ان اي نشاط و عمل سياسي منظم يهدف الى اجراء تغيير في الواقع الاجتماعي القائم وبناء علاقات جديدة لا بد ان تكون له استراتيجية واضحة لتحقيق اهدافه بعيدة المدى على ان تغطي هذه الاستراتيجية مرحلة تاريخية كاملة، وان يكون له تكتيك لتحقيق تلك الاستراتيجية على شكل مراحل جزئية، وبعكسه سوف لا يكتب لذلك العمل السياسي النجاح، ولغرض توضيح هذا الامر لابد لنا من تقديم تعريف مبسط لمفهوم الاستراتيجية ومفهوم التكتيك وعلاقتهما الجدلية ببعضهما البعض.

فالاستراتيجية: هي تحديد الاهداف وتحديد القوة الضاربة وتحديد الاتجاه الرئيسي لحركة التغيير، وتختلف الاستراتيجية السياسية باختلاف المراحل التاريخية للتغيير الاجتماعي.

لا تختلف الاستراتيجية السياسية عن الاستراتجية العسكرية من حيث آليات العمل ولكنها تختلف من حيث الاهداف وادواتها. فالاستراتيجية السياسية تتعلق عادة بمرحلة تاريخية كاملة، ولهذا تختلف الاستراتيجيات باختلاف المرحلة التاريخية لكل ثورة اجتماعية من الثورات، فاستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية تهدف الى تحرير الوطن من الاستعمار الاجنبي وحليفه الاقطاع المحلي واشاعة الديمقراطية في المجتمع، تختلف عن استراتيجية الثورة الاشتراكية التي تهدف القضاء على الاستغلال الراسمالي للبرجوازية الراسمالية الوطنية وبقايا الاقطاع بتأميم وسائل الانتاج الرئيسية ونزع ملكيتها من الراسماليين وجعلها ملك الشعب. وكذلك تختلف استراتيجية كل ثورة اجتماعية من هذه الثورات باختلاف الظروف الخاصة لكل بلد من البلدان.

الا انه ما هو ضروري في كل استراتيجية سياسية هو ان تحدد الاهداف العامة لها، مثل القضاء على الاستعمار الاجنبي والاقطاع المحلي في حالة استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية، او القضاء على الاحتكار والاستغلال الراسمالي للبرجوازية الراسمالية الوطنية والاجنبية ان وجدت بصورة شاملة في حالة استراتيجية الثورة الاشتراكية… وكذلك من الضروري تحديد القوى الاجتماعية الضاربة والتي لها المصلحة الكبرى في تحقيق الاهداف التي تبغيها استراتيجية تلك الثورة الاجتماعية، وكذلك ترتيب هذه القوى بحسب مدى فعاليتها وثوريتها وكفاءتها وقدرتها على الحركة في احداث التغيير المطلوب.

مثلا في حالة استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية التحررية يمكن تحرك قوى اجتماعية عديدة مادامت تلك القوى تلتقي جميعا في معاداتها للاستعمار الاجنبي واستغلال الاقطاع المحلي، ولكن في نفس الوقت من الضروري جدا التمييز بين القوى الاساسية والقوى الاحتياطية والقوى الطليعية القائدة للثورة الاجتماعية والقوى المتحالفة والقوى المترددة، فضلا عن تحديد القوى المعادية للثورة بمراتبها المختلفة كذلك، كقوى معادية اساسا وقوى تابعة واخرى قوى يمكن تحييدها او شلها عن الحركة في التصدي للثورة.. وستختلف طبيعة هذه القوى الثورية منها والمعادية للثورة باختلاف اهداف الثورة وباختلاف طبيعة المرحلة التاريخية لكل ثورة اجتماعية.. فمثلا هناك فئات من الراسماليين يشتركون في الثورة الوطنية الديمقراطية التحررية المعادية للاستعمار الاجنبي والاقطاع المحلي في حدود معينة لان هذه الثورة تحرر لهم السوق المحلي من سيطرة الراسمال الاجنبي واستغلال الاقطاع المحلي.. ولكن نفس الفئات يرفضون الاشتراك في الثورة الاشتراكية بل يعادونها معادات صريحة لان الثورة الاشتراكية تقضي على استغلال الراسمالي المحلي للبرجوازية الوطنية وتجعل ملكية وسائل الانتاج الاساسية ملكية عامة للشعب ولهذا السبب يقفون بالضد من الثورة الاشتراكية، لان الثورة الاشتراكية تقضي على مصالح هذه الفئات من الراسماليين على عكس الثورة الوطنية الديمقراطية حيث تضمن لهم مصالحهم.

