Print Friendly, PDF & Email

الحديث عن مفهوم المنظور في العلاقات الدولية ينبع من النقاش الدائر في العلوم الاجتماعية بصفة عامة حول قضية إنتاج المعرفة و إمكانيات تبويبها و تصنيفها طبقا لقواعد علمية معينة و هذا ما يشير للمفاهيم التي تنتقل من حقل معرفي إلى آخر. هناك ثلاثة مفاهيم تنتمي لمجالات معرفية مختلفة لكن لها نفس المنطلق:

1- الجشتالتيةGestalt في علم النفس حيث الظاهرة السلوكية كلّ يستعصي عن التجزئة.

2- التعاضديةSynergy أي تفوق مزايا الأخلاط على مكوناتها الفردية.

3- الاعتماد المتبادلInterdependance حيث لا تكتمل حركية الجزء إلا بالارتباط مع غيره في نطاق الحياة الاقتصادية و السياسية العالمية.

بدأت هذه المبادئ تسيطر و تجعل من “عدم الاستقرار” الإيجابي أساس القفزات التي تبعث بالفكر البشري إلى الأمام.

تكمن أهمية مفهوم “المنظومة المعرفية”cognitive map إلى أنه لا يشير فقط إلى مجمل المعلومات التي يمتلكها الفرد أو الجماعة ‘ن أنفسهم و عن الكون بل إلى “شبكة الترابطات المنتظمة بين المعلومات عن الذات و عن الآخرين و عن الكون” أي أنها:

1- معلومات حول الذات و الآخرين و الكون، سواء تعلقت بالشكل أو بالجوهر، صحيحة أم خاطئة.

2- الترابط بين المعلومات مثل ما نمتلكه من فهم للعلاقة بين الفرد و الدولة و المؤسسات و توزيع الأدوار، سواء كانت صحيحة أو خاطئة.

3- سلـّم قيمي يحدد نمط السلوك و هو نتيجة للعنصرين السابقين.

تكون المنظومة المعرفية أداة للتمييز بين مجتمع و آخر، فقد تتماثل المعلومات التي يختزنها مجتمعان لكن شبكة الترابط بين هذه المعلومات التي تمثل إطارا للتفسير العام للظواهر هي التي تختلف و من هنا يأتي التمايز بين سلـّم قيمي و آخر (مثال: نيل آرمسترونغ و يوري غاغارين).

المنظومة المعرفية و العلاقات الدولية

لقد استطاع الباحث توماس كوهنThomas Kuhn أن يجلب اهتمام المؤرخين و فلاسفة العلم و ذلك عن طريق تقديمه لعمل جاء بطريقة مكنت من وصف و تقييم البحث العلمي بالرغم من الاستعمال الواسع لمفهوم المنظورparadigm يبقى صعب التعريف و يعود ذلك إلى الاستعمال الأول له من طرف كوهن في كتابه “بنية الثورات العلمية” The Structure of Scientific Revolutions (1962) بحيث بينت الباحثة مارغريث ماسترمانMargaret Masterman أن كوهن استعمل مصطلح المنظور ب 21 معنى، الشيء الذي دفع بكوهن إلى الاعتراف بذلك و إضافة ملحق في الطبعة الثانية لكتابه من أجل شرح المصطلح بطريقة أكثر دقة.

يعبر مفهوم المنظور بشكل جيد عن فكرة المنظومة المعرفية، و لقد عرفه كوهن بقوله: “المنظور هو ما يشترك فيه أعضاء مجموعة من الباحثين و بذلك فهو كل جماعة علمية تتكون من أفراد يتقاسمون نفس المنظور”.

A paradigm is what the members of a scientific community share, and, conversly, a scientific community consists of men who share a paradigm.

و يضيف كوهن في ملحقه أن هذا المفهوم يستعمل بمعنيين مختلفين: الأول و يعني مجمل المعتقدات و القيم و التقنيات التي يشترك فيها أفراد مجموعة بحث معينة، و الثاني و يهتم بعنصر واحد فقط من هذه المجموعة و المتمثل في الحلول الملموسة للألغاز (مشاكل العلم) التي تستعمل كنماذج أو أمثلة و باستطاعتها تعويض القواعد الصريحة كقاعدة لحل المسائل المتبقية في مجال العلم الحقيقي. إن المعنى الأول اجتماعي أما الثاني فيعبر عن الإنجازات المثالية السابقة.

