دراسات أمنيةدراسات سياسيةدراسات شرق أوسطية

مقارنة تحليلية بين الثورة المصرية ونظيرتها التونسية

زهير مخلوف .. كاتب تونسى – رؤى أفريقية

قامت تحركات عديدة في التاريخ البشري أكسبتها العديد من المفاهيم ولم تؤل نتائج تلك التحركات إلى نفس المآلات ولكنها اكتسبت مصطلح – ثورة- للتدليل على ذلك الحراك القوي المفاجئ  الذي أحدث تغييرا  في البنية  الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المجتمع. وقد تتعرض الثورات إلى انتكاسة أو التفاف على مبادئها ومنطلقاتها وأهدافها،وقد لا تتمكن من تجاوز الأوضاع السيئة التي برّرت قيامها. وتتشابه الثورات في الغايات والأهداف لكنها لا تتشابه في المبادئ والمنطلقات.

وقد شهد تاريخنا العربي عديد الثورات بدأت بثورة الزنج 869-883 في العهد العباسي مرورا بثورات  التحرير ضد المستعمر في القرن الماضي وصولا إلى ثورات التحرر من الاستبداد في عصرنا الحاضر. وكانت لثورة تونس سمة السبق، ثم تلتها الثورة المصريّة والبحرينية ثم الليبية فاليمنية فالسورية، وتمكنت تونس ومصر من إسقاط حكّامها المستبدين وتُوّجت ثورتهما بتاج الانتصار وحلي الرفعة والوقار.

 فما هي الأسباب المباشرة وغير المباشرة للثورتين؟ وما هي خصائصهما والمنجزات والتحديات التي تكتنفهما ؟ وما هي أوجه التقارب والالتقاء بينهما ؟ وما هو المستقبل الذي ينتظرهما؟

أولاً: الأسباب غير المباشرة للثورتين التونسيّة والمصرية

1  –  امتداد حكم الرئيسين المخلوعين

إن ما ميز حكم “مبارك”  و”بن علي” هو طول المدة التي حكما فيها شعبهما وطريقة الحكم القمعية التي اختاراها لتسيير دفة البلاد، وآلة القوة البوليسية التي اعتمدا عليها لإرهاب الناس وتخويفهم  و”التمديد والتوريث” الذي انتهجاه في تأييد حكمهما, وتطويع الدستور وتقطيعه ليكون على مقاسهم ومقاس أبنائهم وأصهارهم.

2  –  الفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية

إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السيّئ  الذي ميز البلدين هي الصفة المشتركة التي اتسمت بها تونس ومصر، وكان لازدياد معدّلات الفقر وتدنّي مستوى المعيشة وزيادة الأسعار وتضخّم المديونية وتغلغل الفساد والرشوة في هياكل المجتمع والدولة، وتغوّل رأس المال السياسي لأقارب الرئيسين وعائلتيهما واحتكار المشاريع الكبرى ونهبهم لخيرات البلدين، وقد احترق جل الناس بنار الفقر والحاجة واغترفوا  من بحر المديونية الدائمة وعاينوا فساد الحكم والعائلة، وقد شكلت أحزمة البؤس والفقر التي طوّقت المدن والبلدات مظهرا صادما لتخلف البلدين وكان جيش المعطلين عن العمل من ذوي الشهادات العليا دليلا قاطعا لإخفاق البرامج والمخطّطات التي تباهى بها رموز الحكم فيهما وقد شكّل  كل ذلك  دافعا أساسيّا  للثورة والانفجار.

3 – قسوة الشرطة وتغولها فى الحياة العامة

إن الدكتاتوريات في العالم تستند في تأبيد حكمها على الآلة القمعية للبوليس السياسي وأعوان أمن الدولة الذين مارسوا  في بلدينا شتى صنوف التعدي على الكرامة البشرية وعدّدوا من عمليات التعذيب والاعتقال العشوائي والاختفاء القسري وشدّدوا في المراقبة والمتابعة للنشطاء والمناضلين وسلطوا كل صنوف التنكيل والتعذيب بالمعتقلين دون أن تقع محاسبتهم  أو مساءلتهم رغم ورود عديد الشكاوى إلى القضاء .

