Print Friendly, PDF & Email
هاني رمضان طالب
يعتبر مفهوم الحكومة العالمية من الموضوعات التي أثارت جدلاً كبيراً. حيث تناوله العديد من الباحثين والمفكرين بالكتابة والتنظير, للوصول إلى آليات تكفل نظام حكم عالمي ملائم لبقاء البشرية وتطورها. وفي مجال دراسة نظريات العلاقات الدولية على وجه الخصوص، تباينت الآراء حول هذه القضية بين ثلاث وجهات نظر, فذهب الرأي الأول إلى أن البشرية تمثل وحدة واحدة وإلى إمكانية التعايش في ظل حكومة عالمية موحدة, وأقر الرأي الثاني بوجود فرق بين الواقع والطموح, لأن تعايش كافة البشر في ظل حكومة عالمية واحدة هي عملية طوباوية، وأن الرصد المحايد للواقع العالمي ينسف هذا التصور, أما الرأي الثالث فيعترف بإمكانية توحيد نظام الحكم العالمي في حكومة واحدة، لكن ليس في الوقت والظرف الراهن، ويمكن أن يتحقق ذلك في المستقبل. وقد إنحازات النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية إلى الرأي الأول عبر مقاربتها العلمية  لمفهوم الحكومة العالمية.
إن الليبراليين في عمومهم قد جعلوا من إقامة السلم والأمن الدوليين هدفهم الرئيسي والأهم, لذلك جاءت كل تفريعاتهم ونسخهم النظرية التي قدموها معبرة عنه, لكن آلياتهم ووسائلهم في تحقيق ذلك قد اختلفت وتنوعت بسبب التغيير في الظروف الدولية السائدة, بالإضافة للمراجعات التي تحدث باستمرار لدى المفكرين الليبراليين أنفسهم, سواء كانت كنتيجة للمراجعات الذاتية أو كاستجابة للانتقادات التي توجه إليهم من خارج النظرية الليبرالية. وقد تمثلت مشكلة الدراسة في محاولة استقراء مفهوم الحكومة العالمية لدى مفكريّ النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية.
وتأتي أهمية هذه الدراسة كونها جاءت لبحث وتحليل مفهوم الحكومة العالمية من خلال الاستناد على أسس نظرية قوية مثل تلك التي تقدمها النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية, حيث توفر النظرية الليبرالية مدخلاً نظرياً دقيقاً يشمل فرضيات ومرتكزات فرعية تجعل من هذه الدراسة جد مهمة للباحثين في الدراسات النظرية والاستراتيجية, بل ومفيدة أيضاً في دراسة نظريات العلاقات الدولية بشكل عام, بالإضافة لتعاظم وزيادة الاهتمامات العالمية التي ترى أن العالم  قرية واحدة, وفرص معالجة القضايا التي تهدد الأمن الإنساني ككل, وخاصة الأمنية والسياسية والاقتصادية منها.
هدفت الدراسة إلى التعريف بمفهوم الحكومة العالمية, وتسليط الضوء على أبرز إسهامات النظرية الليبرالية فيما يتعلق بهذا المفهوم, وإلى محاولة الكشف عن ماهية وطبيعة دور الحكومة العالمية في مجال العلاقات الدولية وفقاً لرؤية النظرية الليبرالية.
وإستخدمت الدراسة المنهج التاريخي الذي لا بد منه في تتبع جذور مفهوم الحكومة العالمية منذ القدم, والتعرف كذلك على عوامل وظروف نشأة النظرية الليبرالية كمدرسة من أبرز مدارس دراسة وتحليل العلاقات الدولية. كما تم إستخدام المنهج الوصفي التحليلي لدراسة العلاقة بين ما هو كائن حالياً وبين بعض الأحداث التي تحكمت أو أثّرت في تجسيد فكرة أو مفهوم الحكومة العالمية على أرض الواقع.
وقد توصلت الدراسة إلى نتائج عديدة من أهمها: أن إيجاد نوع من الحكومة العالمية هو حالة لا تتعارض بأي شكل من الأشكال مع وجود وبقاء نظام الدول القومية ذات السيادة.  وأن النظرية الليبرالية قد أولت المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية إهتماماً كبيراً، وعولت على دورها في مجال العلاقات الدولية من أجل الوصول بالنظام العالمي لحالة من الإنضباط والتعاون والإندماج, ومن ثم إلي نوع ما من حكومة عالمية.  وضرورة تغيير طبيعة النظر إلى مفهوم الحكومة العالمية من كونه مفهوماً محدداً مباشراً يشير لمؤسسات الحكم التقليدي داخل الدولة القومية, ثم إسقاطه على المستوى العالمي, إلى مفهوم واسع الدلالة يشير لواقع النظام السياسي العالمي بغض النظر عن شكل هذا النظام (أحادي القطبية, أو ثنائي, أو متعدد, أو مركب). وأن النظرية الليبرالية في مقاربتها للحكومة العالمية رأت صعوبة إنهاء ظاهرة الصراع والتنافس بشكل كامل في مجال العلاقات الدولية من خلال إقامة حكومة عالمية واحدة, وأن الصراع سيستمر لكن بطرق وأساليب جديدة غير عسكرية.