On the one hand, it stands for the entire constellation of beliefs, values, techniques and so on shared by the members of a given community. On the other, itdenotes one sort of element in that constellation the concrete puzzle-solutions which, employed as models or examples, can replace explicit rules as a basis for the solution of the remaining puzzles of the normal science.

لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الجماعات العلمية مغلقة لأنه بالإمكان التعرف على المنظور الذي تشترك فيه هذه الجماعات من خلال سلوكيات أفرادها.

المنظور و الثورة العلمية

تتكون الجماعة العلمية من أولئك الممارسين لاختصاص علمي واحد و هذا يعني بصفة عامة أنهم تلقوا نفس التعليم و نفس التدريب المهني و قرؤوا نفس الأدبيات التقنية و استخلصوا منها نفس الدروس. يوجد أفراد الفرق العلمية المختلفة في حالة تنافس دائم و لكنه ما يلبث أن ينتهي لأن هؤلاء الأفراد يعتبرون أنفسهم، بقدر ما يعتبرهم الآخرون كذلك، مسؤولين عن تحقيق نفس الأهداف بما في ذلك تدريب من يخلفهم في مناصب عملهم.

يكون الاتصال داخل الجماعة جيدا على العموم و يكون الإجماع حول الأحكام العلمية لأفرادها نسبيا إلى حد كبير. مثال الفرق العلمية: علماء الفيزياء و علماء الكيمياء و علماء الفلك … إضافة إلى وحدات فرعية داخل كل تخصص. إن مثل هذه الجماعات هي التي تنتج المعرفة و تؤكد صحتها، و عليه فإن المنظور هو ما يتقاسمه أفراد هذه الجماعات و لكن ذلك لا يحدث إلا عبر مسيرة طويلة تبدأ من مرحلة “ما قبل المنظور” pre-paradigmوصولا إلى ما بعد المنظور post-paradigm. ففي البداية تتنافس مجموعة من المدارس للسيطرة على حقل معين من حقول المعرفة، و بعد نجاح علمي معتبر تتقلص المدارس إلى مدرسة واحدة و بالتالي يبدأ نمط جديد من أنماط الممارسة العلمية الفعالة و التي لا يمكن أن تقوم إلا إذا اتخذ أفرادها أسس حقل معرفتهم كمسلمات. إن حصول هذا في العلوم الاجتماعية لا يتم بتغيير المنظور كلية بل بطبيعته، و لا يمكن لعملية حل مسائل العلم أن تبدأ إلا بعد حدوث هذا التغيير.

لا يحكم المنظور ميدانا علميا معينا بل مجموعة من الباحثين الممارسين و بالتالي فإن كل دراسة محكومة بمنظور معين أو مؤدية إلى انهيار منظور آخر يجب أن تحيلنا إلى البحث عن المجموعة المتسببة في ذلك. فالثورة العلمية هي تغير خاص يتضمن نوعا معينا من إعادة بناء الخيارات التي يؤمن بها فريق البحث.

أهمية المنظور

يتكون المنظور من مجموعة من المسلمات حول العالم من شأنها أن تركز اهتمام الباحث على نوع معين من الظواهر التي يلجأ إلى تفسيرها بواسطة المفاهيم. إن الاقتراحات بدورها هي نتاج التأكيد على علاقات محددة فيما بين المصطلحات. أخيرا فإن النظريات تنبع من تحديد العلاقات فيما بين الاقتراحات. إن هذا يعني إمكانية الربط بين مجموعة من الاقتراحات بطرق مختلفة لإنتاج نظريات كثيرة و متنوعة.

إن أساس مصطلح المنظور ليس منهجيا بل يرتبط بالمضمون ثم إن المنظور لا يعني بأي حال من الأحوال النظرية المسيطرة، و هنا وجبت الإشارة إلى ملاحظتين:

1/ غالبا ما يكون هناك أكثر من نظرية واحدة في حقل معين من حقول المعرفة أو يكون هناك تغير في النظريات المقبولة دون أن يكون هناك بالضرورة تغير في المنظور.