و قد مسّ  سلوك البوليس كل المعتقلين سواء كانوا من السياسيين أو من سجناء الحق العام، وتوفي في الاعتقال في كلا البلدين عديد الموقوفين والسجناء وتعددت الاحتجاجات ضد شرطة أمن الدولة والبوليس، وقد تفاقم إرهابهم واعتقالهم وتعذيبهم لعديد من رموز حركة الإخوان في مصر, أما في تونس فقد كان عنف الشرطة والبوليس أشد وأنكى وقد استمرّت الاعتقالات والانتهاكات ضد منتسبي الحركة الإسلامية لعشريّتين متتاليتين, تمّ فيهما اعتقال أكثر من 30000 مواطن وأودعوا السجن لمدد متفاوتة وقضّى أكثرهم  عشريّة ونصف في السجون تحت الاعتداءات المتواصلة والتنكيل المتعمّد والتشفّي الرخيص, وقد تمكّن نشطاء حقوقيّون وإعلاميون  من نشر وفضح الانتهاكات التي قام بها البوليس السياسي أو شرطة أمن الدولة في البلدين وتمّت إدانة الرئيسين المخلوعين من طرف الهيئات الحقوقيّة الدوليّة, وطُلبا منهما احترام المواثيق التي وقعوا عليها في ما يخصّ  حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة ولكن النظامين الذين ضاقا ذرعاً بالحقوقيين والسياسيين والإعلاميين  انتقما لنفسيهما بسجن البعض من الصحفيين، الأمر الذي ساهم في تعريتهم وفضحهم لدى كل الأطراف الدوليّة الحكوميّة وغير الحكوميّة وهو ما جعل وثائق ويكيليكس تركّز عليهم وتعتبرهم من الأنظمة التي لا تريد انجاز التغيير الديمقراطي السلس.

4 – تحالف القوى المدنية الأهلية و السياسية ضد السلطة الاستبدادية في البلدين

تغولت أنظمة الاستبداد في مصر وتونس وأشتد قمعها المتواصل ضد القوى المدنية فانكفأت هذه الأخيرة وأنحسر دورها وتجاذبتها الإغراءات طورا والتهديدات  طورا آخر، وانفرد الحكم لتقزيمها ليسومها العذاب والتنكيل، وقد عمقت السلطة من ضعف المجتمع المدني ولو بشكل متفاوت داخل البلدين فأفقدتها توازنها وحرفت دورها التي كانت تلعبه في التقريب بين الدولة والمجتمع, وتأسست في تلك الظروف غير المتكافئة في تونس ومصر هيئات أعطت قيمة جديدة للمجتمع المدني والعمل المشترك وتنادت لتفكيك بنية النظام التسلطي معتمدة على شعار واحد” وهو أن معركة الحرية أولى من معركة الهوية  وقد كان لحركة “كفاية”و “حركة 6 ابريل” الشبابية في مصر وحركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، وشباب ضد الحجب في تونس أكبر الأثر في تكتيل قوى المعارضة التي صمدت وناضلت  ضد قمع أنظمة الاستبداد في البلدين، وقد كان للرموز السياسية المعارضة أمثال البرادعي في مصر ونجيب الشابي في تونس أثرهما في ضرب منظومة “التمديد والتوريث” للمخلوعين وكانت مقاطعة الانتخابات الأخيرة من طرف “البرادعي” و”الشابي” في البلدين بمثابة توجيه ضربة قاضية لمنظومة  الاستبداد القائمة هناك, وكان لرفضهما إجراء حوار تصالحي  مع السلطة القائمة في القطرين قد جلب عليهما تعاطف الناس ومساندة الجماهير لهما وذلك أيام الانتخابات.

