إعداد : دكتور طاهر مهدي – عضو المجلس الأوربي للإفتاء و البحوث

تقدمة:

الخوف من الآخر قديم لدى بني البشر قدم الوجود الإنساني على وجه البسيطة، فقد ورث الناس هذا الخوف تجاه الآخرين جيلا بعد جيل، إلا أنه كان يتضاءل في أوقات السلم الدولي و يزداد في أوقات الحرب.

فالمؤمنون بشكل عام يعتبرون أن غير المؤمنين ليسوا كاملي الأهلية ليتمتعوا بالحياة خصوصا في حقب سابقة في تاريخ البشرية الطويل، وغير المؤمنين ينظرون الى المؤمنين نفس النظرة حيث يعتبرونهم مصدر خطر على حقوق الناس، على حرياتهم و على السلم الإجتماعي لما يحملونه من قيم دينية تحد من حركة الناس.

كذلك الشأن بالنسبة للحكومات والمعارضات، فكل منهما يتهم الآخر بالإرهاب، بل حتى بين الأغنياء و الفقراء و الأقوياء و الضعفاء يوجد سوء تفاهم في شأن الإرهاب.

وعلى هذا يشكل هذا المصطلح مادة غنية للخلاف بين المنظرين و المفكرين و الفلاسفة بل حتى بين اللغويين.

وفعلاً يقر الجميع بصعوبة التوصل الى تعريف يحضى بإجماع العالم. بل حتى في حال التوصل الى تعريف مجرد و موضوعي للكلمة، فإن التفسير العملي للمصطلح يظل مشكلة كبرى. فمصطلح الحروب الصليبية عند الغربيين تقيّم بشكل إيجابي و توصف بحركة تصدير الحضارة و الهداية، كما أن الفتوح الإسلامية هي ما يعتبره المسلمون والعرب حركة هداية للبشر و دعوة لتحرير الإنسان من الإنسان حتى و لو كان وراء ذلك بناء إمبراطورية توسعية لا تغيب عنها الشمس.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل من الخير للبشرية توحيد المصطلحات و المفاهيم حتى و لو كانت البشرية مختلفة أصلا، أم الأفضل أن تظل الفوارق قائمة وفقا لقوانين الطبيعة الثابتة؟

لم يحرّم الإسلام و لا ميثاق الأمم المتحدة استعمال العنف، ولكنّهما لم يسمحا بذلك إلا في حال وقوع الظلم على الناس، وبعد فشل الطرق السلمية لرفع المظالم.

وقد قيّد نبي الإسلام والخلفاء الأوائل استعمال العنف بقيود تحول دون ضرب المدنيين والمستضعفين. وينسب للخليفة الأول وصاياه العشر في الصراعات المسلحة: (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكلة).

(أنظر مادة حق التدخل، الجزء الثاني من موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان).

ويتميز الغربيون على غيرهم بتركة من الفزع والهلع جعلتهم يحقدون على كل ما ليس غربياً كالإسلام وأهله! لكنهم أخفوا هذه الكراهية خلال صراعهم مع الكتلة الشيوعية، فلما سقطت المنظومة الشيوعية وانهار عقدها كقوة رادعة تحفظ توازن الرعب في العالم، انفرد الغرب بزعامة أمريكا وأسفر عن وجهه الحقيقي وعلت الأبواق التي تصم الإسلام بالإرهاب فاتخذوا الإسلام عدواً لهم بديلاً عن الشيوعية، كل ذلك يتم تحت شعار محاربة الأصولية الإسلامية!!

والقضاء على الإرهاب الإسلامي!! ومن ثم استخدم مصطلح الإرهاب في معجم الإعلام اليومي وكافة المحافل السياسية والإقتصادية والمنتديات الثقافية بشكل واسع بغية توسيع دائرة حصار الإسلام وتشكيل رأي عام عالمي لكره المسلمين باعتبار أن الإرهاب لازمة من لوازم هذا الدين.

ونعتقد أن الغربيين بهذا التصرف يثبتون مرة أخرى للتاريخ أنهم يتمون أعمال زعماء محاكم التفتيش التي أقيمت لسحق الملايين من المسلمين و اليهود و المخالفين لعقائدهم في القرون الوسطى، و لكن هذه المرة تحت شعار آخر و هو مقاومة (الإرهاب الإسلامي).

فمثلنا ومثل الغرب كقول العرب قديماً (رمتني بدائها وانسلت!) فكما هو معلوم تاريخياً أن أول من أدخل كلمة الإرهاب في قاموس العالم الإسلامي هم العصابات الصهيونية في فلسطين المحتلة وذلك بشهادة (باتريك سيل) إذ يقول: (أثناء التمرد العربي في الفترة من 1936-1939 كانت الـ(ستيرن جانجstearn gang) أول من أدخل الإرهاب إلى الشرق الأوسط عن طريق تفجير القنابل في الأتوبيسات وفي الأسواق العربية.

ومنظمة (الأرجون) اليهودية الإرهابية بتأسيس رجل روسي المولد اسمه (فلاديمير جابوتنسكيVladimir gabotinsky) والذي كان يدعو إلى استخدام القوة بدون خجل تحت شعار: (الجدار الحديدي ضد العرب لإقامة سيادة يهودية كاملة فوق ضفتي نهر الأردن وهو جدول الأعمال الذي تبناه تلامذته المخلصون إسحاق شامير ومناحم بيجين[1].

ومن هذا المنطلق سنبحث العناصر التالية:

أولاً: مفهوم الإرهاب في اللغة العربية:

ثانياً: مفهوم الإرهاب في المنظمومتين الغربية والإشتراكية.

ثالثاً: مفهوم الإرهاب في المنظومة الشرعية.

أولاً: مفهوم الإرهاب في اللغة العربية:

ورد في لسان العرب في مادة (رهب: ( رَهِبَ بالكسر يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْبَاً بالضم ورَهَباً أي خاف، ورهب الشئ رهباً ورهبه: خافه.

والإسم/الرُّهْبُ والرُّهْبى والرهبوتُ والرهبوني ورجل رهبوت. يقال: رهبوتٌ خيرٌمن رحموت، أي لأن تُرْهَب خيرٌ من أن ترْحَم. وترهّب غيره إذا توعده. وأنشد الأزهري العجاج يصف عيراً وأتته:

تعطِيهِ رَهباها إذا ترهّبا… على اضطمار الكشح بولاً زغربا…عصارة الجَزء الذي تحلُّبا

رهباها: الذي ترهبه. يقال الرهباء من الله والرغباء إليه. وفي حديث الدعاء: رغبة ورهبة إليك. الرهبةُ: الخوف والفزع جمع بين الرغبة والرهبة. وفي حديث رضاع الكبير: فبقيت سنة لا أحدث بها رهبته. قال ابن الأثير: هكذا جاء في رواية أي من أجل رهبته، وهو منصوب على المفعول له.

وأرهبه ورهّبه: أي أخافه وفزعه. واسترهبه: استرعي رهبته حتى رهبه الناس، وبذلك فسر قوله عز وجل: ( واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) أي أرهبوهم[2].

يتضح من خلال هذا أن مفهوم (الإرهاب) في اللغة العربية يدور حول هذه المعاني: الخوف والفزع والرعب والتهديد.

أما الآن فسنستعرض تعريف الإرهاب في القاموس الغربي وتعريفات ساسة وقادة ومفكري المنظومة الغربية وتعليقنا على تلكم التعريفات:

مفهوم الإرهاب في اللغة الفرنسية:

Terrorisme : 1- usage systématique de la violence (attentats, destructions, prises d’otages etc.)auquel recourtent certaines organisations politiques pour favoriser leurs desseins. Terrorisme d’Etat : recours systématiques à des mesures d’exception, à des actes violents par un gouvernement agissant contre ses propres administrés et par extenssion contre la population d’un Etat ennemi. 2- attitude d’intimidation, d’intolérence dans le domaine intellectuel. Terroriste : personne qui pratique le terrorisme, pratiques terroristes.

