La mer territoriale – The territorial Sea 

تعريف البحر الإقليمى :

البحر الإقليمى أو المياه الإقليمية   Territorial Waters ، عبارة عن جزء من البحار ملاصق لشواطئ الدولة، ويأتى تالياً لإقليمها البرى ومياهها الداخلية ، أو بمعنى آخر هو عبارة عن رقعة من البحار تنحصر بين المياه الداخلية وشاطئ الدولة من جهة والمنطقة المتاخمة من جهة أخرى([1]).

هذا وقد نصت المادة الثانية من اتفاقية 1982،في فقراتها الثلاث ،على أن ” تمتد سيادة الدولة الساحلية خارج إقليمها البرى ومياهها الداخلية أو مياهها الأرخبيلية إذا كانت دولة أرخبيلية، إلى حزام بحرى ملاصق يعرف بالبحر الإقليمى، وتمتد هذه السيادة إلى الحيز الجوى فوق البحر الإقليمى وكذلك إلى قاعه وباطن أرضه، وأن السيادة على هذا البحر الإقليمى تمارس مع مراعاة أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من قواعد القانون الدولى”.

تحديد البحر الإقليمى

Limits of the territorial sea

تتطلب عملية تحديد البحر الإقليمى للدولة الشاطئية أن نتعرض أولاً لبيان اتساع هذا الجزء من المياه، ثم نتعرض ثانياً لكيفية تحديد هذا الاتساع، كل فى مطلب مستقل.

عرض البحر الإقليمى

Breadth of the territorial sea

لقد أثار تحديد اتساع  البحر الإقليمى للدول الساحلية العديد من المشكلات واختلاف وجهات النظر بين الفقهاء والدول على حد سواء، وذلك انطلاقاً من أن سيادة الدولة واختصاصها يجب أن يمتدا إلى المساحات البحرية التى يمكنها أن تسيطر عليها بشكل فعلى باعتبار أنها تعد امتداداً طبيعياً لإقليمها البرى. وقد أدى هذا الاعتقاد ببعض الفقهاء، فى القرن الثامن عشر، إلى المناداة بأن يمتد عرض البحر الإقليمى إلى المدى الذى تصل إليه قذيفة المدفع المثبت على شاطئ الدولة، باعتبار هذا المدى هو الذى يمكن للدولة أن تسيطر عليه بشكل فعلى، وقد قدر هذا المدى آنذاك بثلاثة أميال بحرية، وأصبح هذا المدى اتساعاً تقليدياً تبنته العديد من الدول فى تشريعاتها الداخلية والتزاماتها الدولية على حدٍ سواء([2]).

ومع تزايد الحاجة للثروات البحرية الحية منها وغير الحية، والتطور العلمى والتقنى اللازم لاستكشاف واستغلال هذه الثروات، ثار الخلاف من جديد بين الدول حول اتساع البحر الإقليمى، وهل يتم الإبقاء على معيار الثلاثة أميال بحرية أم يتم تعديله من خلال زيادة هذا الاتساع بما يتلاءم مع المعطيات الدولية الجديدة. وقد تبنت الدول فى هذا الإطار وجهتى نظر مختلفتين، نادت إحداهما بالإبقاء على الوضع القائم وعدم زيادة اتساع البحر الإقليمى عن الثلاثة أميال بحرية. وقد ناصرت هذه الوجهة من النظر الدول البحرية القوية، والتى كانت تسعى من خلال موقفها هذا إلى الاحتفاظ بمناطق الصيد لها ولرعاياها، وحرية الملاحة لسفنها وأساطيلها. فى حين نادت الثانية، والتى كانت تضم الدول حديثة الاستقلال بشكل أساسى، بضرورة زيادة عرض البحر الإقليمى لأهداف أمنية واقتصادية، وبما يتلاءم مع المعطيات الدولية الجديدة([3]). وقد أدى استمرار الخلاف وتباين وجهات النظر بين الدول بخصوص اتساع البحر الإقليمى، إلى فشل مؤتمر التقنين الذى عقد فى لاهاى عام 1930 فى ظل عصبة الأمم، وذلك لعدم التوصل إلى اتفاق بين الدول المشاركة حول مدى أو اتساع البحر الإقليمى للدول الساحلية.

وخلال مؤتمر الأمم المتحدة الأول لقانون البحار الذى عقد فى جنيف عام 1958، تجدد الخلاف بين الدول المشاركة حول هذا الموضوع. حيث تمسكت بعض الدول بمسافة الثلاثة أميال بحرية، فى حين نادى بعضها الآخر بأن يمتد اتساع البحر الإقليمى لمسافة اثنى عشر ميلاً بحرياً، أما دول أمريكا اللاتينية فقد نادت بأن يتسع البحر الإقليمى لمسافة 200 ميل بحرى.

وكان هناك اقتراحاً وسطاً تقدمت به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وتمثل فى أن يمتد اتساع البحر الإقليمى لمسافة ستة أميال بحرية يليها ستة أميال بحرية أخرى، لتكون منطقة صيد خالصة للدول الساحلية، ولكن لم يتم الاستقرار على أى من هذه الاقتراحات الثلاثة، ولذا جاءت اتفاقية 1958 الخاصة بالبحر الإقليمى، خالية من أى نص يحدد اتساع البحر الإقليمى، وهذا ما استمر عليه الحال أيضاً خلال مؤتمر الأمم المتحدة الثانى لقانون البحار عام 1960، حيث فشل هذا المؤتمر بدوره فى التوصل لتحديد اتساع البحر الإقليمى.

وعلى خلاف ما سبق ، كان لمؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار دوراً هاماً فى التوصل إلى حل مشكلة تحديد اتساع البحر الإقليمى، حيث نصت المادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتى أسفر عنها هذا المؤتمر، على أن: “لكل دولة الحق فى أن تحدد بحرها الإقليمى بمسافة لا تتجاوز اثنى عشر ميلاً بحرياً مقيسة من خطوط الأساس المقررة وفقاً لهذه الاتفاقية”.

