بقلم د. ستيفن بلاكويل

تُجسّد جريمة قتل صامويل باتي – المدرس الفرنسي الذي عرض صوراً مسيئة للنبي محمد في قاعة الدرس خلال نقاشات عن حرية التعبير – المخاطر التي يشكلها الإسلاميون الراديكاليون على الدول الأوروبية. ويُتوقع من الحكومة الفرنسية في أعقاب هذه الجريمة المروّعة أن تكبح الأنشطة المنسوبة للجماعات المتطرفة في البلاد إلى جانب معالجة التهميش الاجتماعي للأفراد المرشحين للتجنيد في تلك الجماعات وتمتنع وتمنع ممارسات نبذ المسلمين الذين يحترمون السلام في البلاد.

قُطع رأس المدرس باتي في وضح النهار بسكين خارج إعدادية Du Bois-d’Aulne في ضاحية Conflans-Sainte-Honorine إحدى الضواحي شمال غرب باريس. وتمت مهاجمة المدرس بعدما قام القاتل عبد الله أبويدوفيتش أنزوروف – مسلم بعمر 18 سنة مولود في روسيا لعائلة شيشانية لاجئة – بدفع مئات اليوروهات حصل عليها من مصدر مجهول ما تزال الشرطة الفرنسية تواصل التحقيق لمعرفته، لطلاب لمساعدته في تحديد مكان الضحية وتعقبها.

وتوضح هذه الحادثة أثر منصات التواصل الاجتماعي عندما يوظفها متطرفون لملاحقة أفراد معينين؛ وهذا بالضبط ما جسدته جريمة قتل باتي التي جاءت بعد حملة كراهية إلكترونية ارتبطت ببعض شركاء أنزوروف الذين اعتقلتهم الشرطة. والملاحظ أنه حتى بعد الجريمة تم تسجيل ظهور حوالي 100 تدوينة داعمة لأنزوروف، ما دفع زملاء المدرس إلى التعبير في بيان لاحقا عن قناعتهم أن الدردشات على هذه المواقع هي التي أدت إلى مقتل زميلهم.

ويبدو أن أنزوروف لم يكن معروفاً لدى أجهزة الأمن الفرنسية كتهديد إرهابي محتمل، ولكن الأدلة الأولية –اعتقال شركاء أنزوروف والدليل على وجود تمويل خارجي – توحي أن له علاقات مع شبكة واسعة في فرنسا وأماكن أخرى؛ وعلى وجه التحديد وجود علاقة مزعومة بين أنزوروف وعناصر يُطلق عليهم اسم “جهاديين” في سوريا، وهذه العلاقة توضح أهمية الروابط العابرة للحدود بالنسبة للإسلاميين المتطرفين.

لقد أثر مقتل باتي على الرأي العام الفرنسي، ووعد الرئيس إيمانويل ماكرون بشن حملة واسعة النطاق على الإسلاميين الراديكاليين. وأعطى وزير الداخلية الفرنسي، جيرارد دارمانين، أوامر بالإغلاق الفوري لمسجد في باريس نشر بعض مرتاديه فيديو يهاجم سلوك باتي. وأعلن حل جمعية BarakaCity، والتجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا CCIF، ووصف هاتين الجمعيتين وما شابهها بأنها “أعداء الجمهورية” الفرنسية. كما استهدفت وزارة الداخلية مجموعة من المنظمات المتهمة بإيواء المتعاطفين مع الإسلاميين سراً.

ويُتوقع أن تصل الإجراءات التي سيتخذها ماكرون إلى حد إعادة النظر الشاملة في الطرق التي يُمارَس بها الإسلام كدين في فرنسا. والمتوقع – إضافة إلى تجفيف مصادر تمويل الجاليات المسلمة من دول أخرى – أن تقوم الحكومة بحظر مجموعة كبيرة من المنظمات والجمعيات التي يُشتبه فيها باعتبارها تشجع التطرف. كما يتوقع، في الوقت نفسه، أن يتم إجبار أئمة المساجد المدربين في فرنسا على أن يطلبوا ترخيصاً من الحكومة قبل ممارسة عملهم بوصفهم وُعَّاظًا أو خطباء؛ بالإضافة إلى استراتيجية مستقبلية تُفعل حزمة من الإجراءات.