مفهوم الإرهاب في اللغة الإنجليزية:

Terror : 1- Extreme Fear. 2- Terrifying person or thing. 2- Collogue formidable or trouble some person or thing. Esp. a child. 3- Organized intimidation. Terrorism [Latin terreo frighten]. Terrorist : person using esp. organized violence against a government.

نلاحظ أن هناك تقارب كبير بين مفاهيم الإرهاب في قواميس اللغة من حيث الخوف و الفزع و التهديد سواء في ذلك لسان العرب لابن منظور، قاموس أكسفورد الإنجليزي أو القاموس المستعمل في اللغة الفرنسية. إلا أن هناك بعض الفوارق التي يجدر الإشارة إليها و هي: عدم تحديد الجهة الممارسة للإرهاب و الواقع عليها لدى لسان العرب. وقد ورد تحديد الجهةالتي يمارس ضدها الإرهاب في القرآن[3] حيث قال : (ترهبون به عدو الله وعدوكم) وفي السنة : (نصرت بالرعب) و (كل لهو فباطل إلا ثلاث…).

فالتعريف العام لكلمة (رهب) في اللغة العربية لم يحدد الجهة الممارسة ولا الممارس ضدها الإرهاب.. أما القرآن الكريم فقد ذكر أن إدخال الرعب والفزع في قلوب الأعداء أمر محمود واجب يثاب المسلم عليه و يأثم بتركه وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم “نصرت بالرعب” أي نصره الله على الأعداء بإدخال الرعب والخوف في قلوبهم كي لا يفكروا في الإغارة على المسلمين، كما يحصل اليوم. إذن فالسنة النبوية قد حددت الجهة الممارس ضدها الإرهاب.

أما مفهوم الإرهاب في قاموس اللغة الإنجليزية: فقد حدد قاموس أكسفورد آنف الذكر الجهة الممارسة للإرهاب وكذا الجهة الممارس ضدها، فذكر أن هذا الإرهاب أي الخوف أو العنف أو الفزع قد يمارسه شخص أو منظمة ضد الحكومة أو ضد الأفراد أو الأطفال وفي القاموس نفسه يوجد تعريف آخر للإرهاب و هوأنه حكم عن طريق التهديد كما وجهه ونفذه الحزب الموجود في السلطة في فرنسا إبان ثورة 1789، 1794.

وعند تمحيص التعريف نرى أنه اقتصرعلى الجهة الممارسة للإرهاب وهي الحكومة أو الحزب الحاكم و يعني به حكومة فرنسا آنذاك نظراً لعنفوان الثورة الفرنسية التي كانت تقريباً يتيمة في أوربا ملكية مطلقة ولاقترافها القمع وتصفية المعارضين وقتل وتدمير المدنيين.

فنجد أن التعريف قد تأثر بهذه الحالة فاقتصر على الجهة الممارسة للإرهاب ولم يبين الدافع أو الباعث على ذلك كما أنه لم يذكر الجهة الممارس ضدها الإرهاب طبقاً لهذا التعريف.

غير أن التعريف اللاحق والذي نقلنا جزءاً منه قد تدارك هذا القصور وذكر أشياء لم يذكرها في التعريف الحالي فهو بذلك ينطبق على فرنسا أو غيرها وبين الجهة الممارسة للإرهاب سواء الحكومة أو الأفراد أو المنظمات كما ذكر الجهة الممارس ضدها الإرهاب (الأفراد/الأطفال) وننبه على أن تعريف أكسفورد السابق ركز على إرهاب الأفراد والأحزاب والمنظمات ولم يركز على إرهاب الحكومة ضد الأحزاب أو المدنيين طبقاً لمصطلح المنظومة الغربية.

مفهوم الإرهاب في القاموس اللغوي الفرنسي المتداول: نعتقد أن التعريف الفرنسي للإرهاب أكمل من الإنجليزي، ذلك أنه لم يقتصر على إرهاب الأفراد و المنظمات و المجموعات فحسب بل اعتبر أي عمل عنيف من طرف الدولة ضد شعبها مثل فرض حالات خاصة لإهانة المواطنين، إرهاباً بل تعدى التعريف الى اعتبار الكبت الفكري نوعاً من أنواع الإرهاب.

والخصوصية التي ميزت التعريف الفرنسي هي إطلاق مسمى إرهابي على الأشخاص و المجموعات و الأعمال في حد ذاتها، مما يتيح إمكانية إدخال أية ممارسة مخلة بحقوق الإنسان ووسمها بالإرهاب و لو كانت الدولة هي المعنية.

إنه كي يتسنى لنا تعريف الإرهاب لا بد من توافر الشروط التالية:

أ- عدم قصر التعريف على دولة من الدول مثلما قصر تعريف قاموس أكسفورد الإرهاب على حكومة الثورة الفرنسية سنة 1789- 1794 كأنموذج للصورة القمعية رغم البون الزمني الواسع وتغير الظرف التاريخي.

ب- عدم إغفال إرهاب الحكومة ضد الأفراد والمنظمات، كما نلاحظ في تعريف قاموس أكسفورد السابق الذكر.

ج- عدم إغفال الباعث على ارهاب المنظمات أو الأفراد ضد الحكومة بمعنى الإرهاب بغرض ديني أو سياسي أو اقتصادي أو نتيجة ظلم اجتماعي أو استقلالي ذاتي.

د- أن لا يكون التعريف وليد ظروف معينة، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية.

هـ – أن يكون التعريف جامعا مانعا، آخذا بعين الاعتبار الحقوق العامة لبني البشر على أساس من المساواة، و ليس على أساس الدين، العرق، الجنس أو الوضع العسكري.

تعريف الإرهاب لدى بعض الهيئات والحكومات وبعض الساسة ومفكري المنظومة الغربية:

تعريف شميد[4]:

(الإرهاب هو أسلوب من أساليب الصراع الذي تقع فيه الضحايا جزافا كهدف عنف فعال، وتشترك هذه الضحايا الفعالة في خصائصها مع جماعة أو طبقة في خصائصها مما يشكل أساساً لانتقائها من أجل التضحية بها. ومن خلال الإستخدام السابق للعنف والتهديد الجدي بالعنف، فإن أعضاء تلك الجماعة أو الطبقة الآخرين يوضعون في حالة من الخوف المزمن، هذه الجماعة أو الطبقة التي تم تقويض احساس أعضائها بالأمن عن قصد، هي هدف الرهبة. وتعتبر التضحية بمن اتخذ هدفاً للعنف عملاً غير سوي أو زمنا في وقت السلم مثلا،ً أو مكانا في غير ميادين القتال، عملية التضحية أو عدم التقيد بقواعد القتال المقبولة في الحرب التقليدية، وانتهاك حرمة القواعد، هذا يخلق جمهوراً يقظاً خارج نطاق الرهبة ويحتمل أن تشكل قطاعات من هذا الجمهور بدورها هدف الإستمالة الرئيسي والقصد من هذا الأسلوب غير المباشر للقتال هو إما شل حركة هدف الرهبة وذلك من أجل إرباك أو إذعان، وإما لحشد أهداف من المطالب الثانوية من الحكومة مثلاً أو أهدافا للفت الإنتباه لدى الرأي العام ًمن أجل إدخال تغييرات على الموقف أو السلوك بحيث يصبح متعاطفاً مع المصالح القصيرة أو الطويلة لمستخدمي هذا الأسلوب من الصراع[5].

ملاحظات: رغم أن شميد مشهود له بالبحث و التنقيب عن المفاهيم اللغوية و الإصطلاحية فإنه هنا لم يوفق في الخروج بتعريف شاف كاف من خلال التعاريفات التي جمعها، فلا هو أبدع و أتى من عنده بشيء، ولا أحسن العرض و التصرف فيما نقله من تعريفات مختلفة متضاربة أحياناً.

بل عدم تعرضه لها بالنقد و التمحيص جعله يكرر الخطأ حيث خلط بين التعريف في حد ذاته كمفهوم مجرد يصلح للتطبيق الشامل عند توافر عناصره، و بين الأسلوب و الباعث و الطريقة لدى من يتعاملون بالإرهاب.

فضلاً عن التناقض الواضح في عرضه لعناصر تعريفه حيث وصف الضحية الساقطة بسبب الإرهاب بأنها ضحية جزافية يعني بريئة لا علاقة لها بالقضايا التي يطالب بها الإرهابيون مثلا، ثم بعد ذلك وصف نفس الضحية بأنها منتقاة من أجل هدف إرهابي فعال.

فهذا الخلط و عدم وضوح الرؤية لدى شميد تجعلنا نعرض صفحا عن تعريفه، لأنه لا يفرق بين النوازل كعدم وضوح ما يسقط بسبب الفوضى من الضحايا و ما يسقط بسبب الإرهاب الذي يكون غالبا عن سابق تخطيط و إصرار و تصميم.

فلا يمكن التسليم بتعريف يخلط بين مفهومين لا علاقة لأحدهما بالآخر إلا عرضا، و في حالات نادرة. خاصة أن كثيرا من شرائح المجتمع قد تكون فوضوية و لكن لا علاقة لها بالإرهاب.

مثل ما يحصل في المظاهرات، و التجمعات و التظاهرات الثقافية و على مدرجات الملاعب أحيانا حتى في بلاد الغرب، حيث ينجر الشباب تحت تأثير الخمور، بسبب الهيجان و الفرح الشديد الى التكسير و العبث فسادا بممتلكات الناس. ترى هل يدخل من هذا شأنه في عداد الإرهاب.

إن التركيز من طرف (شميد) على منهج الإرهاب وطرقه من قبل المجموعات أو المنظمات وإهمال إرهاب الدولة الذي هو أخطر أنواع الإرهاب نعتبره خطأ منهجيا في تصوره للأشياء.

ثم نلاحظ أنه ربط الحكم على الإرهاب أو العنف – الذي يختلف من مجتمع لآخر ومن مذهب لمذهب آخر بل ومن ديانة لديانة أخرى- ويعتبر التضحية بمن اتخذ هدفاً للعنف عملاً غير سوي من قبل معظم المراقبين من جمهور المشاهدين على أساس القسوة المصاحبة، أيقصد جمهور العالم كله على اختلاف مشاربهم؟!! أم جمهورا معينا في مكان معين.

فمثلاً عقب كل اغتيال تقوم به العساكر الصهيونية لمجاهد فلسطيني، لطفل أو لشيخ أو لحي بكامله كما يحصل في هذه الأيام يهلل الإسرائيليون حكومة وشعباً لمقتل إرهابيين على حد تعبيرهم.

وقد أجرى معهد “داحاف” استطلاعاً للراي أكد فيه ترحيب غالبية الشعب الإسرائيلي لمقتل النشطين الفلسطينيين[6].

فالواقع يثبت خطأ واضطراب تعريف (شميد) للإرهاب، فهل يعارض غالبية اليهود اغتيال الفلسطينيين عملاً غير سوي؟!! على العكس تماماً فهم فرحون فرحاً شديداً بالحرب الهوجاء التي يقوم بها “أريال شارون” الإرهابي في نظر القانون الدولي، بدليل مطالبة المحاكم البلجيكية به.

تعريف وكالة الإستخبارات المركزية:

عرفت وكالة الإستخبارات الأمريكية CIA الإرهاب عام 1980بالتهديد الناشئ عن عنف من قبل أفراد أو جماعات[7].

تعريف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 1983م:

(الإرهاب هو عمل عنيف أو عمل يشكل خطراً على الحياة الإنسانية وينتهك حرمة القوانين الجنائية في أية دولة[8]).

تعريف وزارة العدل الأمريكية عام 1984م:

أسلوب جنائي عنيف يقصد به بوضوح التأثير على حكومة ما عن طريق الإغتيال أو الخطف[9].

تعريف الجيش الأمريكي للإرهاب عام 1983م:

(واعتبر التعريف الموحد لإستعماله من قبل الجيش الأمريكي والقوات الجوية والإسترالية والبريطانية والكندية والنيوزلندية: الإستعمال أو التهديد بالإستعمال غير المشروع للقوة أو العنف من قبل منظمة ثورية)[10].

تعريف وزارة الدفاع الأمريكية عام 1986م:

(الإستعمال أو التهديد غير المشروع للقوة ضد الأشخاص أو الأموال، غالباً لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو عقائدية).

تعريف وزارة الخارجية الأمريكية عام 1988م:

(عنف ذو باعث سياسي يرتكب عن سابق تصور وتصميم ضد أهداف غير حربية من قبل مجموعات وطنية فرعية أو عملاء دولة سريين ويقصد به عادة التأثير على جمهور ما).

تعريف فريق المهمات الخاصة التابع لنائب الرئيس الأمريكي للإرهاب عام 1988م:

(في سعيهم للقضاء على الحرية والديمقراطية، يتخذ الإرهابيون أهدافهم من غير المحاربين عن عمد لتحقيق أغراضهم الذاتية الخاصة فهم يقتلون ويشوهون الرجال والنساء والأطفال العزل. كما يقدمون عمداً على قتل القضاة، ومراسلي الصحف، والرسميين المنتخبين، والإداريين الحكوميين، والقادة النقابيين ورجال الشرطة وغيرهم ممن يدافع عن قيم المجتمع)[11].

وقد عرف البرفيسور “نوام تشومسكي” من معهد التكنولوجيا في جامعة “كامبريدج” بمساشوتس بالولايات المتحدة الأمريكية حيث قال :(الإرهاب محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الإغتيال أو الخطف أو أعمال العنف، وذلك لتحقيق أهداف سياسية).

فهذه التعريفات غير موضوعية وتعبر عن وجهة نظر الحكومة الأمريكية بمعنى أن كل عمل ضد الإدارة الأمريكية فهو إرهاب! أما ارهاب الحكومة فقد أغفلته التعريفات السابقة مجتمعة!

أما تعريف فريق المهمات الخاصة السابق فهو يوحي باضطراب شديد و عدم وضوح لمفهوم الإرهاب في أذهان المفكرين و المنظرين الأمريكان.

ففي التحقيق الذي نشرته مجلة المشاهد السياسي: عن ما هو الإرهاب والإرهابي أعطى تشومسكي التعريف السابق ذكره للإرهاب.

ونحن نلاحظ أن هذا التعريف كغيره، يأتي في نطاق مكافحة ما تسميه الولايات المتحدة التمرد والعصيان الذي لا تلتزم به الولايات المتحدة بنفسها حيث تخالف كل ما تتوصل إليه الأمم المتحدة من قرارات بل و تستعمل حق الفيتو (الذي هو نوع من أنواع الإرهاب الرسمي الأمريكي)، وهي تدخل في قائمة المتمردين العاصين دولا أخرى ككوبا مثلاً ونيكارجوا و العراق و كوريا الشمالية و إيران الخ.