طريقة قياس عرض البحر الإقليمى

تضمنت اتفاقية 1982 القواعد التى يتم من خلالها قياس وتحديد عرض البحر الإقليمى للدولة الساحلية ، حيث أشارت فى مادتها الثالثة إلى أن مسافة الإثنى عشر ميلاً بحرياً المقررة كاتساع للبحر الإقليمى ، يبدأ قياسها من خط الأساس الذى قررته الاتفاقية. وباستقراء نصوص الاتفاقية، يتبين لنا أن المادتين الخامسة والسابعة قد أشارتا إلى نوعين من خطوط الأساس هما خطوط الأساس العادية وخطوط الأساس المستقيمة.

أولاً : خطوط الأساس العادية : Normal baseline

ويتمثل خط الأساس العادى الذى يبدأ منه قياس عرض البحر الإقليمى – طبقا لنص المادة الخامسة من الاتفاقية – فى “حد أدنى الجزر على امتداد الساحل كما هو مبين على الخرائط ذات مقياس الرسم الكبير المعترف بها رسمياً من قبل الدولة الساحلية”. وهذا المعنى هو ما كانت محكمة العدل الدولية قد أكدت عليه فى حكمها الشهير الصادر فى قضية المصايد النرويجية البريطانية عام 1951، حيث أشارت فى إحدى فقرات هذا الحكم إلى أن: “خط قياس البحر الإقليمى لا يمكن أن ينحرف عن الاتجاه العام لشاطئ الدولة بطريقة ملحوظة، ولا يتصور حدوث مثل هذا الانحراف إذا تطابق خط الأساس مع خط انحسار المياه وقت الجزر، فهذا الخط يتوازى دائماً مع انحناءات الشاطئ وتعرجاته([4]).

أما فى حالة الجزر الواقعة فوق حلقات مرجانية أو الجزء المحاطة بشعاب مرجانية فإن خط الأساس فى هذه الحالة يكون هو حد أدنى الجزر للشعب المرجانية باتجاه البحر كما هو مبين بالرمز المناسب على الخرائط المعترف بها رسميا من قبل الدولة الساحلية([5]).

هذا وقد تضمنت المادة 13 من الاتفاقية فى فقرتها الأولى حكماً خاصاً بالمرتفعات التى تنحسر عنها المياه عند الجزر([6]). حيث قررت أنه عندما يكون المرتفع الذى تنحسر عنه المياه عند الجزر واقعاً كلياً أو جزئياً على مسافة لا تتجاوز عرض البحر الإقليمى من البر أو من جزيرة، يجوز أن يستخدم حد أدنى الجزر فى ذلك المرتفع كخط أساس لقياس عرض البحر الإقليمى.

كما أضافت الفقرة الثانية من نفس المادة أنه عندما يكون المرتفع الذى تنحسر عنه المياه عند الجزر واقعاً كلياً على مسافة تتجاوز عرض البحر الإقليمى من البر أو من جزيرة، لا يكون لهذا المرتفع بحراً إقليمياً خاصاً به([7]).

ثانياً : خطوط الأساس المستقيمة :baselinesStraight  

كثيراً ما تثير طريقة خطوط الأساس العادية صعوبات عند التطبيق، خصوصاً فى الحالات التى توجد فيها تعرجات أو انبعاجات أكثر أو أقل عمقاً بالشاطئ أو عند وجود مجموعة من الجزر القريبة مباشرة من الشاطئ وعلى طول امتداده، وتفادياً لمثل هذه الصعوبات تبنت اتفاقية 1958 الخاصة بالبحر الإقليمى ومن بعدها اتفاقية 1982 نظام خطوط الأساس المستقيمة Straight Baselines، وهى تلك الخطوط التى تصل بين نقاط مناسبة لبدء قياس عرض البحر الإقليمى.

وقد حددت اتفاقية 1982 الضوابط والمبادئ الحاكمة التى يجب مراعاتها عند إتباع هذه الطريقة والتى يمكن إجمالها فى الأمور الآتية([8]):-

–   يجب ألا ينحرف مسار خطوط الأساس المستقيمة أى انحراف ملحوظ عن الاتجاه العام للساحل، ويتعين كذلك أن تكون المساحات البحرية التى تقع داخل نطاق هذه الخطوط مرتبطة بالإقليم البرى للدولة الساحلية ارتباطاً وثيقاً وكافياً لإخضاع هذه المساحات المائية لنظام المياه الداخلية.

–   لا ترسم خطوط الأساس المستقيمة من المرتفعات التى تنحسر عنها المياه عند الجزر وإليها، ما لم تكن قد بنى عليها منائر أو منشآت مماثلة تعلو دائماً سطح البحر إلا فى الحالات التى يكون فيها مد خطوط الأساس من هذه المرتفعات وإليها قد لاقى اعتراف دولى عام.

–   عند رسم خطوط الأساس المستقيمة، طبقا لنص الفقرة الأولى من هذه المادة، يجوز أن يؤخذ فى الاعتبار عند تقرير خطوط أساس معينة، ما تنفرد به المنطقة المعنية من مصالح اقتصادية ثبت وجودها وأهميتها ثبوتاً واضحاً من خلال الاستعمال الطويل.

–   يجب ألا يترتب على إتباع نظام خطوط الأساس المستقيمة فى دولة ساحلية معينة فصل البحر الإقليمى لدولة أخرى عن أعالى البحار أو عن المنطقة الاقتصادية الخالصة.

