العناد العراقي (الذي كان قد أتخذ قرار الحرب مسبقاً)، فإن المملكة العربية السعودية لم تصدر أي بيان لإدانة الغزو (منفردة)، وعملت على عدم حدوث توتر في العلاقة بينها وبين العراق، استعداداً لدورها السياسي من جانب، وكسباً للوقت حتى تستكمل إعداد الدولة للدفاع سياسياً.

   أُستقبل نائب الرئيس العراقي ـ عزة إبراهيم ـ في المملكة العربية السعودية، في اليوم التالي للغزو مباشرة (3 أغسطس)، في إطار سياسية المملكة الرامية لعدم خلق ما يؤدي إلى توتر بينها وبين العراق في تلك الفترة. وفي الوقت نفسه عقد مجلس الوزراء السعودي، جلسة مطولة لدراسة الموقف الناشئ عن الغزو العراقي للكويت، وأيد الجهود التي يبذلها الملك فهد. كذلك، فإن أعضاء المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي، والذين كانوا في هذا اليوم (3 أغسطس) في القاهرة، لحضور اجتماع طارئ لمجلس جامعة الدول العربية لبحث الموقف نفسه، اجتمعوا على هامش الاجتماع، وأصدروا بياناً جماعياً، قادته المملكة والكويت، ركز على عدم الاعتراف بأي نتائج للعدوان العراقي، وطالبوا بالانسحاب الفوري غير المشروط، في أول مبادرة جماعية، وطالبوا جامعة الدول العربية باتخاذ موقف موحد إزاء الغزو العراقي للكويت.

وكان ذلك الموقف من المملكة العربية السعودية، بمثابة إعلان عن سلوكها كافة الطرق، في وقت واحد. فهي تحافظ على علاقتها بالعراق، مع أنه معتد ويهدد أمنها، كما تصر على الحفاظ على حقوق دولة الكويت.

   ومن المنطلق نفسه، نفت المملكة في السادس من أغسطس الأنباء، التي رددتها بعض وكالات الأنباء، عن إعلان المملكة التعبئة العامة لقواتها، وإرسال بعضها إلى الحدود الشمالية. وفي ذلك اليوم وصل وزير الدفاع الأمريكي إلى جدة، بينما أعلن الرئيس الأمريكي بوش إرسال قوات أمريكية إلى الخليج. وأصدر الملك فهد بياناً إلى الشعب السعودي، يعلن فيه استياء المملكة ورفضها للاعتداء العراقي على دولة عربية شقيقة، وأن الدول الصديقة والشقيقة ستشارك بقواتها لمساندة القوات السعودية في الدفاع عن المملكة، من دون أن تكون تلك المساندة، موجهة ضد أحد.

   واصل الوزراء السعوديون جهودهم، في الالتقاء بنظرائهم الخليجيين تارة والعرب تارة، وفي سعيهم في المحيط الإقليمي الخليجي والعربي، وفي أروقة المنظمات الدولية، والأوبك، والأمم المتحدة، لشرح القضية من كافة جوانبها، وكسب تأييد الدول المختلفة، لتكوين جبهة سياسية عريضة وقوية، تساند المملكة وتؤيدها عند الحاجة.

   وعلى صعيد آخر، نجحت المملكة في الحصول على تأييد مؤتمر القمة العربي الطارئ، المنعقد في القاهرة في 10 أغسطس، الذي أصدر بياناً يؤيد فيه الإجراءات السعودية، وإرسال قوات من مصر وسورية والمغرب إلى المملكة. وفي اليوم التالي (11 أغسطس)، اجتمع رؤساء أركان القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي في جدة، لبحث خطة موحدة لجيوش دولهم، وتنسيق استقبال القوات التي ستفد إلى المنطقة. وحذا حذوهم وزراء الإعلام لدول المجلس، في تنسيقهم خطة إعلامية موحدة، للتصدي للأزمة ومواجهة الحملة الإعلامية العراقية.

بدأت المملكة العربية السعودية، منذ 14 أغسطس، في اتخاذ موقف رسمي تجاه العراق، بعد أن مر على غزوه للأراضي الكويتية 12 يوماً، من دون أن تبدو بادرة مشجعة لانسحابه منها، وعدم صدور تعهد رسمي من أي مسؤول عراقي بذلك (حتى خلال زيارة نائب الرئيس العراقي إلى المملكة العربية السعودية في بداية الأزمة). وكانت أولى الخطوات التي تعلن ـ تدريجياً ـ عن انحياز المملكة جهة الإجراءات العقابية، لحمل العراق على الامتثال لما صدر من قرارات إقليمية ودولية، قفل خط أنابيب النفط العراقي المار بالأراضي السعودية، لتصدير النفط العراقي من الموانئ السعودية على البحر الأحمر. وأعقب ذلك دعوة المملكة إلى عقد مؤتمر لمنظمة الأوبك، لبحث رفع الإنتاج تعويضاً عن حصة العراق التي توقفت[7]. ثم أعلنت المملكة بعد الاجتماع ـ عن زيادة إنتاجها للنفط، حتى لا يتأثر السوق الدولي والمستوردين، جراء العقاب الموقع على العراق، في محاولة لجذب مزيد من التأييد العالمي.

بينما كان وزراء الدفاع لدول مجلس التعاون، يعقدون اجتماعاً استثنائياً في الرياض، في 22 أغسطس، لمناقشة الموقف العسكري ومتطلباته، وبحث توصيات رؤساء الأركان لدعم ومساندة الكويت والتسهيلات، التي ستمنح للقوات الأجنبية في المنطقة في إطار تحرير الكويت، كان سفير المملكة لدى واشنطن، صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز، في زيارة رسمية إلى موسكو، بناء على طلب الاتحاد السوفيتي، كمبعوث شخصي، للملك فهد، لبحث العلاقات الدبلوماسية مع موسكو[8]. وبالمثل، اتصلت المملكة بالصين، وعززت علاقاتها مع كل من المملكة المتحدة وفرنسا. وبذلك، وطدت المملكة علاقاتها مع الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن، الذي كان قد بدأ يبحث الأزمة، ويصدر قراراته تباعاً، من دون عرقلة من أي من دوله دائمة العضوية، على الرغم من شدة القرارات، وعنف الإجراءات العقابية، التي تفرض فيها على العراق. ويؤكد ذلك النجاح الكامل للمملكة في إدارتها للسياسة الخارجية، قبل تلك الأزمة وأثنائها، وقد تصاعدت الأزمة بعد ذلك عسكرياً، وعرفت باسم حرب الخليج الثانية.

ظلت السياسة السعودية مواكبة للأحداث، ومتوازية مع العمل العسكري، ومدعمة له. وكان قمة النجاح، توقيع المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي إعلان دمشق مع مصر وسورية للتنسيق والتعاون فيما بينهم. في 6 مارس 1991، أي بعد انتهاء الأعمال الحربية وتحرير الكويت واستئناف الحكومة الشرعية الكويتية مهامها الدستورية من عاصمتها الكويت في 8 مارس. واستمراراً في دعم الموقف السياسي، أعادت المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، بعد قطيعة دامت ثلاث سنوات، لتزيد من عزلة العراق في منطقة الخليج العربي، وحتى يجبر على الامتثال لكافة القرارات الثلاثة عشر الصادرة ضده من مجلس الأمن، لإزالة آثار عدوانه ونتائجه على الكويت.

سادساً: الإعداد السياسي الأمريكي، في حرب الخليج الثانية

منذ بداية أزمة الخليج، عمد الأمريكيون إلى التحرك على ثلاثة محاور: سياسية واقتصادية وعسكرية، لإتاحة الفرصة لكافة الخيارات المتاحة. إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية، كانت تعمل بوحي من مركز القوة الذي تحتله، وفي إطار ترتيباتها للانفراد بالقمة في النظام العالمي الجديد، الذي بدأ يتشكل. لذلك، جاءت التحركات الأمريكية مزيجاً من كافة الضغوط، كسمة للإدارة الأمريكية في أزمة الخليج، التي شملت، المحاور الثلاثة.

كانت الإدارة الأمريكية، تضع في الحسبان كافة احتمالات تصعيد الأزمة، لذلك، كانت تُعِد لكافة الاحتمالات في المحاور الثلاثة، إلا أنها كانت تضع أولويات لتلك المحاور. فهي مع إعدادها العسكري وإجراءاتها الاقتصادية، تتحرك سياسياً في كافة الاتجاهات، معطية الفرصة كاملة للحل السياسي السلمي، من دون أن تغفل الاحتمالات الأخرى، التي تعتبر، في المراحل الأولى، وسائل ضغط تعاون السياسية الأمريكية في إيضاح عواقب التشدد، وعدم الإذعان للضغوط للتوصل إلى حلٍ سلمي.

من جهة أخرى، عمدت الإدارة الأمريكية إلى الاستمرار في إجراءاتها، في المجالين الاقتصادي والعسكري. وفي كل مجال اتخذت من الترتيبات والإجراءات، وكأنه المجال الوحيد المتاح لحل الأزمة.

وكان الإعداد الأمريكي للحرب يختلف عما هو متعارف عليه. فلم يكن نمطياً، فقد كانت الدولة نفسها بعيدة عن أي أخطار أو تهديد، من جانب العراقيين، بشكل مباشر، بل أنه لم يكن متصور، في أي لحظة، إمكان شن العراق هجمات وإدارة أعمال قتال في الأراضي الأمريكية أو بالقرب منها. وإنما كان التهديد العراقي منصباً على المصالح الحيوية الأمريكية في منطقة الخليج، مما يؤثر على الشعب الأمريكي، ويعرض الأمريكيين في منطقة الخليج لأخطار جمة[9]. لذلك، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُعِد منطقة الخليج العربي، هي مسرح العمليات المنتظر، ولا بد من الدفاع عنه. يشمل ذلك إدارة سياستها الخارجية في المنطقة، والإعداد لتقبل ذلك الصراع وما يسفر عنه. وكذلك، سياستها الداخلية ليتقبل المواطن الأمريكي فكرة إدارة صراع على بعد آلاف الأميال، لحماية المصالح الأمريكية الحيوية، علاوة على إعدادها الاقتصادي الذي تضمن ثلاثة أهداف، لضمان كل متطلبات الأمريكيين (مدنيين وعسكريين) خلال فترة الصراع، وإجراءات معاقبة العراق اقتصادياً تصاعدياً، وتأمين المصالح الاقتصادية الأمريكية بالمنطقة وأهمها استمرار تدفق النفط، كذلك الإعداد العسكري بما يشمله من نقل للقوات بمعداتها وتجهيز مسرح العمليات بما يلزم لإدارة صراع عسكري إذا لزم الأمر.

أدانت الولايات المتحدة الأمريكية، الغزو العراقي للكويت بشدة. وطالبت بانسحاب فوري غير مشروط. وفي الوقت نفسه، طلبت عقد جلسة طارئة وعاجلة لمجس الأمن لمناقشة الحدث. وتابعت السياسة الأمريكية ضغطها وتحركها في هذا المجال، الذي أسفر عن صدور بيان مشترك مع السوفييت، بإدانة الغزو ورفض نتائجه، وهو البيان الأكثر أهمية لدى الأمريكيين، لأنه يوضح لكافة الأطراف، اتفاق أكبر دولتين في العصر في وجهات نظرهما من هذه الأزمة. كما أسفر أيضاً عن صدور قرار مجلس الأمن الرقم 660 في 2 أغسطس 1990، الذي يطالب العراق بالانسحاب العاجل، والتفاوض مع الكويت لحل الخلافات بينهما.

بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ، تمارس ضغوطاً اقتصادية لحرمان العراق من أي مكاسب اقتصادية، ودعوة كافة الدول إلى ذلك، كان التحرك السياسي يُعد المجتمع الدولي لتأييد الإجراءات الاقتصادية. ونتج عن ذلك صدور قرار مجلس الأمن الرقم 661، في 6 أغسطس 1990، بفرض حظر اقتصادي شامل على العراق، وهو نجاح آخر للسياسة الأمريكية تجاه الأزمة.

على الصعيد العسكري، كانت البحرية الأمريكية، تتجمع في الخليج العربي، وتطبق الحظر الاقتصادي المفروض على العراق من قبل مجلس الأمن، في حين تتصاعد أعداد القوات الأمريكية في المنطقة. وعندما وصل الرقم خلال شهر أغسطس 90 (شهر الغزو) إلى مائة ألف جندي، بدأ وزير الخارجية الأمريكي في الحديث عن الخيار العسكري، لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت. أما عندما بلغ حجم القوات الأمريكية في المنطقة (في منتصف أكتوبر) مائتي ألف جندي، ومعهم 87 ألف من الدول المتحالفة، نادى الأمريكيون بضرورة استخدام القوة ضد العراق، إذا لم تحقق الخيارات الأخرى نجاحاً في انسحابه من الكويت. وعندما تكامل الحشد الدولي العسكري، في نهاية شهر نوفمبر 1990، استطاعت السياسة الأمريكية الحصول على قرار جديد من مجلس الأمن في المجال العسكري، حيث صدر القرار الرقم 678، في 29 نوفمبر، مبيحاً استخدام القوة بعد يوم 15 يناير 1991، لإجبار العراق على الانسحاب وكان ذلك القرار نصراً كبيراً للسياسة الأمريكية، في مراحل إعدادها مسرح العمليات، وتهيئة المجتمع الدولي والشعب الأمريكي، لتقبل الأحداث القادمة، خاصة أن قرار مجلس الأمن الأخير (678) مر بمرحلة صعبة، عندما أبدت الصين اعتراضاً عليه. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية استغلت، حاجة الصين إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليها، منذ قمع الجيش الصيني لحركة الطلاب بالقوة في ربيع عام 1989، لتقنع الصينيين بالامتناع عن التصويت بدلاً من التصويت ضد القرار (والصين تملك حق الاعتراض المعرقل لصدور القرار، “Vito”).

أصبح في حقيبة الدبلوماسية الأمريكية، ثلاثة قرارات تحظى بتأييد وإجماع دولي:

  1. القرار الرقم 660، وهو قرار سياسي يطالب بانسحاب العراق من الكويت، واللجوء إلى التفاوض لتسوية الخلاف بينهما.
  2. القرار الرقم 661، وهو قرار اقتصادي يفرض حظر اقتصادي على العراق، حتى لا تستفيد من نتائج الغزو، لحين الانسحاب من الكويت.
  3. القرار الرقم 678، وهو قرار يتوافق مع المجال العسكري، إذ يحدد موعداً (15 يناير 1991) لإتمام الانسحاب، ويبيح استخدام القوة ضد العراق بعد هذا التاريخ إذا لم ينسحب من الكويت.

وبذلك تكون السياسة الأمريكية، نجحت في تهيئة المسرح وإعداده لتقبل أي إجراء في أي من المجالات الثلاث التي كانت الإدارة الأمريكية تتحرك في نطاقهم، إلا أن السياسة الأمريكية لم تكن حققت بعد كل أهدافها، فقد كانت هناك مراحـل للعمل السياسي لم تبدأ بعد. فبعد النجاح في الإعداد، لا بد من الاستمرار للمتابعة، والمحافظة على ما تحقق، وعندما يتقرر المجال الذي سيتم العمل من خلاله، لا بد أن تتجه السياسة الأمريكية إلى تزعمه واستثماره لصالح الدولة للخروج بالنتائج المحدد سلفاً، ومتابعة تداعيات الأحداث، للحفاظ على النتائج المحققة.

لم يقتصر التحرك السياسي الأمريكي، على البيانات الفردية، أو القرارات الصادرة عن مجلس الأمن. بل سعت الولايات المتحدة، كذلك، إلى التعاون مع خصوم الأمس، والحلفاء السابقين والحاليين، لتشديد القبضة على العراق حتى يرتدع، طالما لم تستطع قياداته السياسية تفهم الحقائق السياسية التي تهم الأمريكيين. فلم تكن مسارعتهم لحماية ناقلات النفط الكويتية في الحرب السابقة ـ حرب الخليج الأولى ـ فقط لإبعاد السوفيت عن المنطقة، بل كانت لتوضيح مدى أهمية الكويت ونفطها للمصالح الأمريكية، التي استدعت أحياناً الدخول في مواجهات مسلحة مع إيران، على صفحة مياه الخليج أكثر من مرة.

قابل وزير الخارجية الأمريكي، نظيره السوفيتي في موسكو، اليوم التالي للغزو. وأصدرا بياناً مشتركا يدين الغزو، ويطالب العراق بالانسحاب. وفي قمة هلسنكي، التي كانت مقررة من قبل (10 سبتمبر 1990) سعت الولايات المتحدة الأمريكية لصدور بيان عنها، بإدانة الممارسات العراقية لضم الكويت، ثم نسقت مع حلفائها الغربيين، ليس فقط للمعاونة في تطبيق العقوبات الموقعة من قِبَلْ مجلس الأمن، بل والمشاركة في إرسال قوات إلى منطقة الخليج، والمساندة مالياً في النفقات، ودفع الضرر عن الدول التي أضيرت من جراء الحصار الاقتصادي، أو أحداث الأزمة بصفة عامة. وقد كان للولايات المتحدة الأمريكية ما أرادت، فقد دفعت اليابان وألمانيا الغربية (وقتها) نصيباً من التكاليف الإجمالية، وشاركت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وعدة دول أوروبية أخرى، بقوات مقاتلة، أو وحدات إدارية، أو فنية، أو طبية.

وعلى الرغم من استمرار العراق في رفضه قرارات مجلس الأمن، التي توالت، مضت الإدارة الأمريكية في طريق الحل السلمي السياسي حتى أخره. ومع تأكدها من عدم تراجع العراق، اقترحت، قبل انتهاء المهلة المحددة (15 يناير 1991)، لقاء في واشنطن، بين الرئيس الأمريكي بوش، ووزير الخارجية العراقي طارق عزيز، وآخر في بغداد بين الرئيس العراقي صدام حسين، ووزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر. وانتهى الاقتراح بلقاء في جنيف، بين وزيري الخارجية، تم في 9 يناير 1991 (6 أيام قبل انتهاء المهلة) أُعلن عن فشله لاحقاً. وبذلك، أصبح الموقف أكثر تأكيداً لاستخدام القوة المسلحة، مع اقتراب الموعد المحدد، وفشل كل المبادرات، التي طُرحت، والنداءات، التي وجهت، بسبب الرفض العراقي.

في الثاني عشر من يناير، أعطى الكونجرس الأمريكي الرئيس بوش، صلاحيات واسعة لبدء الحرب، وبعدها بأربعة أيام جاء وقت “أم المعارك الكبرى”، كما سماها صدام حسين نفسه.

بدأت العمليات العسكرية بالقصف الجوي، والذي استمر طوال 36 يوماً، اعتباراً من 17 يناير 1991، أي بعد انتهاء المهلة المحددة في القرار رقم 678، بأقل من يومين، وعلى الرغم من ذلك، فإن الحل السلمي ظلت فرصه متاحة لم تنتهي. وأعلن الاتحاد السوفيتي عن مبادرة، وقامت إيران (الطرف الآخر مقابل العراق في حرب الخليج الأولى) بمساعٍ حميدة، ووافق العراق تحت وطأة القصف الجوي، الامتثال لقرار مجلس الأمن الرقم 660 (يوم 22 فبراير 1991). ولم ترى الإدارة الأمريكية العرض مشجعاً بعد أن استمرت الحملة الجوية لعاصفة الصحراء، بنجاح، وتضامن كامل للتحالف الدولي، 37 يوماً، وقد أوشكت على الانتهاء، ليتم الانتقال للمرحلة الثانية، وهي العمليات البرية[10].

ويتنافى ذلك مع أهداف السياسية الأمريكية، التي كان من الضروري الحفاظ عليها حتى يتحقق للمصالح الأمريكية الأمن في المنطقة، بتدمير القوات المسلحة العراقية، وإضعافها حتى تصبح غير ذات خطر في المنطقة. وتحت الضغط الأمريكي استمرت الأعمال القتالية، وانتقلت للمرحلة الثانية، العمليات البرية لتحرير الكويت، وتدمير القوات المسلحة العراقية. وهكذا، تمكنت السياسة الأمريكية من الحفاظ على سير الأحداث في الاتجاه، الذي يحقق الأهداف الأمريكية، بموافقة جميع دول العالم في الهيئة الدولية، بعد أن دللت على مراوغة العراق، وضرورة العقاب الفعال، وتقليم أظافره.

استمرت العمليات الحربية البرية، تساندها قوة جوية هائلة. حتى تحررت الكويت في 27 فبراير 1991 (بعد 4 أيام من بدء الحرب البرية). ويوجه العراق رسالة للأمين العام للأمم المتحدة، يصرح فيه بامتثاله لقرارات مجلس الأمن، ويبلغه بسحب كل قواته من الكويت، بينما كانت قوات التحالف تتوغل في جنوب العراق. وهكذا يتوقف القتال في منتصف ليلة 28 فبراير / 1 مارس 1991.

كان الرئيس الأمريكي بوش، يدفع الأحداث لتتداعى بسرعة كبيرة أمام نتائج القتال، ليستثمر نصره لأقصى حدٍ، قبل أن يبدأ المتحالفين في المطالبة بنصيبهم من النفوذ والتكلفة، أو يبدأ العراق في وضع عراقيل جديدة. لذلك، ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية لوضع أحكام لوقف إطلاق النار (القرار الرقم 687، بتاريخ 3 أبريل 1991)، ثم مطالبة العراق بالتعويضات (القرار الرقم 688 إنشاء صندوق للتعويضات تحت إشراف الأمم المتحدة، بتاريخ 20 مايو 1991)، ثم إقرار خطة الأمين العام، لإنهاء برنامج العراق للأسلحة المحظورة (القرار الرقم 699 بتاريخ 17 يونيه 1991)، ومطالبة العراق بوقف أي نشاط نووي، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالوصول للمواقع المحددة للتفتيش (القرار الرقم 707 بتاريخ 15 أغسطس 1991)، وإقرار خطة لرصد امتثال العراق لوقف إطلاق النار (القرار الرقم 715 بتاريخ 11 أكتوبر 1991)، وقرارات أخرى متتالية، أكملت الثلاثين قراراً وكان الهدف من كل هذه القرارات، إحكام القبضة على رقبة العراق، فلا هواء أو ماء إلا بموافقة الأمم المتحدة، وتحت سمع وبصر مراقبيها، الذين يتلقون توجيهات أمريكية، بجانب أوامر مجلس الأمن. وبذلك أثبتت الإدارة الأمريكية أهمية الإعداد السياسي الجيد، قبل وأثناء وبعد الحرب، أو الأزمة، أيّاً كان نوعها.

إعداد القوات المسلحة للدفاع

القوات المسلحة هي الأساس في عملية الإعداد للدفاع، فتلك مهمتها الرئيسية. تضطلع بأعبائها وزارة الدفاع أثناء السلم، وتعاونها الوزارات الأخرى بتلبية مطالبها للإعداد، حتى يكون الإعداد سليماً وقوياً.

ويتأثر إعداد القوات المسلحة للدفاع، بعدة عوامل أهمها:

  1. الهدف السياسي ـ الإستراتيجي للدولة.
  2. قوة وإمكانات الخصم (المحتمل ـ المنتظر)، وأهدافه وتحالفاته، وعلاقاته الدولية والإقليمية المؤثرة، وأسلوبه لإدارة الصراع، وقدراته الاقتصادية.
  3. الأوضاع الاقتصادية للدولة، وإمكانيات تطويرها، وقدراتها على تحمل أضرار الحرب.
  4. قوى الدولة البشرية، وخصائصها.
  5. مدى تماسك النسيج الاجتماعي لطوائف الشعب المختلفة، والاتجاهات الفكرية والعقائدية في المجتمع.
  6. قدرات الصناعة الوطنية، ومدى مرونة تحولها إلى صناعات حربية.
  7. مدى التقدم التقني للدولة، واستخدامها لمبتكرات العصر، ومدى توافر الكوادر الفنية العالية المستوى بها.
  8. طبيعة الصراع المسلح المتوقع، وأنواع الأسلحة المنتظر استخدامها فيه.
  9. كفاءة القوات المسلحة القتالية وقدرتها، وإمكاناتها.
  10. حدود مسرح العمليات المنتظر وطبيعته، وما يوفره من مزايا، أو يثيره من عوائق للطرفين.
  11. العقيدة العسكرية، وأسلوب القيادة والسيطرة.

