المقالة الثالثة حول العدالة بين التفاوت والمساواة
– الطريقة جدلية :

 السؤال: هل العدالة الإجتماعية تتحقق في ظل المساواة أم التفاوت؟
هل المساواة المطلقة أساس تطبيق العدالة الاجتماعية ؟ هل يتحقق العدل بالمساواة أم بالتفاوت ؟ هل من العدل أن نسوي بين الأفراد في الحقوق و الواجبات؟ هل كل تفاوت ظلم؟

طرح المشكلة:
إن الإنسان كائن إجتماعي بطبعه يعيش في وسط إجتماعي يؤثر فيه و يتأثر به و تربطه جملة من العلاقات بأفراده تشمل مختلف المجالات لذلك يخضع المجتمع لمجموعة من القوانين التي وضعتها الدولة حتى تضمن إستمرار و إستقرار المجتمع و تنظيم هذه العلاقات و بالتالي تحقيق العدالة بين أفراده و التي تعد من أسمى القيم الإنسانية التي تسعى مختلف المجتمعات الإنسانية إلى تجسيدها و للعدالة عدة معان فهي ضد الظلم و الجور و يعرفها أفلاطون على أنها “أداء الفرد لواجبه وامتلاكه لما يخصه”.

لكن ما أثار جدال و إختلاف المفكرين و الفلاسفة و تضارب آرائهم هو المبدأ الذي تتأسس عليه العدالة فانقسموا على إثر ذلك إلى تيارين متعارضين تيار يرى بأن المساواة هو المبدأ و الأساس الذي ينبغي أن تتأسس عليه العدالة و أن كل تفاوت ظلم و تيار آخر يرى أن العدالة الحقة ينبغي أن تتأسس على مبدأ التفاوت بين الأفراد و أن كل مساواة ظلم.
و إنطلاقا من هذا الجدال القائم بينهم فإن الإشكال الذي يمكننا طرحه هو : هل ينبغي للعدالة أن تتأسس على مبدأ المساواة أم التفاوت ؟ بمعنى آخر هل كل مساواة عدل و كل تفاوت ظلم أم العكس؟ هل العدالة القائمة على إحترام الفروق الفردية هي عدالة ظالمة؟

محاولة حل المشكلة :

عرض منطق الأطروحة:

يرى بعض الفلاسفة والمفكرين ان أساس العدالة هو المساواة المطلقة بين الأفراد دون أي تمييز عرقي أو فكري أو إجتماعي ،فإنعدام المساواة بين الناس يفتح المجال للتمييز و التفريق و بالتالي ظهور الصراعات و الإستغلال فالعدالة الحقيقية تعني المساواة بين الجميع الافراد في الحقوق والواجبات وامام القانون ، لأن الفطرة سوت بينهم وأي تفاوت بينهم يعد ظلم و يمثل هذا الموقف كل من “فلاسفة القانون الطبيعي ،فلاسفة العقد الإجتماعي و كارل ماركس” و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية:

حيث يرى فلاسفة القانون الطبيعي أن العدالة تتأسس من خلال المساواة بين الناس فهم متساوون لأنهم من نفس بشرية واحدة و أنهم في مرحلة الفطرة كانوا يتمتعون بمساواة تامة و مارسوا حقوقهم الطبيعية من دون تفرقة فالناس متساوون في المقدرة العقلية يقول شيشرون ” الناس سواء وليس هناك شيء أشبه بشيء من الإنسان بالإنسان، لنا جميعا عقل، ولنا حواس، وإن اختلفنا في العلم، فنحن متساوون في القدرة على التعلم” و يساندهم ديكارت بقوله “إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس” كما يرى هوبس أن البشر متساوون في القدرة الجسدية فلا يوجد قوي أو ضعيف بل أن لكل شخص مواطن قوة و ضعف يستطيع من خلالها أن يتغلب على غيره حيث يقول “سوت الطبيعة بين الناس ، و ليس هناك حقا يخول لإنسان دون الآخر ،خذ مثلا ضعيف الجسم فإن عنده من القوة ما يقتل به القوي ،إما بمكيدة أو مؤامرة مع آخرين يشعرون شعوره”.
كما يرى أصحاب نظرية العقد الإجتماعي أن الناس كانوا يتمتعون بمساواة تامة في الحياة الطبيعية و سعيا منهم إلى حياة أفضل و أكثر تنظيما وخوفا من ضياع حقوقهم فكروا في تفويض الحاكم والتعاقد معه لكي يسهر على مصالحهم وحقوقهم، ولكن بشرط أن يكون العقد قائما على عدالة قوامها المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات بما في ذلك الحاكم والمحكوم على السواء يقول لوك “مادام الناس خلقوا بطريقة واحدة و من نوع واحد و أن لهم جميعا نفس القدرات الطبيعية فيجب ان يكونوا متساوين فيما يعطى لهم من حقوق بلا تبعية و لا خضوع”.

