يقول “دونان ” إدراك بياض الورقة هو الإحساس وإدراك الورقة البيضاء هو الإدراك “

أطروحة صحيحة وتقرر لديك إبطالها فما عساك أن تفعل ؟

المقدمة :

لقد كان الإنسان منذ بداية التفكير الفلسفي من أهم المحاور التي غلت الفلاسفة والعلماء وكان من بين القضايا التي أثارت شغفهم ومحاولة الكف عن ماهيته هو قدرته على المعرفة وقد وقف عدد من العلماء والفلاسفة على ملكتي الإدراك والإحساس بصفتهما منبع أساسي لمعرفة الإنسان إلا أن هاتين القدرتين أثارتا جدلا واسعا بين الفلاسفة وعلماء النفس فهناك طرح يرى أنه لا يمكن التمييز بين كل من الإحساس والإدراك أي علاقة انفصال بينهما هذه الأطروحة الأخيرة فاسدة وباطلة من أساسها وتأسيس على ذلك كيف يمكن الرد على هذه الأطروحة ودحضها ؟ وكيف نستطيع إبطال القول القال ” إن إدراك بياض الورقة هو الإحساس وإدراك الورقة البيضاء هو الإدراك ؟

عرض منطق الأطروحة :

تميل أصحاب النزعة الكلاسيكية إلى التمييز بين الإحساس والإدراك والهدف من وراء ذلك هو جعل الإحساس شيئا والإدراك شيئا آخر أي هناك فرق بين ما يقدمه لنا الإحساس من صفات عن الموضوع وبين إدراك الموضوع على أساس تلك الصفات فهناك تمايز من حيث الماهية والصفات الجوهرية لكل منهما .

وفكرة الفصل والتمييز بين الإحساس والإدراك ليست وليدة اليوم بل عدد كبير من المفكرين والفلاسفة الذين تناولوا إشكالية مصدر المعرفة ذهبوا إلى تحديد خصائص لكل من الإحساس والإدراك ومن الأدلة التي اعتمدوا عليها هؤلاء نجد الأسبقية الزمنية حيث أننا دائما نجد الإحساس يسبق الإدراك وخير مثال على ذلك هو تكون المعرفة عند الطفل حسب تصور علم النفس التربوي إذ الطفل يعجز في بدية حياته عن إدراك الموضوعات الحسية في غياب تماثلها الحسي فحتى عندما نقول للتلميذ في بداية حياته الدراسية “ذهب حمزة إلى المدرسة’ لابد أن تقدم له صورة حسية عن هذه الجملة بحيث نرسم له صورة حمزة والمدرسة والطريق وكذلك فيها العمليات الحسابية ولا يفهم التلميذ الأعداد مجردة  فلا بد أن نمثل له الأعداد بأشياء ملموسة مثل القريصات والخشيبات …..الخ

ومن مظاهر التمييز أيضا طبيعة كل منهما حيث يتميز الإحساس  بالبساطة بينما الإدراك مركب ومعقد ثم أن الإحساس يمدنا بمعطيات حسية لا معنى لها في غياب تأويل العقل لها ومن ذلك الإحساس يمدنا بلون البياض بغض النظر عن الموضوع مثل ذلك الإحساس يمدنا بلون السبورة  وحجمها ووضعيتها وشكلها لكن لا يستطيع أن يحدد هوية السبورة فيأتي الإدراك ويحدد لنا هوية الموضوع المدرك وهي أن  السبورة بياء مستطيلة الكل معلقة في جدار وغيرها من الصفات التي من شأنها أن تحدد هوية الموضوع المدرك .

إبطالها بحجج خصية :

من خلال استقصاء أدلة وبراهين هذا الموقف تبين واتضح لنا مدى تعسف أنصاره في الفصل بين الإحساس والإدراك والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو هل بإمكان الإنسان أثناء إدراكه لموضوع ما أن يحدد أين ينتهي الإحساس وأين يبدأ الإدراك أو كم يستغرق الإحساس الوقت وكم يستغرق الإدراك ؟  عندما تبدأ عملية الإحساس هل بالفعل تبدأ بالجزء أم بالكل ؟ من ذلك إدراكنا للسبورة أسبق في الإحساس اللون أم الشكل أم الوضعية أم الإحساس يأتي ككل دفعة واحدة ؟ ثم هل يوجد إحساس خالص نستطيع أن نميزه عن الإدراك ؟ مثلما يقول ” بول غيوم “ ليست الإحساس تجميعا لإحساسات بل يتم دفعة واحدة لكل ما” ويقول أيضا في هذا الصدد إن الإحساس الخالص هو من خلق السيكولوجيين ليس ظاهرة واقعية ‘ هذا جعل المدرسة الجشطالتية تثور على أنصار النظرية الكلاسيكية التي حسبه قد تغافلت وتجاهلت عن جوهر الإدراك القائم على إدراك الكل وليس الجزء وأنه أثناء عملية الإدراك يصعب الفصل بين الفصل بين الإحساس والإدراك لأنهما متصلان ببعضهما البعض اتصالا عصويا لا معنى لأحدهما في غياب الآخر حيث الإحساس شيء غامض ( مبهم ) والإدراك رح له فلا يكون هناك سرح في غياب ما يستدعي الشرح

نقد المناصرين :

إن أصحاب أطروحة الفصل بين الإحساس والإدراك لم يكن تبريرهم قاما على الفراغ ثم أن إبطال أطروحتهم لا يعني رفضها بكل مطلق غنما هذه الأطروحة تمنت تعسفا أو مبالغة في الفصل بين الإحساس والإدراك وهذا ما يؤكده علم النفس الحديث كما أن الفلسفة الحديثة تنظر إلى الإدراك على أنه شعور الإحساس أو جملة من الإحساسات التي تنقلها إليه حواسه فلا يصبح عندها الإحساس والإدراك ظاهرتين مختلفتين وغنما وجهان لظاهرة واحدة .

الخاتمة :

نستخلص مما سبق أن القول بإمكانية الفصل بين الإحساس والإدراك وهذا ما يراه أصحاب النزعة الكلاسيكية وهي أطروحة فاسدة وباطلة لا يمكن الأخذ بها وتبينها .