5- سوء تعاطي الأنظمة مع القضية الفلسطينية و ارتهانها  إلى الكيان الصهيوني

إثر الهجوم الذي استهدف قطاع غزة في ديسمبر 2008 قام النظام المصري و بإشراف الرئيس المخلوع “حسني مبارك” بإغلاق معبر رفح ومنع دخول المعونات واستمر في بناء الجدار الفولاذي الذي يفصل القطاع عن مصر، أما المخلوع “بن علي” فقد سمح للسياح الإسرائيليين بدخول تونس على متن طائرة تونسية رفعت العلم الإسرائيلي كما سمح للموساد بالتحرك بحرية في تونس و كان لهما معاملات و مبادلات تجارية، و زاد النظام التونسي فمنع المسيرات الاحتجاجية المنددة بالاعتداء الصهيوني على القطاع, و كان لهذه الإجراءات ردود فعل مباشرة أعلنت فيها الجماهير سحب ثقتها عن حاكميها بسبب  خذلانهم لتطلعات شعوبهم و تخاذلهم عن نصر ومساندة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

ثانيا :  الأسباب المباشرة لثورة تونس ومصر

هناك أسباب مباشرة أجّجت وسرّعت اندلاع الثورتين، ففي مصر كانت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة التي أُقصي فيها الإسلاميون الذين كانوا يشغلون 20%  من مقاعده من أهم الأسباب المباشرة التي أفقدت الناس ثقتهم بالنظام وبمدى استعداده لقبول الرأي الأخر وانصياعه للعبة الديمقراطية، وقد أتي مجلس الشعب بطعم واحد ولون واحد حسم بعده المصريون أمرهم ولم يعودوا يثقون بجدوى العمليات الانتخابية ونجاعة المسار السياسي والديمقراطي الذي تبشّر به أنظمة البلدين، وطُرح السؤال المركزي الذي سعى إلى البحث عن طرق جديدة في التغيير بعيدا عن الطرق التقليدية التي استوفت كل أغراضها ولم تأت إلا بالمألوف والقديم. كما أن مقتل الشاب خالد سعيد بتلك الطريقة البشعة والتي أبرزتها المواقع الاجتماعية والمدونات بل والفضائيات وكانت حافزا لتجنيد الشباب الكامل ضد قمع البوليس و عسف السلطة، وكانت الصورة التي عرضتها تلك المواقع كافية لمزيد من تعميق حنق الشباب تجاه سلطتهم وأنظمتهم .

كما زاد من وتيرة الغليان الشعبي تلك الجريمة النكراء المتمثلة في تفجير كنيسة القدّيسين التي أشارت بإصبع الاتهام إلى السلطة القائمة التي اختلقت الحادثة لمزيد تبرير أعمالها القمعية ضد ما سمته ” الإرهابيين” و”القاعدة” لترسّّخ لدى المصريين أن نظام حسني مبارك هو الوحيد الكفيل باستقرار البلاد ونمائها. ولا ننسى أحداث مدينة السويس التي أطلقت شرارة التحركات في مصر كلها وأظهرت عمق الغبن الاجتماعي والاقتصادي وسوء التوزيع العادل للثروة وحرمان فئة معينة من وظائف كانوا- بحسب كل المعايير- أحق بها من غيرهم.

و من الأسباب المباشرة التي أطلقت عنان الثورة وفجّرتها بقوة هي منظومة الاتصالات  الإلكترونية والإعلام الاجتماعي.(الانترنت، الفيس بوك, التويتر, والمدونات).وكذلك الهواتف النقالة التي نجح استعمالها وتوظيفها بشكل خارق في نقل الصورة وتسجيل المقاطع الدالة على فظاعة الظلم والإرهاب والتقتيل التي كانت  تجترحه أطراف من المؤسّسة الأمنيّة والحزبيّة ضدّ الشباب الثائر الذي كان له دور هام في التعبير عن رفضه للسلطة القائمة وفضحه لها  وتجنيده المجتمع بأسره ضدها و قد استعمل الشباب في ذلك الوسائل المتطورة التي لم تصمد أمامها الوسائل التقليدية المستعملة من طرف الحكومة الاستبدادية، فكانت ثورة مصر ثورة الشباب الذي أبدع في قيادة التحركات مستعملا وسائل التكنولوجيا الرقميّة  الخارقة  وفائقة النجاعة و التحشد.