و تؤكد النظرية الإشتراكية بدورها كذلك على أن العدالة تكمن في المساواة و ذلك من خلال الإقرار بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج لأن الملكية الفردية تعرقل المساواة و تكرس الطبقية و الإستغلال و بالتالي ينعدم العدل يقول ماركس” الإستغلال ظهر لما قال الإنسان لأول مرة هذا ملكي” ويقول كذلك “المساواة عنوان العدالة الإجتماعية” ،كما نجد في ديننا الإسلامي الحنيف دعوة صريحة إلى المساواة بين البشر فهو جاء بهدف نبذ العنصرية و كل تمييز عرقي و تحرير البشر من العبودية التي فرضها المجتمع الجاهلي فكلنا من آدم و حواء إذا فنحن إخوة، فلا المكانة الاجتماعية و لا اللون يميز بيننا حيث يقول الرسول صلى الله عليه و سلم ((الناس سواسية كأسنان المشط)) و يقول عمر بن الخطاب “متى إستعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

كما كان للإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الثورتين الفرنسية و الأمريكية دورا كبيرا في تدعيم مبدأ المساواة كأساس لتجسيد العدالة بين أفراد المجتمع فقد كانت المساواة ضمن الشعار الثلاثي للثورة الفرنسية ” الحرية ،المساواة ،الإخاء” حيث جاء في المادة الأولى للإعلان الفرنسي للحقوق “الأفراد يولدون و يعيشون أحرار متساوين” و كذا الإعلان الأمريكي للحقوق 1776 ” جميع الناس قد ولدوا أحرارا متساوين و مستقلين و لهم حقوق موروثة ….” و كذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة و الحقوق…” و منه نستنتج أن المساواة هي الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العدالة.

نقد و مناقشة:
رغم أن مبدأ المساواة ضروري لتطبيق العدالة خاصة فيما يتعلق بتجاوز مشكلة التمييز العنصري والعبودية إلا أن هذه المساواة المطلقة مساواة تعسفية تتنافى مع الطبيعة البشرية المبنية على أساس التفاوت في القدرات العقلية و المادية و الجسدية كما أنها تقضي على روح المبادرة و الإبداع و تشجع على الكسل و الإتكال.

عرض نقيض الأطروحة:
يرى بعض الفلاسفة والمفكرين ان التفاوت هو مبدأ العدالة لأنه قانون الطبيعة البشرية و الأساس الذي تقوم عليه فالأفراد بطبيعتهم غير متساوين في قدراتهم العقلية “غبي ،ذكي” الجسدية “قوي ،ضعيف” المادية “غني ،فقير” فمن اللاعدل أن نسوي بينهم في الحقوق و الواجبات لذلك يجب إحترام هذه الفوارق و إلا يتلاشى العدل و يمثل هذا الموقف كل من “أفلاطون ،أرسطو ،هيجل ،نتشه ،ألكسيس كاريل” و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية:

إن العدالة لا تتحقق إلا من خلال إحترام الفوارق الفردية و التفاوت الطبيعي الموجود بين أفراد المجتمع حيث يقسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات: الطبقة الذهبية و هم الحكام و الفلاسفة و يتميزون بالحكمة و العقل ،الطبقة الفضية و هم الجنود و تسيطر عليهم القوة الغضبية ،الطبقة البرونزية و هم عامة الناس و تسيطر عليهم القوة الشهوانية ، وعلى العدالة أن تحترم هذا التمايز الطبقي يقول أفلاطون “الخلط بين الطبقات الثلاث يجر على الدولة أوخم العواقب” و يقول كذلك “التفاوت قانون طبيعي”.

و يرى أرسطو أن الناس يختلفون بالولادة في قدراتهم العقلية، وطاقاتهم الجسمية، فمنهم القوي ومنهم الضعيف، ومنهم الذكي ومنهم الغبي، فمن الظلم أن يبوء الغبي أو الغير كفء منصبا إداريا ممتازا،فتوزيع الحقوق و الواجبات و منح المكافآت يجب أن يكون مبنيا على أساس التفاوت و كل حسب قدراته و إلا يدخل المجتمع في دوامة من الصراع و النزاع لذلك يقول:” تنجم الخصومات والاعتراضات عندما لا يحصل أناس متساوون على حصص متساوية، أو عندما يحصل أناس غير متساوون على حصص متساوية”. فالعبد يولد عبدا، والسيد يولد سيدا ولابد أن يوضع كل فرد في مكانه الطبيعي حيث يقول أرسطو “إن الطبيعة و هي تجعل الناس على ماهم عليه قد وضعت بينهم فوارق عظيمة”.