ويزيد من فاعلية العوامل المؤثرة، على إعداد القوات المسلحة للدفاع، وشدة تأثيرها، أنها عوامل متشابكة يؤثر بعضها في بعض، مما يعظّم نتائج التأثير أو يحد منها. فقد تكون قوة الخصم، ضرورة لرفع حجم القوات المسلحة للدولة، إلاّ أنّ القوى البشرية للدولة لا تفي بذلك، بينما تستطيع الدولة الحصول على أسلحة متقدمة، نظراً لقوة اقتصادها، بما يعوض نقص القوى البشرية نسبياً.

من جهة أخرى، فإن ضعف القدرات الصناعية الوطنية، وتأخرها تقنياً، يزيد من العبء على الاقتصاد الوطني، الذي يتحمل أعباءً إضافية لاستيراد أنواعٍ متقدمة من الأسلحة. إلاّ أن زيادة تعداد القوى البشرية، وخصائصها الجيدة (صحياً وتعليمياً وثقافياً) تمكن من زيادة حجم القوات المسلحة، مع تسليحها بعتاد منخفض التقنية نسبياً، للاستفادة من زيادة العنصر البشري لإحداث التأثير المطلوب.

يشتمل إعداد القوات المسلحة للدفاع، على عدة إجراءات تنفذها القيادة العسكرية في الدولة (وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها) أهمها:

  1. التخطيط الإستراتيجي، لاستخدام القوات المسلحة في الحرب.
  2. تحديد حجم القوات المسلحة في السلم والحرب، وأسلوب بنائها.
  3. نظام التعبئة، عند توقع الحرب.
  4. الانتشار (الفتح) الإستراتيجي للقوات المسلحة، وبناء التجميعات الإستراتيجية والعملياتية في مسرح العمليات، وعلى الاتجاهات الإستراتيجية المختلفة.
  5. التدريب القتالي، وإعداد القوات المسلحة، لكل ما هو ضروري للحرب.
  6. التأمين الشامل للقوات المسلحة.
  7. تنظيم وإدارة الاستخبارات الإستراتيجية.
  8. إعداد مسرح العمليات وتجهيزه (وهو إجراء يشارك فيه العديد من الوزارات والهيئات الحكومية وغير الحكومية، ويعتبر عنصراً قائماً بذاته لأهميته البالغة).

ونوضح كل أجزاء منها فيما يلي:

أولاً: التخطيط الإستراتيجي لاستخدام القوات المسلحة

يهدف التخطيط الإستراتيجي، لاستخدام القوات المسلحة الوطنية في الحرب، إلى إعداد قوات الدولة لتكون قادرة على تحقيق مهامها الدفاعية الإستراتيجية بنجاح. ويُعد التخطيط بمثابة العمود الفقري، في خطة إعداد القوات المسلحة للحرب، التي يتعين أن تَستخدم القوات المسلحة الوطنية الاستخدام الأنسب، عند نشوب القتال، وتأمينها التأمين الشامل.

وتتولى مهمة إعداد التخطيط الإستراتيجي، لاستخدام القوات المسلحة الوطنية في الحرب، أجهزة القيادة العامة للقوات المسلحة، ورئاسة الأركان العامة بوزارة الدفاع، ويصبح هذا التخطيط ملزماً لكافة الأطراف المعنية، وعليهم تنفيذه، بعد مصادقة القيادة السياسية للدولة عليه (رئيس الدولة أحياناً باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة).

يشمل التخطيط الإستراتيجي، لاستخدام القوات المسلحة، عدة خطط؛ بعضها عام (لصالح القوات المسلحة)، وبعضها خاص (لصالح قوة معينة[1]، أو جزئية معينة في الإعداد تقوم بها إدارة محددة):

  1. 1. الفكرة الإستراتيجية، العامة والقرار الإستراتيجي لاستخدام القوات المسلحة في الحرب[2].
  2. 2. خطط لاستخدام الإستراتيجية الخاصة بالأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، وهى تشمل خطط استخدام القوى البرية، والبحرية، والجوية، والدفاع الجوى[3].
  3. 3. خطط التعبئة للقوات، والانتشار الإستراتيجي[4]، وبناء التجميعات الإستراتيجية والعملياتية[5].
  4. 4. خطة الاستطلاع (الاستخبارات) الإستراتيجية، والاستخبارات المضادة، قبل بدء الصراع، وعند بدئه.
  5. 5. خطة التأمين الشامل للقوات.
  6. 6. خطة تنظيم القيادة والسيطرة الإستراتيجية والعملياتية.
  7. 7. خطة الخداع الإستراتيجية.
  8. 8. خطة الدفاع المدني[6].

يراعى عند التخطيط الإستراتيجي، لاستخدام القوات المسلحة، وضع هدف إستراتيجي يجب الوصول إليه بكفاءة واقتدار. كما يجب مراعاة الإمكانيات المتاحة، والقدرات الفعلية ـ حالياً ومستقبلاً ـ للقوات المسلحة، وتلك التي للدولة (لأنها ستخصصها لتلبية مطالب القوات المسلحة). ويجري مراجعة الخطط دورياً، وكلما طرأت متغيرات رئيسية لأسس بنائها، وعند تطور الأحداث القريبة والمؤثرة على الدولة. وبناء على تلك المراجعة، يجري تحديث تلك الخطط لتتلاءم مع التطورات، وتؤمن مواجهتها بكفاءة واقتدار.

ثانياً: تحديد حجم القوات المسلحة في السلم والحرب، وأسلوب بنائها

تحاول الدول دائماً ـ ومهما ارتفعت قدراتها الاقتصادية[7] ـ تخفيض تكلفة قواتها المسلحة. ولا ينبغي تحقيق ذلك، على حساب جودة التسليح، أو خفض ساعات التدريب، أو اقتصارها على المعلومات النظرية. فمثل هذه النظرة الضيقة، تخل بأسس إعداد القوات المسلحة للدفاع عن الوطن. لذلك، تلجأ الدول إلى خفض حجم القوات، إلى حد يمكنها من ممارسة مهامها الروتينية بكفاءة، كما تكون قادرة ـ بهذا الحد الأدنى ـ من التصدي للمفاجآت، على أن تكون هناك وسيلة سريعة ودقيقة لزيادة هذا الحجم (نظام تعبئة)، إلى الحد، الذي يتطلبه حجم المخاطر والتهديدات والعدائيات المتوقعة.

لكل دولة أسبابها وظروفها وإمكانياتها، التي تحدد من خلالها حجم قواتها المناسب، في وقت السلم، ووقت الحرب. إلا أنه يجب مراعاة الآتي، عند تقدير هذا الحجم:

  • حجم التهديدات وطبيعتها.
  • أن يلبى الحجم مطالب الحرب الحديثة.
  • أن يساير الحجم اتجاهات التطوير (في المعدات وفى أسلوب القتال).
  • حجم الخسائر الكبيرة والمنتظرة في الحروب الحديثة (في الأرواح والمعدات).
  • أن يؤمن الحجم إمكانية الاستمرار في القتال.
  1. حجم القوات المسلحة العاملة في وقت السلم

يتوقف هذا الحجم، على القدر المطلوب لصد أي هجمات مفاجئة، ثم البدء في القيام بأعمال نشطة وحاسمة (وإن كانت محدودة)، لحين تعبئة قوات أخرى من احتياطي القوات المسلحة. وطبقاً لحجم الدولة، وقوة التهديدات المنتظرة، فإن بعض الدول تفضل أن يكون حجم قواتها في السلم، قادراً على إدارة عمليات تعرضيه (هجومية) من دون انتظار لتعبئة وحشد قوات (خاصة إذا كانت الدولة من الدول ذات الأعباء أو الطموح الدولي والإقليمي). وقد ترى الدولة زيادة حجم القوات في تخصص محدد مثل الدفاع الجوي مثلاً (ليكون قادراً على التصدي لهجمات العدو الجوية، التي تصاحب الهجوم البري وتمهد له في البداية) أو القوات الجوية (لتكون قادرة على رد الضربة، أو إجهاضها بضربة وقائية) إضافة إلى القوات القريبة من حدود الدولة؛ ويختلف حجمها من اتجاه لأخر، ومن وقت لأخر، حسب تطور العلاقات مع دول الجوار الجغرافي.

  1. حجم القوات في وقت الأزمات والحرب

يُحدد حجم القوات المسلحة المطلوب، للقيام بعمليات قتالية ناجحة، في ضوء الهدف السياسي العسكري للدولة، والمهام الإستراتيجية المطلوب تحقيقها من الحرب، وعلى تقديرات حجم وقدرات الخصم، ونسبة التفوق المطلوبة عليه (والتي تتدخل فيها أيضاً قدرات الأسلحة، وشكل التنظيم، منسوباً لأسلحة وتنظيمات العدو) ومدة الحرب المتوقعة، وحجم التحالفات الممكن الاستعانة بها أو التعاون معها، وحجم الخسائر المتوقعة في الأسلحة والتخصصات المختلفة، ودرجة تأثيرها على أداء القوات.

تحقق النسبة 1 : 5 المعادلة، بين السلم والحرب في حجم القوات، التي قد تزيد أو تقل، طبقاً لموقفي الدولة السياسي والعسكري، وعناصرها الجغرافية[8]. ومن المتعارف عليه، أن يكون حجم القوات المسلحة، بالنسبة لتعداد الدولة، في حدود 2.4%، وهى نسبة ترتفع في بعض الدول، ذات الإستراتيجيات الهجومية أو الميول العدوانية، لتصل إلى أكثر من 20% من تعداد السكان[9]، وهو أمر يؤثر على الأنشطة الأخرى في الدولة، بسبب ارتفاع معدل العاملين بالقوات المسلحة، عن المعدل الطبيعي. وتحتفظ بعض الدول بحجم قواتها العاملة وقت السلم، بما يعادل الحجم المطلوب وقت الحرب لاعتبارات سياسية أو أمنية. وقد تتصل هذه الاعتبارات ـ أحياناً ـ بالمشاكل الخارجية للدولة. فضلاً عن أنها، غالباً، تتعلق بمشاكلها الداخلية.

  1. الأنساق الإستراتيجية

حتى لا تحتفظ الدولة، بحجم قوات مسلحة عاملة كبير، مما يرهق ميزانيتها ويثقل اقتصادها (وقد يتعدى ذلك إلى إرباك الأنشطة الأخرى، التي قد لا تجد العدد الكافي من العمالة المدربة) فإنها تقسّم قواتها وقت السلم إلى نسقين:

أ. النسق الأول الإستراتيجي

يتكون من التشكيلات ذات نسب الاستكمال العالية، والمدربة تدريباً جيداً، وكفاءتها القتالية مرتفعـة، علاوة على استعدادها الدائم لخوض القتال مباشرة، من دون فتح أو انتشار إستراتيجي. (أو قد تحتاج إلى وقت قصير لإعادة تمركزها، بما يتلاءم مع دخولها في أعمال القتال)، وهى تسمى قوات الصدمة الأولى، وتتكون من كافة قوات الأفرع الرئيسية العاملة، وقوات حرس الحدود، وخفر السواحل الموجودة بالقرب من حدود الدولة، بشكل شبه دائم.

ب. النسق الثاني الإستراتيجي

يتكون من القوات التي تتم تعبئتها وانتشارها (الانتشار (الفتح) الإستراتيجي)، في مدة طويلة نسبياً، وتكون ـ عادة ـ قوات احتياطية، تستدعى للتدريب على فترات زمنية (طبقاً لخطط التدريب الموضوعة). وقد يبقى منها في القوات العاملة نواه ذات نسبة منخفضة (قد لا تتعدى 20% من قوة الوحدة)، أو قد لا يوجد منها في القوات العاملة سوى بعض الضباط العاملين في قطاع التعليم العسكري، أو التفتيش، أو غيره من المجالات غير المطلوبة بكثافة، عالية في وقت الحرب[10].

عقب حرب يونيه 1967، نشطت القيادة العامة للقوات المسلحة، في سورية ومصر، لإعادة تنظيم قواتهما. وكانت المرحلة الأولى تستهدف تأمين الحد الكافي للدفاع، على الخطوط القتالية، التي توقفت عليها القوات (خطوط وقف إطلاق النار). والاحتفاظ باحتياطي كاف من القوات، من مختلف الأنواع المساندة في القطاعات العملياتية المختلفة، بالجبهة القتالية.

كان من الضروري في تلك المرحلة، قبول ما يمكن الحصول عليه من أسلحة، كيفما كانت درجة فاعليتها، أو تقنيتها. كما كان الأساس فيها، الاعتماد على التشكيلات الموجودة من القوات المختلفة، واستكمال عناصرها للحد، الذي يمكّنها من أداء مهامها الدفاعية بنجاح.

وباستيفاء مطالب تلك المرحلة، كان لا بد من الانتقال للهدف الأسمى، ألا وهو تحرير الأرض المحتلة في عمليات 1967، لذلك، بدأت القيادات العسكرية في دراسة متطلبات المرحلة الثانية، التي كانت تختلف في حجم قواتها المطلوبة، ونوعياتها، وتسليحها، عن المرحلة السابقة، فطبيعة الهجوم، مختلفة عن الدفاع. فالهجوم يحتاج إلى تفوق على قوات العدو، في الأفراد والمعدات والأسلحة، بما لا يقل عن ثلاثة أضعاف على أقل تقدير. ويعني ذلك أن تتضخم القوات المسلحة ستة أضعاف (فحجم القوات الكافي للدفاع، يكون عادة من ثلث إلى نصف، حجم قوات العدو).

وفي المهام الدفاعية، تُعد وحدات المشاة أكثر مناسبة، وتدعم بعناصر مدرعة لتنفيذ الهجمات المضادة، بغرض تدمير العدو المخترق للدفاعات. ويساند قوات المشاة عادة حجم كبير من عناصر الهندسة العسكرية لإنشاء التحصينات وبث الألغام. أما في المهام الهجومية، فإن القوات المدرعة والآلية تُعد القوات الرئيسية، لذلك النوع من الأعمال القتالية، . وتكون المساندة النيرانية من المدفعية ذات المدى الطويل والفاعلية الكبيرة، والقوات الجوية (خاصة الطائرات العمودية الهجومية، ذات التسليح المتنوع والمتطور) من أكثر الأسلحة المطلوبة.

لذلك، لا بدّ أن يسبق الانتقال إلى مرحلة الإعداد للهجوم، الحصول على الأسلحة الهجومية المناسبة، وإنشاء الحجم الكافي من القوات، ذات النوعية القادرة على الحركة السريعة والمناورة الكافية، والعناصر المتخصصة المختلفة اللازمة للإسناد.

يستدعي ذلك التطور الكبير في حجم القوات المسلحة[11]، تدابير مماثلة في أهميتها للنواحي المالية، وهو ما قد يمس حياة المواطنين نسبياً[12]، ولأنها تتأثر بالتعديلات في مدد الخدمة التطوعية والإلزامية[13].

ثالثاً: نظام التعبئة

تتحول الدولة كلها ـ في نظام التعبئة الشاملة ـ من حالة السلم، إلى حالة الحرب. وتكون التعبئة، عادة، على نحو سرىّ، وقد تأخذ أحياناً الطابع العلني، عند حدوث مفاجأة، ببدء أعمال القتال من الخصم، أو عند التعبئة الشاملة (حيث تؤدى تعبئة الأجهزة والموارد المدنية إلى العلنية). وقد تكون التعبئة جزئية لقطاع واحد، أو جزء من التشكيلات، أو وحدة عسكرية بعينها. وتكون التعبئة الجزئية عادة سرية، حيث يمكن كتمانها لفترة زمنية محددة. وقد يُعلن عنها، لأغراض سياسية أو خداعية.

خطة التعبئة

تُعد خطة التعبئة بكافة تفاصيلها، ضمن التخطيط الإستراتيجي لاستخدام القوات المسلحة. وهي جزء من خطة التعبئة العامة للدولة، وتحقق كل منهما أهداف الخطة الأعلى. وتشمل خطة تعبئة القوات المسلحة، التي تُعد أهم ما تعده القيادة العامة من خطط في وقت السلم، استكمال القوات للنسبة، التي تجعلها جاهزة للقتال (يشمل الاستكمال الأفراد والمعدات والأسلحة)، كما يشمل أيضاً تكوين وحدات وتشكيلات جديدة، قد يتطلبها الموقف. وفى القطاع المدني، تحدد خطة التعبئة الأجزاء، التي تتم تعبئتها الجزئية، لصالح المجهود الحربي للدولة، (التعبئة الجزئية)، والتي عادة تشمل المنشآت (كالمستشفيات وبعض المصانع والورش الفنية) ووحدات النقل (بأنواعها).

وترجع أهمية الدقة في خطة التعبئة الإستراتيجية، في توفيرها الموارد المالية لصالح قطاعات أخرى، مما يخفف من تكلفة القوات المسلحة وقت السلم. وفي الوقت ذاته تحقق السرعة في الوصول بالقوات إلى الحجم المطلوب، لبدء أعمال قتال رئيسية.

وتتطلب خطة التعبئة فتح مراكز لتجميع الأفراد في مناطق تواجدهم الرئيسية، ووجود مستودعات للأسلحة والمعدات قريبة منها (بخلاف مستودعات التخزين الإستراتيجية) ووسائل نقل وطرق جيدة، حتى يمكن سرعة وصول العناصر المعبأة بكامل تجهيزاتها (سواء أفراد أو وحدات صغرى) إلى مناطق الحاجة إليهم في التوقيت المطلوب.

تستكمل دقة وفاعلية خطط التعبئة، بنظم إنذار واستدعاء ذات كفاءة عالية، يمكن تعديلها وتحسينها طبقاً للخبرات، التي تكتسب بالتجارب المتتالية في كافة الاحتمالات. وتعطى الأجهزة الإلكترونية الحديثة، أعلى درجات الفاعلية، في دقة وكفاءة النظام كله.

مع تصاعد التوتر بين إسرائيل والدولة العربية المحيطة، في يونيه 1967، بدأت إسرائيل في تنفيذ خطة التعبئة العامة، اعتباراً من 4 يونيه، بعد أن شكلت وزارة حرب في أول يونيه. ونتج عن التعبئة زيادة حجم القوات المسلحة البرية، من ثلاثة ألوية مشاة ولواء دروع (حجم قواتها العاملة وقت السلم في ذلك الوقت)، إلى 25 لواء مشاة، ومشاة آلية، ومظلي، وسبعة ألوية دروع. وتمكنت إسرائيل من تعبئة ربع مليون مقاتل (بنسبة 10% من إجمالي تعداد الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت)، وتعدت نسبة نجاح التعبئة 95%، من المستهدفين.

كذلك، استدعت القيادة المصرية، القوات الاحتياطية، بهدف رفع حجم القوات المسلحة (من خلال خطة التعبئة العامة) 125 ألف فرد مقاتل احتياطي. إلا أنه لم يستجيب (لأسباب مختلفة) أكثر من 82 ألف مقاتل احتياطي (لا تتعدى نسبة المستدعين الذين لبوا النداء ووصلوا إلى وحداتهم 0.3% من تعداد الشعب المصري حينذاك) بنسبة نجاح للتعبئة لم تتعدَ 65% من المستهدفين.

كان من الواضح وجود قصورٍ في خطة التعبئة المصرية. فقد مرت سنوات عديدة على آخر تجربة عملية أجريت لاختبار الخطة العامة، ولم يتسن إجراء تجارب على الخطط الفرعية، سوى اختبار واحد، بهدف قياس نسبة الاستجابة عند الاستدعاء لدى أفراد وحدة احتياطية، وجرى ذلك عام 1965، أي منذ عامين. إضافة إلى ذلك، فإنه لم يجر أي تدريب ذي قيمة فعلية للقوات الاحتياطية، بل لم يكن هناك تخطيط لتدريب تلك القوات دورياً، كما هو مفترض، لإكسابها كفاءة قتالية مناسبة.

ويتضح من ذلك (كأحد الأسباب الرئيسية)، أن خطة التعبئة الإسرائيلية، كانت أكثر كفاءة ودقة. وقد جرى التدرب عليها مراراً، لذلك كانت نسبة نجاح التعبئة عالية، مع أن حجمها يفوق المعدلات العالمية (2.4% من حجم الشعب). وقد استطاعت إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، زيادة نسبة التعبئة لتصل إلى 20% من حجم الشعب، وهي نسبة عالية للغاية[14]. ولم تكن مصر تحتاج عام 1973 إلى تعبئة شاملة عالية النسبة، كتلك التي قامت بها إسرائيل، حيث كانت مصر تحتفظ بقوات عاملة، منذ أن بدأت في إعداد قواتها للدفاع، بحجم كامل، كانت تزيده تدريجياً.

رابعاً: الانتشار (الفتح) الإستراتيجي للقوات المسلحة:

بناء على فكرة الاستخدام الإستراتيجي للقوات، يتم إعداد خطة بناء التجميعات الإستراتيجية في مسرح العمليات الحربية (حشد القوات على الاتجاهات الإستراتيجية)، وتحدد الإجراءات التخطيطية والتنفيذية، للوصول بحجم القوات إلى الحجم المطلوب لبدء أعمال القتال الرئيسية (خطة التعبئة الشاملة أو الجزئية).

وعندما تصل القوات إلى حجم الحرب، تبدأ مرحلة الانتشار (الفتح) الإستراتيجي على ثلاث مراحل. أولها مرحلة الحشد الإستراتيجي، بنقل القوات وإعادة توزيعها على مسارح العمليات (أو الاتجاهات الإستراتيجية)، ثم مرحلة تجميع التشكيل الرئيسي للقوات (التجميعات الإستراتيجية المشتركة)، من كافة أنواع القوات، طبقاً للحاجة إليها في كل مسرح (أو اتجاه)، ثم مرحلة توزيع التجميعات المشتركة، التي تكونت على الاتجاهات التي تحددت لها. وتتم هذه المراحل، طبقاً لتخطيط زمني ينسق وصول القوات على الاتجاه المناسب، في الوقت المناسب.

تبدأ عملية الانتشار (الفتح) الإستراتيجي، دون انتظار للانتهاء من المرحلة السابقة لها (تنفيذ خطة التعبئة). ويجري دفع التشكيلات والوحدات حال الانتهاء من تعبئتها، حسب الأسبقيات المحددة للعمليات، لتأخذ أوضاعها على الاتجاه المعين لها، ولا تعتبر خطة الانتشار الإستراتيجي قد نفذت بنجاح، إلاّ بعد التأكد من تنفيذ الإجراءات التالية:

  1. 1. وصول التشكيلات والوحدات (من مختلف الأنواع)، إلى مواقعها في مسرح العمليات، ودخولها تحت القيادة العملياتية المخصصة للاتجاه المحدد (قيادة الجيش الميداني أو المنطقة العسكرية، أو الفيلق، طبقاً لتنظيمات القوات المسلحة في الدولة).
  2. 2. تمركز الوحدات الجوية في المطارات الأمامية، والوحدات البحرية في قواعدها، أو مناطق عملها، في أعالي البحار.
  3. 3. احتلال قوات الدفاع الجوى لمواقعها المحددة في الخطة.
  4. اتخاذ العناصر الإدارية لأوضاعها، وممارستها لأنشطتها من تلك الأوضاع.
  5. 5. فتح مراكز القيادة والسيطرة واستعدادها لبدء إدارة أعمال القتال.
  6. 6. وصول الأوامر بالمهام القتالية إلى التشكيلات والوحدات، واتخاذها إجراءات الإعداد للمعركة، وتبليغها عن استعدادها لبدء القتال (اُنظر شكل الحشد والتعبئة والانتشار).

تُعد عملية الانتشار الإستراتيجي، من المراحل المهمة في إعداد القوات المسلحة للدفاع. وهي تتميز بحشد قوات كبيرة الحجم، وتحركات ضخمة، مما يستلزم التخطيط الدقيق لها، وإجراء تجارب على نماذج رياضية باستخدام الحاسب الآلي، وأخرى ميدانية، للتأكد من واقعيتها، وقابليتها للتنفيذ بشكل جيد. كما تتخذ إجراءات خاصة للوقاية ضد تدخل العدو في أعمال الانتشار (الفتح) الإستراتيجي، عندما يحاول القيام بأعمال مضادة (ضربة إحباط) باستخدام الصواريخ أرض/ أرض، والقوات الجوية، والبحرية، والتدخل الإلكتروني على شبكات السيطرة على القوات القائمة بالانتشار (التحركات)، أو على رادارات القوات المدافعة.

خامساً: التدريب القتالي، وإعداد القوات المسلحة لكل ما هو ضروري للحرب

يُعَدّ التدريب على القتال من أهم واجبات القوات المسلحة، في وقت السلم، وهو أساس الإعداد للحرب. وينفذ التدريب القتالي، بناء على خطط التدريب القتالي السنوية، التي تصدرها الأجهزة المختصة في القوات المسلحة، وتعتمد على التوجيه التدريبي لوزير الدفاع، حيث يحدد المهام التدريبية (مستمدة من الهدف السياسي العسكري، وهدف الخطة المرحلية لإعداد القوات المسلحة للدفاع)، والسياسة التدريبية لتحقيق هذه المهام، وطرق وأساليب التدريب، التي تتبع لكل فئة من المتدرِبين.

تهدف خطة التدريب القتالي إلى رفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة (أو المحافظة على المستوى الذي وصلت إليه سابقاً) والاستعداد القتالي الدائم لكافة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة والوحدات التابعة لها وأجهزة القيادة العامة، والوحدات والتشكيلات المقاتلة، والتجميعات العملياتية.

وتُبنى الخطة على أساس مهام العمليات، وطبيعة الصراع المنتظرين، وأساليب العدو المحتمل في إدارة الصراع، وتنظيم قواته وتسليحها، وطبيعة مسرح العمليات المنتظر. ويجب أن تحقق الخطة التدريب الواقعي والضروري، وغرس روح المبادأة والجرأة لدى القيادات، وتدريبها على القيادة بالأسلوب الصحيح، والسيطرة في الظروف الصعبة والمواقف الحرجة.

والهدف والأساس الذي ترمي إليه خطة التدريب، هو إعداد الفرد المقاتل ذي الكفاءة القتالية والبدنية العالية، الذي يحسن استخدام الأسلحة والمعدات بمهارة، مع ارتفاع مستوى وعيه الديني والثقافي، والقدرة على التصرف الجيد والبارع. ويتم إشراك الأفراد في تدريبات مشتركة للوحدات، للوصول إلى أعلى مستويات التدريب، عملياتياً وإستراتيجياً (للجيوش والاتجاهات الإستراتيجية)، بمشاركة كافة أنواع القوات (برية وبحرية وجوية ودفاع جوي) في الصور الحقيقية للحرب الحديثة والمنتظرة، من هجوم ودفاع، وتحرك وتقدم وارتداد، مع الوضع في الاعتبار أثناء التدريب، احتمالات تدخل العدو بالأسلحة غير التقليدية (النووية والكيماوية والبيولوجية)، أو تحت ضغط التفوق الجوي للعدو، واستخدامه المكثف لمعدات الحرب الإلكترونية.

عقب عدوان 1967، أعادت الدول العربية المتضررة من العدوان، تنظيم قواتها المسلحة، وزادت حجمها، ضمن خطة شاملة للوصول إلى الحجم المناسب، للدخول في حرب جديدة مع إسرائيل لتحرير أراضيها. وتزامن، مع إعادة التنظيم والتوسع في الحجم، تدريب تلك القوات للوصول بكفاءتها القتالية إلى المستوى، الذي يؤهلها لخوض العمليات الحربية.

وكانت البداية في رفع المستوى الثقافي للجنود، بزيادة الاعتماد على الأفراد من حمله الشهادات المختلفة، ورفع مستوى ضباط الصف، باعتبارهم العمود الفقري للقوات المسلحة، وزيادة تأهيل الضباط داخلياً وخارجياً. كما وفرّت قيادات تلك القوات مطالب التدريب القتالي، من معدات وأجهزة، وإجراء تدريبات فنية وقتالية، متدرجة في المستوى والتعقيد، لتصل بالأفراد والقيادات والقوات لأرفع مستويات الأداء. وكان لابد أن يصاحب، التوسع في حجم القوات، توسع مماثل في قدرات الاستيعاب، للمعاهد والكليات العسكرية التي سيجرى بها التعليم الأساسي، المقدّم للضباط وضباط الصف والجنود. كما أجريت اختبارات ومسابقات، لخلق روح التنافس في الإجادة بين القوات في كافة تخصصاتها.

ومع مرور الوقت، والاقتراب من التوقيت الحاسم، أخذ تدريب القوات شكلاً أكثر واقعية وفائدة. فتركّز على حل مسائل خطط العمليات الحقيقية، واتخذ شكل المناورات الضخمة، في أوضاع ومهام مشابهة، وعلى أرض أكثر تشابهاً لمناطق القتال المنتظرة.

وفي جمهورية مصر العربية، ولظروف وطبيعة القتال المقبل (اقتحام قناة السويس وخط بارليف الحصين على شاطئها الشرقي)، اتخذ التدريب شكلاً حقيقياً، بالعبور والقتال في الشرق، بقوات محدودة تدرجت من مجموعة صغيرة من الأفراد، حتى مستوى قوة كاملة (كتيبة مشاة)، بأسلحتها. ومن عدة ساعات، إلى يوم كامل (24 ساعة)، للتدرب على ردود فعل الخصم، إزاء وجود القوات داخل دفاعاته، وتدريب القيادات على المواقف الصعبة، التي ستتعرض لها، عند بدء الحرب، لتحرير الأرض. وقد عرفت تلك الفترة باسم، “حرب الاستنزاف” حيث كان من مهامها أيضاً (بخلاف تدريب القوات عمليا)، استنزاف قدرات العدو البشرية والاقتصادية، يجعله يحتفظ بحجم كبير من قواته في وضع تأهب دائم.

سادساً: تنظيم الجاهزية للقتال

هي أحد المهام الإستراتيجية لإعداد القوات المسلحة، وأكثرها أهمية، فالقوات المسلحة، يجب أن تكون دائماً مستعدة لتنفيذ خططها، للدفاع عن الوطن بكفاءة عالية. ويستوجب ذلك أن تظل القوات المسلحة في حالة تأهب كامل ودائم، وهو أمر مرهق للقوات، ومهلك للمعدات، ويستنزف الأموال، مما لا تطيقه ميزانية الدولة. لذا، تُنظم حالة التأهب القتالي للقوات، في مراحل متتالية على النحو الآتي[15]:

  1. 1. حالة تأهب قتالي دائم (يومية)، تنفذ خلالها القوات مهامها التدريبية، في أي موقع. وتكون في الوقت نفسه، جاهزة لتلبية المطالب القتالية، عند إنذارها بالتحول إلى العمليات الحقيقة (خلال فترة زمنية قياسية محددة). وتوضع نسبة من القوة في حالة تأهب أعلى، لمواجهة المواقف الطارئة.
  2. 2. حالة تأهب قتالي عالية (زائدة)، تتحول القوات إليها، عبر مجموعة إجراءات محددة، تنفذها القوات خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، بهدف تقليل الزمن للوصول إلى الحالة القصوى. ويتم التحول إلى هذه الحالة، من الحالة اليومية الدائمة، عند حدوث أو توقع توتر.
  3. 3. حالة تأهب قتالي كاملة، تتحول إليها القوات عند زيادة حالة التوتر، وتوقع الدخول في أعمال قتالية قريبة، ويتم تنفيذ مجموعة أخرى من الإجراءات للاستعداد، وتقليل الزمن القياسي.
  4. 4. حالة تأهب قتالي قصوى، هي الحالة التي تُتخذ عند التأكد من وقوع حرب، أو حدوث اشتباكات مع الخصم. ويتم فيها اتخاذ الأوضاع القتالية، استعداداً لتنفيذ الخطط الموضوعة، التي سبق التدرب عليها. وهذه المرحلة هي أعلى حالة تأهب قتالي للقوات.

وتُعد درجة جاهزية القوات المسلحة للقتال، في المستوى، الذي يؤهلها للدخول في الحرب، إذا كانت قد حققت مستوى تدريبي عالٍ، وعلى درجة عالية من الصلاحية للأسلحة والمعدات القتالية، وعلى مستوى جيد من التنظيم للتأمين الإداري والفني، مع نظام قيادة وسيطرة ذي كفاءة عالية، وإعداد مسبق وتام لمناطق العمليات.

وتحدد خطة تنظيم حالات التأهب القتالي، ونسبة القوات الجاهزة للتحرك فوراً، لتنفيذ أعمال قتالية مباشرة، طبقاً للخطط القتالية الموضوعة، ونسبة القوات في حالات التأهب الأقل، وحجم ونوعية القوات المناوبة ليلاً ونهاراً. كما تحدد وسائل الإنذار، وكلماتها الرمزية، مما يمكّن القوات من التعرف على حالة التأهب القتالي المطلوبة، والعدائيات المنتظرة، والإجراءات المطلوب اتخاذها بسهولة. ويمكن من خلال خطوات العمل المنظمة، رفع حالات التأهب تدريجياً، أو مباشرة، لأقصى حالة. كما يمكن رفع حالات التأهب القتالي لكافة القوات، أو جزء منها، حسب طبيعة الأعمال المطلوب تدخلها فيها وحجمها. ويوضح ذلك أهمية صحة المعلومة، وتوقيت وصولها، حتى تكون هناك فرصة مناسبة، لرفع حالة التأهب للقوات.

سابعاً: التأمين الشامل، للقوات المسلحة

تتطلب الحرب الحديثة، إمداد القوات باحتياجاتها المختلفة، قبل وأثناء وبعد القتال. وتُستهلك في الحروب العصرية، كميات ضخمة من هذه الاحتياجات. كما يزداد الأمر صعوبة وتعقيداً، بزيادة عدد الأصناف المطلوبة. ويشمل التأمين الشامل كافة احتياجات القوات المسلحة الإدارية للإعاشة، والفنية للمعدات والأسلحة، وهى بذلك تشمل العديد من الأصناف المتنوعة.

وتُقدر العناصر المختصة بالنواحي الإدارية، والأجهزة المختصة بالنواحي الفنية، حاجة القوات المسلحة من الاحتياجات المختلفة، والسعيّ لتدبيرها من السوق المحلى أو الخارجي، وتخزينها على أنساق مختلفة، طبقاً للمستويات، في شكل احتياطي يكفى لإدارة أعمال القتال طوال الفترة المحددة للخطة. ويتوقف سلامة ودقة التقدير، على دقة الخطط الأخرى. ويتأثر تحديد المطالب من الاحتياجات بعدة عوامل، أهمها:

  1. 1. حجم التجمعات الإستراتيجية والعملياتية، المشاركة في الصراع.
  2. 2. طبيعة المهام المكلفة بها التجميعات (هجوم، دفاع، تقدم).
  3. 3. طبيعة الصراع المنتظر وشدّته.
  4. 4. المدة المتوقعة لاستمرار القتال.
  5. 5. قوة العدو وفاعلية أسلحته.
  6. 6. طبيعة مسرح العمليات.

وتتعاون مع أجهزة وزارة الدفاع، العديد من أجهزة الدولة، التي تُصّنع وتنتج تلك الاحتياجات، أو تستوردها، وتوزع على الأنساق الإدارية للاحتفاظ بها في مستودعاتها لحين طلبها. ولا بد أن تحدد كميات التخزين في الأنساق الإدارية أيضاً، بدقة. ويتم تحديد حجم كل نسق، بناء على دراسة جيدة، وتقدير سليم للتطورات المتوقعة للقتال، حتى تتمكن القوات المسلحة من تنفيذ مهامها بنجاح. ويُعد الاحتفاظ باحتياطي على مختلف المستويات، من أهم أسس التخطيط لتأمين القوات.

وتشكل مستودعات التكديس في الأنساق الإدارية، احتياطي الاحتياجات الإدارية والفنية، على النحو التالي:

  1. احتياطي الطوارئ، ويُحتفظ به في التشكيلات والقيادة العامة للاستهلاك، أثناء العمليات.
  2. احتياطي إستراتيجي، وهو جزء من مخزون الدولة، ويوضع تحت تصرف القوات المسلحة، لمواجهة الزيادة في الاستهلاك، أو أي مطالب أخرى.
  3. احتياطي الدولة، وهو المخصص لمواجهة مطالب الشعب والقوات المسلحة، في حالات زيادة الاستهلاك بشكل كبير، أو تدمير أجزاء من الأنساق الإدارية ومستودعاتها، أو توقف مصادر الإنتاج لأسباب مختلفة.

وتحتفظ وحدات الإنتاج المدنية عادة في مستودعاتها، بجزء احتياطي خام، أو نصف مصنع، أو تام التصنيع، تستخدمه في المواقف الطارئة، الخاصة بها، وهو ما يمكن الاستفادة منه أيضاً.

وتواجه الدول غير الصناعية، مشاكل عديدة في الاستيراد من الخارج، في وقت الحرب، تصل إلى حد امتناع الدول عن التصدير إليها، أو صعوبة النقل، وتدمير العدو لوسائل المواصلات. لذا، تحاول الدول في وقت السلم، إقامة مصانعها الوطنية، التي تُغطى اكتفاءها الذاتي، وقد تزيد مستوى مخزونها الاحتياطي، أو تضطر إلى اتخاذ سياسات أكثر تفاهماً، مع دول الجوار الجغرافي، والدول المُصّنعة، مما يمثل ضغطاً على قرارها السياسي، والعسكري، أحياناً. وتشكل تلك السياسات، عبءً إضافياً على الاقتصاد الوطني.

ثامناً: تنظيم وإدارة الاستخبارات الإستراتيجية

تهتم خطة تنظيم وإدارة الاستخبارات الإستراتيجية، بتوفير المعلومات اللازمة لكافة المستويات التخطيطية، بالقوات المسلحة، والدولة، حتى يمكن وضع الخطط التفصيلية على أساس سليم. وتؤدي الاستخبارات عملها، في وقت السلم ووقت الحرب، للوقوف على المتغيرات، وتحديث التقديرات، وتعديل الخطط. كما تعمل على جمع المعلومات العسكرية والمدنية (اقتصادية – اجتماعية- سياسية) عن العدو، بهدف التوصل إلى نواياه وخططه السياسية والعسكرية، وكافة الدقائق المتعلقة بمجهوده الحربي ومدى استعداده للقتال.

وعلى مصادر المعلومات بالدولة، تقع مسؤولية الحصول على المعلومات المطلوبة، لإعداد القوات المسلحة، وتجهيزها. ويكون للجهاز الدبلوماسي، بكافة تخصصاته، دور بارز في تجميع المعلومات من الخارج. كما تضطلع الأجهزة العسكرية، بمهمة الاستطلاع العسكري، متتبعة كافة الأنشطة للعدو (ولا تقتصر على الجانب العسكري)، باعتمادها على مندوبيها، وعملائها بالخارج، والوسائل الفنية الحديثة، للتنصت، والتجسس[16]. لذلك يجب أن تُنسّق جهود الاستخبارات بالدولة، ويفضل أن يشرف على كل أعمال الاستخبارات، في كافة المجالات، وعلى كل المستويات، جهاز واحد.

فبجانب خطة تنظيم وإدارة الاستخبارات الإستراتيجية لتوفير المعلومات، تُعد أجهزة الاستخبارات خطة أخرى للاستخبارات المضادة، وهي تُعني بحرمان العدو من الحصول على معلومات عن قواتها. لذلك، فهي خطة مضادة للخطة الأولى في إجراءاتها، وإن كانت موجهة للهدف نفسه (العدو)، ويتعاون فيها كذلك كافة أجهزة الاستخبارات، ويكون لها شقان أمنيان، داخلي وخارجي، لتأمين المصادر التي يمكن أن يستقي العدو منها معلومات عن الدولة.

ففي عام 1967، دفعت القيادة المصرية بجيشها إلى سيناء، في أكبر حشد تشهده شبه جزيرة سيناء. واتخذت القوات المصرية أوضاعها، طبقاً لخطط العمليات الموضوعة من قبل. وكان لا بد من إمداد القيادات المختلفة ـ طبقاً لخطة تنظيم وإدارة الاستخبارات الإستراتيجية ـ بالمعلومات المتوافرة عن العدو أولاً بأول، خاصة أن الخطة الإستراتيجية الموضوعة أُدخل عليها العديد من التعديلات، بحيث لم يبق في موقعه الأصلي، أو مازال مكلفاً بمهامه الأصلية، سوى عدد محدود جداً من العناصر، التي تكون غالباً غير مقاتلة، وهو ما يؤكد شدة حاجة القيادات الميدانية للمعلومات.

كانت المعلومات المتوفرة لدى القيادة العليا ـ من مصادر مختلفة ـ توضح نقطتين أساسيتين، ارتكزت عليهما التوجيهات الصادرة للقوات يوم 2 يونيه 1967 (3 أيام قبل بدء القتال). الأولى كان مصدرها سفير مصر في بلغاريا (أحد مصادر جمع المعلومات، عن طريق الأجهزة الدبلوماسية)، استقاها من دبلوماسي يهودي في بولندا. وكانت تفيد بأن إسرائيل ستفتعل أزمة سياسية، بمحاولة إمرار سفينة ليبيرية في خليج العقبة، متجهة إلى الميناء الإسرائيلي عليه (إيلات)، لتبرر هجومها، الذي سيبدأ في يوم المحاولة نفسها، والذي تحدد له يوم 2 يونيه (يوم عرض المعلومات على القيادة الميدانية في صورة توجيهات عمليات نائب القائد الأعلى). الثانية كانت معلومات من جهاز الاستخبارات العسكرية، في تحليله لنشاط للعدو الذي تم رصده أمام القوات المصرية المتمركزة على حدود مصر الشرقية، وهي تفيد أن التحركات والنشاط البادي للقوات الإسرائيلية على طول المواجهة معها، يؤكد أن هناك نية للحرب، خاصة مع تشكيل وزارة إسرائيلية جديدة، بها عديد من الوزراء المعروفين بتطرفهم (وزارة حرب). وكان تحليل تلك المعلومات بواسطة أجهزة الاستخبارات، يؤكد أن الهجوم الرئيسي للقوات الإسرائيلية، سيكون على المحور الجنوبي (الكنتلا ـ التمد ـ ممر متلا ـ الشط)، ثم الاتجاه شمالاً لعزل القوات المصرية داخل سيناء وتدميرها.

استناداً إلى هاتين المعلومتين، تغيرت الخطة الأصلية تماماً (وكان قد سبق تعديلها مراراً)، وبدأت القوات المصرية في إعادة تمركزها على عجل، في إطار خطة جديدة تقضي بالتركيز على المحور الجنوبي في كثافة القوات، لصد الهجوم الإسرائيلي المتوقع (الذي كانت المعلومة الأولى قد حددت له يوم 2 يونيه له، وهو اليوم نفسه لصدور التوجيهات بالخطة الجديدة).

اليوم التالي (3 يونيه)، توفرت معلومات جديدة، كان مصدرها هذه المرة استطلاع جوي لطائرات مصرية على المحور الجنوبي، بغرض تأكيد المعلومات السابقة، بأن العدو على المحور الجنوبي لا يتعدى لواء مشاة آلي، وعدد قليل من الدبابات، وهو حجم لا يمكنه القيام بأعمال هجومية رئيسية، تصل في عمقها حتى الضفة الشرقية لقناة السويس، كما ذكر في توجيهات العمليات لليوم السابق. ولم يُستفاد من هذه المعلومات في حينها، لسبب ما.

يوم 4 يونيه، أي قبل بدء الهجوم الفعلي بيوم واحد، وهو ما يعني أن الحشود الإسرائيلية لا بد أن تكون في أماكن بدء الهجوم، تجمعت المعلومات لدى القيادة العليا، وصدرت في ملخص الاستخبارات اليومي، توضح 6 مناطق لتمركز القوات الإسرائيلية أمام القوات المصرية، وتحدد أن الحجم الأكبر لتلك القوات، هو على المحور الأوسط (العوجة ـ الإسماعيلية شرق)، وأن احتياطي الجبهة للعدو، في منطقة بير سبع (يمكنه فيها العمل على المحور الشمالي رفح ـ القنطرة شرق) أو الأوسط، ولا يمكنه أن يعمل على المحور الجنوبي. إلاّ أن ملخص الاستخبارات العسكرية لليوم نفسه، أكد أن ما يقوم به العدو من حشد على المحور الأوسط، هو لأغراض الحرب النفسية، بسبب رصد بعض الأبواق على عربات في هذا المحور. وعلى ذلك بقيت القوات في مناطق التمركز الجديدة، تستعد في إطار الخطة الجديدة، التي لم تصل تفاصيلها لمعظم الوحدات الصغرى، ليُفاجأ الجميع بهجوم رئيسي على المحور الأوسط، صباح اليوم التالي 5 يونيه 1967.

ويؤكد ذلك على أهمية، أن تكون خطة تنظيم وإدارة الاستخبارات الإستراتيجية، واقعية، ومتعددة المصادر، وموقوتة (أي تصل معلوماتها للقيادات في التوقيت المناسب للاستفادة منها) ويتم تحليلها بأسلوب علمي، للتوصل إلى استنتاجات مفيدة وواقعية، يمكن، على أساسها، أن تعمل القيادات الصغرى في بناء خططها.

وعلى الجانب الآخر، فإن إسرائيل كان متوافراً لديها معلومات ـ من مصادرها المختلفة ـ عن الحشود المصرية على حدودها معها، وكانت تحشد قواتها في المقابل تدريجياً، بناء على تلك المعلومات، وتمركزها في إطار خطتها الإستراتيجية. وفرضت قيوداً صارمة على استخدام الاتصالات، خاصة اللاسلكية، حتى لا تتمكن أجهزة وعناصر الاستطلاع المصرية من التنصت عليها. وكما خططت إسرائيل ونفذت خطتها للاستخبارات المضادة، التي نجحت في أن تُخفي عن المصريين نواياها الحقيقية في القتال، واتجاهات العمل الرئيسية، حتى آخر وقت ممكن، فإنها نجحت أيضاً في تنفيذ خطتها للاستخبارات الإستراتيجية، حيث حصلت على قدر ضخم من المعلومات عن القوات المصرية، التي كانت تذاع تحركاتها أول بأول في أجهزة الإعلام المصرية نفسها. وقد وضح من سير الأحداث في تلك الحرب، توافر معلومات دقيقة لدى القادة الإسرائيليين عن القوات المصرية والسورية، مكنتهم من التخطيط الجيد للحرب، وإدارتها بنجاح.

تاسعاً: إعداد أراضي الدولة كمسرح للعمليات الحربية

يتطلب إعداد الدولة للدفاع، وكذلك القوات المسلحة، إعداداً مسبقاً للأرض المحددة مسرحاً للعمليات، في خطة الإعداد المركزية. وتكون طبيعة هذه الخطة وهدفها، حسن استخدام طبيعة الأرض لصالح أعمال الدفاع، وتجنب وقوع الأهداف الحيوية والكثافة السكانية، في نطاق أسلحة العدو المنتظر وتحت طائلة التدمير.

وأكثر العناصر استفادة من إعداد الأرض، وأكثرها طلباً وإلحاحاً لذلك، هي القوات المسلحة. ومع أن مسؤولية التنظيم والتخطيط لإعداد أراضي الدولة للدفاع، يقع على القوات المسلحة، إلا أن هناك العديد من الجهات، أجهزة ومؤسسات حكومية ووطنية، تشارك فيها لتلبية ما تطلبه القوات المسلحة منها، من جهة، وخدمة مطالبها الخاصة في الاتجاه نفسه، من جهة أخرى. وهي في ذلك تستشير وتنسق، مع القوات المسلحة (الجهة المسؤولة عن التخطيط والتنسيق والمتابعة في هذا الشأن في وزارة الدفاع).