و إذا أضفنا لكل ذلك : نجاعة الثورة التونسية التي نجحت في إزاحة أعتى حكام العرب عسفا وقمعا وسبحت بنسماتها وتجربتها الموفقة إلى أرض الكنانة فكانت نبراسا يُقتدي به ونورا يضيء درب الثوار على مر التاريخ.

هذه كانت أهم الأسباب التي ساهمت في تفجير الثورة المصرية.

  • أما في تونس فكانت انتخابات 2009 و التزييف الحاصل فيها و مقاطعتها من جل الأطراف والأحزاب من الأسباب المباشرة في اندلاع ثورة تونس، فقد أشّرت هذه الانتخابات إلى نية السلطة في الإنفراد بالحكم و تطويع كل المؤسسات و الهياكل و حتى الدستور نفسه إلى خدمة الفرد والعائلة الموالين له.أمّا كامل أفراد المجتمع المدني فلا يُمكن أن يكونوا إلا رعاعا في خدمة السادة المالكين و الرؤساء الأزليين .
  • كما أن أحداث الحوض ألمنجمي وأحداث قفصة و المتلوي وفرنانة والرقاب و بن قردان وجبنيانة والرديف والتي سقط فيها عدد من القتلى والجرحى ونصبت فيها المحاكمات الجائرة وكانت منطلقا لبقاء جذوة الاحتقان تجاه السلطة القائمة، كما أن الشباب الغاضب والجماهير المسحوقة في تلك الربوع بقيت تنتظر لحظة الانفجار الموعودة لتكون البركان المزلزل ووقود المعركة المصيريّة.
  • و من الأسباب المباشرة في إطلاق ثورة الكرامة في تونس، هي الشعور بالغبن و التهميش لفئة من الشباب ارتفع معدل تعلّيمها من دون أن تُحظى بالعناية والرعاية ومن دون أن تُوفر لها مواطن شغل كفيلة بإعادة الكرامة لها ولعوائلها الذين افتقروا بسبب بذلهم الغالي والنفيس لتعليم أبناءهم. والتجأت هذه الفئة من الشباب المتعلم إلى المواقع الاجتماعية لعلها تقضي بعضا من وقتها، وتُفجّر عن إحتقانها ولكنها جوبهت بقمع مقنّع وحجب لمواقعها وصفحاتها على “الفيس بوك” أو “التوتير”، فعمدت هي بدورها إلى التحصّن بالممانعة لاختراق الحجب المفروض عليها، وهكذا نمت مسيرة النضال الافتراضية لشباب مُورس عليه كل أنواع الاحتقار والتهميش فبدأ معركته ضد القمع والاستبداد وتكميم الأفواه ليثبت لهؤلاء قدرته الفائقة على استخدام وتفعيل الوسائل العصرية وليتقلد بعد ذلك دورا طلائعيّا ثوريا في خرق منظومة الحجب والرقابة الإلكترونية التي ابتدعتها أيادي الاستبداد المرتعشة.

 و بمجرد إحراق البوعزيزي نفسه في 17 ديسمبر 2010 أطلق هؤلاء عنان حواسيبهم لخوض معركة جديدة إطارها الأول العالم الافتراضي وساحة موقعها شوارع المدن والبلدات. حينها فقط فجّر الشباب  ” ثورة الكرامة” من أجل عزة الوطن والحق في  التعبير والحصول على وظائف تحفظ لهم كرامتهم البشرية .

ثالثا : ملامح وخصائص ثورتي تونس ومصر

 تشترك ثورتا تونس ومصر في خصائص متشابهة وأخرى مختلفة على النحو التالى :

1- خاصية الجماهيرية والشمول

استقطبت الثورتان المصرية  والتونسية كافة الأطياف والفئات والحساسيات، وشارك فيها كل الشعب شبابا وشيوخا ونساء ورجالا وطلبة وعاطلين عن العمل ومهندسين وأساتذة ومعلمين ومحامين وحتى ضحايا قمع السنين، ولم تتخلف الهيئات  الوطنية والاتحادات العمالية والهيئات الحقوقية والأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية والجمعيات النسائيّة والنقابات الطلابية التلقائية.