يعترف “تشومسكي” بأن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بأعمال إرهابية عندما تدخلت في كوبا و نيكاراجوا، فهو يقول : (وقد نلنا بفضل ما اتخذناه على الجبهتين –الكوبية و النيكاراجوية- من اجراءات لقمعهما تنديداً من محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكابنا الإرهاب الدولي).

و عندما سئل تشومسكي المفكر السياسي و الأكاديمي الأمريكي المرموق عن الإرهاب و ازدواجية المعايير في تعريفه : (إنه معيار واحد، ترى كل دولة أن الإرهاب هو مايرتكبه الآخرون فحسب، لقد ضم اجتماع (شرم الشيخ) مثلاً بعض أهم قيادي الإرهاب في العالم، ومع ذلك كان التنديد بالإرهاب الصادر عن آخرين شديداً، لو تحقق اجتماع قمة مماثلة لقمة ( شرم الشيخ) في دمشق وحضره كل من ليبيا والسودان وإيران لندد البيان الصادر عنهم بالإرهاب بقوة. وبريق بيان ( شرم الشيخ) نفسه. نعم الإرهاب بنظرنا هو ما يرتكبه الطرف الآخر فقط بغض النظرعما نفعله نحن)[12].

ففي نظر أمريكا ما يرتكبه الطرف الآخريساوي الإرهاب بعينه! أما ما ترتكبه أمريكا من الفظائع والمجازروتجويع الأطفال والعجائز وقتل الشعوب وتدمير البنى التحتية للدول المخالفة لنظامها فهو عمل مشروع لأنه يحقق لها مصالحها القومية والاستراتيجية! و يكرس هذا المفهوم مشروع اللجنة اليهودية الأمريكية المتشكل من عشر نقاط قدمه (وايفد هارس) المدير التنفيذي للجنة اليهودية و يرى أن الحكومة يجب أن تتبناها من أجل مكافحة النشاطات الإرهابية للمسلمين[13].

نجمل تلك الوصايا العشر فيما يلي:

1- يجب على الكونجرس أن يضاعف من قيمة الميزانية المخصصة لمكافحة الإرهاب واعتبار ذلك أولوية وكذلك لابد من اخضاع أعمال إصدار التأشيرات الأمريكية لمكتب التحقيقات الفيدرالية وبقية الوكالات, كما يجب على الكونجرس أن يصدر تشريعات خاصة بقضايا الإرهاب والإرهابيين، والموازنة بين قضايا المدنيين والحماية من الإرهابيين ونشاطاتهم.

2- يُطلب من الرئيس إصدار قرار رئاسي أمني قومي يحدد الإستراتيجية التي تتبناها الإدارة تجاه الإرهاب وسبل مكافحته.

3- دعم جهود الإدارة الأمريكية الرامية إلى الحفاظ على المقاطعة المفروضة على العراق.

4- تشجيع الدول الأخرى وخصوصاً دول أوروبا الغربية والشرق الأقصى على إيقاف أو تقليص مبادلاتهم التجارية العادية وصلاتهم السياسية مع إيران خصوصاً في مجال التكنولوجيا والإعانات المالية والديون.

5- التأكيد للحكومات الأجنبية على أهمية وخطورة وشمولية الخطرالإرهابي والحاجة إلى حماية الحدود، وتطويع مشاريع المتابعات لكل المجموعات الإرهابية مثل (حماس) وغيرها من المنظمات الإرهابية.

6- تشجيع الولايات المتحدة والدول الأخرى على أن يأخذوا على عاتقهم العمل على إنهاء الإرهاب العالمي، وتطوير التعاون الحكومي بين الدول من أجل ذلك، وتشجيع التعاون الإقتصادي مع الدول العربية المعتدلة!! الأمر الذي يشكل حاجزاً ضد انتشار الإرهاب.

7- استمرار الدعم القومي لعملية السلام في الشرق الأوسط، ومعيار ذلك التطور الإقتصادي واتاحة الفرص الإستثمارية، الأمر الذي يخفف من بريق حركة(حماس) والطوائف الأخرى الرافضة للسلام.

8- تعليم وإعلام الرأي العام الأمريكي حول الإرهاب والخطر الإرهابي الذي يشكله الإسلام المتطرف للأمن والمصالح الأمريكية ولكل الأمريكان.

9- الطلب من الحكومة الأمريكية والحكومات في العالم أن يجمدوا أموال الإرهابيين ويمنعوا مواطنيهم من إرسال تبرعات خاصة من شأنها أن تساعد في نشاطات إرهابية.

10- على الدول الراعية أو المساعدة للحركات الإرهابية منعها من الحصول على مساعدات من الولايات المتحدة أو الصندوق الدولي أو أية منظمات دولية أخرى[14].

لماذا أتينا بالنقاط السابقة مع أنها غير داخلة في تعريفات الإرهاب؟ ذكرناها نظراً لارتباطها بالمناخ السايسي والظرف الإعلامي الموجه الذي أفرز التعريفات الأمريكية للإرهاب. وفعلاً تبنى(كلينتون) مشروع اللجنة اليهودية وأصدر قراراً رئاسياً بناء على المادة “204ب” من قانون سلطات الطوارئ القومي، وكان أول شئ فعله(كلينتون) أن قام بتوقيع قرار رئاسي يقضي بتجميد أرصدة وممتلكات 12 منظمة و18 شخصية، كما يقضي أيضاً بإيقاف أية عمليات تحويل مالية من أي شخص يقيم في الولايات المتحدة، سواء كان مواطناً أو طالباً، إلى هذه المنظمات والشخصيات بما في ذلك التبرعات الخيرية المالية أو السلع أو الخدمات.

هذا هو المعيار المنضبط لدى الإدارة الأمريكية التي تفتخربالحرية و الديمقراطية.فالديمقراطية ليست إلا لخدمة الرجل الأمريكي والعجيب أنها تريد تعبيد العالم لديانة الديمقراطية الأمريكية. ولو أمعنا النظر في المفهوم الأمريكي للإرهاب لخرجنا بنتيجة مفادها أن كل دول العالم ستعتبر أمريكا دولة إرهابية طبقاً للتعريف البرجماتي الأمريكي للإرهاب. ومن ثم سيقوم تعريف الإرهاب الرسمي بقدر عدد الدول وسينشطر العريف إلى آلاف التعاريفات طبقاً لمعيار أمريكا النفعي.

تعريف مكتب جمهورية ألمانيا الإتحادية لحماية الدستور 1985م:

(الإرهاب هو كفاح موجه نحو أهداف سياسية يقصد تحقيقها بواسطة الهجوم على أرواح وممتلكات أشخاص آخرين، وخصوصاً بواسطة جرائم قاسية)[15].

وفي تعليق السنوسي بلاله في كتابه(منهج الإرهاب):

قال السنوسي بلالة : (ورغم إيماننا العميق بعدم إمكانية قولبة تعريف الإرهاب السياسي بالتحديد إلا أنه سلوك مخالف للقانون وخارج عن قواعد المجتمع وسيلة أو أسلوبا مبرمجا يهدف إلى تحقيق غايات معينة. وقد ورد تعريف الإرهاب في الموسوعة السياسية بأنه استخدام العنف أو التهديد به بأشكاله المختلفة كالإغتيال والتشويه والتخريب والنسف، بغية تحقيق هدف سياسي معين، مثل كسر روح المقاومة والإلتزام عند الأفراد، وهدم المعنويات والمؤسسات)[16].

نلاحظ أن الكاتب قد أغفل الإرهاب الرسمي للدولة كغيره تماما وقصر الإرهاب على كل من يخالف القانون أو قواعد المجتمع، رغم أن الحكومة نفسها هي التي تخرق القانون وقواعد المجتمع مثل حوادث إطلاق النار على المدنيين أثناء القبض عليهم أو حصار وتدمير قرى كاملة بسبب الإعتداء على رجل الإدارة كضابط أو مخبر أو تكسير عظام المتظاهرين من أطفال و شباب إهانة الشيوخ و النساء، إلخ.

