ادريس الجامعي أديب

أستاذ التعليم الابتدائي بالمغرب

ظهر مصطلح الابستمولوجيا”[1] بعد الفلسفة الكانطية في القرن التاسع عشر، و هي كلمة يونانية مركبة من لفظين: ابستيمي épistème  و معناها: علم science  و لوقوس logos بمعنى منطق- نقد- علم-دراسة-نظرية-مقالة… الخ. و عليه فكلمة ابستمولوجيا épistémologie من حيث الاشتقاق اللغوي تشير إلى مقالة في العلم”[2].

تعددت اصطلاحات الفلاسفة حول كلمة ابستمولوجيا، حيث يعرفها لالاند la lande بقوله:” هي فلسفة العلوم لكن بمعنى أكثر دقة، فلا تخص فقط دراسة المناهج العلمية التي هي موضوع الميتودولوجيا méthodologie و التي تعد جزء من المنطق، كما أنها ليست تركيبا أو توقعا حدسيا للقوانين العلمية على الطريقة الوضعية أو التطورية، إنها في جوهرها الدراسة النقدية لمبادئ و فرضيات و نتائج مختلف العلوم، الهادفة إلى تحديد أصلها المنطقي لا النفسي و قيمتها و مدى موضوعيتها”[3].

فلو حاولنا تحليل هذا التعريف الذي يقدمه لالاند، فإننا نجده يحصر مهمة الابستمولوجيا في البحث عن المبادئ و الأسس التي تقوم عليها مختلف العلوم، و فحص الفرضيات التي تضعها لاستخلاص نتائجها، فهي دراسة نقدية تبين مدى صحة النتائج و تماسكها، أي البحث في موضوعيتها و قيمتها العلمية بغض النظر عن أصولها النفسية، فالابستمولوجيا دراسة نقدية تهتم بالبحث عن شروط المعارف العلمية، و بتعبير أوجز، الدراسة النقدية للمعرفة العلمية. هذا التحديد الايجابي الأولي الذي وضعه لالاند تعريفا للابستمولوجيا، سبقه بتحديدات سلبية يكتنفها الغموض و تتمثل في كونه لم يرسم حدودا واضحة المعالم بين الابستمولوجيا و الدراسات المعرفية الأخرى.

ففلسفة العلوم ليست الميثودولوجيا التي موضوعها دراسة المناهج، و يعتبرها لالاند جزء من المنطق، و هنا يوجد التقسيم التقليدي للمنطق و يصنفه إلى منطق صوري formelle، يهتم بصور الفهم أي الإطار الكلي للعقل و منطق استقرائي تطبيقي يهتم بالمادة، و يدرس المناهج المستخدمة في مختلف العلوم دراسة وصفية، لا نقدية.

و هنا نعثر عن سبب تمييز لالاند بين الابستمولوجيا و الميثودولوجيا باعتبار أن الأولى (دراسة نقدية) و الثانية (دراسة وصفية) لكن هذا لا يعني وجود انفصال تام بينهما: فالدراسة النقدية مثلا للمناهج العلمية لا تستغني عن معرفة صيغة هذه المناهج، و منه فعمل المنهجية مكمل لعمل الابستمولوجيا، و في هذا الصدد يقول روبير بلانشي robert blanché: ” إن الابستمولوجي لا يمكن أن يستغني في دراسته النقدية عن دراسة مناهج العلوم لأنه بحاجة إلى معرفة صيغة مناهج العلوم التي يدرسها”[4]. هذا من حيث العلاقة، أما إذا كان التمييز لضرورة منهجية – بمعنى تحديد مجالات هذه الدراسة – فهو أمر لابد منه، و على هذا الأساس يمكن حصر مهمة المنهجية في الدراسة الوصفية التحليلية. أي وصف جميع المراحل التي مرت بها عملية الكشف العلمي و تحليلها لإظهار طبيعة العلاقة الموجودة بين الفكر و الواقع، هذه المهمة تأتي بعد انتهاء العالم من عمله. و بمعنى آخر فإن الميثودولوجي يتتبع خطوات العالم قصد وصفها و تحليلها و صياغتها صياغة نظرية منطقية. يقول كلود برنارد claude bernard: ” إن مناهج و طرق البحث العلمي لا تتعلم إلا في المختبرات حيث يكون العالم أمام مشاكل الطبيعة وجها لوجه”[5].