وبالإضافة إلى ما سبق يتم اللجوء إلى نظام خطوط الأساس المستقيمة فى حالتين إضافيتين هما:

أ – حالة مصاب الأنهار : Mouths of Rivers : 

فى حالة ما إذا كان النهر يصب مياهه مباشرة فى أحد البحار، نصت اتفاقية 1982 فى مادتها التاسعة على أن خط الأساس الذى يبدأ منه قياس عرض البحر الإقليمى فى منطقة المصب، هو ذلك الخط المستقيم عبر المصب، الذى يصل بين نقطتين على حد أدنى الجزر على ضفتى النهر.

ب – حالة الخلجان : The Bays : 

يقصد بالخلجان الوارد ذكرها فى المادة العاشرة من الاتفاقية تلك الخلجان التى تقع سواحلها فى دولة واحدة. وقد حددت الفقرة الثانية من المادة المذكورة مفهوم الخليج بأنه عبارة عن “انبعاج واضح المعالم يكون توغله بالقياس إلى عرض مدخله يجعله يحتوى على مياه محصورة  بالبر ويشكل أكثر من مجرد انحناء للساحل، غير أن الانبعاج لا يعتبر خليجاً إلا إذا كانت مساحته تعادل أو تفوق مساحة نصف دائرة قطرها خط يرسم عبر مدخل ذلك  الانبعاج”.

وقد قررت الاتفاقية أن “الخط الذى يرسم منه عرض البحر الإقليمى فى حالة الخلجان هو خط الأساس المستقيم”، وهذا ما حددته المادة العاشرة من الاتفاقية، والتى تضمنت القواعد المعمول بها لرسم خط الأساس فى هذه الحالة وهى:

–  أن مساحة الانبعاج بهدف القياس، هى تلك المساحة الواقعة بين حد أدنى الجزر حول شاطئ الانبعاج وبين خط يصل بين حد أدنى الجزر على نقطتى مدخله الطبيعى. وعندما يكون للانبعاج، بسبب وجود جزر، أكثر من مدخل واحد، فإنه يرسم نصف دائرة على قطر يعادل طوله مجموع أطوال الخطوط المرسومة عبر المداخل المختلفة. وتحسب مساحة الجزر الموجودة داخل الانبعاج ضمن مساحة الانبعاج كما لو كانت جزءاً من مساحته المائية.

–  فى حالة ما إذا كانت المسافة بين حدى أدنى الجزر لنقطتى المدخل الطبيعى لخليج ما لا تتجاوز 24 ميلاً بحرياً، فإنه يجوز أن يرسم خط فاصل بين حدى أدنى الجزر المذكورين، وتكون المياه الواقعة داخل هذا الخط مياهاً داخلية.

–  عندما تتجاوز المسافة بين حدى أدنى الجزر لنقطتى المدخل الطبيعى لخليج ما 24 ميلاً بحرياً، فإنه يرسم خط أساس مستقيم طوله 24 ميلاً بحرياً داخل الخليج تجعله يحصر أكبر مساحة من المياه يمكن حصرها بخط له هذا الطول([9]).

وتجدر الإشارة فى هذا الخصوص، إلى أن الدولة الساحلية يمكنها أن تلجأ إلى أكثر من طريقة لتحديد خطوط الأساس التى يبدأ منهـا قياس عرض البحر الإقليمى، وذلك طبقاً لاختلاف الظروف الجغرافية لشواطئ هذه الدولة.

تعيين حدود البحر الإقليمى فى حالة الدول ذات السواحل

المتقابلة أو  المتلاصقة :

إذا كانت سواحل دولتين متقابلة opposite أو متلاصقة adjacent، فإنه لا يحق لأى من الدولتين أن تمد مساحة بحرها الإقليمى إلى أبعد من خط الوسط median line الذى تكون كل نقطة عليه متساوية فى بعدها عن اقرب النقاط على خط الأساس الذى يقاس منه عرض البحر الإقليمى لكلتا الدولتين، إلا إذا اتفقت الدولتان على خلاف ذلك، أو كان هناك سند تاريخى أو ظروف خاصة، تجعل من الضرورى تعيين حدود البحر الإقليمى لكل من الدولتين بطريقة أخرى([10]).

النظام القانونى للبحر الإقليمى

بداءة تجدر الإشارة إلى أنه قد ثار جدلاً فقهياً حول طبيعة حق الدولة على بحرها الإقليمى، حيث انقسم الرأى فى هذا الخصوص إلى ثلاثة اتجاهات، رأى أولها، ومن أنصاره ؛ “فاتل” و “هيل”، أن حق الدولة الساحلية على بحرها الإقليمى هو حق ملكية، كما هو الحال بالنسبة لحق الملكية فى النظام القانونى الداخلى. ورأى ثانيها ومن أنصاره ؛ “ديبوى” ويرى أن حق الدولة على بحرها الإقليمى هو حق سيادة، ولكنها سيادة مقيدة بما تستلزمه ضرورات تسيير الملاحة الدولية. فى حين رأى ثالثها، والذى دافع عنه الفقيه الفرنسى “لابراديل”، أن حق الدولة الساحلية على بحرها الإقليمى هو بمثابة حق ارتفاق على هذا الجزء من البحر يثبت لها لمجرد كونها دولة ساحلية([11]).

وكما اختلف الفقهاء حول طبيعة حق الدولة على بحرها الإقليمى، اختلفوا أيضاً حول طبيعة مياه هذا الحيز البحرى، بين قائل بأنها جزء من أعالى البحار مع إعطاء الدولة الساحلية الحق فى ممارسة بعض الحقوق على هذا الجزء بصفة استثنائية، وقائل بأن هذا الجزء من البحار يشكل جزءاً من إقليم الدولة، لا يختلف من حيث جوهره القانونى عن أى جزء آخر من أجزاء إقليم الدولة.