فهل هذا السلوك يتفق وضوابط المجتمع؟ إذن فليس الأفراد أو المجموعات هي التي تمارس الإرهاب وحدها بل إن إرهاب الحكومة يفوق الجميع! خاصة إذا كانت هذه الدولة غنية و قوية و غبية كأمريكا.

تعريف الإرهاب حسب دائرة المعارف الروسية :

قالت دائرة المعارف الروسية في تعريف الإرهاب : (إنه سياسة التخويف المنهجي للخصوم بما في ذلك استئصالهم مادياً. كما يعرف العنف عادة بأنه الإستعمال المنظم المشروع للقوة داخل المجتمع وتذهب كثير من الأنظمة إلى تحديد المشروعية لممارسة القوة بتولي السلطة باسم المجتمع وحماية النظام العام داخل الشرعية الحكومية، أي ممارسة للعنف خارج هذا النطاق تعد لدى الأنظمة التقليدية ممارسة للعنف[17].

(الإرهاب والعنف) مصطلحان فرق بينهما التعريف وإن كانت النتيجة واحدة والجدير بالذكر أن بعض الباحثين يفرقون بين المصطلحين والكثير منهم يخلط بينهما مما يجعل التعريف مضرباً و غير جامع و لا مانع. ذكر التعريف أيضا أن الإرهاب هو سياسة التخويف المنهجي بما في ذلك استئصالهم ماديا أي تصفية الخصوم جسديا.

إلا أن الجديد في التعريف أنه لفت الإنتباه إلى أن كثيراً من الأنظمة –وهذه حقيقة واقعة- تعتبر أن أي ممارسة للعنف أو القوة خارج نطاق السلطة تعد عنفاً بمعنى أن الحكومة وحدها هي التي من حقها ممارسة العنف باسم حماية المجتمع والنظام العام، ومن ثم تسن كثيراً من قوانين في منتهى القسوة وهي ما تسمى بقوانين مكافحة الإرهاب وحق الدولة في انتهاك الحرمات الخاصة للأفراد والمنظمات بدون علمهم والتصنت على حياتهم الخاصة جداً وسجنهم بدون إبداء أسباب ومسوغات طبقاً لهذه القوانين الإستئصالية كل ذلك يتم باسم حماية النظام العام والمجتمع.

ونفس الصورة نجدها أوضح في دول العالم الثالث ولكنها تمارسها الأنظمة على نطاق واسع وبوحشية أفظع حيث يشرع الحاكم القوانين ضد الخصوم والمعارضين حسب مزاجه الشخصي وممارسة القمع والتنكيل بالخصوم تتم علانية تحت عباءة حماية النظام العام أيضاً، وتحت شعار المكاسب التي حققتها الجماهير من أجل الحرية والسلام الإجتماعي.

بل تقوم بعض الأنظمة باسم الديمقراطية و مكافحة الإرهاب بإلغاء نتائج الإنتخابات حينما تحصل عليها فئات معينة ممن ينتخبهم الشعب لثقته فيهم.

ألا يعد هذا تعد و فرض للوصاية على شعوب بأكملها، أليس التنكيل و القتل لكل من انتخب تلك الفئة كما يحدث الآن في بعض دول العالم الثالث إرهابا باسم الديمقراطية؟ وإنه لمن العجب العجاب أن يعرف الروس الإرهاب بما ينطبق عليهم تماما فيما يقومون به ضد الشيشان، و غيرهم من الشعوب التي لا تربطها بهم ثقافة و لا دين.

مؤتمر” جوناثان” حول الإرهاب:

في أحد المؤتمرات صعد اثنان من المتدخلين ليقررا: (بأن الإسلام هو في الواقع دين إرهابي، وعليه فإن مصطلح “الإرهابيون الإسلاميون” هو مصطلح مشروع سوف يخدم في تعليل وإلى حد كبير في توضيح اللجوء إلى استعمال الإرهاب السياسي في أيامنا هذه)[18].

هكذا تتدخل الخلفيات النابعة من ثقافات حاقدة وعنصرية ليصاغ تعريف الإرهاب مسايرة لها مع أن المفترض أن لا تتأثر المصطلحات بمنطلقات الباحث طبقاً للمنظومة الغربية! فالمتدخلان هما كاتبان يهوديان وفي مؤتمر دولي عقد خصيصاً لبحث آراء الكتاب والمفكرين حول مصطلح الإرهاب، فإذا بهما يفصحان عن حقيقة الصراع مع الغرب.

فكره الإسلام والخوف من المسلمين يفرز عبارة هذين الباحثين الحاقدين –بأن الإسلام في الواقع دين إرهابي! فهل هذا تعريف محترم؟! هل هذا يليق بباحث يفترض فيه الحيدة ؟! ماذا سيحدث لو أن باحثاً إسلامياً صعد المنصة وقال: اليهودية ديانة إرهابية! هل كان مؤتمر جوناثان يرضى ويسكت؟! بالطبع فإن الدنيا كانت ستقوم ولن تقعد! ويتهم الباحث بأنه عدو للسامية! وأنه باحث عنصري متطرف يكره اليهود.

أما ماحدث في هذا المؤتمر من تصريح هذين الكاتبين فليس بشيء. إن مثل هذه المؤتمرات تجعلنا نوجه أصابع الإتهام للقائمين عليها ممن يدعون الحياد العلمي والموضوعية. فقضية كره الغرب للإسلام راسخة في أذهان ومنطلقات وتصورات الباحثين الغربيين وإن زعموا أنهم منصفون ومحايدون.

يقول الدكتور “خليل فاضل”:

(على الرغم من عدم وجود تعريف محدد لجرائم الإرهاب إلا أن أحد القانونيين العرب عرفها بأنها (جرائم تبعث الذعر وتنشئ خطراً عاماً يهدد عدداً غير محدد من الأشخاص وتعتمد على أساليب وحشية لايتناسب ضررها مع الغرض المستهدف بها مثال على ذلك نسف المباني وبصفة خاصة قاعات الإجتماع في وقت يجتمع فيه الناس، وإتلاف الخطوط الحديدية و تسميم المياه)[19].

فالمزعج حقا أن كتاب العالم العربي و الإسلامي يغرفون من نفس الفكر الإستعماري الغربي المتعالي حيث نلاحظ هنا الأعتراف المسبق من الكاتب بأنه لايوجد تعريف محدد للإرهاب.

وعندما حاول التعريف خلط بين المصطلح ونتيجته و تحدث عن جرائم الإرهاب و هو بذلك يخلط بين الماهية والأثر فضلا عن أنه لم يحدد الجهة الممارسة للإرهاب أو الجهة الممارس ضدها الإرهاب.

فقوله (لايتناسب ضررها مع الغرض المستهدف بها) لم يوضح هذا الغرض الذي تم من أجله فعل الإرهاب.

كما أغفل الكاتب إرهاب الحكومات ومن ثم نرى أن هذا التعريف أيضاً غير منضبط وقاصر وما هو إلا تقليد خارج من المنظومة الغربية! و الأدهى من ذلك تعريف الدكتور شفيق المصري للإرهاب بشكل عام باعتباره (استخدام غير شرعي للقوه أو العنف (أو التهديد باستخدامهما) بقصد تحقيق أهداف سياسية.

والإرهاب في هذا الإطار، هو الذي يتعدى العمل المخالف للقوانين الداخلية للدولة، أو حتى ذلك الذي لا يخالفها، إلى كونه مخالفاً لمبادئ القانون الدولي وقواعده. ولهذا يعرف عادة بـ (الإرهاب الدولي ) )International Terrorism.”

ونعتقد أن هذا الأسلوب في حد ذاته لا مسوغ له لأنه لا يتسم بالاعتدال و من ثم فليس بالموضوعي.

وتشدد فريق آخر من علماء الإجتماع والتاريخ فقصروا الإرهاب على الدولة و حصروه فيما هو رسمي فقط، حيث يصف الكاتب الفرنسي “ج.م. دومناك( الدولة بأنها عنف منظم). وقد عبر(ج. لافو) عن ذلك بمرونة أكثر إذ يقول: (إن السياسة لاتقوم بدون عنف بل جوهر السياسة في كل زمان ومكان ينطوي على العنف)[20].

ويسير على نفس المنوال “ح.فرويند” الذي يقول:

(إن القوة تكون بالضرورة أداة السياسة الأساسية وأنها من مقوماتها الجوهرية. وعرف العنف بقوله: (سوف نطلق اسم العنف على القوة التي تهاجم مباشرة شخص الآخرين وخيراتهم أفراداً أو جماعات بقصد السيطرة عليهم بالموت والتدمير والإخضاع والهزيمة).

نلاحظ أن التعريفات السابقة ذات التوجه الشيوعي تغفل إرهاب الأفراد أو الجماعات وتقصر التعريف على عنف الدولة بل وتخلط بين مصطلحي العنف والإرهاب وهناك فريق من الكتاب العرب يتبنون التعريف السابق للإرهاب مثل الدكتور سالم إبراهيم وهو من نفس المدرسة ذات الميول الإشتراكية إذ يقول:

(وقد أظهرت الدراسات التاريخية أن الإرهاب الذي تمارسه أنظمة الحكم التي تسيطر على أساس التسلط والسيطرة أكثر بكثير من العنف الذي تمارسه الطبقات المعارضة. ويستشهد بقول الكاتب الأمريكي مايكل كلير: إن الولايات المتحدة تقف في نهاية الخط الذي يمد معظم الأنظمة الإستبداية في العالم بتقنية القمع)[21].

هكذا تتغاير التعريفات طبقاً لتباين المعتقدات والمنطلقات فوصف الكاتب الأمريكي مايكل كلير صاحب النزعة الإشتراكية الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تقف في نهاية الخط الذي يمد معظم الأنظمة الإستبدادية في العالم بتقنية القمع مثل القنابل المسيلة للدموع والعصاة المكهربة الصاعقة ومصفحات الأمن المركزي والطائرات المروحية والغازات السامة بالإضافة إلى حماية الأنظمة الديكتاتورية من انتفاضة شعوبها.

هذا لا مراء فيه وحق لاينكره من اطلع على أصول السياسة الأمريكية وممارساتها في بقاع العالم.

لكن هذا الوصف لايصلح أن يكون تعريفاً منضبطاً للإرهاب، فالكاتب مايكل كلير يعرف الإرهاب من منطلق الأيدلوجية الإشتراكية، لأننا يمكننا في المقابل أن نقول : إن الإتحاد السوفياتي السابق وروسيا الحالية يقف وراء كل قمع وتهجير عرقي وتعذيب وحشي لدول وجماعات بأسرها وتاريخ روسيا ملطخ بدماء شعوب القوقاز التي قتلت في زمهرير صحراء سيبيريا، ومحنة الشعب الأفغاني المسلم لم تمح من ذاكرة العالم، وتدمير الروس للشعب الشيشاني المسلم شاهد على أبشع صور الإرهاب والعنف والقمع الذي تمارسه دولة قوية ضد دولة ضعيفة بل وضد مجموعة من الأفراد، رغم أنهم يدافعون عن هويتهم.

وصفوة القول لم يتفق الباحثون على تعريفات محددة لمصطلح الإرهاب ومن ثم استبان لنا اضطراب التعريفات السابقة وقصورها.

فالمنظومة الإشتراكية تعرف الإرهاب حسب منطلقاتها ومصالحها. فمصلحة البروليتاريا والسلام الإجتماعي يبرر عنف الدولة طبقاً للأيدلوجية الإشتراكية أو الشيوعية.

وهذا يتفق والمنظومة الغربية بزعامة أمريكا التي تبرر إرهاب إسرائيل بحجة الدفاع عن سلامة أراضيها وأمنها القومي. إذن تعريف الإرهاب له مقاييس متباينة ومتقابلة لم تحسم بعد.

أما عن الإرهاب في المنظومة الشرعية فذلك ما يستحق مناقشات مستمرة من طرف علماء هذا المجلس المبارك ليخرجوا في النهاية بتعريف كوني و شرعي وإنساني خال من المؤثرات الأيديولوجية المختلفة بل و من النزعة الدينية التي تكون سببا في عدم قبوله من طرف الآخرين و حتى لا يكون تعريفا ضبابيا يسمح بالأخطاء الحقوقية.

وفيما يلي إقتباس من موضوع بحث كتبه الأستاذ “هيثم منّاع”[22] في هذا الشان:

قد شغلت قضية الإرهاب المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة منذ ولادتها.

وكون الإرهاب، في إحدى صوره، وسيلة التعبير اليائسة والخرقاء لمن لا وسيلة متكافئة لديه للتعبير عن الذات، كانت الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية مجمعة على إدانته منذ الأربعينات.

في حين اعتبرت دول العالم الثالث، مؤيدة من الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، العنف المسلح للدفاع عن أرض محتلة أو عدوان خارجي أو مناهضة الاستعمار قضية مشروعة.

عندما حاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف الإرهاب بطريقة واسعة، اعتبرت أنه يشمل فيما يشمل الأعمال والوسائل والممارسات غير المبررة التي تستثير رعب الجمهور أو مجموعة من الأشخاص لأسباب سياسية بصرف النظر عن بواعثه المختلفة.

ولذلك أنشأت في عام 1996 لجنة محددة الزمان والمهمة خاصة بالإرهاب Ad hoc Committee on Terrorism)) مهمتها إعداد اتفاقية دولية ملزمة لمكافحة الإرهاب.

أما اليوم فهناك استعجال لاستصدار هكذا معاهدة لأسباب سياسوية مباشرة، داخل أو خارج الأطر العادية لنقاشات الجمعية العامة، فإن تجربتنا مع المعاهدات الصادرة عن الجمعية العامة، وخاصة منها تلك المتعلقة بالحقوق الإنسانية وحماية الكائن البشري، كانت مرّة وقاسية.

فقد حاربتنا الولايات المتحدة في أهم المواثيق وبشكل خاص العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وميثاق المحكمة الجنائية الدولية الذي صوتت ضده في روما ثم عادت ووقعت عليه آخر ليلة في التوقيعات، ولم تصدّق عليه بعد.

كذلك الأمر بما يتعلق بمعاهدات حماية البيئة والطفولة التي لم تكن أكثر حظا. في حين أن منطق القوة كان فاعلا في الحصار المطبق على كوبا والعراق، ومنطق الفيتو حاسما في حماية جرائم الحرب الإسرائيلية. في الحالتين، كان منطق القوة يحطم الثقة بمنطق العدالة، ويجعل من العنف الأعمى حلا مقبولا عند الجماهير المظلومة.

يمكن القول أن أسس مكافحة الإرهاب قد زرعت في القانون الدولي وفي 12 إعلان ووثيقة صادرة عن الأمم المتحدة. حيث ثمة إدانة واضحة لأعمال الإرهاب الدولي ووجوب ملاحقتها، مع تركيز على موجبين أساسيين على الأقل يقتضي أن تلتزمهما جميع الدول هما:

1-أن لا تشجع ولا تتورط على إقليمها أو خارجه بأي نشاط إرهابي ذي أغراض سياسية.