ويعني إعداد أراضي الدولة للدفاع، التخطيط السليم لاختيار الأماكن المناسبة لإقامة المدن والمنشآت الحيوية، بما يحقق توزيعاً سليماً للقوى البشرية، والمنشآت الصناعية، والمهمة، لتوفير وقاية نسبية لها، ويسّهل الأعمال الخاصة بالدفاع، قبل، وأثناء الحرب، خاصة التحركات العسكرية، وأعمال القتال.

ويهدف تجهيز مسرح العمليات، من وجهة نظر عسكرية خالصة، إلى سرعة انتشار القوات (الفتح الإستراتيجي)، وتوفير وقاية نسبية لها، ضد أسلحة الدمار الشامل، وإتاحة أفضل الظروف لاستخدامها لجميع أسلحتها ومعداتها، وإعاقة أعمال العدو. وقد حتّم التطور الكبير في قوة التدمير والمدىّ لوسائل الصراع المسّلح (الأسلحة بمختلف أنواعها)، أن تصبح كل أراضى الدولة (مهما كبرت) مسرحاً للعمليات. ويخدم تجهيزها أمن ووقاية الشعب، وموارد الدولة المختلفة، كما يخدم قواتها المسلحة وأعمالها القتالية.

عاشراً: تحديد مسرح العمليات المنتظر

تحدد القيادة العسكرية ـ السياسية العليا للدولة (والدول المتحالفة معها إن وجدت) حدود مسرح العمليات المنتظر، آخذه في الاعتبار العوامل المؤثرة، على أبعاد هذا التحديد، وهي:

  1. الموقف السياسي ـ العسكري، الذي يؤثر على تصنيف دول الجوار كصديق أو كعدو.
  2. أهداف الحرب، وتحدد مدى العمق الذي على العمليات أن تشمله لتحقيق الهدف، وكذلك المواجهة اللازمة لأعمال مناورة القوات[17].
  3. الظروف الطبيعية (الجغرافية) للأرض والطقس، التي تؤثر على استخدام القوات.
  4. العامل الاقتصادي، وتأثيره يكون واضحاً على إمكان تمويل حرب متسعة الأرجاء، أو محدودة، أو حرب ذات مدى زمني طويل، أم قصير، مما يؤثر على اتساع، وعمق مسرح العمليات[18].
  5. الوسائل والطرق التي ستُنفذ بها المهام القتالية (العقائد القتالية، وقدرات الأسلحة والمعدات لدى القوات) وهي ذات تأثير على أبعاد مسرح العمليات[19].

تُشكل حدود مسرح العمليات، بِنْيةًّ متكاملة، سياسياً واقتصادياً وجغرافياً وإدارياً. ذلك، أن هذه الحدود لا بد أن تمر، بخطوط فصل جغرافية، وحدود دولية. كما يدخل في حدود المسرح، أجزاء من أراضى الدولة المعادية، طبقاً للأهداف الموضوعة. وأما إذا تعددت مسارح العمليات، فلا بد أن تتداخل حدودها (من وجهة نظر التعاون).

ويشترط أن يُؤمن مسرح العمليات إمكانية انتشار القوات، بكافة تشكيلاتها، لوقايتها من الضربات الجوية، والصاروخية، وأسلحة الدمار الشامل. كما يجب أن يُؤمن الحد الأدنى من مطالب التحركات، والمناورة، من حيث وجود شبكات الطرق، والموانئ الجوية، والبحرية، وكذلك وجود أهداف إستراتيجية، وعملياتية مهمة. لذا، فالمسرح يشتمل على عدة أنواع من حيث طبيعتها (برية وبحرية وقارية)، كما يقسّم من حيث أهميته، إلى مسارح رئيسية، وأخرى ثانوية.

حادي عشر: إعداد مسرح العمليات، للأعمال القتالية

إنّ تطور الأسلحة، ومعدات القتال، بسرعة كبيرة، في العصر الحديث، انعكس على الحرب في تزايد معدلات القتال، والوصول لأعماق بعيدة في أرض العدو، مع زيادة في درجة التدمير، التي فاقت أي تصور قديم. هذا الأمر، جعل كل أراضى الدول المشاركة في القتال، وما يحيط بها، عرضة للوقوع تحت تأثير أعمال القتال، بشكل أو آخر. يعنى ذلك اتساع مسارح العمليات، وضرورة تجهيزها كلها، مما يزيد العبء على كاهل الاقتصاد، بجانب كثرة التعقيدات للتنسيق بين الجهات المشاركة في الإعداد، التي زاد عددها، وكثرت مهامها. ولم يعد لحدود الدول الطبيعية الأهمية القديمة نفسها، ولم تعد المسافة، بين القوات المرابطة على الجبهة، وتلك القابعة في الخطوط الخلفية، أو في عمق الدولة تعني شيئاً في الحرب.

ويتضمن إعداد مسرح العمليات للأعمال القتالية، كل الأعمال التي تؤمّن تعبئة القوات، وحشدها وانتشارها وتحركها ومناورتها، والمعاونة في أعمال المجهود الحربي، وتأمين احتياجات الشعب خلال الصراع. وتتباين درجة التجهيز من اتجاه لآخر، ومن محور لآخر طبقاً لتصور القيادة السياسية العسكرية لأسلوب إدارتها للقتال، وتطوراته المنتظرة. وتكون وجهة النظر العسكرية، هي أساس الإعداد بما يخدم أعمال القتال.

إن معظم أعمال التجهيز، والإعداد، لمسرح العمليات، هندسية الطابع. ومهمتها تجهيز مناطق الحشد، وخطوط المواقع الدفاعية، وإقامة العوائق الهندسية المختلفة، والطرق، ومحاور المناورة العمودية، والموازية لخط الجبهة، ومتطلبات التكديس الإداري، ومناطق العناصر الفنية، وشبكات الإنذار، والمطارات، والقواعد البحرية، وغرف ومراكز العمليات المحصّنة، ومرابض الرميّ للمدفعية، والدفاع الجوى، والصواريخ. وهو حجم كبير من الأعمال، التي لا يمكن إتمامها دفعة واحدة، أو في توقيت واحد. ويستلزم ذلك، وضع خطة متكاملة، تحدد الأعمال، وأسبقياتها، ومسؤوليات التنفيذ. وتستمر الأعمال بعد ذلك، لتطوير ما تم إنشاؤه، طبقاً لتطور المعدات، وتطور الموقف، وتغير مطالب القوات المسلحة من الإعداد.

ويزيد من عبء تجهيز المسرح، ضرورة العمل المتوازي في إعداد هيكلي للأرض، طبقاً لخطة الخداع الإستراتيجي، التي تهدف إلى تضليل استخبارات العدو واستطلاعه، عن نوايا القوات الحقيقية.

فخلال إعداد مصر وسورية لمسارح العمليات، استعداداً للحرب مع إسرائيل عقب حرب 1967، كانت أهم مشاكلهما، ضخامة الأعمال الهندسية المطلوبة، في كافة المجالات. فقد كان عليهما أن ينظّما الخطوط الدفاعية الجديدة، ثم يُعِدَا قواتهما للقتال المقبل، ويقيما الإنشاءات اللازمة للأعمال الهجومية، التي يُعِدان لها، مع تجهيز الدولة للمشاركة، واحتمال الأضرار المتوقعة.

فعلى الجبهة السورية بدأت الأعمال من أولها، بدءاً من إعداد الخندق الفردي للجندي، مروراً بالملاجئ، والمراصد، ومرابض الأسلحة، والعوائق باختلافها، وإقامة خطوط المواصلات، ومناطق انتشار القوات، ومراكز القيادة، وانتهاءً بإنشاء النظم المتكاملة اللازمة للدفاع الجوي، والقوات الجوية، وغرف العمليات المشتركة. ثم التحول ـ منذ مطلع عام 1972، بعد تبلور الخطط الهجـومية ـ إلى ما يخدم تنفيذ العمليات المقبلة، من تجهيز قواعد الانطلاق للهجوم، وتبادلياتها، وخططها الخداعية. لذا، أنشئ جهاز خاص، تابع لشعبة العمليات في القيادة العامة للقوات المسلحة السورية (فرع إعداد مسرح العمليات)، لدراسة الخطط المقدمة، والتأكد من ملاءمتها لمطالب القوات المسلحة. وأنيط بهذا الجهاز التنسيق مع الأجهزة المختصة، في الوزارات المختلفة.

وعلى الجبهة المصرية، وُضعت خطة لإعادة تنظيم، وبناء القوات المسلحة، نصت على ضرورة إعداد الدولة، والشعب، ومسرح العمليات للحرب، وصدر قانون خاص بذلك[20]. وقدم وزير الدفاع الخطط والمشروعات اللازمة للأعمال الوقائية، والدفاعية. كما وضع برنامجاً زمنياً لتنفيذها، وكُونت لجنة خاصة، من ضباط القوات المسلحة المشهود لهم بالكفاءة العالية في التنظيم والإدارة والمتابعة، للإشراف على تلك المشروعات ومتابعتها، في كافة الوزارات، المنوط بها التنفيذ. وتحولت الدولة إلى ميزانية الحرب، كما تحول اقتصاد الدولة إلى اقتصاد الحرب كذلك.

شملت خطة إعداد الدولة للحرب في مصر، موضوعات كثيرة متشعبة. وشمل ذلك إنشاء خطوط مواصلات واتصالات، وطرق جديدة، وتأمين الكباري والجسور (خاصة على نهر النيل لوقاية دلتا النيل، ذات الكثافة السكانية العالية من الغرق فيما لو دمرت المنشآت المائية)، وإنشاء الموانئ البحرية، وتدبير السلع الاستهلاكية للشعب والقوات المسلحة، وانتشار التجمعات السكانية القريبة من خطوط القتال، وتأمين المرافق الحيوية. كما شملت الخطة، أيضاً، الأعمال الخاصة بالقوات المسلحة، التي شارك فيها العديد من الشركات المدنية، بجانب إدارة المهندسين العسكريين. فأقاموا الإنشاءات الوقائية والدفاعية، الخاصة بالقوات والمعدات والقيادات[21]. كما ابتُكرت كثير من المعدات المبسطة والمعقدة، للتغلب على عقبات طبيعة المانع المائي (قناة السويس)، والساتـر الترابي المرتفـع شرقها (20 متر)، وخط بارليف الحصين، وفي باطنه (22) موقعاً حصيناً، تضم 35 نقطة قوية للأسلحة.

ثاني عشر: نواحي الإعداد الأخرى

يحتاج إعداد الدولة للدفاع، إلى إعداد نواحٍ أخرى من أهداف ومتطلبات (منشآت)، لدعم المجهود الحربي للدولة، مثل إعداد مراكز الإصلاح والصيانة الفنية (للتخصصات المختلفة)، وتعبئتها لصالح المجهود الحربي لرفع قدرات الإصلاح، وهو ما يتطلب تدريبها على القيام بأعمال إضافية، والانتقال والانتشار، والقيام بإجراءات الإخفاء والوقاية. علاوة على استمرارها في تلبية مطالب القطاع المدني. ويطبّق الأسلوب نفسه مع المستشفيات المدنية (الحكومية والخاصة)، التي يمكن تعبئتها بالكامل لصالح المجهود الحربي، أو تعبئة جزء من طاقتها البشرية وأدواتها، لدعم المستشفيات العسكرية. وكذلك قطاع الإسكان، الذي عليه إعداد المباني العامة (مثل المدارس والملاجئ) لإيواء المهجرين والمتضررين من الحرب، الذين أصيبت مساكنهم بأضرار شديدة، أو هؤلاء المقيمين في دائرة القتال، طبقاً لخطة تهجير وإعادة إسكان مؤقت، في مناطق أكثر أمناً، مع توفير سبل المعيشة، ومتطلبات استمرار الحياة اليومية، في تلك الأماكن[22].

وتدخل المستودعات المركزية (الإستراتيجية) للدولة، ضمن خطة الإعداد للنواحي الأخرى. ففيها يجري تكديس كافة متطلبات الشعب والدولة والقوات المسلحة، طوال فترة المعركة المقدرّة في مستودعات متفرقة، تنتشر في أرجاء الدولة، وقاية لها من التدمير بضربة مركزه. على أن تتضمن الخطة، وسائل نقل تلك الاحتياطيات إلى كافة المناطق، ومسؤوليات ذلك[23].

وتُعد السيطرة من العوامل الأساسية لنجاح القيادة في إدارة معركتها. وهي لا تعنى نظم القيادة والسيطرة للقوات المسلحة فقط (والتي هي أمر بديهي)، بل يجب أن يكون هناك إعداد مماثل للسيطرة على كافة أنحاء الدولة، ومختلف فئاتها، ومرافقها، “لتحقيق سيطرة متزنة مستمرة وحازمة يعتمد عليها” أثناء القتال. ويشمل ذلك إنشاء مقر للقيادة السياسية والعسكرية، ومقار أخرى احتياطية وتبادلية منتخبه بدقة، ومجهزة بعناية، للوقاية، وسهولة الاتصال. وقد يكون بعضها متحركاً[24].

وقاية الشعب أحد مهام الدفاع المدني، التي تدخل ضمن خطة تجهيز الأراضي. لذا، تُعد مخابئ آمنة في كافة المناطق الأهلة بالسكان، ويجهز أطقم طبية وفرق إنقاذ في كل منطقة. كما تجهز المنشآت الحيوية هندسياً، لمواجهة آثار التدمير.

يُعد التنبؤ بتطور الأعمال القتالية، من أصعب الأمور. ولكن لا بد من التفكير مسبقاً في مطالب إعداد الأراضي، التي يحتلها العدو (بعد تحريرها)، أو الأراضي في داخل حدود الدولة المعادية نفسها، التي قد يستدعى تطور أعمال القتال اقتحامها[25]. فتوضع خطط مسّبقة لاستعادة الكفاءة للمنشآت، والموارد المهمة، والحيوية بها، للاستفادة منها في أسرع وقت، لصالح المجهود الحربي للدولة. وقد يتطلب ذلك ـ أحياناً ـ تجهيز وحدات عمل خاصة، من كافة التخصصات، تُدفع خلف القوات الأمامية لتنفيذ تلك المهمة الحيوية[26].

تدخل جميع الأعمال الخاصة بوقاية الشعب (إعداد الملاجئ الآمنة من الغارات الجوية، والقصف الجوي وضربات الصواريخ)، ومراكز الإسعاف، ومناطق تمركز فرق الإنقاذ، والتجهيز الهندسي للمباني والمنشآت الحيوية، ضمن إعداد أراضي الدولة للدفاع.

إعداد الاقتصاد الوطني للدفاع

الاقتصاد هو القاعدة الأساسية لبناء الدفاع والإعداد للحرب. فهو الممول لكل عمليات الإعداد وخططها المركزية والتفصيلية، والمؤثر الرئيسي على قدرة الدولة على التصدي للعدوان. لذلك، فإن إعداد اقتصاد الدولة للتحول، من اقتصاد السلم إلى اقتصاد الحرب، من البديهيات التي تضعها القيادة السياسية في أولوياتها، عند إعداد الدولة للدفاع.

يقوم الإعداد الاقتصادي على حسابات دقيقة، وإحصائيات علمية، وتنبؤات مدروسة، لاحتمالات واقعية. ويتعلق الإعداد الاقتصادي بكل قطاعات الدولة، وفئات الشعب، وقواته المسلحة، مما يضفي أهمية متزايدة على تأثيره.

أولاً: أهمية الإعداد الاقتصادي للدولة للدفاع

الإعداد الاقتصادي للدولة من الشؤون المعقدة، خاصة عند العمل في وقت السلم، لإعداد الدولة لوقت الحرب، فتكثر الأطراف المشتركة في الإعداد، لتنوع تخصصاته، ومجالاته، وتعدد مستوياته. ويقوم العمل لإعداد اقتصاد الدولة للحرب، على إدراك متطلبات القوات المسلحة والعمل على تلبيتها، من دون أن تتأثر حاجات الشعب. لذا، تعمل كافة الأجهزة الاقتصادية ـ كل في تخصصه ـ في تعاون وثيق، مع أجهزة الدولة الأخرى، والتنظيمات شبة الرسمية والشعبية، للوصول إلى أنسب استهلاك للموارد لصالح الفئتين (القوات المسلحة والشعب).

وتغطي الحرب الحديثة مساحة واسعة، تتعدى مسارح العمليات، لتصل إلى كل أراضي الدولة. لذا فإن الإعداد الاقتصادي، يجب أن يشمل في تخطيطه كافة المناطق بالدولة. كما يشمل كافة التخصصات، زراعية، وصناعية، وتجارية، وفنية، وهندسية، وكل ما يتعلق بالاقتصاد الوطني. وعليه أن يضمن استمرار الإنتاج، وسيطرة مستقرة على العمل في وحدات الإنتاج ووحدات الخدمات، لصالح المجهود الحربي، والمجتمع، من دون تأثر كبير بالصراع ونتائجه.

ثانياً: التخطيط الاقتصادي للإعداد للدفاع عن الدولة

تختلف ظروف الدول وقدراتها الاقتصادية، التي تؤثر بشكل مباشر على خطوات الإعداد الاقتصادي. إلاّ أن الشكل السياسي لنظام الحكم، يصبح العامل الرئيسي في تحديد نوع النظام الاقتصادي للدولة، الذي تكون له اليد الطولي في مدى تدخل الدولة، في دورة الاقتصاد الوطني للإعداد للدفاع.

وطبقاً للنظام السياسي للدولة، توجد ثلاثة توجهات اقتصادية رئيسية، (رأسمالي، وشمولي، وإسلامي) لكل منها أثر مهم في شكل الإعداد الاقتصادي للدولة:

  1. النظام الرأسمالي: يتجه هذا النظام نحو الحرية الاقتصادية، وهو يُعني بالتخطيط الخاص طبقاً لحدود الملكية، وتبقى الدولة بعيدة عن التدخل في الأوضاع الخاصة بالإنتاج، والمملوك في معظمه للأفراد والهيئات. إلاّ أن إعداد الدولة للدفاع، يحتم تدخل الدولة جزئيا لفترة زمنية محدودة (وقت الحرب). كما أن الدولة تضع تصوراً للتخطيط الاقتصادي شاملاً ومتكاملاً، حتى لا تُفاجأ أثناء الحرب، بعدم قدرة اقتصادها على تلبية مطالب القوات المسلحة والشعب. كذلك، فإن أصحاب أدوات الإنتاج، يعنيهم تلبية تلك المطالب ـ مع أخذ أرباحهم في الاعتبار ـ حتى لا ينهار الاقتصاد الوطني وأدواته، من جراء الحرب.
  2. النظام الشمولي (الاشتراكي ـ الشيوعي): يسعى هذا النظام لسيطرة الدولة، بشكل رئيسي، (وقد يكون كاملاً) على أدوات الإنتاج، والمؤسسات المالية. لذلك، فإن التخطيط الاقتصادي يتخذ شكل التدخل الكامل، والمباشر، للدولة. ويتمشى مع أهدافها (نظام موجه من أعلى)، مما يجعله اقتصاداً مقيداً، وهو يلبي احتياجات الإعداد للدفاع، إلاّ أنه يتقاعس عن تلبية احتياجات الأفراد، بالقدر من الاهتمام نفسه، وهي السمة الرئيسية للنظم الشمولية، التي ضعفت وانكمشت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في عام 1990.
  3. النظام الإسلامي (النظم الوسيطة): يأخذ هذا النظام بأوسط الأمور، لتحقيق هدفه الأساسي، وهو “تحقيق مصلحة المسلمين، مع احترام حقوق أهل الذمة في دار السلام”، وضمان الخير للدولة أفراداً وجماعة. ويتطلب ذلك استغلال جميع الموارد المتاحة في الإنتاج، الاستغلال الأمثل والأكمل[1]. لذلك، فإن النظام الاقتصادي الإسلامي الحق، يوازن بين مصلحة الفرد، ومصلحة المجموع، ويحرص على تعاون المجتمعات الإسلامية، حفاظاً على مصلحة الجماعة الإسلامية (مبدأ وحدة مصلحة المسلمين). وعلى هذا، فإن التخطيط الاقتصادي في هذا النظام، يأخذ بمبدأ حرية الفرد في الإنتاج، والتدخل لاستكمال احتياجات الجماعة، وهو ما تمثله مطالب القوات المسلحة والشعب للإعداد للدفاع. ويكون التدخل جزئي، لتغطية ما نقص من الاستغلال عن الاكتمال والمثالية.
  4. تأخذ النظم الاقتصادية الثلاث، بمبدأ التخطيط الوطني (والقومي) في حالة إعداد الاقتصاد للدفاع، ليصبح اقتصاداً موجهاً (نسبياً) لموائمة المطالب مع الموارد والإنتاج. وتزداد نسبة تدخل الدولة في الاقتصاد، كلما اشتدت الحاجة إلى تطابق نظم الإنتاج (العرض)، مع متطلبات الصراع والإعداد له (الطلب). وهو ما يقترب من النظام الشمولي[2].

يأخذ التخطيط الاقتصادي دوراً أساسياً في إنجاح التخطيط العسكري، بتنبؤه الصحيح والدقيق لمتطلبات الحرب، واحتياجات الدولة خلالها، وتوفيقه بين مطالب الشعب، في حياته اليومية، والمطالب العسكرية للصراع.

ثالثاً: تحول الدولة إلى اقتصاد الحرب

تهدف خطة الإعداد الاقتصادي، تحويل اقتصاد الدولة من وضع السلم، إلى وضع الحرب. ويتم ذلك بحصر كافة إمكانيات الدولة الاقتصادية، ومواردها الطبيعية والصناعية، وقدراتها الإنتاجية والمالية، ووضع خطة شاملة ودقيقة لتعبئة تلك الإمكانيات والموارد والقدرات، وجعلها تحت تصرف المجهود الحربي.

وتشمل خطة التعبئة كافة الأنشطة الاقتصادية، من زراعة، وصناعة، وتجارة، ومواصلات، ومؤسسات مالية، ومنشآت اقتصادية مختلفة. ويوضع في الاعتبار معدل الاستهلاك العالي المتوقع، الذي أصبح من سمات الصراع في العصر الحديث، نتيجة لتطور الأسلحة، والمعدات، في بُعد المدى والقوة التدميرية، ودقة إصابة الأهداف.

  1. إعداد قطاع الزراعة في الدولة

يهدف إعداد قطاع الزراعة، إلى تأمين إمداد الشعب والقوات المسلحة باحتياجاتهما الضرورية من المنتجات الزراعية، سواء للإعاشة أو ما يدخل منها في التصنيع. وكذلك، المحافظة على أسواق التصدير التقليدية لمنتجات الدولة الزراعية. وتهدف خطة إعداد القطاع الزراعي، إلى الوصول لمستوى الاكتفاء الذاتي (مع التصدير للخارج، للحصول على التمويل أيضاً).

ولتنفيذ خطة الإعداد للقطاع الزراعي، يجب تنظيم الإنتاج في هذا القطاع، على أساس اقتصاديات الحرب، الذي يحتم وجود احتياطي من المواد الغذائية، مخزنة بعيداً عن المناطق المعرضة للتدمير. ثم التركيز على الاستثمارات سريعة العائد، التي تُسهم في زيادة الإنتاج، وزيادة التصدير (المواد الأكثر استهلاكاً، والأفضل تصديراً)، والتخطيط للتوسع الرأسي، في الزراعة (زيادة إنتاجية الأرض).

كما ينبغي، أيضاً، العناية باستخدام المعدات والآلات الزراعية ـ في وقت السلم ـ ليُمكن استخدامها بسهولة وقت الحرب (جرارات ـ شاحنات ـ صهاريج ـ أدوات تسوية تربة وحصاد، ذات إنتاجية عالية)، لتغطية ندرة العمالة في مثل هذا الوقت.

