مقدمة:

ان اي الدولة في تنظيم أمورها و تدبير شؤونها تحتاج إلى هيئة تشرف على تسيير وتنظيم حياة الأفراد ، داخل إطار اجتماعي ، وهو ما يعرف بالسلطة الحاكمة وهي تعمل على وضع القوانين ، وتطلب من الأفراد الالتزام بها قصد تحقيق المصلحة العامة ، إلا أن هذه القوانين قد لا تقوى على ضبط العلاقات الاجتماعية ضبطا کاملا ، فتنظيم علاقة الفرد بالفرد من جهة وعلاقة الفرد بالجماعة من جهة أخرى ، يجعل الأخلاق مكانة ودورا في التنظيم السياسي. فهل الدولة تحتاج لأخلاق في نظام حكمها أم يكفيها ممارسة العمل السياسي ؟

الرأي الأول :

ومثله طائفة كبيرة من الفلاسفة قديما وحديثا , أبرزهم المفكر الايطالي ماکيا فيلي, والفيلسوف الانجليزي توماس هویز ,والعالم العربي ابن خلدون ويرى هذا الرأي أن الدولة في غنى عن الأخلاق البرهنة: إن الأنظمة الفردية التي سادت قديما لم تعر أدى اهتمام للجانب الأخلاقي في الحكم ، و لعل ذلك يظهر بوضوح في نظرية العقد الاجتماعي عند هوبر (1588 – 1679 ), و نظرية القوة و الغلبة عند ابن خلدون (1332-1406) في وصفه لكيفية قيام الدول و سقوطها ، إلا أن ما ذهب إليه المفكر الايطالي ماكيا فيلي (1469-1527) يبعد الأخلاق عن الدولة, كونه يعتبر أن القوة المحركة للتاريخ هي المصلحة المادية و السلطة ، و يرى في مؤلفه الرئيسي (الأمير) أن الدولة التي تقوم على الأخلاق والدين تنهار بسرعة ,فالمهم بالنسبة اللحاكم هو تحقيق الغاية المنشودة و هي قوة الدولة و سیطرها بأي وسيلة كانت في الغاية تبرر الوسيلة ), حيث كان يعتبر من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي مبررا بذلك القسوة و الوحشية في صراع الحكام على السلطة ، كما يرى أن فساد الدولة و تدهور العمل السياسي يعود إلى تدخل الأخلاق و الدين ، لذلك يفصل بين السياسة و الأخلاق .

النقد :

لكن من الثابت تاريخيا أن كل الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ التي لم تسترشد في حكمها بالمبادئ الأخلاقية كان مالهما الزوال و الضعف ، ذلك أن البطش و القوة أن كانت جائرة تودي ثورة المحكومين على الحكام ، و هذا ما شهدناه في الثورة الفرنسية مثلا.

الرأي الثاني :

الدولة بحاجة إلى الأخلاق ، لقد امن بعض الفلاسفة منذ القديم بضرورة إدخال الأخلاق في العمل السياسي ، فقد نظر أرسطو إلى علم الأخلاق على اله علم عملي, هدفه تنظيم الحياة الإنسانية بتحديد ما يجب فعله و ما يجب تركه ، و هذا لا يتحقق إلا بمساندة القائمين على زمام الحكم باعتبار أن كثيرا من الناس لا يتجنبون الشر إلا خوفا من العقاب .

البرهنة : لقد ربط امانويل كانط (1724-1804) في العصر الحديث السياسة بالأخلاق ربطا محكما وو بين على عكس مکبافيلي أن الغاية من وجود الدولة في مساعدة الإنسان و تحسين ظروف حياته , و جعل من السياسة وسيلة لتحقيق غاية , و هي خدمة الفرد حيث يقول : ” يجب أن يحاط كل إنسان بالاحترام التام کونه غاية مطلقة في حد ذاته ” , و قد عمل كانط من خلال كتابه ( مشروع السلام الدائم ), على أن الحياة السياسية داخل المجتمع الواحد و خارجه يجب أن تقوم على العدل والمساواة ، لقد جاء في المادة الأولى من لائحة حقوق الإنسان : ” يولد الناس جميعا أحرارا متساوين في الكرامة و الحقوق ” و هي قيم أخلاقية يعمل المجتمع الدولي على تحقيقها .

النقد. لكن الحياة الواقعية التي يعيشها الإنسان وتعيشها الدول لا تقوم على مبادئ ثابتة بل ممتلئة بالحالات الخاصة التي لا تجعل الإنسان يرقى إلى هذه المرتبة من الكمال التي يعامل فيها الإنسان أخيه الإنسان على أنه غاية في ذاته ، التركيب : الإنسان مدني بالطبع لهذا كان لابد أن يعيش الإنسان في جماعة وأن تكون له مع هذه الجماعة مقتضيات الحياة السعيدة ومن هنا كان قيام المجتمع بحاجة إلى السياسة لتضع نوع الحكم الملائم وبحاجة إلى الأخلاق التنظيم علاقة الفرد بجماعته ويغيره من الأفراد .

الخاتمة :

أن الدولة بحاجة ماسة إلى الأخلاق, و حتى الدول العلمانية التي تفضل الدين عن الدولة , تتبنى الكثير من القواعد الأخلاقية في أنظمة حكمها ، فالأخلاق ما هي إلا قانونا في جانبها العملي