أما بالنسبة للابستمولوجيا فمهمتها نقدية، ترمي من ورائها تحليل العلم و الكشف عن الفلسفة المتضمنة فيه، و تتبع مسيرته قصد التعرف على ثغراته، و محاولة سدها و معالجتها، سواء أكانت هذه الثغرات تتعلق بالمناهج أو المبادئ أو الفرضيات أو بالنتائج، و كلمة (فلسفة) تحيلنا للتطرق إلى علاقة الابستمولوجيا بفلسفة العلوم، يقول لالاند: ” الابستمولوجيا هي فلسفة العلوم لكن…”[6] انه يستدرك ب (لكن) ليوضح أنه لا يعني الفلسفة كما وضحها أوجست كونت و التي دعا فيها العلماء بالاكتفاء بملاحظة العلاقات الظاهرة التي تربط بين الظواهر ووصفها للحصول على تفسير لها يمكننا من التخصص في العلوم، لذا استوجب على الفيلسوف الوضعي أن يقوم بمهمة الربط بين مختلف التخصصات العلمية الجزئية: ” لتقم طبقة جديدة من العلماء (الفلاسفة) المكونين تكوينا ملائما”[7]. و يشترط كونت في هذا التكوين، العمومية، أي معرفة عامة حول مختلف العلوم تمكنه من تحديد روح هذه العلوم و الكشف عن العلاقات الرابطة فيما بينها، و يتم ذلك عن طريق معرفة المبادئ العامة المشتركة بين العلوم الجزئية، شريطة عدم الخروج عن المنهج الوضعي. ففلسفة العلوم عند الوضعيين هي عبارة عن عملية تركيبية تتواجد فيها العلوم المختلفة بفضل المنهج الوضعي (التجريبي).

كما يرفض لالاند وجهة نظر الفلسفة التطورية evolutionnisme و هي نزعة تقول بمبدأ التطور و من أهم مؤسسيها لامارك-A.lamark (1829-1744) و هذا الأخير في كتابه (مذهب الفلسفة التركيبية) عارض فكرة التطور كموحد للعلوم المشتتة، أما في كتاب (سبنسر) الثاني المعنون ب(المبادئ الأولى) فقد رأى أن المعرفة تنمو وفق قانون التطور. نقل (سبنسر) مفاهيم التطور من البيولوجيا إلى مجال العلوم الاجتماعية خاصة فكرتي : البقاء للأصلح، و التنازع من أجل البقاء. حيث اعتبر الكائن الاجتماعي مماثلا للكائن العضوي الذي هو عبارة عن نسق متكون من مجموعة أجزاء يقوم كل واحد منها بوظيفة محددة للحفاظ على حياة هذا الكائن و كذلك بالنسبة للمجتمع، فالصراع الاجتماعي يؤدي خلق التوازن الاجتماعي و بالتالي من وجهة نظر (سبنسر) فإن جميع  الظواهر سواء أكانت طبيعية أو إنسانية تخضع لمبدأ التطور.”[8]

على هذا الأساس فإن معرفة الإنسان قد تكون معرفة عامية تتصف بالسذاجة و التشتت. و هناك معرفة عليمة منظمة تتعلق بظواهر مختلفة. و أخيرا المعرفة الفلسفية الموحدة لشتات العلوم: ” في وحدة تركيبية يسودها الاتساق و الانسجام”[9]. و هذه هي المهمة الحقيقية للفلسفة في علاقتها بالعلوم. و غايتها في ذلك توضيح ماضي المعرفة البشرية للاستفادة منها في التنبؤ بالمستقبل.

يبدو من خلال تعريف لالاند وعيه بمدى ارتباط هذه الدراسات (ابستمولوجيا-ميثودولوجيا-فلسفة العلوم) ببعضها البعض، كذلك يدعونا إلى ضرورة التمييز بين الابستمولوجيا و نظرية المعرفة la théorie de la connaissance”[10] التي تعني التقدير النقدي الذي يحدد قيمة المعرفة الإنسانية و حدودها. و يعتبر لالاند نظرية المعرفة مدخلا ضروريا و أداة هامة لكل من أراد دراسة المعارف العلمية دراسة تفصيلية في شتى المواضيع.

الخلاصة التي نستخلصها من هذا التعريف تتمثل في كون العلاقة بين الابستمولوجيا و فلسفة العلوم هي علاقة نوع بجنس، هذا النوع تنحصر مهمته في الدراسة النقدية لمكونات العلوم للوصول إلى أصولها المنطقية.

لو انتقلنا إلى وجهة نظر بول موي-paul moy- المتعلقة بالابستمولوجيا نجد أن المعنى الذي يفهمه من الكلمة هو : “النقد العلمي للمعرفة”[11] و مهمتها دراسة المنهج العام للعلوم و ” العمليات التي يطبقها العقل البشري على العلم”[12]. و يعتبر بول موي النقد العلمي مجرد مرحلة من مراحل التحليل الواعي للمعرفة العلمية، يكملها تاريخ العلوم، و هي مرحلة صعبة إذ يقتضي من الباحث فيها القيام بثلاثة أدوار: دوره كمؤرخ، دوره كفيلسوف و دوره كعالم، ليتمكن من التعرف على الكيفية التي يعد بها العقل مناهجه خلال مواجهته للواقع، و يحاول فهم الصراع القائم بين العقل و الواقع.

أما مسألة نمو المعارف العلمية فلا تهم إلا العالم. يقول بول موي: ” إن تاريخ العلوم هو في نظر الفيلسوف عرض للعلم في حالة نشأته”[13]، تعقبها مرحلة مناهج البحث العلمي التي هي بمثابة الدراسة الواعية للمناهج المختلفة المستخدمة في مختلف العلوم.