كما تُنسق خطط الإنتاج الزراعي، ، بالتركيز على المنتجات الضرورية، خاصة، ما تحتاجه القوات المسلحة، مع التوسع في استخدام المواد المخصبة من البيئة الطبيعية (الأسمدة العضوية). وتستطيع الدولة التغلب على مشاكل نقص الأغذية والمحاصيل، بإقامة علاقات طيبة، واتفاقيات، ومعاهدات، مع الدول المجاورة، والتجمعات الإقليمية المنضمة لها (التكامل الاقتصادي مع دول أخرى مجاورة، أو صديقة، يسهّل الاستيراد منها زمن الحرب).

  1. إعداد قطاع الصناعة في الدولة

يُعد أهم القطاعات الاقتصادية في زمن الحرب، لتنوع أنشطته، وتعدد مطالب القوات المسلحة والدولة من المنتجات المصّنعة، بصفة دائمة، خاصة المعدات، والذخائر، والأسلحة، اللازمة للتشكيلات المقاتلة.

وتخطط الدولة، لإعداد الصناعة، في وقت السلم، ليكون لديها قاعدة صناعية، ترتكز عليها، وقت الحرب. وتهدف سياسة التصنيع، إلى تنمية قاعدة الإنتاج، باستغلال ما يتوفر لديها من موارد محلية ومستوردة، من الدول الصديقة (التي يُعتمد على استمرار تدفقها في وقت الحرب).

ويشمل التخطيط لإعداد الصناعة، كافة أوجه النشاط الصناعي، مع التركيز على الصناعات الحربية، والصناعات المتصلة بمطالب المجهود الحربي، واستغلال الاستثمارات الوطنية. وتوضع أولويات للصناعات، إنشاءً وتطويراً، طبقاً لحيويتها (الصناعات الثقيلة والوسيطة والدقيقة)، والتقنية المتقدمة، والمتاحة، والكوادر الفنية، المتوفرة محلياً، أو بالعمالة الوافدة (مع الوضع في الاعتبار خطورة زيادة نسبة العمالة الوافدة، بصفة عامة، ومن دولة بعينها، بصفة خاصة).

تتطلب إقامة صناعة وطنية ـ بجـانب الاستثمارات المالية، والكوادر الفنية والتقنية المالية الحديثة ـ توافر طبقة من العلماء الوطنيين، والباحثين، في مختلف العلوم، ممن لهم دور مهم في بناء الصناعة الحديثة، وتطويرها. وهذا يعنى ضرورة ارتباط خطط إعداد القوى البشرية، بخطط التصنيع، في الميادين المختلفة.

ويهدف إعداد الصناعة، في زمن الحرب، إلى تحقيق الكفاية الذاتية من المنتجات المصنعة، طبقاً لمطالب القوات المسلحة، والشعب. وتحقيق مستوى عالٍ، وفائض، يمكنه المنافسة في الأسواق العالمية، للحصول على عائد مجز يغطي، نفقات الإعداد للدفاع بصفة عامة، ويُسهم في استيراد الأسلحة والمعدات والمنتجات، غير المصنعة محلياً.

ويراعى في خطط الإعداد للصناعة، عدة أسس مهمة، حتى تحقق هدفها في زمن الحرب، منها:

أ. إمكان تحويل الصناعات المدنية إلى صناعة حربية، في زمن قصير، وبأقل مجهود وتكلفة، ومن دون تغير حاد في الإنتاج (مرونة الإنتاج).

ب. توحيد نوعيات الأجهزة، والمعدات، والتجهيزات، المستخدمة في القوات المسلحة، والقطاع المدني، حتى يمكن الاستعانة بها في المجهود الحربي.

ج. إيجاد قاعدة موحدة تحدد المواصفات القياسية للمنتجات، التي يتطلبها المجهود الحربي، ويستخدمها القطاع المدني كذلك، ممّا يسهل أعمال الصيانة، والإصلاح، وإعداد الكوادر الفنية.

د. انتشار المنشآت الصناعية خارج التجمعات السكنية، وبالقرب من المحاور، التي يسهل منها نقل المنتجات، مع عدم الإخلال بمتطلبات التأمين من تحصين المنشأة والدفاع عنها، ضد الغارات الجوية والتخريب والاقتحام.

هـ. توفر احتياطي مناسب من الخامات، والآلات، والأجهزة، لضمان إزالة آثار التدمير بسرعة، واستعادة كفاءة الإنتاج.

و. التخطيط لازدواج التصنيع، بأن تحل بعض القطاعات في المنشآت الصناعية محل تلك المدمرة في منشآت أخرى لحين استعادة كفاءتها، لضمان استمرار الإنتاج.

  1. إعداد قطاع المواصلات في الدولة

يؤدي النقل دوراً مهماً خلال السلم والحرب. ويُعد النقل في العصر الحديث، عصب المدنية، والدليل على حيوية الأمة. وهو من جانب النمو الاقتصادي، ذو أهمية بالغة، لارتباطه بسياسة الاستيراد والتصدير، وهو ما يؤثر، أيضاً، في إعداد الاقتصاد للدفاع، بتأثيره في توفير الاحتياجات في الزمان والمكان المناسبين، وقدرته على تكوين الاحتياطيات المطلوبة للصمود في الصراع المنتظر، إضافة إلى تأثيره في تكلفة السلع وأسعارها.

وتنعكس معرفة الدولة بأهمية هذا القطاع، في اهتمامها بإنشاء الشركات الوطنية، في كافة طرق النقل، وتوفير الوسائل اللازمة له[3]. إذ لا يمكن لوسيلة واحدة، تغطية كافة المطالب من النقل.

وتربط المواصلات بين مراكز الإنتاج، والتسويق، والتصدير. كما تنقل الاحتياجات المستوردة، والمنتجة محلياً، إلى مناطق توزيعها، أو الحاجة إليها، أو مناطق تخزينها. كما يلبي النقل، كذلك، مطالب القوات المسلحة ـ التي قد تلجأ إلى تعبئة وسائل النقل المدنية على الرغم من امتلاكها لوسائلها الخاصة ـ عندما تُقَّصِر وسائل النقل العسكري، عن استيعاب التحركات العسكرية، على كافة الاتجاهات، التي تتميز بالضخامة، وضيق الوقت، واتساع جبهة العمل، وتعدد المحاور والطرق المستخدمة، واختلاف الاتجاهات.

وينسق قطاع المواصلات ـ عادة ـ خططه للإعداد للدفاع، مع الخطط الاقتصادية الأخرى، التي تُبنى أصلاً على كفاءة النقل، وكذلك مع مطالب واحتياجات القوات المسلحة. لذلك، تشمل خططه إعداد الطرق والوسائل معاً فتتضمن الطرق التجهيزات والمحاور، ومنشآت الصيانة والدفاع، وغيرها من المتطلبات، بينما تشمل الوسائل المركبات، والسفن، والطائرات، وأجهزة الاتصال، والأنابيب، وقاطرات وعربات السكك الحديدية. ويجري تخطيط شبكة المواصلات، وتنفيذها، ضمن خطة إعداد وتجهيز مسرح العمليات، لتشمل المواصلات الداخلية، والخارجية، بما يخدم التصور للصراع المنتظر.

رابعاً: متطلبات الإعداد الاقتصادي للحرب

يتطلب الإعداد الاقتصادي لخوض حرب (ضمن خطة إعداد الدولة للدفاع)، تحقيق مطالب خطط الإعداد الاقتصادي، التي يتم إعدادها من خلال تحديد المطالب الاقتصادية للإعداد للدفاع، وتحديد إمكانيات وقدرات الدولة، والأسلوب الأمثل لاستخدامها، وتحديد المطالب الخارجة عن طاقة وقدرات موارد الدولة وإمكانياتها، وكيفية تدبيرها.

يلي مرحلة تحديد المطالب، مرحلتا التخطيط والتنفيذ. فتتولى الأجهزة المعنية وضع الخطة وتحديد تنفيذها في مراحل زمنية محددة، مع الأخذ في الاعتبار، عدم الإخلال بالمطالب الأساسية للاقتصاد في الدولة.

وتشتمل مطالب إعداد اقتصاد الدولة لخوض الحرب، على ثلاث مجموعات رئيسية، تلبىّ كل منها مطالب قطاع رئيس. فالأولى تحدد مطالب إعداد القوات المسلحة، والثانية تحدد مطالب تجهيز مسرح العمليات، والأخيرة تحدد مطالب إعداد مرافق الدولة وأجهزتها.

وتكون أجهزة الدولة الاقتصادية والخدمية، مسؤولة عن تجهيز مرافقها لخدمة مطالب القوات المسلحة. فتُعد شبكات المياه والكهرباء، والمواصلات بأنواعها المختلفة، والمستشفيات ومصانع الأدوية، والمستودعات والمخازن، والمنشآت العامة الأخرى. ويوضع في الاعتبار زيادة كثافة العمل والاستخدام والاستهلاك في وقت الحرب، عنه في وقت السلم. إضافة إلى النسبة المتوقعة من الخسائر في الأجهزة والمرافق[4].

يتطلب الإعداد الاقتصادي لخوض الحرب، الأساسيات التالية:

  1. القدرة على التخطيط الإستراتيجي العام والتفصيلي (الشامل)، وتحديد السياسات والأهداف، ووسائل وأجهزة التنفيذ ومراحلها، وأجهزة الرقابة. وذلك من خلال جهاز تخطيطي، على أعلى مستوى في الدولة.
  2. سرعة التحول من حالة السلم إلى حالة الحرب، بواسطة أجهزة التخطيط الفرعية المعدة للقيام بذلك.
  3. التخطيط التفصيلي لكل جهاز، طبقاً لما هو محدد له لصالح المجهود الحربي، واحتياجات المجتمع وقت الحرب.
  4. إنشاء غرف عمليات للأجهزة والمجموعات الاقتصادية، تمكِّنها من تنفيذ مهامها، ومتابعة الأداء لوحداتها.
  5. تجهيز خطط تبادلية، للمناورة ، لمواجهة التطورات المفاجئة للصراع، مما يمكِّن الأجهزة الاقتصادية من مواجهة مثل هذه المواقف، والتغلب عليها.

خامساً: العوامل المؤثرة على الإعداد الاقتصادي

تتأثر إجراءات وخطة الإعداد الاقتصادي للدفاع عن الدولة، بعوامل مختلفة، يرجع التقدير فيها (في الكم والنوع) إلى القيادة السياسية ـ العسكرية، بينما تمثل الأجهزة الاقتصادية للدولة جهة التنفيذ، حيث تضعها القيادة في الحسبان، عند تخطيطها للإعداد للدفاع. وتتمثل أهم هذه العوامل في:

  1. هدف الدولة الإستراتيجي (الغاية المرجوة من الإعداد للحرب المنتظرة).
  2. العدو المتوقع الدخول في صراع معه (قدراته، وإمكانياته الاقتصادية والقتالية، ومدى أسلحته).
  3. طبيعة أعمال القتال المتوقعة (هجوم ـ دفاع ـ تأمين حدود ـ تحرير أرض).
  4. خطة استخدام القوات المسلحة المنتظرة (تعبئة شاملة أو جزئية ـ تحركات ـ أعمال قتال على اتجاه إستراتيجي واحد أو عدة اتجاهات ـ مدى تعاون الاتجاهات مع بعضها، أو انفصالها عن بعضها).
  5. خطة إعداد مسرح العمليات وتجهيزه (اتساعه، ما يتوفر فيه، ما ينقصه).
  6. حجم القوات المطلوب الاحتفاظ به أثناء السلم، والحجم الذي يجب إضافته قبل دخول الحرب.
  7. نظام التعبئة عند توقع الخطر (التوتر).
  8. خطط التدريب لمختلف الجهات والمستويات (مدنية وعسكرية).
  9. التأمين الشامل، لكافة احتياجات الشعب والقوات المسلحة.
  10. طلب سرعة إنجاز الانتشار الإستراتيجي للقوات المسلحة، وبناء تجميعاتها الإستراتيجية في مسرح العمليات، على الاتجاهات الإستراتيجية المطلوبة.

ويُعد تقدير القوات المسلحة لمطالبها، أهم العوامل التي ينبغي أن يرتبط بها التخطيط للإعداد الاقتصادي للدفاع. وبقدر دقة تلك التقديرات، تكون درجة تلبية الاقتصاد، لمطالب القوات المسلحة، قبل، وخلال إدارة الصراع. ويستدعى التحسّب، للتطورات الحادة في مواقف الصراع المنتظر، إنشاء احتياطي إستراتيجي اقتصادي للدولة، لإمداد القوات المسلحة والشعب بما يلزمهما من احتياجات، يوزع على ثلاثة مستويات، إضافة إلى مستوى خاص، يمكن الاستفادة منه:

  1. احتياطي دولة: وهو ما يعد لمواجهة مطالب القوات المسلحة والشعب، في حالة حدوث استهلاك غير منتظر في بعض الأصناف، أو تدمير بعض مصادر الإنتاج، مما يُحدث نقصاً حاداً فيها. ويتم السحب من هذا المستوى حسب الحاجة، لحين إعادة كفاءة مصادر الإنتاج المتوقفة، أو استعواض المستهلك من المستويات الأدنى.
  2. احتياطي إستراتيجي: وهو جزء من مخزون الدولة واحتياطيها، يُجعل تحت تصرف القوات المسلحة مباشرة، لمواجهة أي طارئ، أو ظروف غير متوقعه.
  3. احتياطي طوارئ: وهو المخزون في مستودعات القوات المسلحة الرئيسية والفرعية، وفي مخازن التشكيلات والوحدات المقاتلة، لصالح العمليات الرئيسية، طبقاً لتقدير جهات القوات المسلحة المختصة.
  4. احتياطي خاص: هو المخزون في كل جهة إنتاج أو مؤسسة، من المواد الخام، و المنتجات الجاهزة، أو النصف مصنعة، وقطع الغيار اللازمة لاستمرار العمل. ويُستخدم الاحتياطي الخاص، بمعرفة الجهة المخزّن فيها طبقاً للموقف، الذي تواجهه، لحين قيام الدولة بتوفير احتياجاتها.

سادساً: انعكاسات الإعداد الاقتصادي للدفاع، على الدولة

  1. الانعكاسات العامة على الاقتصاد

تسعى الدولة ـ في خطتها للإعداد للدفاع ـ إلى توفير متطلبات القوات المسلحة، وتدبير مخزون احتياطي، لمتطلبات الشعب، والقوات المسلحة، طوال فترة الصراع المرتقبة. ويتطلب ذلك تخصيص حجم من العمالة المتخصصة وغيرها، وكذلك جزء من الثروة الوطنية، للوفاء بتلك المطالب. ويعني ذلك حرمان القطاعات الأخرى ـ خاصة في الدول النامية ـ من تلك العمالة وتلك الثروات. وتختلف نتائج هذا الوضع، حسب قدرة الدولة:

أ. الدول الصناعية

(1) تنشيط صناعة التعدين، وتصنيع الآلات الدقيقة والكيماويات والإلكترونيات ووسائل النقل، على حساب الصناعات الأخرى.

(2) يكثر إقامة الإنشاءات الخرسانية وشبكات المواصلات الإستراتيجية، على حساب المنشآت السكنية والاقتصادية الأخرى.

(3) تزيد فرص العمل، ويقل معدل البطالة، مع ارتفاع في الأجور، وكثرة المبتكرات والمخترعات (خاصة ما يخدم الجانب العسكري)، مما يخلق حالة من الازدهار اقتصادياً.

ب. الدول غير الصناعية، والدول النامية

تستورد هذه المجموعة من الدول معظم متطلباتها، من الأسلحة والمعدات والمواد الغذائية ومطالب التخزين. وينعكس ذلك على تضخم الإنفاق، الذي ينعكس، بدوره، سلباً على الإنفاق في خطط التنمية المختلفة. ويؤدى ذلك إلى:

(1) توقف العمل في مشروعات التنمية الاقتصادية المختلفة، أو بطء العمل فيها.

(2) ضعف وندرة فرص العمل، مع تصاعد في نسب البطالة، وزيادة الديون الخارجية للدولة بسبب اختلال ميزان المدفوعات.

(3) انخفاض مستوى الإنفاق على الخدمات، وتدني موقفها(المواصلات العامة – الكهرباء ـ مياه الشرب النقية ـ شبكات الصرف ـ شبكة الاتصالات ـ المنشآت العامة).

(4) الوصول إلى حالة من الركود الاقتصادي، لعدم قدرة منتجات الدولة على المنافسة في الأسواق الخارجية، بسبب ضعف مستوى الجودة، وعدم القدرة على تغطية طلبات السوق المحلى.

(5) تتغلب بعض الدول على مشاكل التمويل، التي تقتطع جزءاً مهماً وضخماً من الدخل القومي لمواجهة نفقات الدفاع ومتطلباته، بالاعتماد على المساعدات والهبات المالية من الدول المانحة الغنية. وقد يكون ذلك على حساب قرارها السياسي الخاص، فتصبح دولة تابعة. أو قد تستثمر موقفاً دولياً أو إقليمياً خاصاً (إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ـ الوضع التركي بعد حرب الخليج الثانية ـ موقف الدول العربية في مساندة دول المواجهة مع إسرائيل بعد حرب يونيو 67 وحتى أكتوبر 73).

(6) تواجه دول أخرى الخلل، بين العرض والطلب، في السوق المحلي، بوضع قيود على السلع الإستراتيجية (الوقود بأنواعه ـ الحبوب ـ السكر ـ الزيت)، وتنظيم الصرف للأفراد بموجب حصص وبطاقات، مما يزيد من صعوبة الحياة اليومية للمواطنين .

  1. الانعكاسات العامة على المجتمع

أ. تؤدي زيادة الإنفاق للإعداد للدفاع، إلى زيادة العبء الضريبي على المواطنين، والمنشآت الاقتصادية. وتقلل فرص التوسع، والتطور بها، مع ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع في نسبة التضخم النقدي.

ب. ندرة العمالة الماهرة، وزيادة نسبة العمال غير المؤهلين التأهيل الكافي، مما يزيد تكلفة الإنتاج ويقلل الجودة، مع ارتفاع في الأجور بصفة عامة. وكل ذلك يزيد من نسبة التضخم النقدي، ويوجد خللاً مرة أخرى في مستويات الأجور، بسبب ارتفاع أجور الحرفيين، عن وظائف الإدارة.

ج. زيادة تدخل الدولة في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة، وفرضها قيوداً لمنع حدوث خلل، في توفر المواد الهامة والإستراتيجية اللازمة، في زمن الحرب (الوقود ـ المواد الغذائية ـ الملابس بصفة عامة).

د. عقد صفقات شراء وتصنيع للأسلحة والمعدات، المستهلكة أو المدمرة، وقطع الغيار البديلة، في إطار صفقات سياسية، قد تضع قيوداً على سيادة الدولة وحرية تحركها السياسي.

هـ. تناقص المنتجات الاستهلاكية في الأسواق المحلية، مع ارتفاع في الأسعار.

و. اللجوء إلى عمل النساء والشباب، من هم دون سن التجنيد ، مما يؤثر على نظام المجتمع، ويفرض نمطاً مختلفاً عن تقاليده وأعرافه المتوارثة.

ز. نشوء ظاهرة السوق السوداء، واتساع عدد السلع المتداولة فيها.

ح. تردي حالة الصناعة والزراعة والتجارة بشكل عام، إلى مستوى قد يصل إلى توقف كثير من المنشآت عن العمل. وقد تتعرض المناطق المتأثرة، إلى المجاعات، وانتشار الأوبئة.

ط. تضخم جهاز الدولة الإداري بسبب التوسع في أجهزة الرقابة، على أعمال الإعداد للدفاع، وحركة التصنيع والاستيراد والتوزيع. وكذلك، أجهزة التأمين للمنشآت والمصانع والأمن الداخلي. ويُحّمل الاقتصاد الوطني (القومي) المنهك أعباء ذلك كله.

ي. تزيد الخسائر الاقتصادية الناتجة عن أعمال القتال، من مصاعب الاقتصاد الوطني (القومي) وكفاءته، إضافة إلى العمل بأسلوب اللامركزية في الإنتاج، نتيجة إلى انتشار مؤسساته، تحسباً لأعمال التدمير والتخريب.

إعداد أجهزة الدولة والشعب للدفاع

أولاً: أهمية إعداد أجهزة الدولة للدفاع

يُقصد بإعداد أجهزة الدولة للدفاع، إعداد كافة المصالح والهيئات والمؤسسات والوزارات في الحكومة، وكذلك الأجهزة السياسية والتنفيذية والإدارية التابعة للجهاز الحكومي، والمنشآت الإدارية والمالية والصناعية (الإنتاجية)، لأداء دورها أثناء إدارة الصراع والحرب. وهو أمر يستلزم الإعداد له مسبقاً .

والهدف من إعداد أجهزة الدولة للدفاع، هو ضمان استقرار واستمرار العمل أثناء فترة الأزمات والحرب، في المجالات الرئيسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، بما يضمن السيطرة الكاملة على الأنشطة، واستمرارها في العمل في مختلف أنحاء الدولة (خاصة تلك القريبة من مناطق القتال، أو المتأثرة بالعمليات الحربية)، من دون أن تتوقف، أو تتأثر كثيراً بنتائج القتال.

ثانياً: مشتملات إعداد أجهزة الدولة للدفاع

ينبغي أن تضع كل جهة من أجهزة الدولة، خطتها الخاصة للإعداد للدفاع، بالتوازي مع خطتها التخصصية لإعداد الدولة. ويشتمل إعداد أجهزة الدولة للدفاع، على الإجراءات التالية :

  1. سرعة تحول الجهاز من حالة السلم إلى حالة الحرب، من خلال خطة تفصيلية موقوتة لكافة الوظائف والأنشطة بالجهاز، وبالأسبقيات الأكثر ضرورة لعمل الجهاز، في مثل تلك الظروف.
  2. تحديد الأعمال المطلوبة من الجهاز، في وقت الأزمات والحروب (إضافة إلى العمل اليومي المعتاد للجهاز، والمرافق التابعة له)، خاصة تلك المُدعَّمة للمجهود الحربي للدولة، أو مطالب الشعب في وقت الأزمات والحروب.
  3. إنشاء غرفة عمليات، يتوافر بها الوقاية المناسبة، لما قد يتعرض له الجهاز من أعمال عدائية أثناء الحرب، خارجياً أو داخلياً. أي بواسطة الأعمال العسكرية الحربية للعدو أو بواسطة العملاء والمخربين المندسين وسط الشعب. (يختلف ذلك من موقع لآخر، حسب درجة اقتراب الجهاز من مناطق العمليات، أو التعرض للقصف الجوي، والضربات الصاروخية، والغازات الحربية، والإشعاع النووي، وغيره من الأعمال العدائية المحتملة).
  4. تأمين اتصالات مستقرة ومأمونة، بين الجهاز والجهات الأخرى، التي يستلزم عمل الجهاز الاتصال بها، والعمل معها، إضافة إلى الاتصالات الرئيسية للحصول على المعلومات اللازمة لعمل الجهاز، أو إصدار معلوماته إلى الجهات المستفيدة (طبقاً لطبيعة عمل الجهاز).
  5. خطة الانتقال من مكان العمل اليومي، إلى مكان العمل في حالة الطوارئ، أو الانتقال لموقع تبادلي عند إصابة الموقع الرئيس بالأضرار، وفتح موقع إضافي إذا دعت الحاجة.

ويُعد إعداد أجهزة الدولة، جزءاً أساسياً من خطة إعداد الدولة للحرب. ولا تُعد الخطة مكتملة إلا باستكمال ذلك الجزء، الذي يلزم التدريب عليه في كافة أجهزة الدولة، من خلال تجارب موقوتة وأخرى فجائية، وتحقيق نتائج مرضية. وقد تشارك القوات المسلحة في بعض تلك التجارب، لإيضاح العدائيات التي قد يتعرض لها الجهاز، وتأثيرها على كافة مراحل العمل به، وأسلوب التغلب عليها (أو تجنبها) والوقاية منها (خاصة العدائيات الداخلية).

وينبغي أن تشمل خطة إعداد أجهزة الدولة، أسلوب التعاون بين الأجهزة والمؤسسات الحكومية، بعضها بعضاً، تحت ظروف الأعمال الحربية. وكذلك، أسلوب السيطرة على مرافق الجهاز ووحداته الفرعية الخارجية، لضمان استمرار العمل بالكفاءة المطلوبة.