ومع أخذ الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2022 في الاعتبار، فإن الرئيس ماكرون ومستشاريه مدركون لضرورة الحزم في التعامل مع مشكلة التطرف باعتبار أن منافسته الأساسية مارين لو بان – رئيسة حزب التجمع الوطني المصنف في أقصى اليمين – ستسعى لا محالة إلى اتهام حكومته بالفشل في حماية الشعب الفرنسي من بطش المتطرفين. كما يواجه ماكرون حتى داخل حزبه – الجمهورية إلى الأمام – الذي يُعتبر من أحزاب الوسط دعوات متزايدة لقمع التنظيمات الإسلاموية التي يُشتبه فيها بأنها تدمر القيم العلمانية الفرنسية وتروّج للراديكالية.

ونظراً لكثرة الضغوط السياسية والنداءات المطالبة بالعمل الفوري، يعتزم ماكرون الإعلان عن برنامجه لمكافحة الراديكالية في ديسمبر المقبل (أي بعد شهر)، مع العلم أنه يوجد قلق حول موقف الجمعية الوطنية الفرنسية (التي تضم مجلس الشيوخ والبرلمان) وما إذا كانت ستوافق على هذا البرنامج. ويقول المراقبون الذين ينتقدون هذه الخطة إنه يجب أن يكون هناك تركيز أكبر على الضواحي حيث الفقراء المحرومون الذين من بينهم شباب مهمشون وعرضة لخطر التطرف والانجرار إلى العنف.

وما يزيد المشكلة تعقيدًا، حقيقة مفادها أن نظام الحكم العلماني الفرنسي يمنع جمع البيانات المتعلقة بأعراق السكان وأديانهم؛ ومما لا شك فيه أيضاً أن التحامل المخفي – والمعلن أحياناً – على المسلمين يمنع مشاركتهم الكاملة في الحياة المدنية والاقتصادية. كما أنه ما تزال هناك مخاوف من استغلال الأحزاب اليمينية المتشددة لمقتل باتي لتطوير أجنداتها وتعميق الانقسامات داخل المجتمع الفرنسي، فهناك أناس ينتمون إلى أقصى اليمين قاموا بنشر مزاعم مفادها أن المدرس باتي كان سيكون موضوع مجلس تأديبي على خلفية عرض صور مسيئة للنبي محمد حتى قبل أن تتم مهاجمته وقتله.

وبناء على ذلك، هناك خطر كامن وراء تطبيق إجراءات سياسية صارمة، وبينما يجري العمل على طمأنة الرأي العام وتلبية المطالب بقمع المتطرفين، ستظل مشكلة التهميش الاجتماعي دون حل. ومع أن الإجراءات الحازمة ضد الدعاية المثيرة للكراهية وضد تمويل الإسلامويين الراديكاليين قد تكون مبرَّرة، فإن هذه الإجراءات يجب ألا تُفرض بالقوة على حساب أغلبية السكان المسلمين في فرنسا الذين يُعتبر تعاونهم عاملاً حيوياً ومهماً في التعرف على الضعفاء ودعمهم، لأنهم فريسة سهلة للتجنيد من قبل المتطرفين لمواصلة أعمال العنف.

ويتوجب على الحكومة الفرنسية أيضاً أن تعمّق التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الدول التي تشعر بالقلق تجاه المخاطر التي يجلبها الإسلامويون الراديكاليون وجهودهم في زرع بذور الخلاف والانقسام في الدول التي ينشطون فيها. إن اتخاذ سياسة حازمة تجاه المتطرفين مصحوبة بإجراءات مناسبة لمعالجة النبذ الاجتماعي والاقتصادي الذي يتعرض له الشباب المرشحون للانضمام إلى الجماعات المتطرفة، من شأنه فقط أن يمنع تكرار حدوث جريمة مأساوية كذبح المدرس صامويل باتي.