2- أن تقوم بكل ما يساعد في منع أو معاقبة أي نشاط إرهابي يقع ضمن إقليمها أو يكون مرتكبا ضمن هذا الإقليم.

لعل القرار الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 9-12-1994 ( تحت رقم 49/60 ) أتى فاصلا محوريا في هذا الشأن. فقد دعت الجمعية العمومية بموجب هذا القرار جميع الدول ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والوكالات المتخصصة لتطبيق (الإعلان المتعلق بإجراءات إزالة الإرهاب الدولي) الملحق بقرارها ذاته. وفي هذا الإعلان:

إدانة كاملة لأعمال الإرهاب بكل أشكاله ومظاهره، بما في ذلك الأعمال التي تكون الدولة متورطة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.
وجوب إحالة القائمين بالأعمال الإرهابية إلى العدالة من أجل وضع حد نهائي لها، سواء كان مرتكبوها أفراد عاديين أو موظفين رسميين أو سياسيين.
وجوب اتخاذ كل السياسات والتدابير اللاّزمة من أجل محاربة الإرهاب الدولي سواء كانت هذه التدابير فردية تتخذها الدولة ذاتها أو ثنائية أو متعددة الأطراف مع الدول الأخرى. وذلك من اجل محاربة الإرهاب الدولي ومنع قيامه ومعاقبة مرتكبيه.
التعاون الكامل بين جميع الدول من أجل تعزيز مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها والتزام الاتفاقات الدولية الشارعة لجهة توفير السلام والأمن الدوليين وحماية الأبرياء والمحافظة على علاقات الصداقة والتعاون بين الشعوب.
تعديل أو استحداث القوانين الداخلية للدول بما يتلاءم مع هذه الاتفاقات، لاسيما المتعلقة بحقوق الإنسان.
يعلق الأستاذ هيثم منّاع قائلاً:

يمكن القول أن هناك ترسانة قانونية كافية لأهم ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في زمني الحرب والسلم والواقعة ضمن تعريف الإرهاب.

فهي تشمل اتفاقية منع إبادة الجنس (1948)، اتفاقية طوكيو لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات (1963)، اتفاقية مونتريال لإدانة خطف الطائرات (1971)، الاتفاق القاضي بإدانة خطف الديبلوماسيين (1973)، اتفاق إدانة احتجاز الرهائن (1979)، اتفاقية مناهضة التعذيب (1987)، اتفاقية إدانة القرصنة البحرية (1988).

لقد صدر في إطار القانون الدولي مجموعتان من الأحكام الدولية الملزمة التي تدين الإرهاب الدولي وتطالب بملاحقة مرتكبيه من الأفراد ومحاسبة الدول التي ترعاه بشتى الوسائل أو تحرض عليه مباشرة أو غير مباشرة:

آ- المجموعة الأولى تشتمل على الاتفاقات الدولية المشرعة التي تشير إلى الأعمال الإرهابية الدولية. منها على سبيل المثال لا الحصر: اتفاقية منع إبادة الجنس للعام 1948، واتفاق طوكيو للعام 1963 لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات، إضافة إلى إعلان هلسنكي للعام 1975 الذي التزمت بموجبه الدول الأوربية الامتناع عن مساعدة أي نشاط إرهابي في أي شكل كان، ثم القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن في إطار معاقبة الدول التي تخالف المبادئ الدولية وتهدد السلام والأمن الدوليين.

تجدر الإشارة إلى أن الجمعية العمومية للأمم المتحدة أرست هذه المبادئ القاضية بمكافحة الإرهاب الدولي منذ العام 1970، عندما أصدرت إعلانها الشهير عن “مبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة “، وطالبت “الجمعية”، بموجب هذا الإعلان، جميع الدول بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد أي دولة أخرى. كذلك طالبت “الجمعية” جميع الدول بالامتناع عن التنظيم والمساعدة والمشاركة في أي عمل إرهابي …الخ.

يفسر الدكتور “شفيق المصري” هذه النصوص والأحكام الواردة أعلاه بالقول:

أ . أن القانون الدولي حرص على تعريف الإرهاب من خلال تعدد الحالات التي يمكن الأفراد فيها التعرض إلى الحقوق الإنسانية الأصيلة، أو إلى سلامة الدولة ونظامها العام الخلقي أو السياسي والاقتصادي …الخ، أو إلى السلام والأمن الدوليين. من هذا المنطق اعتبر القانون الدولي الفرد مسؤولاً أمام القانون الدولي مباشرة. بذلك نشأ فرع مفصلي من القانون الدولي عرف بـ “القانون الجنائي الدولي”…

ب- أن القانون الدولي حرص على تعريف الإرهاب بحيث يشمل الأفراد والدول كذلك، وطلب بإدانة الاثنين معاً. على هذا الأساس، فان ثمة نوعين من الإرهاب الدولي، وإن تكاملت عناصرهما في بعض الأحيان وتداخلت، بحيث يصبح العمل الإرهابي نتيجة سياسة حكومية ينفذها الأفراد :

-إرهاب الأفراد الذين يرتكبون العمل الإرهابي مباشرة، وهو العمل الموصوف في الاتفاقات الدولية أو القرارات التي مر ذكرها حول هؤلاء الأشخاص وفقا للقانون الدولي وبصرف النظر عن قوانين بلادهم.

– إرهاب الدولة، وذلك عندما تخالف المبادئ الأساسية والأحكام المستقرة في القانون الدولي. بما في ذلك أحكام قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. مؤدى ذلك أن تصبح الدولة المتورطة في عمل إرهابي، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسؤولة أمام القانون الدولي وما يحدده من جزاءات وتعويضات عن الأضرار التي تلحقها بالدولة أو بالدول الأخرى أو بأفرادها.

ج – على أساس ما تقدم، فإن القانون الدولي شرح إرهاب الدولة وحدد الحالات التي يحصل فيها، كما أشار إلى وجوب مقاضاته أيضاً. نذكر بعض هذه الحالات على سبيل المثال لا الحصر:

المادة الثانية من المعاهدة الدولية المتعلقة بحجز الرهائن للعام 1979 تنص على أن كل دولة ترتكب أي عمل من الأعمال الموصوفة باحتجاز الرهائن، يجب أن تعاقب بما يتناسب مع خطورة الإساءة المرتكبة وطبيعتها. كذلك يجب أن تعاقب الدولة التي تساعد أو توافق أو تتغاضى عن عملية الاختفاء القسري للأفراد.
إن كان إرهاب الدول والجماعات والأفراد قد شكل مادة خصبة للنقاش، فإن نوعا آخر من الإرهاب، وهو الإرهاب الذهني، لم يأخذ حقه البتة نسبة لأهميته الكبيرة. هذا الإرهاب الذهني ينتهك بشكل منهجي مفاهيم جوهرية وأساسية تتعلق بحق التعبير والمشاركة ورفض فكرة الاستئصال والنفي للآخر واعتبار التفوق شكلا منتجا للعنف بالضرورة. وهو يبدو بوضوح عبر الأخطبوط الموالي للصهيونية في الإعلام الغربي الذي لم يتورع عن التحول إلى محام عن مجرم الحرب أرييل شارون في ظل انتفاضة الأقصى.
إن كانت جنوحات هذا الصنف من الإرهاب جلية في اللوبي الموالي لإسرائيل، فقد أصبح هذا التوجه أكثر شيوعا منذ مأساة 11 سبتمبر 2001.

حيث بدأت الكلمات القاتلة تحل محل الطائرات المجنونة لتعلن حربا صليبية تخير الناس بين الخير الأمريكي والشر الآتي من معسكر الآخر، وتتحدث عن التفوق الحضاري الغربي على لسان رئيس وزراء فاسد ومفسد من روما.

ولعل من تعبيرات الإرهاب الذهني الجديدة تلك الكلمة المرتجلة للسيد ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي الذي خرج بنظرية تربط سببية الإرهاب بالعقيدة والإيمان و كان من نتائج تلفيقه ذاك أن رجمه أطفال الحجارة رجم الزاني المحصن.

أما الوضع المأساوي في الجنوب ولشعوب تدفع ثمنا باهظا لسياسة الهيمنة الغربية فهو لا يعدو كونه الأرض المؤهبة لذلك (مداخلة في الندوة الألمانية الفرنسية اكتوبر2001). ينسى السيد جوسبان، الذي يلصق بالعقيدة الإسلامية ما استنكرته في كل مدارسها، أو يجهل، بأن الانتحار في التاريخ العربي الإسلامي، إستشهاديا كان أم سوداويا، يشكل أضعف نسبة تذكر في الأمبراطوريات الإنسانية الكبرى.

هذا النوع من الإرهاب، مع هيمنة منطق القوة والحرب، سيؤدي بالضرورة إلى تهميش وتهشيم الفكر والثقافة لحساب تدنيس متصاعد للوعي.

كما شكلت الحرب العالمية الثانية مرجعا دوليا في قضايا جرائم الحرب وأعطت اتفاقيات جنيف الرابعة، استفادت الشعوب المناضلة من أجل تحررها من الحركات المسلحة لمقاومة النازية كمثل ومرجع لإدانة الاحتلال والحق في التحرر من الاستعمار وتقرير المصير.

جاءت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة والمادة الأولى من العهدين الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخاص بالحقوق السياسية والمدنية لتؤكد على هذا الحق. فكما يذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن هذه الحقوق إنما أقرت (لكي لا يلجأ المرء في آخر الأمر إلى التمرد).

من هنا، ثمة إقرار دولي بأن كل دولة ملزمة قانونيا بالامتناع عن أي عمل قمعي يحرم الناس حقهم في تقرير المصير والحرية والاستقلال وأساسيات العيش. على هذا الأساس فإن قيام الناس بمقاومة هذا العمل القمعي يعتبر عملا مشروعا. ولا شك بأن اعتبار الاستيطان جريمة ضد الإنسانية في ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية يجعل من شعب فلسطين شعبا يناضل لوقف جريمة بهذه الخطورة عبر نضاله المشروع.

إن ما يعرف باسم الحرب ضد الإرهاب يدخلنا في مرحلة عبثية يصعب التكهن بمجاهيلها.

فخلافاً لحروب التقنيات الحديثة المعروفة (العراق وكوسوفو)، هذه الأزمة تعيد الاعتبار بقوة لمفهوم الأمن على حساب الحرية. وكما هو معروف في العلوم الإنسانية، الأمن ليس حالة، وإنما علاقة بالذات والآخر، علاقة مع العالم وتصور لهذا العالم.

هكذا علاقة، لا يمكن أن تبنى في حالة طوارئ وبعقلية الطوارئ.

وعندما يكون هذا هو الحال، فثمة انتصار للعنجهية على العدالة ولمفهوم التفوق على حساب فكرة المساواة بين البشر.

ولا شك بأن عقلية الطوارئ هذه ستحكم الخطوات الأخيرة في اتفاقية مكافحة الإرهاب فيما سيجعل السياسي يخنق الحقوقي في مسألة في غاية الخطورة.

إن هذا الوضع يحتاج إلى مراجعة عامة لنظرتنا للنفس وللعالم في المحيط العربي الإسلامي.

وهو أيضاً يتطلب مراجعة جذرية للسياسة الأمريكية تسمح لنا باستقراء مسلكية جديدة تجاه الشرعية الدولية لحقوق الإنسان.

فالإدارة الأمريكية التي وقفت بحزم ضد انعقاد الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف في 15/7/1999 واوقفت هذا الاجتماع بعد عشر دقائق حتى لا تدان دولة إسرائيل على معاملتها للمدنيين، الإدارة الأمريكية التي رفضت في مجلس الأمن وجود قوات دولية لحماية المدنيين الفلسطينيين من أرييل شارون والعنجهية الإسرائيلية، لهذه الإدارة مسؤولة أساسية عن جعل قتل المدنيين مسألة مقبولة في الوعي الجماعي العام، وعلى الصعيد العالمي. وبالتالي فهي تشارك الإرهابيين في المسؤولية عن مقتل المدنيين الأمريكيين باعتبارها التزمت الصمت عن مقتل المدنيين الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم.

بهذا المعنى، يمكن أن تشكل مأساة 11 سبتمبر بالفعل منعطفا تاريخيا إذا ما أدت إلى مواقف تاريخية. كذلك يمكن أن تكون نقطة الانطلاق نحو ارتداد عام في الجنوب والشمال، نخسر في خضمّه، أجمل ما ترك لنا القرن الماضي، أي تلك القواسم المشتركة للحقوق والكرامة الإنسانية. يضحى بها، لحساب تعبيرات جديدة للشوفينية والتعصب والتفوق الأهوج.

و آخر دعوانا الحمد لله رب العالمين،،

[1]( بندقية للإيجار/تأليف/باتريك سيل/مراجعة وتقديم/أحمد رائف/مركز الدراسات والترجمة/الزهراء للإعلام/ص109)..).

[2] ( لسان العرب لأبي الفضل ابن منظور/دار صادر/بيروت/ط3/مج أول/مادة رهب/ ص436وص437)

[3] – الأنفال 60.

[4] جاء في الطبعة الأولى من كتاب الإرهاب السياسي ( (Political Terrorismسجل “شميد” مئة وتسعة تعريفا من وضع علماء متنوعين من جميع العلوم الإجتماعية بما في ذلك علماء القانون واستناداً إلى هذه التعريفات المائة وتسعة فقد أقدم “شميد” على مغامرة تقديم تعريف في رأيه جمع العناصر المشتركة في غالبية التعريفات.

[5] الإرهاب الدولي/ د.محمد عزيز شكري/ دار العلم للملايين/بيروت/ط/ أولى1991/ ص45، 46)

[6] – جريدة الحياة عدد 2008 شعبان 1416.

[7] – الإرهاب الدولي/د.محمد عزيز شكري/مرجع سابق/ص45

[8] – نفس المصدر.

[9] – نفس المصدر ص 46.

[10] – نفس المصدر.

[11] – التعريفات الأخيرة كلها من نفس المصدر.

[12] – المشاهد السياسي/العدد الثالث/31مارس1996/ص10 ص11)).

[13] – وقد صدر هذا التقرير في 16ديسمبر1994م.

[14] قضايا دولية/العدد270/ 271/السنة السادسة/ ص5)).

[15] – الإرهاب الدولي/مرجع سابق/ص46.

[16] – منهج الإرهاب/السنوسي بلاله/دراسة في نشأة وتطبيقات بعض جوانب الإرهاب السياسي عند[لينين-ماو-القذافي]/دار الإنقاذ للنشر والإعلام/ص6)).

[17] – العنف والإرهاب/سالم إبراهيم/مرجع سابق/ص90.

[18] – الإرهاب الدولي/مرجع سابق/ص75. Dolewise Liekedourie and Company

[19] – سيكولوجية الإرهاب السياسي/د.خليل فاضل/ط/أولى/إصدارات خليل فاضل1991.

[20] – العنف والإرهاب/مرجع سابق/ص89)).

[21] – العنف والإرهاب/المرجع السابق/ص89)).

[22] – هيثم مناع: المشرف على موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان. أعدت هذه الدراسة بطلب من مجلة “التضامن” المغربية.