تقع مسؤولية إعداد أجهزة الدولة، على عاتق الوزراء المختصين أولاً، كل في نطاق تخصصه، ورؤساء المناطق الإدارية (المحافظات) بالدولة، أو أي تقسيم إداري آخر، حسب نظام الحكم المحلي داخل الدولة. ويكون على هؤلاء القياديين، تنفيذ كافة إجراءات خطة الإعداد لأجهزة الدولة للدفاع، في قطاع مسؤوليتهم، بالتنسيق مع القيادات العسكرية القريبة، وعناصر الدفاع المدني والتنظيمات غير النظامية والشعبية.

ثالثاً: أجهزة الدولة الرئيسية، ومسؤولية الإعداد للدفاع

تتعدد أجهزة الدولة، العاملة في الإعداد للدفاع، وعلى رأسها مجلس الوزراء، ووزارة الدفاع. ولكثرة تلك الأجهزة، وتعددها وتشعبها، ووجود بعض منها في أقاليم الدولة، طبقاً لحاجة العمل ونوعه، لذلك، يصبح التنسيق بين تلك الأجهزة، في الأعمال المشتركة، أمراً مهماً، حتى تنتظم كافة الأعمال في وقت الحرب، كما هي في وقت السلم.

  1. مسؤوليات رئيس الدولة

يرأس جهاز إعداد الدولة للدفاع، رئيس الدولة نفسه (ملكاً أو أميراً أو رئيساً) وتتحدد مسؤولياته في الآتي:

أ. إصدار القرارات المُنشئة للمجالس المختصة بإعداد الدولة للدفاع، وتحديد اختصاصاتها. ودعوتها للاجتماع، كلمّا دعت الحاجة، وترأس اجتماعاتها الدورية والطارئة.

ب. إصدار القرارات والتوجيهات اللازمة، لتنفيذ قرارات المجالس المختصة بإعداد الدولة للدفاع.

ج. تشكيل المجلس السياسي الوطني (القومي)، من بين أعضاء السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، كهيئة استشارية لتقدير المواقف السياسية الوطنية (القومية)[1]، وتأثيرها على سياسات الدولة وإستراتيجياتها الوطنية. ويكون على هذا المجلس إبداء الرأي، في الخيارات والبدائل المطروحة، لاتخاذ القرار. ويحدد هذا المجلس الأهداف الوطنية، وإطار السياسة العامة للدولة، وتوجهات الإستراتيجية العليا الوطنية الشاملة.

  1. المجلس الأعلى لإعداد الدولة للدفاع

قد يُنشأ ذلك المجلس مستقلاً بذاته، أو قد تضاف اختصاصاته ومسؤولياته لمجلس آخر للقيام بها. وتكون اختصاصاته، عامة، إعداد الدولة للدفاع، ضمن اختصاصات أعلى هيئة سياسية وأمنية بالدولة (مجلس الدفاع الوطني، أو المجلس الأعلى للأمن الوطني) في ذلك في ضوء الآتي:

أ. دراسة مسائل الدفاع عن الدولة ، والبت فيها، وتكليف جهات الاختصاص بتنفيذها، ومتابعة ذلك.

ب. اتخاذ قرار الحرب، وإعلانه.

ج. دراسة مقترحات وزارة الدفاع (القيادة العامة للقوات المسلحة)، الخاصة بإعداد الدولة للدفاع، وإقرارها أو تعديلها.

د. إصدار القرارات المنفذّة لمقترحات إعداد الدولة للدفاع، التي تم إقرارها.

هـ. تحديد حجم القوات المسلحة، والتركيب التنظيمي لها، ومستوى التدريب القتالي، ودرجة الاستعداد القتالي المطلوبة.

و. تحديد اتجاهات التطوير للقوات المسلحة، وأسلوب تأمين احتياجاتها.

ز. اتخاذ قرار إعلان الطوارئ، والتعبئة العامة (أو الجزئية)، وإعلانه.

ح. إصدار توجيهات خطط الإعداد التفصيلية، لإعداد وإدارة السياسة الخارجية للدولة، والاقتصاد الوطني، والقوات المسلحة، وأراض الدولة، والمجتمع (الشعب)، وأجهزة الدولة، للدفاع.

  1. مسؤوليات مجلس الوزراء

هو الهيئة التنفيذية العليا في الدولة، ويتكون من رئيس المجلس، ونوابه، والوزراء المتخصصين، ووزراء الدولة. وتنحصر مسؤولياته، في إعداد الدولة للدفاع في الآتي:

أ. إدراج خطة “تلبية إعداد الدولة للدفاع” ـ بعد تنسيقها ـ في خطط التنمية الطويلة والقصيرة الأجل، وفي الأسبقيات المناسبة لها.

ب. إصدار التكليفات الخاصة بإعداد الدولة للدفاع، إلى الوزارات، والأجهزة الحكومية التابعة، كما أقرها المجلس الأعلى لإعداد الدولة للدفاع.

ج. تنسيق وتوزيع خطط الإنتاج، لصالح إعداد الدولة للدفاع.

د. المتابعة والإشراف على تنفيذ خطط إعداد الدولة للدفاع العامة والتخصصية (المركزية والمرحلية) مباشرة، بواسطة وزير دولة مخصص، أو من خلال وزارة التخطيط، أو لجنة تخطيط وتنفيذ خطة إعداد الدولة للدفاع.

هـ. تنسيق مطالب الوزارات المختلفة، ومراحل عملها، بما يضمن الاستمرار في تنفيذ الخطط.

و. مراجعة المعوقات لتنفيذ الخطط، والأعمال المؤجلة، والعمل على إزالة أسباب التأجيل. والتعديل في الخطط المقبلة لاستيعاب الأعمال المؤجلة، من دون تأثير كبير على الخطة المركزية.

رابعاً: مسؤولية الوزارات الرئيسية ودورها

تضع الوزارات الخطة التخصصية العامة للمشروعات المطلوب تنفيذها، في إطار خطة إعداد الدولة للدفاع، وتوجيه موارد الدولة المتاحة لها، بما يتفق ومتطلبات التنفيذ. مع الأخذ في الاعتبار، تلبية مطالب القوات المسلحة في تخصصها. تاركة التخطيط التفصيلي للأجهزة المنفذة (أو إدارات التخطيط بالوزارة، بعد إقرار الخطة التخصصية). وتتمثل مسؤوليات هذه الوزارات فيما يلي:

  1. وزارة التخطيط

أ. التنسيق بين الخطة العامة، ومطالب إعداد الدولة للدفاع، والخطط التخصصية، بما يتفق مع إستراتيجية الدولة، والأهداف الوطنية المحددة.

ب. تنسيق الأسبقيات في الخطط المرحلية التخصصية، بما يتمشى مع أسبقيات إعداد الدولة للدفاع، ومطالب القوات المسلحة.

ج. متابعة تنفيذ خطط التنمية، وخطة إعداد الدولة للدفاع، ومشروعات البنية الأساسية، وخطط ومشروعات إعداد أراضي الدولة كمسرح للعمليات، في المدى المتوسط والطويل.

د. متابعة تنفيذ قرارات وتكليفات مجلس الوزراء، للوزارات المختلفة، خاصة ما يتعلق بإعداد الدولة للدفاع.

هـ. تنسيق مقترحات إعداد الدولة للدفاع مع وزارة الدفاع، عند عرضها على المجلس الأعلى لإعداد الدولة للدفاع (مجلس الدفاع الوطني).

و. تنسيق مطالب القوات المسلحة لإعداد الدولة للدفاع، مع خطط التنمية والخطط التخصصية للوزارات.

  1. وزارة الدفاع

أ. وضع الخطط التي تحقق الهدف السياسي/ العسكري للدولة.

ب. تحديد طبيعة العمليات المقبلة، وأسلوب إدارة الصراع.

ج. تقدير حجم وتكوين، القوات المسلحة للدولة.

د. وضع أسس إعداد الدولة للدفاع (بما في ذلك إعداد القوات المسلحة).

هـ. إعداد مطالب القوات المسلحة للدفاع عن الدولة، طبقاً للتصورات، التي وضعها المجلس الأعلى لإعداد الدولة للدفاع.

  1. وزارة الخارجية

أ. توثيق العلاقات الدولية للدولة، بما يخدم إعدادها للدفاع.

ب. عقد المعاهدات والاتفاقيات، لتوفير مطالب الدولة والقوات المسلحة للإعداد للدفاع، وصيانة وتأمين الأمن الوطني للدولة.

ج. كسب الأصوات المؤيدة لحق الدولة، ومشروعية القضية، التي تدافع عنها، في المحافل الدولية، والإقليمية.

  1. وزارة الداخلية

أ. تنظيم وتخطيط أعمال الدفاع المدني، وتدريب عناصره، وإمدادها بالمعدات اللازمة لأداء دورها أثناء الحرب.

ب. التنسيق مع المنظمات غير النظامية الأخرى، لتأمين الأهداف الحيوية والمنشآت المهمة، بالتنسيق مع القوات المسلحة.

ج. التخطيط لحماية الجبهة الداخلية وتأمينها، في وقت الأزمات والحرب.

د. تنظيم الحركة داخل المدن على الطرق السريعة، بما يحقق سهولة التحركات للقوات المسلحة.

هـ. المشاركة في خطط الدفاع عن المدن والمواقع المدنية، في المناطق القريبة من الأعمال العدائية، أو عند قيام العدو بإبرار قواته في المناطق الخلفية للقتال.

  1. وزارة المالية والاقتصاد الوطني

أ. التخطيط لتحول الاقتصاد الوطني من اقتصاديات السلم، إلى اقتصاديات الحرب.

ب. وضع خطة تدبير الموارد المالية اللازمة لخطط التنمية، وخطط إعداد الدولة للدفاع، طبقاً للأسبقيات والمراحل.

ج. تخصيص الاعتمادات المالية اللازمة، لشراء المعدات والمواد الضرورية، لتنفيذ خطط إعداد الدولة للدفاع، من الداخل والخارج.

د. التنسيق مع وزارة الدفاع لفتح الاعتمادات اللازمة، لشراء الأسلحة والمعدات من الخارج. (من الدول أو الأسواق الخارجية للسلاح) .

هـ. تخطيط وتنسيق القروض الأجنبية اللازمة، لاستيراد الأسلحة والمعدات والأجهزة للقوات المسلحة والوزارات الأخرى ـ طبقاً للأسبقيات ـ بالتعاون مع وزارة الخارجية

و. تدبير احتياطي من الموارد المالية الإضافية لمواجهة الحالات الطارئة، والمشاكل التي قد تظهر أثناء تنفيذ خطة إعداد الدولة للدفاع، أو الناجمة عن العمليات الحربية.

ز. تدبير الموارد المالية اللازمة لتكوين الاحتياطيات الإستراتيجية في كافة الوزارات، طبقاً لتوجيهات المجلس الأعلى لإعداد الدولة للدفاع.

  1. وزارة النفط والثروة المعدنية

أ. توفير احتياجات الدولة، ومطالب القوات المسلحة، من الأنواع المختلفة من الوقود والزيوت والشحوم.

ب. تنمية قدرات الدولة النفطية، لدعم القوة الاقتصادية للدولة، لصالح إعدادها للدفاع (في حالة الدول المنتجة للنفط).

ج. تكوين الاحتياطي الإستراتيجي من المواد النفطية طبقاً للتخطيط، واحتياجات الاستخدام.

د. تخطيط استمرار عمل قطاع النفط، وقت الأزمات والحرب.

هـ. وضع خطط تأمين المنشآت النفطية.

  1. وزارة الزراعة والموارد المائية

أ. التخطيط للوصول بالمحاصيل الزراعية، والإنتاج الزراعي والحيواني، إلى مستوى الاكتفاء الذاتي.

ب. التنسيق مع وزارة التجارة، وقيادات المناطق الإدارية (المحافظات)، لتوفير كافة الاحتياجات، في فترات الأزمات والحرب.

ج. التخطيط لتغيير التركيب المحصولي للزراعات الوطنية بما يتلاءم مع متطلبات الدولة والقوات المسلحة، وقت الأزمات والحرب.

د. تنسيق توزيع وصرف المياه لكافة الاستخدامات، وتكوين احتياطي إستراتيجي من الموارد المائية المتاحة.

هـ. تكوين احتياطي إستراتيجي من المواد الغذائية، بصفة مستمرة (مع تجديده)، للشعب والقوات المسلحة.

  1. وزارة المواصلات

أ. إعداد وتجهيز وصيانة الطرق، والموانئ البحرية، والجوية، طبقاً لمطالب القوات المسلحة.

ب. الإعداد لدعم القوات المسلحة، طبقاً لمطالبها من النقل بأنواعه (بري، بحري، جوي، سكك حديدية، مواصلات واتصالات).

ج. تهيئة وسائل النقل، لدعم مطالب القوات المسلحة والمجهود الحربي، وإعداد خطة تعبئتها.

د. التخطيط لمواجهة المواقف الطارئة للنقل.

هـ. التخطيط لنشر وتشغيل، ورش الإنتاج والإصلاح، لتقديم المعاونة الفنية للقوات المسلحة.

  1. وزارة التجارة

أ. عقد الاتفاقيات التجارية مع الدول والمؤسسات والمنظمات، لإمداد الدولة بمتطلبات الإعداد للدفاع، بالتعاون مع وزارة الخارجية، ووزارة المالية.

ب. الإشراف على تكوين وتخزين الاحتياطي الإستراتيجي للدولة، من كافة الاحتياجات، غير التابعة لوزارة متخصصة، والصرف منه، طبقاً لتوجيهات وتعليمات المجلس الأعلى للإعداد وللدفاع.

ج. تأمين مطالب القوات المسلحة ـ غير العسكرية ـ من الخارج.

د. الرقابة على الأسعار، ومستوى الاستهلاك داخل الدولة.

  1. وزارة الصحة

أ. توفير الخدمات الصحية، بالمستوى اللائق والأعداد المناسبة، للمواطنين.

ب. دعم القوات المسلحة بالمنشآت والمعدات الطبية، والأطقم الجراحية والمتخصصة.

ج. إمداد القطاع المدني، والعسكري بالأدوية والأمصال المطلوبة.

د. التخطيط لعمليات الإسعاف والإخلاء والعلاج للمواطنين، في فترة الحروب.

هـ. التخطيط لمواجهة انتشار الأمراض والأوبئة، في فترة الحروب.

و. التخطيط لمواجهة العدائيات البيولوجية (الأسلحة الجرثومية)، بالتعاون مع القوات المسلحة.

  1. وزارة الإسكان والأشغال العامة

أ. المشاركة في وضع خطط البنية الأساسية، والمنشآت العامة، بالتنسيق مع وزارة الدفاع.

ب. تأمين مواد وأدوات البناء اللازمة، لإعداد أراضي الدولة كمسرح عمليات، بالتنسيق مع الوزارات المختصة.

ج. تأمين مطالب القوات المسلحة من مواد البناء، للإعداد للدفاع.

د. وضع خطة تعبئة المعدات لدعم القوات المسلحة، وقت الأزمات والحرب.

  1. وزارة الصناعة والكهرباء

أ. تنسيق خطط التصنيع في كافة المجالات.

ب. تأمين المواد الأولية للصناعة، بالتنسيق مع الوزارات الأخرى.

ج. توحيد القياسات للإنتاج الصناعي، طبقاً للمواصفات الخاصة بالدولة.

د. تنسيق تنوع الإنتاج وتعدده، والخطط البديلة، بالتنسيق مع الوزارات المختصة.

هـ. تنسيق إمداد المصانع الحربية، والشركات الصناعية العاملة في المجهود الحربي، بمستلزمات الإنتاج من مواد أولية، ومعدات وأجهزة.

و. تلبية مطالب القوات المسلحة من المهمات والمعدات، غير القتالية والطاقة.

ز. إعداد خطة وقاية المصانع ومحطات الطاقة.

ح. إعداد خطط طوارئ لمواجهة تأثير الأعمال القتالية، على أعمال الوزارة والوحدات التابعة لها.

  1. وزارة الإعلام

أ. وضع خطط للحملات الإعلامية المحلية والعالمية، لشرح القضية المطروحة، ووجهة نظر الدولة فيها.

ب. تخطيط حملات توعية وطنية للمواطنين، وزيادة الوعي العسكري لديهم، بالتنسيق مع أجهزة الإعلام العسكري، بوزارتي الدفاع والداخلية.

ج. تنسيق الحملات الإعلامية، مادة وتوقيتاً وموضوعات، بين أجهزة الإعلام المختلفة (العامة، والخاصة).

د. إمداد القوات المسلحة بالأجهزة اللازمة، لعمل الإعلام العسكري.

هـ. التوجيه والسيطرة على المراسلين الأجانب، ووكالات الأنباء في الدولة، بالتنسيق مع الأجهزة المختصة بوزارة الدفاع.

  1. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

أ. إعداد خطة للتوعية الدينية، وتقوية العقيدة وترسيخها.

ب. تقوية وحدة طوائف الدولة، ونبذ التعصب الديني.

ج. بث الروح الوطنية، والانتماء والولاء للوطن.

  1. وزارة البلديات والشؤون القروية (نظام الحكم المحلي)

أ. التخطيط لإعداد المحليات للدفاع، طبقاً لإمكانياتها، ومواردها.

ب. تخطيط المشاركة الشعبية بالجهود الذاتية، في خطط الإعداد للدفاع.

ج. التنسيق بين أجهزة الحكم المحلي المختلفة، والوزارات المختصة.

د. التنسيق بين أجهزة الحكم المحلي المتناظرة، في المناطق/ القطاعات/ المحافظات.

هـ. التنسيق بين أجهزة الحكم المحلي، ووزارة الدفاع، والوحدات المقاتلة، داخل قطاع الحكم المحلي (المحافظة ـ المنطقة).

و. السيطرة على المجتمعات السّكانية، والمنظمات والمؤسسات غير الحكومية، وإشراكها ـ طبقاً لقدراتها ـ في خطط إعداد الدولة للدفاع.

ز. تخزين المواد الأولية الضرورية، في مناطق متعددة من الدولة.

ح. الاحتفاظ باحتياطي من المواد الغذائية، واحتياجات الشعب.

ط. تأمين مواد الإنشاء والبناء والطرق، لتجهيز مسرح العمليات، وإعادة إعمار الدولة بعد الحرب.

ي. إعداد خطة تعبئة المعدات اللازمة للقوات المسلحة، في قطاع المسؤولية.

  1. الأجهزة المركزية المتخصصة

وهي أجهزة تابعة لرئاسة مجلس الوزراء مباشرة، أو لوزارة التخطيط، ولها دور مهم في إعداد الدولة للدفاع (مركز المعلومات ودعم القرار السياسي، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لجنة متابعة الخطة، وغيرها):

أ. مركز المعلومات ودعم القرار السياسي

(1) توفير البيانات والمعلومات والإحصائيات الدقيقة والتفصيلية والحديثة، والمقارنات والتحليلات اللازمة للوزارات المختلفة لوضع خطط تفصيلية دقيقة وسليمة.

(2) إعداد خطط التعبئة، العامة والخاصة والنوعية، بالتنسيق مع وزارة الدفاع، وإجراء التجارب اللازمة عليها.

(3) متابعة أعمال التنفيذ للخطط، وتحديث البيانات والإحصائيات أولاً بأول وإمداد الوزارات المختلفة، والقيادة السياسية بها.

ب. جهاز التعبئة والإحصاء

(1) توفير البيانات والإحصائيات اللازمة لتخطيط إعداد الدولة للدفاع.

(2) الاشتراك مع وزارة الدفاع في إعداد خطة التعبئة العامة (الكاملة والجزئية) للأفراد والأجهزة.

ج. لجنة متابعة الخطة

(1) وضع قواعد التعاون بين قوى الدولة المختلفة والقوات المسلحة.

(2) تخصيص المهام للوزارات والأجهزة التنفيذية لتنفيذ خطة إعداد الدولة للدفاع.

(3) متابعة تنفيذ الخطة.

خامساً: إعداد الشعب والمجتمع للدفاع

كانت القوى البشرية ـ ومازالت ـ أهم عناصر الصراع المسلح، فعلى الرغم من التطور الكبير في الأسلحة والمعدات، إلا أن العنصر البشرى مازال هو الأساس في التخطيط والإعداد وإدارة الصراع المسلح، وقيادة التشكيلات المقاتلة، واستخدام المعدات والأسلحة المتقدمة. ويتحدد مصير الصراع، بقُدرة الدولة على إمداد مسارح العمليات بالتشكيلات والوحدات المقاتلة، وبكفاءة تلك العناصر، وعلى مدى صمود الشعب والمجتمع، وتحمله للمصاعب والخسائر والدمار المادي والمعنوي.

تطور مفهوم استخدام القوى البشرية ـ في الحروب ـ من الكثافة العددية، القائمة على كم الأسلحة المعدنية من سيوف وحراب وسهام، إلى الكثافة العلمية القائمة على تطور الأسلحة والمعدات، التي تخطط وتنفذ بأيسر مجهود وأقل خسائر ممكنة؛ كما تحقق أحد مبادئ الحرب المهمة، وهو الاقتصاد في القوى، بالاعتماد على قدرات الأسلحة التدميرية، بدلاً من الكثافة العددية.

أصبح إعداد القوى البشرية ـ مقاتلين وشعب ـ وتهيأة المجتمع بكل فئاته وطوائفه للدفاع، من أهم الخطط وأكثرها تعقيداً، في إطار الخطة الشاملة لإعداد الدولة للدفاع. ولا يرتبط إعداد الشعب والمجتمع، بالحجم والتعداد، بقدر ارتباطه بالمستوى الصحي والثقافي والبدني (النوع)، والأسلوب السليم، للاستفادة من الطاقات والقدرات المادية والفكرية والمعنوية للشعب.

سادساً: أهداف إعداد الشعب للدفاع

تهدف خطة إعداد الشعب للدفاع، إلى حصر طاقات الشعب وتحديدها في مختلف المجالات، وتنميتها وإعداد الكوادر المتخصصة في الصناعات المهمة التي يحتاجها المجهود الحربي. وهي بذلك تضع خطتها لاستخدام القوى البشرية المتاحة، في كافة المجالات، أفضل استخدام.

وتحقق خطة الإعداد العسكري للأفراد، التوازن بين أداء الفرد للخدمة العسكرية، وممارسة العمل المدني. كما تحدد مدة الخدمة الإلزامية، ومدد الاحتياط والتدريب خلال فترة الاحتياط. وهي تعمل، كذلك، على إيجاد أرصدة من القوى البشرية، في مختلف التخصصات العسكرية والمدنية المهمة والحساسة.

وتضع خطة إعداد الشعب للدفاع، نصب عينها، رفع قدراته الإنتاجية، والعمل على زيادة الدخل القومي، مما يساعد المخططين في الاتجاهات الاقتصادية، على استخدام الوفر المالي في تلبية مطالب القوات المسلحة.

وتُعد المحافظة على الروح المعنوية العالية للشعب، خلال الصراع المسلح، أحد الأهداف الرئيسية لإعداد الشعب للدفاع، والتي من خلالها يمكن إمداد القوات المسلحة باحتياجاتها من الأفراد بتعبئة العناصر المؤهلة في وقت قصير، لتمتعها بالروح المعنوية العالية وتأهيلها بالتخصص والتدريب المناسب، وينعكس ذلك على التشكيلات المقاتلة بالمحافظة على قدراتها القتالية المرتفعة، ومن دون أن يؤثر ذلك على الحياة اليومية، للشعب والدولة.

سابعاً: الإعداد السياسي ـ المعنوي للشعب

يُخطط لهذا الإعداد ليشمل كل مراحل عمر الإنسان، ليغرس فيه روح الوطنية والولاء للدولة، ومبادئها وأهدافها السامية. ويتواصل العمل على إعداد الشباب لتنمية روح الانتماء للوطن، من خلال وسائل الإعلام المختلفة وبرامج التوعية. وللمؤسسات الدينية دور كبير في التربية الوطنية، على أسس أخلاقية رفيعة، تحث عليها الأديان السماوية. ذلك أنّ الجهاد المبذول للذود عن الأرض والعرض والممتلكات والنفس، شعبة من شعب الجهاد. الإعداد المعنوي عامل مهم، يفوق الإعداد المادي قوة. وقد قال سبحانه وتعالى في ذلك:

]يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ[ (سورة الأنفال: الآية 65).

وفي التاريخ عدد من المعارك التي كسبتها القلة، بروح معنوية عالية، وصبر على الجهاد. فقد حدث ذلك النصر في حرب تحرير الجزائر، وحرب فيتنام، وحرب أكتوبر 73 (قياساً على حجم وتسليح القوتين المضادتين).

ويمثل العامل السياسي ـ المعنوي، مجموعة من العناصر، يجري إعدادها ليتحمل الشعب والقوات المسلحة ظروف القتال الصعبة. وتستطيع الدولة أن تواجه المطالب المادية، والضغوط والمناورات السياسية، وتحافظ، في الوقت ذاته، على الروح المعنوية لشعبها وقواتها عالية، محققه الصمود مادياً ومعنوياً.

ومن مهام الإعداد السياسي ـ المعنوي.

  1. تنمية الشعور القومي، والوطني، لدى الشعب.
  2. تنمية الوفاء والولاء للوطن، والتضحية وإنكار الذات دفاعاً عن الوطن.
  3. توعية الشعب، بأهمية ثقته بقواته المسلحة، ومساندتها مادياً ومعنوياً.
  4. توعية الشعب والقوات المسلحة، بعدالة القضية التي سيدور الصراع من أجلها.
  5. توعية الشعب، بأهمية تضحيته، وحتمية النصر في الصراع المنتظر، من أجل مستقبل أفضل.
  6. بث روح الكراهية والمقت، للعدو، والتنفير منه.
  7. التوعية المضادة، لمواجهة أساليب العدو، لخفض الروح المعنوية.

ثامناً: التربية العسكرية للشعب

يتم إعداد الشعب عسكرياً أثناء السلم، ويستمر الإعداد في فترة التوتر ثم أثناء الحرب. ويهدف الإعداد العسكري إلى إيجاد الأفراد اللائقين للعمل في صفوف القوات المسلحة في أقصر وقت ممكن، ويتم ذلك من خلال برامج التدريب للشباب والمواطنين لفترات محدودة دورياً لاكتساب المهارات الأساسية اللازمة للحياة العسكرية والأعمال القتالية، واكتساب الحجم المناسب من الثقافة العسكرية التي تؤهل الشباب للاندماج بسرعة في صفوف الوحدات التي ينضمون إليها، والتنظيمات شبه العسكرية التي يلتحقون بها.

يبدأ إعداد الشباب عسكرياً في مراحل الدراسة الثانوية وتستمر عادة حتى الصفوف العلياً، مما يخفف العبء عن القوات المسلحة أثناء انضمامهم إليها، وبانتقال المجندون إلى قوات الاحتياط، يستمر تدريبهم على فترات متباعدة للمحافظة على صلاحيتهم ولياقتهم العسكرية.

يخطط في معظم الدول للاستفادة من رصيدها البشرى بتكوين هياكل رئيسية لتنظيمات عسكرية وشبه عسكرية تكون عوناً للقوات المسلحة عند التعبئة، وقد أثبتت الكوادر شبه العسكرية من المتطوعين والفدائيين جدارتهم في العديد من الحروب، لعل أقربها وأهمها هي حرب فلسطين 1948، وحرب العدوان الثلاثي على مصر 1956، وفي كلتا الحربين أبلت الوحدات المشكلة من المتطوعين بلاءً حسناً شهد له كل الأطراف.

وبعض الأمم تطبق الإعداد العسكري على النساء كذلك، بتدريبهم تدريباً أولياً على حمل السلاح، واستخدامه، والتركيز على المهام التي يستطيعون العمل فيها، مثل الأعمال المكتبية والتمريض. وقد يرتقى تدريبهم لمصاف القوات المقاتلة ذاتها، للعمل في بعض الوظائف غير الحيوية (قيادة المركبات الإدارية مثلاً) أو في وظائف شديدة الأهمية (طيارات مقاتلات).

تاسعاً: دور المنظمات شبه العسكرية والشعبية

تشمل تلك المنظمات المتعددة التسميات ـ باختلاف الدول ـ الحرس الوطني، كتائب الشباب، الفدائيين، المتطوعين وإن كان مفهومها العام واحد، حيث ينضم لهذه المنظمات الشبان (وأحياناً الشابات) الذين لم ينخرطوا في سلك العسكرية لسبب أو لآخر، رغم صلاحية لياقتهم الطبية والبدنية للأعمال العسكرية (ولو بدرجة أقل من القوات المسلحة).

وبعض الدول تُعِدْ هذه التنظيمات، لتكون صفاً ثانياً لقواتها المسلحة، تكلفها ببعض المهام القتالية الأقل شأناً، مثل المعاونة في بعض أعمال الشرطة مثل تنظيم المرور، أو حراسة مناطق التعدين أو التنقيب المهمة كالنفط مثلاً، والموانئ البحرية والجوية، والجسور، والمنشآت العامة ذات الأهمية كالإذاعة والتليفزيون، ودور الصحف، ودواوين الحكومة وغيرها. وبذلك تتفرغ وحدات القوات المسلحة وتشكيلاتها للقتال، مطمئنة إلى وجود حماية كافية للجبهة الداخلية.

عاشراً: الدفاع المدني

هو أهم عناصر التنظيمات الشعبية، ويهدف إلى إعداد الشعب للوقاية ضد هجمات العدو الجوية، وضرباته الصاروخية وإزالة آثارهما. كما يتولى حماية الأهداف الإستراتيجية والحيوية ضد إغارات العدو، وأعمال التسلل والتخريب.

  1. مهام الدفاع المدني

أ. توعية الشعب وتدريبه على أسلوب الوقاية، ضد الهجمات الجوية والضربات الصاروخية.

ب. إعداد وتنظيم أماكن الوقاية المحصنة (الملاجئ والمخابئ)، ومراكز الإسعاف، وفرق الإنقاذ ومراكزه.

ج. تجميع المتطوعين وتنظيمهم وتدريبهم، على الأعمال الخاصة بالدفاع المدني، وإمداد وحدات للدفاع المدني المكونة داخل المناطق الآهلة بالسكان، وفي المؤسسات والمنشآت الاقتصادية والحيوية بالمعدات اللازمة.

د. تدريب الطلاب في الجامعات، على العمل في صفوف الدفاع المدني.

هـ. حماية الأهداف الحيوية والاقتصادية، ووضع خطط إزالة آثار التدمير، وإصلاح الأعطال، لضمان سير العمل بها.

و. إعداد مراكز سيطرة وغرف عمليات، في الوزارات والمصالح الحكومية، والمدن والقرى والأحياء السكنية، وربطها بالغرفة المركزية لإدارة أعمال الدفاع المدني، والمناورة بالاحتياطي من المعدات وفرق الإنقاذ والإطفاء والإسعاف.

ز. تنظيم وإقامة شبكة إنذار بجميع المناطق السكنية والصناعية، وربطها بشبكة الإنذار الخاصة بالقوات المسلحة، لنقل التحذير بوقوع غارة جوية، أو هجوم صاروخي، للمدنيين وفي الوقت المناسب.

  1. إعداد المهنيين والأخصائيين اللازمين، لإدارة النشاط الاقتصادي وقت الحرب

تُعد هذه الفئة من العاملين، ذات أهمية بالغة، في بناء قوة الدولة وزيادة قدراتها. لذلك، يجب أن يوليهم المخططون عناية زائدة، بوضع مناهج تدريبية لإعدادهم أحسن إعداد، لأداء دورهم الحيوي في وقتي الحرب والسلم، على حد سواء.

تبدأ هذه المهمة، بحصر حاجة القطاعين المدني والعسكري من المهن الفنية والمتخصصين المهرة. ثم العمل على سد حاجات تلك المهن، وإعدادها بالشكل السليم. ويتطلب ذلك حلولاً، جذرية تستوجب البدء من المراحل التعليمية المتوسطة، بتوجيه عدداً من الدارسين إلى التعليم الفني والحرفي، وإعداد العدد الكافي منهم، في التخصصات المطلوبة.

حادي عشر: تقييم المجهود الحربي للدولة

المجهود الحربي للدولة، هو كل ما تستطيع الدولة تخصيصه، أو القيام به من أعمال لصالح إدارة أعمال القتال والصراع المسلح، وصولاً إلى النصر ودرءً الخطر عن أراضى الوطن ، لذا، فهو وثيق الصلة بإعداد الدولة للدفاع، بل إنه يشمل خططها جميعاً، ويضيف عليها عناصر أخرى مكملة، مثل:

  1. دراسة أثر البيئة، والعناصر الجغرافية للدولة، ومجالها الحيوي.
  2. دراسة العناصر التاريخية للأمة، مثل روحها الحربية في العصور السابقة، وطبيعتها المحاربة في الحضارة القديمة، والحروب التي خاضتها.
  3. دراسة الدولة لظروفها السياسية.
  4. دراسة إمكانيات الدولة الاقتصادية، ومميزات اقتصادها، ونقط ضعفه.
  5. دراسة إمكانيات الدولة التصنيعية، وقدرتها على إمداد قواتها المسلحة باحتياجاتها، ومدى توفر الخامات اللازمة للتصنيع الحربي.
  6. دراسة مدى توفر الطاقة.
  7. تحديد مدى الكفاية الذاتية للدولة من حاجات الدفاع.
  8. دراسة قدرة الدولة على التطور واستخدام التكنولوجيا الحديثة والمتقدمة، أو مقاومة الأسلحة المتقدمة لدى الخصم (بما في ذلك الجهود السياسية)، والتغلب على آثار الدمار في الحرب.

تقييم المجهود الحربي، يُمكّن المخططين من التعرّف على التوقيتات الحرجة، التي قد تنشأ خلالها أزمة ما، في واحد من قطاعات الدولة المختلفة. كما يلقي الضوء على وجود وفرة في تخصص أو صناعة أو نشاط، يمكن الاستفادة منه بإحالته إلى مجال آخر فيه قصور. كذلك، فهو يعرِّف المخططين التوقيت، الذي يجب أن تبدأ فيه حملات التوعية واتجاهاتها الأكثر فائدة، للوصول بالحالة المعنوية للشعب، إلى الدرجة المطلوبة في الوقت المناسب، متوافقة في ذلك التصعيد، مع خطط إعداد الدولة للدفاع الأخرى، وملبية احتياجاتها من مستوى وعي معين لدى الشعب. وتكون مواد الدعاية والتوعية، نابعة من تراث الأمة وتاريخها وحضارتها السابقة، ومرتكزة على حقائقها الجغرافية وسماتها المعاصرة. إن الإلمام الجيد بخصائص المجهود الحربي للدولة، هو بمثابة تسجيل مبوب لأنشطتها والخدمات بها، مما يعين على تجنب الأزمات وقت الحرب، أو التوصل المبكر إلى حلول.

إعداد الدولة للدفاع عمل ضخم، متشعب في مجالات عديدة تشمل كل أنشطة الدولة، العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد حث الله، سبحانه وتعالى، على ضرورة إعداد القوة، في كتابة الكريم:

]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[ (سورة الأنفال: الآية 60).

كما أمر سبحانه بضرورة البقاء في وضع الاستعداد دائماً، بقوله في موضع آخر: ]وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا[ (سورة الإسراء: الآية 8).

وهذا خطاب إلى اليهود، إن عادوا للفساد عاد الله إلى عقوبتهم. فأولى، أن تكون الدول على هذا النهج، مستعدة دائماً، لردع المعتدي إن عاد إلى أعماله العدائية.

لم تعد القوة العسكرية، هي الوحيدة القادرة على حسم الصراع ـ وإن كانت أهمها ـ بل أصبحت الحرب العصرية، تستلزم تكاتف كل قوى الدولة، عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وحشدها جميعاً، من أجل النصر.

أظهرت الحروب الحديثة، الأهمية البالغة لإدارة سياسة الدولة الخارجية، لصالح الإعداد للدفاع. وأنها عنصر مستمر، قبل، وأثناء، وكذلك بعد، انتهاء الصراع. كما أن الدولة ـ بالإدارة الصحيحة ـ تستطيع الحفاظ على اتجاهات سير الأحداث نحو الهدف، وتستثمر النتائج، وتوجهها لأكبر فائدة ممكنة. وتهيأ الظروف لمرحلة السلام، كما هيأتها لمرحلة الحرب والصراع. لذلك، يبدأ الإعداد لهذه السياسة مبكراً، وتستمر السياسة في إدارتها للأزمة إلى أن تحقق كل الأهداف، وما يتفرع عن ذلك من أهداف أخرى، في سلسلة مستمرة ودائمة.

ويساند الاقتصاد الوطني، خطط الإعداد للدفاع، وخطط التنمية معاً. وهو ذو قدرات محددة، يجب أن تستثمر جيداً، في تنسيق يتمشى مع كافة مطالب الدولة، ويراعى إمكانياتها. فكم من دولة غنية، هوت، بالإدارة غير السليمة إلى مصاف الفقراء، وأُثقل كاهل اقتصادها بالديون وفوائدها، حتى باتت تدور في فلك الدين الذي لا فكاك منه. وأقرب الأمثلة على ذلك العراق، الذي عُدَّ في بداية الثمانينيات، من الدول القوية اقتصادياً، وكان دخل الفرد فيه من أعلى الدخول في العالم، فهبط في نهاية حربه ضد إيران، مع بداية التسعينيات إلى دولة مثقلة بالديون، سعى حكامها، إلى مزيد من التدهور، بحربهم الثانية، بعد غزو الكويت، لتنحدر العراق بعدها إلى هاوية الفقر والجوع. وهذا مثال واضح على سوء إعداد الدولة للدفاع، الذي بنى على القوة العسكرية وحدها، وأغفل ما عداها من القوى، فكانت النتيجة وبالاً على الدولة وشعبها.

وتعكس الأهمية المتزايدة لإعداد الدولة للدفاع، أعباء متزايدة على خطط الدولة للتنمية. ويصبح التنسيق فيما بينهما عاملاً أساسياً لنجاحهما معاً. كما أن ترتيب أولوياتهما، وتخطيط الأعمال المنفذة ومتابعتها، مسؤولية كل الأجهزة الرسمية والشعبية في الدولة.

إن الدعامة الأساسية لإعداد الدولة للدفاع، هي قوتها البشرية. فعلى قدر اتسامها بالتقدم والتحضر، ومواكبة العلم والتقنية الحديثة، تكون الدولة قادرة على إعداد نفسها لمواجهة الأخطار المنتظرة، ودرء العدائيات عنها. وقد تبوأت الروح المعنوية مكاناً عالياً في إعداد الشعب ـ كما كانت دائماً في الحروب الماضية ـ فهي العامل، الذي لا يمكن إهماله، لأن في يده تغيير النتائج، وقلب الأوضاع إيجاباً أو سلباً.

وسيظل الإعداد السليم، المبنى على أساليب علمية حديثة، هو الأساس في النصر، وإدارة الصراع المسلح بنجاح. وهذا الإعداد لا بد أن تواكبه خطوات التنمية والتطور والتقدم بالقوة نفسها.

المصطلحات الواردة في متن البحث

  1. إعداد الدولة للدفاع Preparing the Nation For Defense

هو فن وعلم تطوير وإعداد واستخدام، قدرات الدولة الاقتصادية والعسكرية والمعنوية والسياسية والاجتماعية والدبلوماسية، لصالح تنمية وتطوير قدراتها الدفاعية لتحقيق النصر.

  1. ردع Deterrence

تعني لغوياً الكشف والامتناع عن الشيء. والمقصود بها عسكرياً‌ وسياسياً قدرة الدولة على تجهيز القوة، التي تجعل الآخرين يكفون عن تهديد أمنها، أو العمل على صد العدوان بالقوة الحاسمة التي لا تسمح للعدو بالتمادي والاستمرار، بسبب عنف القتال وكثرة الخسائر.

  1. ضربات العدو Enemy Strikes

القيام بأعمال عدائية نيرانية (قصف الأهداف بالمدفعية والصواريخ، أو بالهجوم الجوي)، أو بأعمال قتالية بتوجيه هجوم قوي ضد نقطة ضعف في الدفاع لاختراقه، فيُقال ضربة قوية على جانب العدو، أو في الفاصل بين وحداته، للوصول إلى أعماق دفاعه.

  1. الأهداف والغايات الوطنية (National Aims (Goals, Objectives

هي الأهداف والغايات، التي تضعها القيادة السياسية للدولة، وتضع لها سياسة لتحقيقها، وهي تقسم إلى سياسات متخصصة، ويشتق منها الأسلوب المناسب للتنفيذ لكل فئة متخصصة. وتكون الأهداف والغايات الوطنية ـ عادة ـ بعيدة المدى. لذلك، تقسم إلى أهداف مرحلية، بتحقيق كل هدف منها في مرحلة زمنية (متتابعة في أزمنة متقاربة)، تتحقيق الغاية الوطنية.

  1. الأمن الوطني National Security

كان هذا المصطلح، يستخدم قديماً، من قبل السياسيين، للتعبير عن الحاجة إلى جمع شمل الأمة عند الأزمات. وقد تغير مفهوم المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح يعبر عن حالة الدولة، التي تكون آمنة إذا لم يصل تأثير الأحداث المحيطة بها إلى الدرجة، التي تضطرها إلى التضحية بقيمها لتجنب الحرب. ويشمل ذلك التعرض لعدوان مسلح، أو لضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية.

  1. قوى الدولة الشاملة National Comprehensive Powers

هي ناتج حسابات القوة والضعف، للعناصر اللازمة في إدارة الصراع، مثل العناصر الجغرافية للدولة، والنفوذ السياسي، والقوة العسكرية، والإمكانيات الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي للشعب.

  1. الإستراتيجية Strategy

هي فن إدارة الحرب، وهي خاصة بالشق العسكري للصراع، لتحقيق أهداف عليا ـ الأهداف والغايات الوطنية (م4) ـ وهي تتناول المسائل العسكرية المختلفة. ويستعار هذا المصطلح في القطاعات المدنية، للدلالة على الخطوط الرئيسية لتنفيذ مخطط ما، فيقال مثلاً “الإستراتيجية الاقتصادية”، للتعبير عن أهمية هذا الشيء (الاتجاه الإستراتيجي (م25) ـ الممر الإستراتيجي ـ الهدف الإستراتيجي). وهي ذات مستويات متعددة، فهناك الإستراتيجية العليا (الشاملة)، وتُعني بكل ما يخص قوى الدولة الشاملة (م6)، والإستراتيجية الصغرى، وتفي بكل ما يخص الإعداد لعمل خاص، في قطاع واحد فقط.

وهي في الأصل تعبير مشتق من الكلمة اليونانية Stratêgos، بمعنى فن القيادة أو قائد الجيش، وبهذا يصبح معنى الكلمة المشتقة Strategie فن قيادة الجيش.

  1. المبادأة Initiative

أحد المبادئ المهمة في الحرب، وتعني المبادرة وسبق الخصم في بدء القتال، حيث يعطي ذلك ميزة اختيار التوقيت المناسب والمكان المناسب. ويسعى القادة للاحتفاظ بالمبادأة خلال فترة الصراع، مما يضع الخصم تحت ضغط مستمر، للقيام بردود فعل محددة.

  1. الصراع المسلح Armed Conflict

هو اللجوء لاستخدام القوة العسكرية لحل النزاع، بعد فشل الطرق الأخرى، خاصة السياسية. ويُعد الصراع المسلح الأداة المنفذة للسياسة، التي تحدد له أهدافه ومهامه، ووسائل الصراع وأساليب القتال.

  1. تنظيم القوات Organization of Forces

هو الشكل (الهيكل) الذي تنظم فيه القوات، في مستويات قيادية وتخصصية، يكون القائد على رأسها الهرمي. ويحقق التنظيم تقسيم وتوزيع وتخصيص الأعمال والمسؤوليات، ويحدد العلاقات الرأسية مع الرؤساء والمرؤوسين؛ وكذلك، العلاقات الأفقية بين عناصر التنظيم، في المستوى الواحد المناظر.

  1. العقائد القتالية Combat Doctrines

هو ما تعتنقه القوات المسلحة من أساليب قتالية لتحقيق المهام. وهي تختلف من دولة لأخرى طبقاً لإمكانياتها وعقائدها المذهبية. ومن أشهر هذه العقائد: عقيدة الحرب الخاطفة الألمانية (م34)، وعقيدة الحرب الجو برية (م35) الحديثة، وغيرها من أساليب القتال الإستراتيجية.

“هي تلك النظريات والأفكار وأساليب تطبيقها، التي تختص بالتنظيم والمناورة واستخدام القوات ومقومات الأسلحة في ميدان المعركة أثناء الاشتباك الفعلي، أو قبل حدوث الاشتباك مباشرة، وهي تختص بكل فرع من أفرع القوات المسلحة على حدة”.

  1. خطوط القتال Combat Lines

هي الخطوط الطبيعية (أو الصناعية)، التي بالاستيلاء عليها يحدث تغيير حاد في الموقف يؤدي إلى إضعاف موقف الخصم. كما يقصد بخطوط القتال “الجبهات وخطوط القتال”، أي المناطق التي تدور فيها أعمال قتالية، حيث تنظم القوات في خطوط قتالية متتالية على مسافات محددة، حتى يشرف كل خط قتال على الخط السابق له، ويعاونه بنيران الأسلحة.

  1. مسرح الحرب/ العمليات/ القتال Theater of Operations / Theater of War

أ. مسرح الحرب

هو شريحة متسعة من الأرض، تضم عدة اتجاهات إستراتيجية (م25)، وتوجد به الأهداف الإستراتيجية ذات الأهمية، من وجهة النظر السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتحشد فيه القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي.

وقد يشمل مسرح الحرب، عدة “مسارح عمليات” (م13/ب)، مثال ذلك، في الحرب العالمية الثانية، مسرح الحرب الأوروبي، ويشمل مسارح عمليات شرق أوروبا وغرب أوروبا وإيطاليا واليونان. ومسرح الحرب الأفريقي، ويشمل مسارح عمليات مصر، وليبيا، وتونس.

ب. مسرح العمليات

منطقة متسعة من الأرض، وما يجاورها من بحار وشواطئ وجزر، وما يعلوها من فضاء جوى، يحتوى على أهداف إستراتيجية واقتصادية وعسكرية، ومراكز سياسية وإدارية. ويصلح في حشد القوات وبناء التجميعات الإستراتيجية والعملياتية (م23، م24) وبإجراء فتح إستراتيجي (م22) لها استعدادا لبدء القتال، بما يتمشى مع الخطة العامة، لاستخدام القوات المسلحة للدفاع عن أراضي الدولة. وهي كقاعدة، تتضمن، أيضاً، أراضي الدول المعادية. وتقسم إلى مسارح عمليات برية، وأخرى بحرية، وثالثة جوية، طبقاً لنوع نشاط القوات الرئيسي. كما تُقسّم إلى مسارح رئيسية، وأخرى ثانوية، طبقاً لأهمية الأهداف الموجودة فيها وحجم قوات العدو العاملة داخلها. مثال ذلك، مسرح عمليات حرب الخليج الأولى البري (المناطق الحدودية لدولتي العراق وإيران)، والبحري (الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر)، وينقسم إلى مسارح قتال شرقية، وغربية، وشمالية، وجنوبية.

ج. مسرح القتال

هي المناطق من الأرض المتاخمة للحدود، وتكون أكثر احتمالاً لاستخدام القوات المسلحة فيها. ويتم تجهيزها وإعدادها هندسياً، لتسُهل عمل القوات وتؤمّن مطالبها في التحرك والانتشار والمناورة. ومسرح القتال جزء من مسرح العمليات، ويحتوي على اتجاه إستراتيجي واحد أو عدة اتجاهات عملياتية. مثال ذلك، مسرح القتال الشرقي للعراق في حرب الخليج الأولى (80 ـ 1988)، الذي يحتوي على ثلاثة اتجاهات عملياتية (الشمالي والأوسط والجنوبي).

  1. الأهداف السياسية Political Goals(or Political Objectives

هي الأغراض التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، باستخدام كافة قواها الشاملة (م6)، التي يجب أن تكون قادرة على الوصول إليها، وهي تُحدد لفترة زمنية أو مرحلة بعينها، وينبع منها الأهداف السياسية التخصصية في كافة الأنشطة.

  1. الأهداف السياسية العسكرية Politico –Military Policies

هي الأغراض التي يجب أن تحققها الآراء والمفاهيم العلمية المدروسة، عن طبيعة الحرب والمهام العسكرية للدولة وطرق تنفيذها، والتي تعتبر انعكاساً لسياسة الدولة في المجال العسكري. وتُحدد تلك الأهداف القيادة السياسية، تعاونها القيادة العسكرية. وتتضمن بناء القوات المسلحة وتنظيمها، وأسلوب استخدامها وإعدادها للدفاع، لتحقيق هذه الأهداف.

  1. اقتصاديات الحرب Economics of War

يعني هذا المصطلح مواجهة المصاعب الاقتصادية، في ظروف غير طبيعية، غالباً بسبب الحرب، بإجراءات للتغلب عليها.

  1. الأحلاف Alliances

تعني المعاهدات، وهي اتفاق بين دولتين أو أكثر، للتعاون في نشاط محدد بصيغة محددة. وتكون الأحلاف ـ غالباً ـ ذات صبغة سياسية واقتصادية وعسكرية معاً، حيث يسعى الفريق الضعيف إلى الطرف القوي لطلب الحماية، مقابل تمتع الأخير بالميزة في استغلال الموارد الطبيعية للطرف الأول، أو بسط نفوذه السياسي على المنطقة. ومن أشهر الأحلاف قديماً حلف ديلوس (478 ق م) بين المدن الإغريقية بزعامة أثينا، وحلف شمال الأطلنطي (الناتو) بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، ضد الاتحاد السوفيتي والدول الشرقية عقب الحرب العالمية الثانية، وحلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفيتي رداً على حلف الناتو، والحلف المركزي (حلف بغداد)، لحصار الاتحاد السوفيتي ومنعه من النفوذ إلى الخليج العربي، حيث المياه الدافئة والنفط.

  1. اتفاقية دفاع مشترك Joint Defense Agreement

هو نوع من المعاهدات بين دولتين، أو عدة دول، لغرض عسكري أساساً. تسعى كل أطراف الاتفاقية إلى المشاركة بقوة مسلحة مع غيرها لحماية بعضها البعض. ويكون لتلك القوات قيادة مشتركة مكونة من مختلف الدول المشتركة في الاتفاق، تقودها في الأزمات. مثال ذلك اتفاقية الدفاع المشترك العربية بين أعضاء جامعة الدولة العربية، والاتفاقيات الثنائية للدفاع المشترك، بين الكثير من الدول ذات المصالح المشتركة.

  1. مذكرة تفاهم إستراتيجي Strategic Understanding Memorandum

هي نوع من الاتفاقيات، التي تمنح بموجبها دولة عظمى، حقوقاً لدولة إقليمية للحصول على أسلحة وعتاد عسكري متقدم، وكذا التقنية العصرية الحديثة. وذلك مقابل أن تستخدم الدولة العظمى أراضى الدولة الإقليمية لحشد قواتها، وتخزين الأسلحة التي قد تحتاجها في هذه المنطقة. ويجب أن تتوافق إستراتيجية الدول الموقعة على مذكرة التفاهم الإستراتيجي، مع سياستهم الخارجية. وأشهر مذكرة تفاهم الإستراتيجي، هي تلك التي وقعت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في الثمانينيات من القرن العشرين، وعلى غرارها الاتفاق الإستراتيجي بين تركيا وإسرائيل في التسعينيات.

  1. وسائل الصراع المسلح Means of Armed Conflict

هي جميع الأسلحة والمعدات العسكرية، ذات القدرات التدميرية، التي تستخدم لإحداث الخسائر البشرية والمادية في قوات الخصم وممتلكاته ومدنه، ذلك، من أجل أضعاف قدراته العسكرية والاقتصادية، وخفض الروح المعنوية لشعبه وقواته. وقد ظلت وسائل الصراع المسلح في تطور مستمر، منذ الحروب البدائية الأولى لتحسينها وزيادة تأثيرها. وقد يكون التطور تدريجياً وبطيئاً في تأثيره، مثلماً حدث عند ظهور الأسلحة النارية، أو يكون تطوراً مفاجئاً وسريع التأثير، كما حدث عند ظهور الأسلحة الذرية والنووية، التي لم تستخدم إلا مره واحد في نهاية الحرب العالمية الثانية. حدث ذلك عندما قصفت الولايات المتحدة الأمريكية، مدينتين يابانيتين (هيروشيما وناجازاكي) بقنبلتين ذريتين بدائيتين، فأحدثت الأثر المطلوب، واستسلمت اليابان، وتجنب العالم الوصول بأزماته إلى حافة حرب نووية مرة أخرى. ويكون التطور في وسائل الصراع المسلح، تطويراً متزامناً في البنية التنظيمية للقوات المسلحة، عدداً وعملاً، حيث تتغير تبعاً لذلك أساليب القتال أيضاً.

  1. الكفاءة القتالية Combat Efficiency

هي القدرات القتالية للقوات وإمكانياتها. وتُعد مقياساً لحسن إعداد القوات بارتفاع كفاءتها القتالية، مما يمكنها من إحراز النصر، في أقصر زمن، وبأقل جهد، وأقل خسائر في الأرواح والمعدات. أي أنها: “مدى الكفاءة التي أبدتها الوحدة (أو يمكن أن تبديها تقديرياً)، في أداء عمليات قتالية، بما في ذلك الوقت، الذي استغرقته (أو تستغرقه) الوحدة، في الالتحام مع العدو، حتى إنجاز المهام المطلوبة”.

  1. الانتشار (الفتح) الإستراتيجي Strategic Deployment

كل التحركات التي تتم لبناء التجميعات الإستراتيجية (م23). وهي قد تشمل ضم قوات جديدة، أو إعادة تجميع قوات يتم سحبها من تجميع آخر، وتمركزها، أو اتخاذها أوضاعاً قتالية (طبقاً للمهمة)، دفاعية أو هجومية، في مسرح عمليات (م13/ب) أو اتجاه إستراتيجي (م25)، طبقاً لفكرة استخدام تلك القوات. وبإتمام عملية الانتشار (الفتح)، يكون التجميع قادراً على إدارة عمليات قتالية. أي إن الفتح الإستراتيجي، بناء للتجميعات الإستراتيجية في مسرح العمليات.

  1. التجميعات الإستراتيجية Strategic Groupings

هي حجم من القوات المسلحة (يشمل قوات برية وبحرية وجوية ودفاع جوي)، مخصص لإدارة عمليات قتال إستراتيجية في مسرح العمليات (م13/ب)، على اتجاه إستراتيجي (م25) محدد. وذلك، طبقاً لخطط العمليات الحربية، في مرحلة معينة، لتحقيق هدف سياسي عسكري (م15) إستراتيجي محدد.

  1. التجميعات العملياتية Operational Groupings

هي حجم من القوات المسلحة (أقل من سابقه)، يشمل نوعاً واحداً فقط من القوات الرئيسية (قوات برية مثلاً). وأما ما يعاونه من قوات أخرى (بعض القطع البحرية والطائرات المقاتلة مثلاً)، فيكون مخصصاً لإدارة أعمال قتال عملياتية، في اتجاه إستراتيجي على محور (أو عدة محاور) عملياتية (م26)، طبقاً للخطط الموضوعة، لمرحلة معينة، يُحقق منها هدف إستراتيجي محدد.

  1. الاتجاهات الإستراتيجية Strategic Directions

يشمل الاتجاه الإستراتيجي رقعة ذات مساحة كبيرة من الأرض، وما يجاورها من مناطق بحرية (وما يدخل فيها منها)، وما يعلوها من فضاء (مجال جوي). وهي جزء من مسرح العمليات (م13/ب). وتتضمن عدداً من الأهداف، والخطوط الإستراتيجية، والمحاور العملياتية. وينبغي أن تسمح مساحة الأرض في الاتجاه الإستراتيجي، بتجميع حجم كبير من القوات، بالحشد والانتشار وإدارة أعمال قتال في اتجاه الأهداف والخطوط الإستراتيجية، للاستيلاء عليها وتغيير ميزان القوى في القدرة الاقتصادية والعسكرية، وتحقيق هدف العملية الإستراتيجية.

  1. المحاور العملياتية (التعبوية) Operational Axes

هي نطاق من الأرض وما يجاوره بحرياً، وما يعلوه من مجال جوى، يسمح لتشكيلات عملياتية (جيش أو عدة فرق مشاة ودبابات) بالحشد والانتشار وإدارة أعمال القتال، بهدف القضاء على تجميع العدو في هذا المحور، والاستيلاء على أهداف ذات أهمية عملياتية/ إستراتيجية. وبالاستيلاء على هذه الأهداف يحدث تغيير كبير في الموقف داخل المحور، ويتحقق الغرض من العملية للتشكيل العملياتي.

  1. التأمين الشامل. Comprehensive Security

هو اصطلاح عسكري أصلاً، يقصد به تأمين كافة متطلبات القوات في زمن الحرب. ويشمل التأمين الشامل جانباً إدارياً (تعيينات ومهمات وذخائر ومياه وغيرها من الاحتياجات)، وفنياً (إصلاح ونجده وإمداد بقطع الغيار)، وطبياً (علاج الإصابات المختلفة ـ إخلاء الجرحى للخلف ـ إمداد بالمعدات الطبية والأدوية ـ القيام بأعمال الوقاية ضد الأوبئة والميكروبات) وهندسياً (تجهيز هندسي للأرض، من ملاجئ ودشم وحفر ومدقات وطرق ـ إمداد بمعدات المهندسين والمفرقعات ـ إصلاح معدات المهندسين ـ رص الألغام وإزالتها)، إضافة إلى تأمين أعمال قتال القوات ووقايتها، من أسلحة الدمار الشامل (م33)، وتأثير إجراءات الحرب الإلكترونية، من تشويش وإعاقة وتنصت.

  1. الضربة الوقائية/ ضربة الإجهاض

هي إجراء عسكري ذو طابع هجومي، ينفذه أحد أطراف الصراع المسلح قبل بدء المرحلة الافتتاحية للحرب بمدة زمنية طويلة، وذلك عند توافر أدنى حد من الشك حول نية الخصم في تخطيط عدوان مسلح أو امتلاك القدرة على تنفيذ هذا العدوان. ولا ينتظر أن يكون العدوان المسلح وشيك الوقوع، وأن أي تأخير في سبق أو إجهاض عدوان الخصم وقدراته العسكرية والاقتصادية والإستراتيجية، قد تتضمن مخاطر غير مأمونة النتائج، ضد كيان الدولة وأمنها القومي.

  1. ضربة الإحباط/ الضربة المسبقة

هي إجراء عسكري ذو طابع هجومي، ينفذه أحد أطراف الصراع المسلح، وذلك قبل بدء المرحلة الافتتاحية للحرب بمدة وجيزة، وذلك عند توافر قرائن وشواهد وأدلة واقتناع كامل بأن الطرف المعادي على وشك البدء في تنفيذ عدوان مسلح. ويهدف هذا الإجراء إلى إحباط خطة العدوان المسلح، وإفشال تحضيرات الخصم، مع تأخير بدء هذا العدوان، وذلك بالتركيز على الأنساق الأولى ومراكز القيادة والسيطرة، والمطارات الأمامية.

  1. التأهب القتالي الدائم Standing Combat Readiness

هي الحالة اليومية التي تكون عليها القوات، حيث يمكنها أن تنفّذ مهامها التدريبية في مناطق التدريب المخصصة (بعيداً عن منطقة التمركز). وفي الوقت نفسه تكون جاهزة لتنفيذ مهامها القتالية، فور إنذارها بالتحول للعمليات الحقيقية.

  1. الجاهزية للقتال Combat Readiness

قدرة الوحدة، أو التشكيل (نظام / سلاح / سفينة) على أداء المهام، أو الوظائف التي شكلت من أجلها.

  1. حالات التأهب Readiness Conditions

هي درجات تحدد مدى استنفار عناصر القوات المسلحة، حسب الموقف العسكري. وتوضح كل حالة الإجراءات اللازمة لتهيئة القوات لمستوى الاستعداد المطلوب. ويطلق عليها أحياناً حالات الاستعداد، أو حالات الدفاع.

  1. أسلحة الدمار الشامل Mass Destruction Weapons

هي اصطلاح ظهر عقب الحرب العالمية الثانية، عقب إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتيها الذريتين، على مدينتين يابانيتين، مما سبب تدميراً شاملاً بهما. ثم أتسع مفهوم المصطلح ليحوى أسلحة أخرى، أقدم من الأسلحة الذرية. وأصبح يضم كل الأسلحة والذخائر، التي لها الدرجة نفسها من الشمول، من حيث اتساع رقعة التدمير، وطول فترة التأثير. وصار يضم ثلاث مجموعات من تلك الأسلحة: الأولى، الأسلحة النووية (ذات الطابع الانفجاري، أو الأجسام المشعة)، والثانية، الأسلحة الكيميائية (مثل غازات الحرب، والمواد الحارقة، والدخان) ، والثالثة، الأسلحة البيولوجية (مثل البكتريا والفيروسات والفطريات والريكيتيا وكلها أجسام دقيقة مسببه للأوبئة والأمراض). وقد يُضم إليها مستقبلاً أنواع أخرى، مثل القنابل الإرتجاجية، والأسلحة فوق الصوتية، طالما أنها تعطى التأثير نفسه.

  1. الحرب الخاطفة Blitzkrieg

هو أسلوب قتالي، يعتمد على شن هجوم قوي وسريع ينهي، الصراع المسلح (الحرب) في فترة زمنية قصيرة، بعد تحقيق الهدف من الحرب. وقد استخدمه الألمان، في غزو العديد من الدول الأوروبية، في بداية الحرب العالمية الثانية. كما تعتنق إسرائيل هذا الأسلوب أيضاً، وقد كان من سمات أعمال قتال المغول والتتار، باستغلال خفة حركة فرسانهم.

  1. الحرب الجو برية (أو البرية الجوية) Air-Land Battle

هو أسلوب قتالي (عقيدة)، يعتمد على إدارة أعمال قتال ضد قوات العدو في النسق الأول (في الأمام)، وضد احتياطياته وأنساقه الثانية (في الخلف)، في وقت واحد، مع تأمين عمق القوات ضد استخدام العدو الأسلوب نفسه. وقد اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية على هذه العقيدة في الثمانينيات، لتواجه التجميع الرئيس الضخم لقوات حلف وارسو، الذي يعتمد على وجود أنساق (احتياطيات) متعددة متتالية. كما استخدم هذا الأسلوب في حرب الخليج الثانية، عام 1991، بفاعلية من قبل قوات التحالف الدولي، الذي كان يتمتع بتفوق جوى ساحق، وهو أول شروط نجاح هذا الأسلوب القتالي.

  1. العوائق الهندسية Engineering Obstacles

هي كل ما تقيمه القوات ـ بواسطة عناصر الهندسة العسكرية المتخصصة أو بواسـطة القـوات نفسها ـ من إنشاءات وتجهيزات، بهدف إعاقة تقدم العدو، وإحداث خسائر في قواته. وهي إما موانع متفجرة (الألغام المضادة للأفراد، والمضادة للدبابات، والألغام البحرية بأنواعها ـ ومراكز الموانع التي تنشئ لنسف الممرات والمناطق المحدودة السعة ـ والتجهيزات المتفجرة للمنشآت المائية، لقطع طرق عبور القنوات المائية أو إغراق الأراضي بتدمير السدود)، أو موانع غير متفجرة (مثل الأسلاك الشائكة ذات التركيبات المختلفة، والخنادق العريضـة والعميقـة، والكتل الخرسانية والسدادات الخشبية ـ أو أي عوائق مبتكرة باستخدام الموارد المحلية).

  1. ميزان المدفوعات Balance of Payments

هو التوازن بين الواردات والصادرات السلعية، والخدمات المنظورة وغير المنظورة (السياحة، والملاحة، والتأمين، ورؤوس الأموال المحولة من الخارج، أو إلى الخارج). وهي في معظمها تقديرية. ويعرّف ميزان المدفوعات بأنه حساب لفترة محدودة (سنوي مثلاً)، لكافة المعاملات الاقتصادية، التي تمت خلال تلك الفترة بين الأشخاص المقيمين في دولة معينة، والمقيمين في دول أخرى (سجل لحقوق الدولة وديونها). ويعني العجز في الميزان، كثرة السلع المستوردة عن المُصّدرة وهو يعكس خللاً إنتاجياً بالدولة.

  1. التضخم النقدي (التضخم المالي) Inflation

هو حالة من الاختلال في الاقتصاد الوطني، تتسم بوجود ميل مستمر لارتفاع المستوى العام للأسعار. ويسمى التضخم “المكبوت”، عند تدخل الحكومة بوضع ضوابط على المرتبات والأجور والأسعار لتوازن بينها (توازن غير حقيقي). ويسمى التضخم “الصريح” عندما يُترك للسوق التفاعل بين الأسعار والأجور، فتعكس زيادات سعرية فعلية. والتضخم إما يكون زاحفاً (حين يكون معدل الارتفاع بطيءً في حدود 1 –2% سنوياً) أو راكضاً (حين يكون معدل الارتفاع سريعاً نسبياً في حدود 7 ـ 8% سنوياً) أو جامحاً (حين يكون معدل الارتفاع سريعاً جداً) ويسمى الأخير “حالة تضخم نقدي مرضي”، وهو ما يؤدي إلى فقد الثقة في عملة الدولة واقتصادها. ويصاحب التضخم الجامح، عادة، فترات الحروب والثورات والفوضى الاقتصادية.

  1. السوق السوداء Black Market

هو تعبير اقتصادي، يُعبّر عن اختفاء سلعة أو أكثر من السلع الحيوية من السوق التجارية، على الرغم من وجودها، لأسباب اقتصادية مختلفة. وأكثر الأسباب شيوعاً زيادة الطلب على تلك السلع، عن مستوى إنتاجها أو طرحها في السوق التجاري، حيث يفضل بعض التجار، ومن يستغلون الموقف بيعها سراً بأسعار مرتفعة لتحقيق أرباح طائلة، تجني من الفارق بين تكلفتها (سعر شراءها) الحقيقية، وسعر بيعها في السوق السوداء. وهذه السوق تظهر في أوقات الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية، أو عندما تفرض الحكومة أسعاراً محددة على السلع (تسعير السلع)، أو عند العمل بنظام الحصص.

  1. المجال الحيوي للدولة Vital Sphere of the State

هو مصطلح يرتبط مفهومه أساساً بظاهرة الاستعمار الأوروبي، لدول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا. فهذا المجال يحدد مناطق النفوذ للدول المستعمِرة، لفرض سيادتها واستغلال الثروات الطبيعية في الدول المستعمَرة، (وهو ما ساد في عصر الكشوف الجغرافية وحتى القرنين الأخيرين) سواء اتخذت السيادة والهيمنة شكل الاحتلال المباشر، بالقوة العسكرية، أو الاستيطان أو الحماية، أو التحالف أو التعاهد. ولتنفيذ هذا المفهوم، قُسّمت القارتان إلى مناطق إقليمية، تُشكل للدول الأوربية المستعمرة مجالها الحيوي، الذي تتحرك وتتفاعل فيه للوصول إلى أقصى استغلال، من وجهة نظرها الخاصة، وتمنع تداخل أي قوى أخرى معها في هذا المجال، وتُصعد التوتر إلى حد الصراع المسلح (الحرب) عند تهديد مجالها الحيوي، الذي لا يشترط أن يكون محيطاً بالدولة نفسها.

المصادر والمراجع

أولاً: القرآن الكريم

ثانياً: الكتب العربية

  1. جمال الدين أبو الفضل، ابن منظور، “معجم لسان العرب”، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1997.
  2. حسن البدري وآخرون، “حرب رمضان (الجولة العربية الإسرائيلية الرابعة) أكتوبر 1973″، دار المستقبل العربي، القاهرة، ط1، 1977.
  3. حشمت عبد الحكم، “مفهوم ومشتملات التخطيط”، جامعة الأزهر، القاهرة، 1996.
  4. خالد بن سلطان بـن عبد العزيـز، “مقاتل من الصحراء”، دار الساقي، بيروت، ط5، 1995.
  5. رفعت المحجوب، “دراسات اقتصادية إسلامية”، مطبعة المدني، القاهرة، 1980.
  6. ريتشارد نيكسون (ترجمة مركز الأهرام للترجمة والنشر)، “1999، نصر بلا حرب”، مركز الأهرام للترجمة والنشر”، القاهرة، ط4، 1996.
  7. سمير فرج، “دور الإعلام في إعداد الدولة للحرب، وتحقيق الأمن القومي”، رسالة دكتوراه، أكاديمية ناصر العسكرية العليا، القاهرة، 1999.
  8. عبدالرحمن محمد البدري، “التخطيط المتكامل لقوى الدولة لإعدادها للدفاع”، بحث زمالة، كلية الدفاع الوطني، القاهرة، 1986،.
  9. عبدالمحسن كامل مرتجي، “الفريق مرتجي يروي الحقائق”، الوطن العربي، القاهرة.
  10. عبدالوهاب الكيالي وأخرون، “موسوعة السياسة”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 2، 1993.
  11. عثمان كامل، “إعداد الدولة للدفاع عن الوطن”، محاضرة أكاديمية غير منشورة، القاهرة، 1989.
  12. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (لجنة القرآن والسنة)، “المنتخب في تفسير القرآن الكريم”، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، ط 17، 1993.
  13. محمد بن جرير الطبري، أبو جعفر، “المصحف المفسر”، دار الغد العربي، القاهرة، 1994.
  14. محمد جمال الدين محفوظ، “المدخل إلى العقيدة والإستراتيجية العسكرية الإسلامية”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976.
  15. محمد حسنين هيكل، “أكتوبر 73، السلاح والسياسة”، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1993.
  16. محمد ضياء الدين زهدي، “إعداد الدولة لصد العدوان الخارجي”، السياسة الدولية، العدد 65، القاهرة، يوليه 1981.
  17. محمد عبدالغني الجمسي، “مذكرات الجمسي، حرب أكتوبر 1973″، المنشورات الشرقية، باريس، 1990.
  18. محمد عبدالمجيد عامر، “دراسات في الجغرافيا السياسية والدولة”، دار المعرفة الجامعية، الأسكندرية، (د.ت).
  19. محمد فوزي، “حرب الثلاث سنوات”، دار المستقبل العربي، القاهرة، ط5، 1984، ج1.
  20. مصطفي طلاس وآخرون، “الإستراتيجية السياسية العسكرية”، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط1،1991، ج1،.
  21. مصطفى طلاس وآخرون، حرب الخليج “غزو الكويت وتحريرها”، مركز الدراسات العسكرية، دمشق، 1992.
  22. هانئ رسلان، “دول الخليج وإشكالية الأمن الذاتي”، السياسة الدولية، العدد 102، القاهرة، أكتوبر 1990.

ثالثاً: الدوريات العربية

  1. مجلة السياسة الدولية، العدد الرقم 103، القاهرة، يناير 1991.
  2. مجلة السياسة الدولية، العدد الرقم 105، القاهرة، يوليه 1991.

رابعاً: المراجع الأجنبية

  1. Michael A. Palmer, Guardians of the Gulf, a history of America, expanding role in the Persian Gulf, 1833-1992, The Free Press, A Division of Macmillan Inc. New York, 1992.
  2. Srephen C. Pelletiere and Douglas V. Jonson II, Lessons Learned: The Iran–Iraq war, Strategic Studies Institute, U. S. Army War College, Carlisle Barracks, Pennsylvania, 1990

المصدر: http://www.moqatel.com/