كما يؤكد هيجل على أن مبدأ التفاوت هو أساس العدل فمن حق الأمة التي تملك الفكر أن تسيطر على العالم لأنها الأقوى و الأفضل و ما على الأمم الأخرى إلا الخضوع ،كما يقسم نتشه المجتمع إلى طبقتين طبقة الأسياد “الجنس الآري” و طبقة العبيد “الجنس السامي” فمن حق الأسياد الملكية و الحكم و للعبيد واجب الطاعة و خدمة الأسياد.
و من المنظور الإقتصادي ترى الرأسمالية أن التفاوت هو أساس العدالة الإجتماعية و المحرك لعجلة النمو و التطور الإقتصادي حيث ترى أن الافراد مختلفون في قدراتهم و مواهبهم لذلك فمن اللاعدل أن نسوي بينهم فالتفاوت يؤدي إلى تطور المجتمع و بث روح المنافسة و الإبداع و على هذا الأساس تقسم المجتمع إلى طبقتين : الطبقة المالكة “البورجوازية” و الطبقة العاملة “الكادحة”.

و يؤكد الجراح الفرنسي ألكسيس كاريل على ضرورة إحترام التفاوت الطبيعي بين الأفراد حيث يرى أن الناس مختلفون في قدراتهم و بنياتهم الجسمية و المورفولوجية مما يؤدي إلى إختلافهم في القدرة على العمل و بالتالي فمن الظلم أن نسوي بينهم في الحقوق نظرا لإختلافهم في أداء الواجب يقول “فبدلا من أن نحاول تحقيق المساواة بين اللامساواة العضوية و العقلية ،يجب أن نوسع دائرة هذه الإختلافات و ننشئ رجالا عظماء”.
كما تقر بعض الأديان بالتفاوت كأساس للعدالة و منها الديانة البراهمية التي تقسم المجتمع إلى أربع طبقات هي :الكهنة “البراهمة” ،الأغنياء ،الشعب ، الأنجاس”العبيد” و من الظلم أن نسوي بين هذه الطبقات في الحقوق و الواجبات و لكل طبقة إمتيازاتها الخاصة و للكهنة الحق في كل شيء لأن لهم جميع الإمتيازات ،و كذلك الديانة اليهودية التي ترى أن اليهود هم شعب الله المختار و لهم الحق في سيادة العالم و تقسم المجتمع إلى طبقتين: اليهود ،الغوييم “الأمميون”. و منه نستنتج أن إحترام الفوارق الفردية و التفاوت الطبيعي هو أساس تحقيق العدالة.

نقد و مناقشة:
لا يمكن إنكار وجود تفاوت و إختلاف بين البشر في مختلف القدرات و أن إحترام هذا التفاوت يشكل دافعا للإبداع و التطور إلا إن الإقرار بالتفاوت المطلق كأساس للعدالة يؤسس لعدالة ضيقة قائمة على الطبيعة و الإستغلال و التمييز العنصري و هذا يتنافى مع العدالة كقيمة إنسانية سامية ،فالإختلاف في القدرات العقلية و الجسدية ليس مبررا لإقرار التفاوت كأساس للعدالة.

التركيب:
إن العدالة كقيمة أخلاقية لا يمكن إختزالها في المساواة المطلقة بحجة أن الناس مشتركون في الطبيعة الإنسانية و لا يمكن إختزالها في التفاوت المطلق بحجة أنهم مختلفون في إستعداداتهم العقلية و الجسدية فالعدالة الحقة لا تتحقق إلا من خلال التزاوج و التوازن بين التفاوت و المساواة ،وهذا ما عبر عنه المفكر العربي زكي نجيب محمود من خلال تحديد كيفية ممارسة العدالة ومجالاتها، حيث قسمها إلى ثلاث مجلات هي ـ مجال الحقوق يحدده القانون، ويحتكم فيه القضاء بحيث يعطى لكل ذي حق حقه دون تمييز . ـ مجال القدرات : وتحدده الجدارة والكفاءة والجهد والنشاط، بحيث لكل بحسب استحقاقه، وهو مجال للتفاوت والتنافس كل بقدر إمكاناته. ـ مجال الحاجات الاجتماعية: تحدده المطالب الضرورية للأفراد وما يحتاجون له، فيكون العدل في التوزيع انطلاقا من تحديد من يستحق وحاجته.

حل المشكلة :
و في الأخير نستنتج أن العدالة لا تتحق وفق مبدأ المساواة المطلقة و لا وفق مبدأ التفاوت المطلق بل هي انسجام و تكامل بين المساواة و التفاوت، فأولا يجب تقديم فرص متكافئة لكل الناس ثم نفاضل بينهم حسب الاستحقاق والجدارة كتقديم فرص متساوية للتعلم ثم نفاضل بين العالم والجاهل، فلا يجوز المساواة بين الشجاع و الجبان و لا الكسول و النشيط كما تقوم الأولوية للمحروم في المساعدة فالعدالة تقوم على المساواة في حالات و التفاوت في حالات أخرى و من هنا فان مبدأ التفاوت و المساواة ضروريان لتأسيس العدالة فالمساواة تكون من حيث الطبيعة البشرية و التفاوت ضروري حسب الجهد الذي يبدله كل فرد.

المقالات المرشحة :
1- الدال والمدلول ✓
2- الأسرة ✓
3- العدالة ✓
4- الحقيقة
5- العادة والإرادة
6- الذاكرة

Benara M