أياً ما كان من أمر فقد حسمت اتفاقية 1958 ومن بعدها اتفاقية 1982، هذا الخلاف الفقهى، حيث قررتاً أن سيادة الدولة الشاطئية تمتد خارج إقليمها البرى ومياهها الداخلية، أو مياهها الأرخبيلية، إذا كانت دولة أرخبيلية، إلى حزام بحرى ملاصق يعرف بالبحر الإقليمى، وأن هذه السيادة تمتد إلى الحيز الجوى فوق البحر الإقليمى وإلى قاعه وباطن أرضه، وأن ممارسة هذه السيادة على البحر الإقليمى مرهونة بمراعاة أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من قواعد القانون الدولى([12]).

وفى ضوء ما ذهبت إليه اتفاقيتا 1958 و 1982 يكون واضعو هاتين الاتفاقيتين قد انتهوا إلى اعتبار البحر الإقليمى جزءاً من البحار، اقتضت بعض الاعتبارات منح الدولة الساحلية سلطات سيادية عليه، من أجل متطلبات أمنها وحسن تنظيم الملاحة فيها مع ضرورة التزام الدولة الساحلية بعدم التعسف فى استعمال هذه الحقوق، وأن يتم ممارستها فى الإطار الذى يحقق صالح الجماعة الدولية([13]).

ولكن إذا كانت الدولة الساحلية تتمتع بحقوق سيادية كاملة على بحارها الإقليمية، فإن هذا المبدأ العام يرد عليه قيدان هامان يتعلق أولهما بحق المرور البرىء للسفن الأجنبية فى البحر الإقليمى، ويتعلق ثانيهما بالوضع القانونى للسفن الأجنبية حال تواجدها فى مياه البحر الإقليمى للدولة الساحلية، وهذا ما نتناوله كل فى مطلب مستقل.

حق المرور البريء

Droit de passage inoffensive – Right of innocent passage

استقر العرف والقضاء الدوليان على تمتع سفن الدول الشاطئية وغير الشاطئية بحق المرور البرئ خلال البحار الإقليمية للدول الأخرى، وهذا ما أكدته المادة 17 من اتفاقية 1982، والذى كانت تؤكد عليه من قبل المادة 14 من اتفاقية 1958 الخاصة بالبحر الإقليمى.

والمرور البرئ خلال البحر الإقليمى كما حددته الاتفاقية يمكن أن يتخذ إحدى الصور الآتية:

أ   – اجتياز البحر الإقليمى دون دخول المياه الداخلية أو التوقف فى  مرسى أو فى مرفق مينائى يقع خارج المياه الداخلية، كما لو كان مرور السفينة فى البحر الإقليمى جاء محازياً للشاطئ بهدف التوجه إلى ميناء دولة مجاورة.

ب – أن تتخذ السفينة طريقها عبر البحر الإقليمى بهدف الدخول فى المياه الداخلية للدولة الساحلية، كما لو كانت السفينة قادمة من أعالى البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وقاصدة أحد موانى الدولة الساحلية مروراً ببحرها الإقليمى.

ج – أن تكون السفينة خارجة من أحد موانى الدولة الساحلية أو مياهها الداخلية  فى طريقها إلى أعالى البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة مروراً ببحرها الإقليمى([14]).   ثم أضافت الفقرة الثانية من المادة الثامنة عشرة من الإتفاقية أن : المرور عبر البحر الإقليمي يجب أن يكون متواصلا وسريعا ، وإن كان يشتمل على التوقف والرسو ، ولكن فقط بقدر مايكون هذا التوقف والرسو من مقتضيات الملاحة العادية ،أو حين تستلزمها قوة قاهرة أو حالة شدة ، أو حين يكون لغرض تقديم المساعدة إلى أشخاص أو سفن أو طائرات في حالة خطر أو شدة .

أولا : معنى المرور البريء :Meaning of innocent passage:

 المرور البرئ – كما عرفته الفقرة الأولى من المادة 19 من اتفاقية 1982 – هو ذلك المرور الذى لا يضر بسلم الدولة الساحلية أو بحسن نظامها أو بأمنها، وأن يتم هذا المرور طبقا لهذه الاتفاقية ولقواعد القانون الدولى الأخرى.

وبناء عليه أشارت الفقرة الثانية من المادة السابقة، إلى أن مرور السفن الأجنبية يكون ضاراً بسلم الدولة الساحلية أو بحسن نظامها أو بأمنها إذا قامت السفينة عند مرورها فى البحر الإقليمى بواحد أو أكثر من الأنشطة التالية:

أ – أى تهديد باستعمال القوة أو استعمالها فعلاً ضد سيادة الدولة الساحلية أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسى، أو بأى صورة تشكل انتهاكاً لمبادئ القانون الدولى الثابتة فى ميثاق الأمم المتحدة.

ب – أى مناورة أو تدريب بأسلحة من أى نوع.

ج – أى عمل يهدف إلى جمع معلومات تضر بدفاع الدولة الساحلية أو أمنها.

د – أى عمل دعائى يهدف إلى المساس بدفاع الدولة الساحلية أو أمنها.

هـ – إطلاق أى طائرة أو إنزالها أو تحميلها.

و – إطلاق أى جهاز عسكرى أو إنزاله أو تحميله.

ز – تحميل أو إنزال سلعة أو عملة أو شخص خلافاً لقوانين وأنظمة الدولة الساحلية الجمركية أو الضريبية أو المتعلقة بالهجرة أو الصحة.

ح – أى عمل من أعمال التلوث المقصود والخطير بما يخالف أحكام هذه الاتفاقية.

ط – أى نشاط من أنشطة صيد السمك.

ى – أى أنشطة متعلقة بالبحث أو المسح.

ك – أى فعل يهدف إلى التدخل فى عمل أى من شبكات المواصلات أو من المرافق أو المنشآت الأخرى للدولة الساحلية.

ل – أى نشاط آخر ليست له علاقة مباشرة بالمرور.