إن ثورتي تونس ومصر انطلقتا بدون قيادة وبدون رأس وبدون زعيم ملهم يوجهها ويرشدها ويتحكم بتحركاتها، وكانت هبتها تلقائية وعفوية ولكنها كانت تراكم المنجزات وتجتاز العقبات باستلهام كامل للواقع وتعاطي ايجابي مع الأحداث، وكانت تبتدع البرامج والتحركات في جو من التوافق والتفاهمات ما أعطاها شحنة من التواصل التلقائي يتولد ويتخلق من داخل كيانها المملوء بالثقة والقدرات وقد تجنبت في ديناميكيتها وحراكها كل أشكال الفوضى والمحرمات أو العبث  بالممتلكات الخاصة أو المؤسسات، غير أن الثورة التونسية كانت لها بعض الخصوصيات والإضافات، فقد استهدفت حرق المقرات التابعة لوزارة الداخلية من شرطة وحرس وبوليس سياسي وأمن وطني وبعض المساحات التجارية الكبرى التابعة لعائلة الرئيس المخلوع مما بث الهلع والرعب في صفوف قوات الأمن  وأفراد عائلته الأمر الذي دفع ببن علي وزوجته للهرب خوفا من هجوم الحشود على قصره أو أماكن تواجده، وأتى ذلك بعد شهر من التمرد الشعبي القوي وعجز كامل لقوات مكافحة الشغب والبوليس عن صد الهجمات أو السيطرة على الجموع الحاشدة التي اعتصمت يوم 14 يناير 2011 أمام مقر وزارة الداخلية بالعاصمة لتطلق زمجرتها الشهيرة الناطقة باللغة الفرنسية والتي مفادها “ارحل بن علي”ولئن عبر الشعار عن وضوح الرؤيا والهدف فقد عبر بشكل ضمني  عن تلقائية وعفوية الجماهير التي لم تستوح شعارها من التحليل السياسي أو من الحسابات الضيقة بل من اندفاعها وتلقائيتها  وقد ناقضت كل تحليلاتها تصورات الأحزاب التي لم تستحضر غير التحليل النسقي والواقعي، وقد تمكنت الجماهير بتلقائيتها التفوق على السائد من تلك التحليلات التي كانت تقول باستحالة خلع بن علي.

2- السلمية

انطلقت ثورة مصر وتونس مستلهمة روح الثورات السلمية في العالم، مستفيدة من نضج مجتمعها وحداثته وعدم امتلاك أفرادها للسلاح. لذلك واجهت العنف والإرهاب والاعتداءات بصدور عارية وأجساد صامدة وإرادة قوية في الانتصار، وقد تأكدت هذه الروح المعنوية بعد استعمال أجهزة البوليس الرصاص الحي في قمع المتظاهرين وزاد الطينة بلة بروز القناصة الذين لا يتورعون في قتل الناس بدم بارد وأيضا ظهور “البلطجية” الذين اعتمدوا الجمال والفرسان والسيارات للاعتداء على المعتصمين وترهيبهم. كل ذلك عمق اندفاع الناس وتمسكهم المبدئي للوصول بالانتفاضة إلى آخر منتهاها مع تمسكهم بالطابع السلمي والجماهيري للثورة وهو ما  ميز بحق ثورتي تونس ومصر ومكنها من التحقق والانتصار.

3 – الفجائية :

تميزت ثورة تونس بأنها ثورة فاجأت الجميع وكانت بدون قيادة واتسمت بالفجائية وعدم التأطير،  لذلك انخرط فيها الجميع وتبناها  الجميع دون أن يركب صهوتها أحد أو أن ينفرد بقيادتها وتوجيهها أحد، واستطاعت أن تحيّد الجيش وتكسبه لصفها بفضل تعاطيها الحضاري لئلا   يحكمها أو يتحكم بمصيرها ومستقبلها وطالبت بسرعة فائقة بتقويض هياكل الحزب الحاكم القديم والمؤسسة التشريعية (البرلمان)  وكذلك الدستور  ودعت لانتخاب مجلس وطني تأسيسي يعيد السيادة للشعب وذلك يوم  24 يوليو 2011.