2/ إن المنظور بمفهوم خاص أسبق من النظرية و ذلك ما ينتج نظريات منذ البداية. لقد طرح الباحث تولمين S. Toulmin سؤالا مهمّا: ما الذي يوجد في حقل معين من حقول المعرفة قبل أن توجد النظرية؟ سؤال يبدو من الأهمية بمكان بالنسبة للبحث في مجال العلاقات الدولية و أكد بأن مفهوم “absolute presuppositions” الذي أتى به كولنغوود R.G.Collingwood يقدم نفس الخدمة التي يقوم بها مفهوم المنظور.

يمكن تعريف المنظور إذن بأنه “المسلمات المركزية التي تمتلكها مجموعة من الباحثين حول العالم الذي يقومون بدراسته”.

The fundamental assumptions scholars make about the world they are studying.

إن هذه المسلمات تساعد على تقديم إجابات عن الأسئلة الواجب طرحها من قبل أن تبدأ عملية التنظير، و هذه الأسئلة بالنسبة للعلاقات الدولية هي:

ما هي الوحدات المركزية التي يتكون منها العالم ؟

كيف تتفاعل هذه الوحدات فيما بينها ؟

ما هي أهم الأسئلة التي يمكن طرحها بخصوص هذه الوحدات ؟

ما هي المفاهيم التي من شأنها أن تقدم إجابات عن هذه الأسئلة ؟

عند الإجابة عن هذه الأسئلة فإن المسلمات المركزية تشكل صورة للعالم الذي يقوم الباحث بدراسته إضافة إلى أنها تدله عن الجوانب المعروفة عن العالم/ و الجوانب المجهولة منه/ و عن النظرة الواجب إتباعها من طرف الفرد من أجل معرفة ما هو مجهول/ و أخيرا التأكيد على ما يستحق أن نتعرف عليه.

إن النظرة التاريخية ضرورية لمعرفة ما حدث في حقل العلاقات الدولية و فهم تأثير ظهور مفهوم المنظور على التنظير في هذا الميدان. لقد تأكد الحوار بين المنظورات بعد نشر كتاب توماس كوهن عام 1962 و لم يكن مهمّا معرفة ما إذا كوهن على خطأ أو صواب حين قرر أن نمو المعرفة يحدث بطريقة جدلية بحيث ينتصر العلم الحقيقي normal science من خلال المواجهة بين الأفكار المتضاربة لكن ما كان مهما في الحدث هو أن هذا الكتاب شجع على إعادة التفكير في الأمور بطريقة جذرية و ركز على “المشاكل” العميقة بدل “حل الألغاز” puzzle-solving أي حل المسائل الروتينية التي توجد في المسلمات داخل المنظور الواحد.

أكد كوهن عدم وجود حقيقة مطلقة لأن العلم البشري في تطور دائم و لهذا فالمعلومات التي يقدمها أي منظور عن العالم تبقى محدودة و يبدأ الباحثون بإيجاد نقائص أو عيوب anomalies في شكل تناقضات contradictions أو أسئلة عالقة questions with no answer لا تجد لها جوابا داخل المنظور.

ملاحظـــــــــة:

استعمالات مفهوم المنظور في العلاقات الدولية و مقارنة العلوم الطبيعية بالعلوم الاجتماعية تتم مناقشتها داخل المدرج.

المراجع

وليد عبد الحين تحول المسلمات في نظريات العلاقات الدولية (مؤسسة الشروق للإعلام و النشر، الجزائر، 1994).

Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions. Second edition enlarged. The University of Chicago Press, Chicago, 1970.

John Vasquez, The Power of Power Politics: a Critique. Frances Pinter, London, 1983.

Michael Banks, “The Inter-Paradigm Debate”, in Light & Groom, eds, International Relations: a Handbook of Current Theory. Frances Pinter, London, 1985.

Morton Kaplan, ed., New Approaches to International Relations. St Martin’s Press, NY, 1968