هذا وقد أقرت الاتفاقية حكماً خاصاً بالغواصات والمركبات الغاطسة، حيث تلتزم بأن تمر عبر البحر الإقليمى للدولة الساحلية وهى طافية ورافعة علمها([15]).

كما ألقت التزاماً آخر على السفن الأجنبية التى تعمل بالطاقة النووية، أو تلك التى تحمل مواد نووية أو غيرها من المواد ذات الطبيعة الخطرة أو المؤذية حال مرورها بالبحر الإقليمى مروراً بريئاً، وذلك بأن تحمل من الوثائق وأن تراعى من التدابير الوقائية الخاصة ما قررته الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بهذه السفن([16]).

ثانياً : حقوق الدولة الساحلية :

إذا كان المرور البرئ للسفن الأجنبية فى البحر الإقليمى للدولة الساحلية قيداً على سيادة الدولة على بحرها الإقليمى، فإن هذا القيد لا يمكن أن يجرد الدولة من كل حقوقها تجاه هذا الجزء من المياه المجاورة لإقليمها البرى، بل يبقى لها ممارسة بعض الحقوق والسلطات على مياهها الإقليمية والتى من أهمها:-

1 – حق وضع القوانين واللوائح المنظمة لحق المرور البريء :

أعطت المادة 21 من اتفاقية 1982، للدولة الساحلية الحق فى وضع القوانين وإصدار اللوائح التى تراها ضرورية لممارسة السفن الأجنبية لحق المرور البرئ من خلال بحرها الإقليمى. حيث أكدت هذه المادة على أن للدولة الساحلية أن تعتمد – طبقا لأحكام هذه الاتفاقية وغيرها من قواعد القانون الدولى – قوانين وأنظمة بشأن المرور البرئ عبر البحر الإقليمى، تتناول هذه القوانين وتلك الأنظمة الأمور الآتية كلها أو بعضها:

أ – سلامة الملاحة وتنظيم حركة المرور البحرى.

ب – حماية وسائل تيسير الملاحة والتسهيلات الملاحية وغير ذلك من المرافق أو المنشآت.

ج – حماية الكابلات وخطوط الأنابيب.

د – حفظ الموارد الحية للبحر.

هـ – منع خرق قوانين وأنظمة الدولة الساحلية المتعلقة بمصائد الأسماك.

و – الحفاظ على بيئة الدولة الساحلية ومنع تلوثها وخفضه والسيطرة عليه.

ز – البحث العلمى البحرى وأعمال المسح الهيدروغرافى.

ح – منع خرق قوانين وأنظمة الدولة الساحلية الجمركية أو الضريبية أو المتعلقة بالهجرة أو الصحة.

هذا وقد ألقت الفقرة الثالثة من المادة 21 من الاتفاقية إلتزاما على الدولة الساحلية بأن تقوم بالإعلان الكامل عن جميع القوانين والأنظمة التى تصدرها بهدف تنظيم المرور البرئ فى بحرها الإقليمى، ويكون على السفن الأجنبية أن تلتزم بكل هذه القوانين وتلك الأنظمة.

2 – حق الدولة الساحلية فى تعيين الممرات البحرية للمرور البريء فى البحر الإقليمى :

لما كان البحر الإقليمى يعد امتداداً لإقليم الدولة البرى، ويخضع لسيادتها، فإن من الحقوق التى تتمتع بها الدولة الساحلية حقها فى تعيين الممرات البحرية التى يمكن للسفن الأجنبية أن تسلكها عند ممارستها لحق المرور البرئ.

وفى هذا الإطار تقرر المادة 22 من اتفاقية 1982 أن للدولة الساحلية، كلما اقتضت ذلك سلامة الملاحة، أن تفرض على السفن الأجنبية التى تمارس حق المرور البرئ خلال بحرها الإقليمى استخدام الممرات البحرية وإتباع نظم تقسيم حركة المرور التى قد تعينها أو تقررها لتنظيم مرور السفن مروراً بريئاً فى بحرها الإقليمى.

كما أضافت المادة سالفة الذكر، أنه يجوز – بصفة خاصة – أن يفرض على الناقلات والسفن التى تعمل بالطاقة النووية وتلك التى تحمل مواد نووية أو غيرها من المواد والمنتجات ذات الطبيعة الخطرة أو المؤذية أن تقصر مرورها على تلك الممرات.

إلا أن الاتفاقية أوجبت على الدولة الساحلية وهى بصدد تعيين هذه الممرات وتقريرها لنظم تقسيم حركة المرور، أن تأخذ فى اعتبارها:

أ – توصيات المنظمة الدولية المختصة.

ب – أى قنوات تستخدم عادة للملاحة الدولية.

ج – ما للسفن وقنوات معينة من مميزات خاصة.

د – كثافة حركة المرور.

كذلك ألزمت الاتفاقية الدولة الساحلية أن تبين بوضوح حدود ما تقوم بتعيينه من ممرات بحرية ونظم تقسيم حركة المرور فى خرائط يعلن عنها الإعلان الكافى.

3 – حق الدولة الساحلية فى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع المرور غير البريء :

إذا كان المرور البرئ يشكل استثناءً أو قيداً على الحق السيادى الذى تتمتع به الدولة الشاطئية على بحرها الإقليمى، فإن لهذه الدولة الحق فى اتخاذ كل الخطوات والإجراءات التى تراها مناسبة لمنع أى مرور لا يكون بريئا.

كما أنه بالنسبة للسفن المتوجهة إلى المياه الداخلية أو تلك التى ترغب فى التوقف فى مرفق مينائى خارج حدود المياه الداخلية، يكون للدولة الساحلية أيضا الحق فى اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات التى تراها ضرورية لمنع أى انتهاك للشروط والقواعد التى تنظم دخول هذه السفن إلى المياه الداخلية أو رسوها فى المرافق المينائية التابعة للدولة الساحلية.