أما الثورة المصرية التي افتقدت المرشد والقائد  فقد تمكن الجيش منها وأصبح الفاعل الأساسي والمتحكّم الرئيسي فيها, وأصبحت قراراته هي المهيمن الأساسي على الحياة السياسية  وقد شكّل الجيش مستقبل جمهورية مصر بعدما مسك بالدولة والحكومة ودفّة التسيير.

4- خاصيّة الجاهزيّة

كانت الجماهير تعدّ نفسها لكل طارئ مهما كان واعتصمت بالآلاف في ميدان التحرير وكبرى الميادين الرئيسية بالمدن المصرية ما جعلها تقتلع شرعية ثورية لم يتمكن الجيش ولا قوات الأمن من هزمها ودحرها، واستطاعت أن تسقط حجارة الدومينو واحدا  تلو الأخرى وأحرقت كل الأوراق التي أعدّها النظام لينقذ نفسه, وينطبق الشأن نفسه في تونس  ويتشابه, وقد كانت جاهزيّة الثوار حاضرة إزاء ردود الأفعال التي كانت تقوم  بها السلطة التي لم تفلح مع الجماهير في أي مبادرة لإخماد الثورة. وكان ردّ الشباب الثائر بعد كل خطاب رئاسي  ” الشعب يريد إسقاط النظام ” عمّق ذلك رسوخ الرؤية ووضوح الأهداف إلى أن تمّ للشعب ما أراده, وسرى هذا الشعار في كامل وطننا العربي  والعالم قاطبة، وقد تسلح الشباب الثائر في تونس طيلة شهر كامل بحاسوبه ليلا وجسده نهارا وفاقت جاهزيّته كل التوقعات فلا يسقط شهيد  واحد  بدون أن يُوثق مقتله أو مراسم دفنه ولا  تمرّ  مظاهرة  أو اعتصام دون تسجيلها ونشرها، وكانت العلاقة بالقنوات والفضائيات الأجنبية هي رافعة  الحراك الإعلامي الذي أبرز وأظهر جرائم النظام في العالم بأسره، وقد استطاع شباب مصر وتونس النفاذ  إلى الفضائيات رغم الحصار والمنع المسلط عليهم، كما استطاعوا خرق الحجب الذي اعتمدته سلطات القمع في منع الوسائط الالكترونية المتعددة وتعطيل الاتصالات  بالهواتف النقالة واعتمدوا أيضا الإعلام التقليدي كالكاريكاتير والكتابة على الجدران ورفع اليافطات واستخدام مكبرات الصوت عبر السيارات والمساجد وتوزيع البيانات، وفاقت جاهزيتهم جاهزيّة كل مؤسسات الدولة والمجتمع.

5- القطرية و عدم الإسناد

تميزت ثورة مصر بعدم استنادها إلى دعم لوجستي أو واقعي  أو  مالي  أو عسكري آت من الأطراف الدولية أو من دول الجوار. ولئن تحصلت مصر على موقف داعم من طرف الدول الكبرى تأرجح تدريجيا وانتهى بالحسم في مغادرة حسني مبارك عن الحكم، فإنّ الثورة التونسية بقيت لمدة شهر من دون الإعلان عن موقف داعم يأتي من هؤلاء الكبار،  بل إن شباب تونس قد عان من الدعم اللوجستي و المالي للرئيس المخلوع  الصادر عن  القذافي و فرنسا وإيطاليا وقد كادت تُجهض الثورة التونسية والمصريّة  لولا العزيمة والإرادة الصلبة التي حدت مناضلى تونس، فمن السمات البارزة، تمكنت ثورة تونس من تهديد حاكمها وإزاحته داخليا بفضل عزيمة شبابها وإرادة الصمود التي كانت تحدوه.