هذه الفروع: الابستمولوجية –تاريخ العلوم- مناهج العلوم تؤلف في مجملها فلسفة العلوم. و في الأخير يعتقد بول موي بإمكانية تتويج فلسفة العلوم بمبحث أخر يهتم بدراسة قيمة المعرفة و حدودها، و هو نظرية المعرفة، لكنه يرى أن التقدير الشامل للمعرفة يكتسي طابعا ميتافيزيقيا قد يخرجه عن المنطق و التي تعتبر فلسفة العلوم شكلا من أشكاله.

أما جون بياجي jean piaget فيرى أن الابستمولوجيا المعاصرة تنظر إلى المعرفة العلمية نظرة تكاملية، فهي لم تعد تفصل بين الذات العارفة و الموضوع المعروف. فمهمة الابستمولوجيا التكوينية l’épestimologie génétique البحث في نمو المعارف العلمية من جميع جوانبها التاريخية و النفسية و المنطقية. و المنهج الذي يقترحه بياجي و يعتبره ضروريا لهذه الدراسة هو المنهج التكويني الذي يجمع بين التحليل التاريخي المنطقي و التحليل النفسي. و يحدد بياجي مهمة الابستمولوجيا بقوله: ” تدرس الابستمولوجيا التكوينية نمو المعارف العلمية بالاعتماد على تاريخها و نشاطها الحالي في علم معين من جهة، و من جهة أخرى على مظهرها المنطقي و على تشكيلها النفسي التكويني …”[14]. و انطلاقا من هذا الفهم الجديد للعلم حاول بياجي تقديم تصنيف للعلوم يراعي دينامية المعرفة العلمية و العلاقات المتبادلة بين مختلف العلوم و يبني تصنيفه على أساس التمييز بين الميادين الأربعة لكل علم:

  • الميدان المادي : الموضوع الذي يدرسه كل علم.
  • الميدان المفهومي: مجموعة المفاهيم المستعملة في كل علم.
  • الابستمولوجيا الداخلية: و تهتم بالبحث في الأسس و المبادئ و النتائج التي يقوم عليها كل علم .
  • الابستمولوجيا العامة: و تهتم بالبحث في الأسس المشتركة بين جميع العلوم[15].

و اليوم فإن هذه المصطلحات: ابستمولوجيا- فلسفة العلوم – نظرية المعرفة: تستخدم كمترادفات حتى و لو بدا التمييز فيما بينها أكثر وضوحا في الانجليزية”[16] و في الفرنسية تعد كلمة ابستمولوجيا مرادفة لفلسفة العلوم أما نظرية المعرفة فيرفضها باشلار لأنها تخضع لتقييمات داخلية، و حين يستعمل في كتابه هذا المصطلح: (نظرية المعرفة) يقرنه بخاصية العلمية la théorie de la connaisance scientifique مع ملاحظة أن تداول هذه المصطلحات متفاوت بين الفلسفات، ففي فلسفة الأنجلوسكسونية تستعمل فلسفة العلم أكثر، و في الفلسفة الفرنكفونية يطغى استعمال مصطلح الابستمولوجيا، في حين يفضل الألمان نظرية المعرفة.

[1] استخدام مصطلح الابستمولوجيا لأول مرة في المعجم الفرنسي Larousse ippustre سنة 1906.

[2] La rousse dictionnaire encyclopédique, librairie la rousse, paris volume 13,1979, p : (501).

[3] A. la lande: vocabulaire technique et critique de la philosophie, 2eme édition, P.U.F paris, 1986,p : (293).

[4] R. blancgé : l’épistémologie, 1ere edition P.U.F, paris, 1972 p :(22).

[5] عابد الجابري محمد: مدخل الى فلسفة العلوم، الجزء الأول، تطور الفكر الرياضي و العقلانية المعاصرة، دار الطليعة بيروت، 1982، ص (12).

[6] A. la lande : opeit, p : (293).

[7] بول موري: المنطق و فلسفة العلوم: ترجمة فؤاد زكريا، دار نهضة مصر: 1973،ص : (48).

[8] كامل فؤاد و آخرون: الموسوعة الفلسفية المختصرة، دار القلم، بيروت، ص:( 247).

[9] عابد الجابري محمد: مدخل لفسفة العلوم، المرجع السابق، ص:( 57).

[10] نظرية المعرفة: ظهر هذا المصطلح لدى فلاسفة القرن الثامن عشر في كتاب ادوارد شيلر بعنوان  (erkenntniss theorie) و تستخدم كلمة (gnoséologie) بالمعنى نفسه، انظر بول موي: المنطق و فلسفة العلوم، مرجع سابق ص : (49).

[11] بول موي : المنطق و فلسفة العلوم، المرجع السابق، ص: (49).

[12] المرجع نفسه و نفس الصفحة.

[13] المرجع نفسه و نفس الصفحة.

[14] سالم يفوت- بن عبد العالم عبد السلام : درس الابستمولوجية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، سنة 1988، ص : (188).

[15] وقيدي محمد: ماهية الابستمولوجيا، ص (156-157).

[16] أدخل جيمس فيري james frrier كلمة ابستمولوجيا إلى اللغة الانجليزية épistémologie سنة 1866 انظر، جيرار شازال.http :www.digom-ivfm.fr/jormat/fromcom/epis-sc/piesent.htm