وتُثار في الاستراتيجية السياسية قضية اتجاه الضربة الرئيسية وهي بحد ذاتها قضية خلافية بين واضعي الاستراتيجيات، فهناك رأي يؤكد بان اتجاه الضربة الرئيسية هو جوهر كل استراتيجية، يفرق بين اتجاه الضربة الرئيسية واهداف المرحلة الاستراتيجية، فمثلا اذا كان هدف الثورة الوطنية الديمقراطية التحررية هو القضاء على الاستعمار الاجنبي وحليفه الاقطاع المحلي فان اتجاه الضربة الرئيسية يكون شل تردد الراسمالية الوطنية وتخليص جماهير الشعب من قيادتها الفكرية والسياسية والتنظيمية على السواء.. وهناك رأي اخر على النقيض من الرأي الاول، حيث يؤكد هذا الرأي ان يكون اتجاه الضربة الرئيسية اساسا لتحقيق الاهداف الاستراتيجية وان لا تنحرف الى اية قوة اجتماعية اخرى. اي بمعنى اخر اذا كانت اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية التحررية القضاء على الاستعمار الاجنبي وتصفية الاقطاع المحلي، فيكون اتجاه الضربة الرئيسية لهذه الثورة هو الاستعمار الاجنبي والاقطاع المحلي وليس الراسمالية الوطنية، حيث يمكن تحقيق تحالف مع الراسمالية الوطنية خلال مرحلة التحرر الوطني. المهم ان الاستراتيجية هي خطة ثورية لتحقيق اهداف معينة تؤدي الى تغيير التركيب الطبقي للمجتمع في مرحلة تاريخية كاملة، وبالتالي فان الاستراتيجية تتالف بالضرورة من تحديد للاهداف وتحديد للقوى الاجتماعية الضاربة مع التمييز بينها من حيث الكفاءة والقدرة والثورية ثم تحديد خطة الحركة العامة..

اما التكتيك: هو اسلوب واشكال ومناهج النضال لأي تنظيم سياسي لتحقيق مهام معينة في لحظة محددة..

فالتكتيك السياسي لا يختلف عن التكتيك العسكري حاله حال الاستراتيجية، حيث ان التكتيك بحد ذاته جزء من الاستراتيجية ومرحلة من مراحلها وانه ينبع منها ويهدف الى تحقيق عملياتها الجزئية في خدمة الهدف الاستراتيجي العام.. فاذن التكتيك يتعلق اساسا باساليب النضال واشكاله ومناهجه ووسائله المختلفة، ولهذا فان شكل الحركة وطبيعتها وتوقيتها عناصر اساسية في كل تكتيك ولهذا نجد في التكتيك مصطلحات ومفاهيم مثل المبادرة والمباغتة، كما نجد نظريات متعددة للاشتباك واشكالا متنوعة للهجوم والانسحاب، واساليب مختلفة لاستعمال الاسلحة. فحرب العصابات مثلا هي شكل تكتيكي من اشكال النضال السياسي لتحقيق اهداف الخطة الاستراتيجية في حرب التحرر الوطني من الاستعمار الاجنبي، وقد تكون حرب العصابات مرحلة داخل حرب ثورية شاملة للتحرر الوطني، وقد تكون طابعا شاملا لهذه الحرب.

ولعل اخطر مسألتين في التكتيك هي الحلقة الرئيسية في التكتيك والتوقيت للعملية.. فالحلقة الرئيسية هي تلك الحلقة في سلسلة العمليات والمواقع التي ان امكن السيطرة عليها لسهلت السيطرة على بقية العمليات والمواقع اي تكون بمثابة مفتاح الحل، كان تكون هذه الحلقة في التكتيك العسكري السيطرة على ممر بري او مائي او غيرها من المواقع ذات الاهمية، حيث السيطرة عليها يفتح الطريق الى نصر حاسم على العدو في المواقع الاخرى. وفي العمل السياسي قد تكون الحلقة الرئيسية في التكتيك مثلا السيطرة على التجارة الخارجية او السيطرة على الصناعات النفطية او اية صناعات اخرى تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني حيث ان السيطرة على هذه الحلقة من الاقتصادي تؤدي بالنتيجة السيطرة وتوجيه الاقتصاد الوطني وحمايته.. اما ما يخص المسألة الثانية من عناصر التكتيك اي التوقيت فهو اختيار اللحظة المناسبة للقيام بالمهمة، حيث ان اي تقديم او تاخير في التنفيذ قد يكون ذلك سببا في فشل العملية برمتها مهما توافرت لها الظروف المادية والنفسية، ولهذا فالتوقيت السليم عامل حاسم في نجاح اي تكتيك وبالتالي نجاح الاستراتيجية. عليه فالتكتيك هو جزء من اجزاء الاستراتيجية والذي يحقق مرحلة من مراحلها ويخضع لاهدافها ولا يتناقض مع مسارها العام. هكذا نجد ان العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك في العمل السياسي مهما كانت طبيعة هذا العمل هي علاقة جدلية لا انفصام فيها،بل هما مكملان لبعضهما البعض

Print Friendly, PDF & Email