4 – حق الدولة الساحلية فى وقف المرور البريء :

لما كانت الدولة الساحلية هى صاحبة السيادة على مياهها الإقليمة، وإن المرور البرئ إنما هو حق استثنائى قرر لصالح السفن الأجنبية لدعم وتقوية حرية التجارة الدولية، فقد قررت اتفاقية 1982 فى مادتها 25 أن للدولة الساحلية الحق فى وقف المرور البرئ خلال بحرها الإقليمى وذلك بالشروط الآتية :

أ – أن يكون وقف المرور البرئ قد جاء مؤقتاً.

ب – أن يسرى وقف المرور البرئ على كل السفن الأجنبية دون تمييز قانونى أو فعلى.

ج – أن يكون وقف المرور البرئ سارياً على قطاعات محددة من البحر الإقليمى وليس على البحر الإقليمى كله.

د – أن يكون الوقف المؤقت للمرور البرئ هو أمر تقتضيه ضرورات حماية أمن الدولة الساحلية، بما فى ذلك قيامها بمناورات عسكرية.

هـ – أن يتم الإعلان عن وقت ومكان سريان هذا الوقف، ولا يصبح هذا الوقف نافذاً إلا بعد أن يتم الإعلان عنه الإعلان الواجب.

ثالثاً : واجبات الدولة الساحلية :

مقابل ما قررته الاتفاقية للدولة الساحلية من حقوق، ألقت عليها بعض الالتزامات، التى يمكن إجمالها فى:

أ – عدم إعاقة المرور البرئ فى بحرها الإقليمى :

لم تقف اتفاقية 1982 عند حد تقرير حق السفن الأجنبية فى  المرور مروراً بريئا فى البحر الإقليمى للدولة الساحلية، باعتباره أحد القيود الواردة على سيادتها على هذا الحيز البحرى، بل ألقت على عاتق الدولة الساحلية التزاماً بعدم إعاقة ممارسة السفن الأجنبية لهذا الحق، إلا إذا كان ذلك فى إطار الحالات وبالشروط التى تقررها الاتفاقية. ومن ثم يحظر على الدولة الساحلية، وهى بصدد تطبيق نصوص هذه الاتفاقية أو لأى من القوانين أو الأنظمة المعتمدة طبقا لهذا الاتفاقية، أن تقوم بأى من الأمور الآتية:

–  فرض شروط على السفن الأجنبية يكون من شأنها عملياً إنكار حق المرور البرئ على تلك السفن أو الإخلال به.

–  التمييز قانوناً أو فعلاً ضد السفن التى تحمل علم دولة معينة أو ضد السفن التى تحمل بضائع إلى دولة معينة أو منها أو لحسابها.

ب – عدم جواز فرض رسوم مقابل ممارسة حق المرور البرئ :

حظرت الاتفاقية على الدولة الساحلية أن تقوم بتحصيل أو فرض أية رسوم على السفن الأجنبية مقابل مرورها مروراً بريئاً فى بحرها الإقليمى، إلا إذا كانت هذه الرسوم مقابل خدمات فعلية ومحددة قدمت إلى هذه السفن، ويجب أن تحصل هذا الرسوم – فى حالة استحقاقها – دون أى تمييز بين سفينة وأخرى([17]).

ج – الإعلان عن أى خطر على الملاحة تعلم بوجوده داخل بحرها الإقليمى :

انطلاقاً من حق السيادة الذى تتمتع به الدولة الساحلية على بحرها الإقليمى، فإنها تكون على علم بكل ما قد يوجد فيه من أخطار تهدد سلامة السفن حال إبحارها فيه، وبالتالى فقد ألقت التزاماً على عاتق الدولة الساحلية بأن تقوم بالإعلان المناسب عن أى خطر يهدد الملاحة تعلم بوجوده داخل مياه بحرها الإقليمى، كما لو تعلق الأمر بوجود صخور ضخمة أو غيرها من العوائق التى يكون من شأنها تهديد سلامة الملاحة فى بحرها الإقليمى([18]).

المطلب الثانى

الوضع القانونى للسفن الأجنبية حال وجودها في البحر الإقليمى

يختلف الوضع القانونى للسفن الأجنبية الموجودة بالبحر الإقليمى للدولة الساحلية بحسب ما إذا كانت السفينة المعنية سفينة تجارية أم كانت سفينة عسكرية، وذلك على النحو التالى:

أولاً : الاختصاص القضائى للدولة الساحلية على السفن التجارية والسفن الحكومية المستعملة لأغراض تجارية :

وهنا فرقت الاتفاقية بين الاختصاص القضائى الجنائى والاختصاص القضائى المدنى.

1 – الاختصاص القضائى الجنائى :Criminal jurisdiction :

قررت اتفاقية 1982 أنه لا يجوز لسلطات الدولة الساحلية أن تمارس أية ولاية قضائية جنائية على السفن التجارية الأجنبية المارة فى بحرها الإقليمى بهدف توقيف أى شخص أو إجراء أى تحقيق بخصوص أية جريمة ارتكبت على ظهر السفينة أثناء مرورها، إلا فى حالات محددة هى:

–  إذا امتدت نتائج الجريمة إلى الدولة الساحلية.

–  إذا كانت الجريمة من تلك التى تخل بسلم البلد أو بحسن النظام فى البحر الإقليمى.

–  إذا طلب ربان السفينة أو ممثل دبلوماسى أو موظف قنصلى لدولة العلم مساعدة سلطات الدولة الساحلية.

–  إذا كانت التدابير التى تقوم بها الدولة الساحلية لازمة وضرورية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات أو المواد التى تؤثر على العقل([19]).

كذلك لا يجوز لسلطات الدولة الساحلية أن تتخذ أية خطوات قضائية على ظهر السفينة الأجنبية أثناء مرورها بالبحر الإقليمى، بهدف توقيف أى شخص أو إجراء أى تحقيق بخصوص أية جريمة تم ارتكابها قبل دخول هذه السفينة البحر الإقليمى، وكانت قادمة من ميناء أجنبى ومارة فقط عبر البحر الإقليمى دون أن تدخل المياه الداخلية للدولة الساحلية([20]).

والأحكام السابقة لا تخل – بالطبع – بحق الدولة الساحلية فى اتخاذ أية إجراءات تسمح بها قوانينها لإجراء أى توقيف أو تحقيق على ظهر السفينة الأجنبية أثناء مرورها بالبحر الإقليمى وبعد مغادرتها مياهها الداخلية([21]).

2 – الاختصاص القضائى المدنى :Civil jurisdiction :

لما كان إخضاع السفن التجارية الأجنبية للاختصاص القضائى المدنى للدولة الساحلية دون قيد أو شرط، من شأنه أن يعيق الملاحة الدولية، فقد قررت اتفاقية 1982 عدم إمكانية قيام الدولة الساحلية بوقف السفن التجارية الأجنبية حال مرورها فى البحر الإقليمى أو أن تحول مسارها، من أجل مباشرة اختصاصها المدنى تجاه شخص موجود على ظهر السفينة. كذلك لا يجوز لسلطات الدولة الساحلية أن تتخذ إجراءات التنفيذ على السفينة أو أن تحتجزها بسبب أى دعوى مدنية، إلا إذا كانت هذه الإجراءات بسبب الالتزامات التى تتحملها السفينة أو المسئوليات التى تقع على عاتقها أو أثناء أو من أجل مرورها فى البحر الإقليمى([22]).

ولاشك أن هذا المبدأ يغلب إعتبارات تسيير الملاحة الدولية والعمل على إنمائها ، على حق الدولة الساحلية في إقتضاء حقوقها المالية من شخص لا تربطه بالسفينة أي رابطة مالية سوى أنها وسيلة إنتقاله من مكان إلى آخر . أما إذا كانت الإلتزامات المالية واقعة على السفينة ذاتها أثناء أو من أجل مرورها في البحر الإقليمي ،كما لو كانت هذه الإلتزامات المالية مقابل خدمات قدمت للسفينة ، كإصلاحها أو تذويدها بالوقود أو المؤن أو غيرها من الخدمات ، التي تقدمها الدول الساحلية –عادة- للسفن المارة في بحارها الإقليمية .

ومع هذا فإن القواعد السابقة لاتخل بحق الدولة الساحلية – وفقا لما تقضي به قوانينها – في اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبرى على السفينة الأجنبية لغرض أى دعوى مدنية إذا كانت السفينة راسية فى بحرها الإقليمى أو عند مرورها خلاله، أو أن تحتجزها بعد مغادرتها المياه الداخلية ودخولها البحر الإقليمى([23]).

ثانياً : الاختصاص القضائى للدولة الساحلية على السفن الحربية وغيرها من السفن الحكومية المستعملة لأغراض غير تجارية :

السفن الحربية Warships – كما عرفتها المادة 29 من اتفاقية 1982 – هى “السفن التابعة للقوات المسلحة لدولة ما وتحمل العلامات الخارجية المميزة للسفن الحربية التى لها جنسية هذه الدولة ، وتكون تحت إمرة ضابط معين رسمياً من قبل حكومة تلك الدولة ويظهر اسمه فى قائمة الخدمة المناسبة، أو فيما يعادلها، ويشغلها طاقم من الأشخاص خاضع لقواعد الانضباط فى القوات المسلحة”.

أما السفن الحكومية غير الحربية فهى تلك السفن التى تعمل فى الخدمة العامة لدولة العلم مثل سفن البريد وسفن المستشفيات وسفن الأرصاد الجوية وغيرها من السفن التى لا تستعمل لأغراض تجارية.

ونظراً لكون السفن الحربية والسفن الحكومية المستخدمة لأغراض غير تجارية تعد مظهراً من مظاهر سيادة الدولة التى تحمل علمها، فقد أكدت الاتفاقية على تمتع هذه السفن بالحصانة أثناء مرورها فى البحر الإقليمى للدولة الساحلية، وبالتالى لا يكون لسلطات الدولة الساحلية أن تمارس تجاه هذه السفن أى اختصاص جنائى أو مدنى، أو أن تنال من الحصانات التى تتمتع بها هذه السفن أثناء مرورها.

وفى حالة عدم امتثال السفن الحربية أو السفن الحكومية المستخدمة لأغراض غير تجارية للقوانين والأنظمة التى وضعتها الدولة الساحلية لتنظيم المرور عبر بحرها الإقليمى، وتجاهلها لأى طلب يقدم لها بضرورة الامتثال لهذه القوانين وتلك الأنظمة، لا يكون للدولة الساحلية إلا أن تطلب منها مغادرة مياه بحرها الإقليمى فوراً([24]). ولكن إذا ترتب على عدم امتثال هذه السفن، للقوانين والأنظمة المعمول بها لتنظيم المرور فى البحر الإقليمى، ضرر أو خسارة لمصالح الدولة الساحلية، تحملت دولة علم السفينة المسئولية الكاملة عن هذه الإضرار أو تلك الخسائر([25]).

وبذلك تكون الاتفاقية- إستنادا لما قررته في المادة 17 من تمتع سفن جميع الدول ، ساحلية كانت أو غير ساحلية ، بحق المرور البريء خلال بحرها الإقليمي – قد قننت – كذلك- حق المرور البريء  للسفن الأجنبية العسكرية، خلال البحر الإقليمى للدولة الساحلية. ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يعد غير متمشياً مع طبيعة حق المرور البرئ وتعريفه كما سبق لنا بيانه، وكان يجب على القائمين على صياغة هذه الاتفاقية أن يقرروا تعليق مرور هذا النوع من السفن عبر البحر الإقليمى للدولة الساحلية على الحصول على موافقة أو إذن الدولة الساحلية على هذا المرور، وذلك ضماناً لحماية أمن الدولة الساحلية وحسن النظام فيها. وما تقتضيه مصالحها وأمنها([26]).

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموضوع كان مثاراً للعديد من المناقشات وموضوعاً لاختلاف وجهات نظر الوفود المشاركة فى مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار. حيث نادت بعض الوفود بضرورة حصول هذه السفن على إذن أو حتى إخطار الدول الساحلية بذلك، فى حين كانت تنادى بعض الوفود الأخرى ، وهى وفود الدول الكبرى، بأن يكون للسفن الحربية حق المرور البرئ فى البحار الإقليمية للدول الساحلية دون التقيد بالحصول عى إذن أو حتى إخطار الدولة الساحلية بذلك. وقد جاءت الاتفاقية خالية من أى نص قاطع لحسم هذا الموضوع([27]).

وكانت محكمة العدل الدولية قد قررت من جانبها فى حكمها الصادر فى قضية “مضيق كورفو “، بين المملكة المتحدة وألبانيا ، أن من حق السفن الحربية أن تمر مروراً بريئاً خلال البحر الإقليمى زمن السلم، وذلك بإشارتها إلى أن المرور البرئ حق للسفن الحربية وغير الحربية على السواء زمن السلم.

(1) انظر: د. إبراهيم محمد الدغمة، المرجع سابق الإشارة إليه، ص 135.

(1) انظر د. مفيد محمود شهاب، مرجع سابق الإشارة إليه، ص 31.

(2) وقد أدى هذا الخلاف من الناحية الفعلية إلى تبنى الدول لقياسات مختلفة لعرض بحارها الإقليمية، فمثلاً تبنت فرنسا قاعدة الثلاثة أميال بحرية حتى عام 1971، وتبنت مصر قاعدة الإثنى عشر ميلاً بحرياً، أما مدغشقر فتبنت مسافة خمسين ميلاً بحرياً، فى حين تبنت دول أمريكا اللاتينية (البرازيل – الأرجنتين – نيكاراجوا – السلفادور – بنما)، مسافة 200 ميل بحرى كاتساع لبحارها الإقليمية.

 انظر د. أحمد أبو  الوفا محمد، المرجع سابق الإشارة إليه، ص 210.

(1) راجع حكم محكمة العدل الدولية فى قضية المصايد فى:

 C.I.J. Rec., 1951, p.116 and s.

(2) انظر نص المادة 6 من اتفاقية 1982.

(3) المقصود بهذه المرتفعات، المساحات الأرضية التى تتكون طبيعياً وتكون محاطة بالمياه     وتعلو عليها فى حالة الجزر، بينما تكون مغمورة بالمياه فى حالة المد.

(4) انظر المادة 13 من اتفاقية 1982.

(1) انظر نص المادة 7 من اتفاقية 1982.

(1) حددت المادة العاشرة من الاتفاقية المقصود بالخليج فى إطار هذه الاتفاقية، وكذلك تكفلت ببيان القواعد الخاصة بتحديد خط الأساس الذى يبدأ منه قياس البحر الإقليمى، فى هذه الحالة.

 وقد يستفاد من نص الفقرتين الأولى والسادسة من هذه المادة  أن إتفاقية 1982 لا تنطبق على نوعين من الخلجان هما : (1) الخلجان التي تقع سواحلها في أكثر من دولة ، (2) الخلجان التاريخية.

(1) انظر نص المادة 15 من اتفاقية 1982.

(1) حول طبيعة البحر الإقليمى وحق الدولة الساحلية يراجع:

 د. محمد طلعت الغنيمى: “الغنيمى الوسيط فى قانون السلام”، القانون الدولى أو قانون الأمم زمن السلم، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1993، 2 778 و ص 779.

(1) راجع نص المادة الثانية من اتفاقية 1982.

(2) حول الطبيعة القانونية للبحر الإقليمى، وما ثار بشأنها من خلاف، راجع:

 راجع: د. صلاح الدين عامل، “القانون الدولى للبحار، دراسة لأهم أحكام اتفاقية المم المتحدة لقانون البحار لعام 1982″، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، 2000، ص 106 – ص 112.

(1) انظر: نص الفقرة الأولى من المادة 18 من الإتفاقية .

(1) المادة 20 من اتفاقية 1982.

(1) المادة 23 من اتفاقية 1982.

(1) راجع نص المادة 26 من اتفاقية 1982.

(2) راجع نص المادة 24 من اتفاقية 1982.

(1) نص الفقرة الأولى  من المادة 27 من اتفاقية 1982.

(2) انظر نص الفقرة الخامسة من المادة 27 من الاتفاقية.

(3) انظر نص الفقرة الثالثة من المادة 27 من الاتفاقية.

(1) انظر نص الفقرة الأولى والفقرة الثانية من المادة 28 من اتفاقية 1982.

(1) انظر نص الفقرة الثالثة من المادة 28 من الاتفاقية .

(1) انظر نص المادة 30 من اتفاقية 1982.

(2) انظر نص المادة 31 من اتفاقية 1982.

(1) هناك بعض الدول تتطلب ضرورة الحصول على إذن أو إخطار مسبق بمرور السفن الحربية فى بحرها الإقليمى وهذه الدول هى: إيران، باكستان، البرازيل، بلغاريا، بنجلاديش، تركيا، سيرى لانكا، السويد، الصومال، الصين، عُمان، مصر، نيجيريا.

 انظر: د. إبراهيم محمد الدغمة، المرجع سابق الإشارة إليه، ص 170، 171.

(2) انظر د. أحمد أبو الوفا محمد: القانون الدولى للبحار، مرجع سابق الإشارة إليه ، ص 216، ص217.

 

Print Friendly, PDF & Email