رابعا : المنجزات و التحديات

المنجزات :

إن من أهم منجزات ثورتي تونس ومصر هو :

  1. كسر حاجز الخوف الذي طالما عشش في القلوب وأرداها ضعيفة خائرة لا تنبض إلا لمما ، وها هي الثورة تعيد الحـياة والحركة من جديد في جسد غضّ فتحيله ماردا لا يهدأ وجبارا لا يكلّ.
  2. أما المنجز الثاني فهو استعادة الحريات الشخصية والعامة واستعادة الكرامة البشرية للمواطن التي طالما افتقدها لعقود.
  3. أما المنجز الثالث فهو عودة التوازن بين المجتمع الأهلي والسلطة الحاكمة وإحداث إصلاحات دستورية يستفيد بها الشعب وتمتين روح المواطنة الحرة واستعادة الجماهير لسيادتها .
  4. أما المنجز الرابع فهو تحسّن صورة العربي وبالخصوص المصري والتونسي في وسائل الإعلام الغربية، وقد أصبح ينظر إليه بأنه رمز للنضال، وبعد ثورة تونس ومصر لم يعد ينظر للمواطنين على خلفية الإرهاب أو التطرف وأعادت الأطراف الدولية مراجعة نظرتها لعدد من المسلمات الخاطئة ومن بينها دعمهم الدائم للدكتاتورية بسبب الخلط بين الإسلام والإرهاب .
  5. أما المنجز الخامس والذي اختصت به مصر فهو استعادة دورها الإقليمي الرائد الذي جعل منها مفتاح الانطلاق والمعراج في وطننا العربي ومحور الوحدة والقوة لشعوبنا كلها، وقد أنهت دبلوماسيتها في غضون بضعة أسابيع حالة الانقسام بين حركتي فتح وحماس الفلسطينيّتين، كما نجحت في تعبيد الطريق أمام بناء علاقة طيبة مع إيران ودول الخليج، ودول أفريقية مثل أثيوبيا التي تربطها بها علاقة كانت متوترة قبل الثورة وانقشعت غيومها بعدها لتفتح صفحة جديدة في العلاقة بين البلدين .

التحديات المستقبلية:

يبدو  أن التحديات التي تحيق بثورتي تونس و مصر متشابهة ولذلك فإنّه مطلوب من البلدين مراعاة الآتى:

  1. تنمية اقتصادهما الذي أصابه الجمود و حلّت به الأزمات وبلغ معدل التضخم فيهما نسبا مرتفعة و بلغ أيضا عجز الميزانية بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي أرقام تنبئ بالخطر كما أن جيوشا من العاطلين تزداد يوما بعد يوم لتنذر بناقوس الخطر الداهم والدائم.
  2. إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي بأقل ما يمكن من الأضرار وأكبر ما يمكن من السرعة.
  3. وضع حد للأعمال التخريبية التي تسيء للثورتين و الانفلات الأمني الذي يتكرر من حين لأخر ووضع حد للثورة المضادة التي تفاجئنا في كل حين ملتحفة عباءة الصراعات الطائفية في مصر و متقمصة رداء الصراعات الايديولوجية في تونس.
  4. اليقظة والانتباه تجاه الأعمال الإرهابية التي تضر بالمصلحة العليا للبلاد والتي تجد أرضا خصبة لها في الأراضي الليبيّة التي تطلّ بحدودها على تونس من ناحية الغرب ومصر من ناحية الشرق .
  5. تفكيك منظومة الفساد و الاستبداد وإعادة الأموال المنهوبة والضرب على أيدي الفاسدين.

إنّ مستقبل ثورة تونس مرهون بإرادة الأطراف السياسيّة ومرهون بتجنّب الصراعات الايديولوجية ومرهون بقدرتنا على الاشعاع والانفتاح على الخارج وجلب الاستثمارات وتشجيع الزراعة ودعم السياحة وتنويعها.  

كما أن مستقبل ثورة مصر يتوقف على تجنيب البلاد الصراع الطائفي والديني  القاتل الذي قد يسحق الثورة ويسحق استحقاقاتها كما أن مستقبل الثورة المصريّة مرهون بدقة إدارة الصراع بينها وبين إسرائيل، ومستقبل ثورة مصر مرهون كذلك بتذويب الخلاف بينها وبين جيرانها .

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى