ان تراكب الصراعات والحروب الداخلية مع الخارجية، كانت السمة الواضحة للنظام الإقليمي، الذي تشكل في المنطقة وعلى الأخص العربية منذ النصف الثاني من القرن الماضي، وأدى الدخول في سجالات الحرب الباردة ومفاعيلها، الى تعميق الأزمات والصراعات والحروب، حيث غلبت في هذا النظام سياسات المحاور والأحلاف على ثقافات السلام والديموقراطية والتنمية، وأعاقت تطور مساراتنا السياسية والمعرفية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية، على حساب المواطنة والابداع والمساواة وسيادة القانون والتقدم.

هناك إشكالية مركزية تعتبر السبب وراء الفوارق بين الدول راجع إلى المؤسسات السياسية والاقتصادية التي يصممها الإنسان، وان طرح الإصلاح والتطوير المؤسساتي يعد سبيلا وحيدا إلى الازدهار والرقي المجتمعي.

فقد مرت العديد من مجتمعات أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا فى الثلث الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين بتحولات سياسية متتابعة أبعدتهم عن أنماط الحكم التقليدية والعسكرية عندهم وأنتجت عقد اجتماعي وتراتيب جديدة لإدارة العلاقة بين الدولة والمواطنين اتسمت بالانفتاح السياسي والتنافسية الا ان انهيار المؤسسات وانتشار الفوضى وما رافقها في حالات وبلاد اخرى من ظهور تنظيمات ارهابية ومافيوية خارجة عن السيطرة ، قد رتبت تدريجيا كبح جماح التفاؤل الغربي بانتصار الديمقراطية الليبرالية ودفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة والحكومات الأوروبية إلى اختزال الاهتمام بدعم الديمقراطية فى الخارج إلى مجموعة بسيطة من الأدوات والممارسات هدفت لحماية حقوق الإنسان والحريات المدنية (وفق الشعارات التي طرحوها والتي هي في كثير من الأحيان إعلامية فقط) وتفاوتت حظوظها من الفاعلية من إقليم إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

ذلك المد والجذر فى الغرب بشأن فرص التحول نحو الديمقراطية خارجه يشكل الإطار الفكري والأكاديمي للنقاش الدائر حول شروط التحول نحو الديمقراطية. والفكرة الجوهرية هنا هي أن نجاح التحول نحو الديمقراطية يستلزم تحقق مجموعة من الشروط المجتمعية والسياسية المسبقة، أهمها:

سيادة حكم القانون واستقرار مؤسسات الدولة الوطنية وحياديتها التي بدونها تتحول آليات وظواهر كالانتخابات الدورية والتعددية الحزبية وتنوع كيانات المجتمع المدني إلى واجهات خالية من المضامين والنتائج الديمقراطية. ( كالعراق ولبنان والمغرب للتدليل على أن تنظيم الانتخابات التشريعية الدورية كآلية لإدارة التنافس السياسي فى مجتمعات لم يستقر بها بعد حكم القانون وتعانى إما من غياب الحيادية والفاعلية عن مؤسسات الدولة أو من هيمنة التشكيلات الطائفية والعرقية ليس له إلا أن يؤدى إلى تعميق التوترات المجتمعية والسماح للصراعات بين النخب السياسية والاقتصادية بأن تغزو كامل الفضاء العام وتضعف إلى حد الإلغاء الدولة الوطنية )، ثمة عوامل قانونية وسياسية ومؤسسية أخرى يشار إليها أيضا كشروط مسبقة للتحول نحو الديمقراطية مثل التسليم العام بشرعية الدولة المعنية فى حدودها المتعارف عليها وبرباط مواطنيتها المحدد فى إطارها الدستوري والقانوني وتنوع النخب السياسية والاقتصادية الممارسة للسلطة على المستويات الوطنية والمحلية على النحو الذى يضمن عدم تركز السلطة فى قبضة القلة ويؤدى إلى شيء من الفصل والرقابة المتبادلة بين ممارسي السلطة ويخدم من ثم الصالح العام.

ففي العراق ولبنان والسودان واليمن على سبيل المثال ما زال التنازع حول طبيعة وهوية الدولة حاضرا بقوة، وعلاقة رابطة المواطنة بالولاءات الأولية للجماعات العرقية والمذهبية لم تحسم مؤسسيا بعد.

كذلك يقارن تركز السلطة فى بلدان كالمغرب والجزائر ومصر والأردن ودول الخليج فى يد القلة وتتعاقب على حكمها إما نخب تقليدية أو نخب أمنية، وما ينتجه تركز السلطة من طغيان للأجهزة التنفيذية وضعف فى أدوار واختصاصات المؤسسات التشريعية وفى استقلالية المؤسسات القضائية، تقارن جميع هذه الأمور بتعددية شبكات النفوذ والسلطة السياسية والاقتصادية فى مجتمعات أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية قبل إنجاز التحول نحو الديمقراطية.

ثم هناك شرط مسبق إضافي آخر يتجاوز حدود القانوني والسياسي والمؤسسي باتجاه المجتمعي العام، ويتعلق بحتمية توفر درجة من النمو الاقتصادي ومن تماسك الطبقة الوسطى كأمر لا غنى عنه لإنجاز التحول نحو الديمقراطية ولاستقرار الحكم الديمقراطي.

لا يمكن اختزال البناء الديمقراطي فى تنظيم لانتخابات دورية وتداول للسلطة دون اعتبار لمجمل العوامل القانونية والسياسية والمؤسسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتعين وجودها كشروط مسبقة لضمان نجاح واستقرار التحول الديمقراطي.

الحذر عن انتفاء مصلحة القلة فى دعم نشوء حكم قانون قوى ومؤسسات دولة فعالة ومحايدة خوفا من الانتقاص مستقبلا من امتيازاتها وتداعيات ذلك الأمر بالغة السلبية لجهة شيوع الفساد وغياب العدالة الاجتماعية الى الحد الأدنى، وهذا ما يقلل من فرص النمو الاقتصادي المتوازن ويهدد التوافق المجتمعي مما يلزم بتفضيل التحول التدريجي والمنظم نحو الديمقراطية.

مع تجاوز العنف (الإقصائي) الذي شاهدناه يُمارس من قِبل فئة النرجسية والأنانية من السوريين المعارضين في الخارج، من خلال إقصاء الآخرين، إلا في حالة التبعية عموما، مستوحين ذلك من العنف الخفي (الإقصائي)، الذي يتضمن ثلاثة عناصر: (الكراهية، التهميش والتبعية، إقصاء الآخر).

يُرجع فرويد، مؤسس نظرية التحليل النفسي، العنفَ بشكل عام إما لعجز (الأنا) عن تكييف النزعات الغريزية، مع متطلبات المجتمع الناتجة عن قيمه ومعاييره ومُثله، وإما لعجز الذات عن القيام بعملية التسامي أو الإعلاء، من خلال استبدال النزعات العنفية الغريزية بالأنشطة المقبولة اجتماعيًا.

على الصعيد الداخلي …

ان مسؤوليتنا تجاه وطننا ومواطنينا في كل سورية، يجب ان تتقدم على أي اهتمام. والمسؤولية توجب على العاملين بالشأن العام التماس المباشر مع هموم المواطنين وحاجاتهم، ومع طموحات الشباب والشابات والاجيال التي تتطلع لفرص حياة كريمة، في دولة تسودها قيم المواطنة والعدالة والشفافية وسلطة وسيادة القانون‫.

شعبنا طيب معطاء، عملي، تواق للمعرفة والحرية، يعتز بكرامته، يمقت الظلم، متسامح، يقبل الحوار والنقاش والرأي ويحترم الرأي الاخر بشكل عام.

ان المركب الثنائي من المؤسسات الديمقراطية السياسية والاقتصادية- الاجتماعية، يضع الحوافز المطلوبة لتطور المجتمع. وإيجاد الحافز الضروري في الابتكار وإنجاز التقدم، وعلى ضوء مفهوم مؤسسات تقوم على دينامية التغيير والتناوب وفتح الآفاق دون عراقيل.

ان الديموقراطية والتشاركية هي الحل الوحيد لمجتمعاتنا، ويتطلب ذلك وضع برنامج وطني يستمد من الواقع حقيقي واقعي تراكمي ليكون قابلا للتحقيق.

من هذا المنطلق نعتقد ضرورة اجراء تعديلات على قانون الاحزاب لتستطيع القيام بدورها في خدمة العمل العام، وخصوصا بعد تحرر دمشق وريفها وحمص من الاٍرهاب وبدء العملية السياسية وفق تصريح سيادة الرئيس بشار الأسد خلال قمة سوتشي، وهذا ما يتطلب العمل الجدي لتفعيل دور الاحزاب والجمعيات والمنظمات الأهلية (المجتمع المدني) بما يساهم في دعم وتحصين الداخل السوري تجاه التحديات المستقبلية على جميع الاصعدة، ويوفر مساحة اوسع للمشاركة المجتمعية والشعبية الواعية والحكيمة من اجل سورية.

نعتقد ان احداث المحكمة الدستورية يندرج في هذا الإطار، فضرورة تفعيل القوانين ومطابقتها للدستور والفصل بين نزاعات الوزارات على تطبيق الدستور والقوانين يأتي في هذا السياق الهام ان التحضير للعملية السياسية وما يتبعها من انتخابات مجالس محلية وبرلمانية ورئاسية يتطلب المزيد من الجهود الوطنية بالتلازم مع العمل على إنعاش المواطن ورفع قدرته وكفاءته ومشاركته على المستوى الفكري والوطني والمالي ليستطيع اتخاذ قراره الانتخابي بنفسه دون الابتزازات والبازارات الخارجية.

من هنا لا بد من العمل على تعديل قوانين الاحزاب ومنظمات المجتمع الاهلي (المدني) لتتواكب مع الضرورات الوطنية والواقعية السورية، وعلى الأخص ان يشمل ذلك ضمن الدستور الجديد (المعدل) المنوي الشروع بدراسته وفق اللجان التي تم تحديدها، وبالتالي فان الدخول في تفاصيل التعديلات للأحزاب والمنظمات الأهلية المدنية بحاجة الى نصوص دستورية تستلهم منه عمادها المواطنة وسيادة القانون والحد من التخلف والجهل.

سورية للجميع … وفوق الجميع …

والى لقاء اخر …

مهندس باسل كويفي

 

Print Friendly, PDF & Email