ا. وفاء بوغرارة جامعة أحمد دراية –أدرار-  

ملخص:

    بعد قدوم الفينيقيين إلى بلاد المغرب وحدوث الامتزاج الديني والحضاري برزت فئة جديدة عرفت في المصادر بتسمية “الليبوفينيقيين” نتيجة التلاقح بين الفينيقيين واللوبيين، وقد اختلف المؤرخون حول أصل تلك الفئة السكانية إلا أنهم أكدوا أن الليبوفينيقيين شكلوا طبقة اجتماعية مهمة في سلسلة الكيان الاجتماعي المغربي القديم، وكان لهم دور حضاري بارز في بناء الدولة القرطاجية.

مقدمة

عندما حلت سفن الفينيقيين في ربوع بلاد المغرب القديم نهاية الألف الثاني ق.م، كانت البلاد مأهولة بالسكان الأصليين فتعايشوا مع اللوبيين[1]، الذين كانوا يعمرون هذا المجال من السرت الأكبر إلى المحيط الأطلسي، ويكونون “وحدة عرقية حضارية” لها مميزاتها اللغوية والبيئية وسبل عيشها، ونشاط متواصل في مجال البحر المتوسط وعلاقات كثيفة مع الشعوب التي كانت تعيش في سواحله جمعت بينها عناصر حضارية متوسطية جلية في سائر الأقطار المطلة على البحر، وأول ظاهرة اجتماعية يلمسها الدارس لتأثير الفينيقييين الوافدين على بلاد المغرب هي الامتزاج الواضح والانفتاح الحضاري فقد أصبح بذلك المجتمع المغربي مجتمعاً مختلطاً عاش فيه الشعبين القرطاجي واللوبي جنبا إلى جنب في نفس المجال الجغرافي، وهذا ما سمح للوبيين ملاحظة جيرانهم والاحتكاك معهم، وحدوث ذلك التمازج والانصهار بين العناصر المحلية والعناصر الفينيقية الوافدة، فكان هناك تواصل وتبادل بين العناصر السكانية في المنطقة، يتضح ذلك من خلال ظهور فئة اجتماعية جديدة تسمى الليبوفينيقيين، نتيجة اندماج بعض الفينيقيين مع السكان المحليين، مع العلم أنه عندما وصل البحارة الفينيقيون إلى السواحل المغربية وجدوا مجتمعاً قائماً بنظمه الاجتماعية والسياسية، وبأعرافه وتقاليده ومعتقداته، وعندما كانت قرطاج تنمو عمرانياً وديمغرافياً واقتصادياً كان ذلك بفضل سكان البلاد الذين انجذبوا نحو الحضارة البونية ففتحت لهم أبوابها طواعية وتشكلت فئة اجتماعية جديدة عرفت بالليبوفينيقيين. ومن هنا نطرح الإشكال من هم الليبوفينيقيين؟ وماهي أسباب ظهورهم؟ هل كانت لهم مكانة في الدولة القرطاجية؟ وما الدور الحضاري الذي قاموا به؟ هذه الأسئلة سوف أحاول رصدها من خلال العناصر الآتية:

1.مفهوم الليبوفينيقيين.

2.وضعيتهم في الدولة القرطاجية.

3.رحلة حنون.

4.دور الليبوفينيقيين الحضاري.

  1. مفهوم الليبيوفينيقيين:

اختلفت الآراء حول تحديد مفهوم عنصر الليبيوفينيقي الذي ظهر في بلاد المغرب، وكان من العناصر المؤثرة في المنطقة خاصة في العصر القرطاجي، فيرى معظم الكتاب القدامى[2] أن هذه التسمية قد أطلقت على الأبناء الذين أُنجبوا من أباء فينيقيين وأمهات لوبيات أو العكس، وبذلك ظهر عنصر جديد ذو دم مختلط أطلق عليه عنصر الليبوفينيقي[3].

درج المؤرخون القدماء على استعمال ليبوفينيقيين لتحديد مفهوم يخص النتيجة العرقية لاختلاط في الدم العرقي والتمازج السكاني للأقوام الآتية من الشرق مع العناصر المحلية[4]، وأعطى “س.ف بوندي” (S.F.Bondi) بعداً جديداً لهذه القراءة مختصرا تأويل تسمية اللوبي- فينيقيين في فئة الفينيقيين الذين يقطنون خارج مدينة قرطاج أي الطبقة المهيمنة في المجال القرطاجي وهي العمود الفقري لنظام ضمن لقرطاج سلما داخليا طويلاً وثراء اقتصادياً[5].

  أعطيت هذه التسمية للفينيقيين الذين سكنوا في مستوطنات الساحل الأفريقي[6]، وبعد القرن الخامس ق.م أصبحت هذه التسمية تطلق على اللوبيين الذين يقطنون المدن القرطاجية وتأثروا بحضارتها[7].

إن لفظ ليبيين فينيقيين يعني بالضبط فينيقيي لوبيا. ولكن يظهر أنه أخذ معنى إدارياً وقانونياً، ليدل على مواطني المدن الفينيقية أو البونيقية المرتبطين بقرطاجة، والمتمتعين بنفس الحقوق المدنية التي لمواطني العاصمة قرطاج، والذين كانت لهم أنظمة بلدية مماثلة. فلا شك أن هذا هو المعنى الذي يجب أن يفهم به هنا[8].

ولفظ “ليبيين فينيقيين” قد أخذ عدة من المعاني. فبعض الكتاب الذين هم أحدث عهداً من “سترابون” يطلقون على بعض سكان القسم الذي خضع من تونس للقرطاجيين. بينما اللوبيون الفينيقيون عند “بلين القديم” وعند “بطلمي” لم يسكنوا سوى مناطق ضيقة جدا[9]. 

والملاحظ غياب الدّلائل العرقية في المصادر باستثناء “تيت ليف” الذي يرى أن الليبوفينيقيين “خليطا من الفينيقيين والأفارقة”[10]. يفهم من النص  إن الليبوفينيقيين كانوا بمثابة عناصر بشرية تنتمي إلى دم مختلط من الناحية العرقية، نصفه فينيقي والنصف الآخر لوبي، ويمكن أن نقول أنهم ينتمون إلى ثقافة مزدوجة[11] وهي عبارة عن زرع ثقافي أو بذرة ثقافية ومعنى هذا أنه في الميدان العرقي نجد أن العنصر الفينيقي الذي جاء من الشرق كان يمثل أقلية بالمقارنة مع السكان المحليين، حيث جرى بسرعة اندماجه، وفرضوا نظم وعادات، أو مميزات خاصة تطبع الحضارة الفينيقية، وهذا الاندماج المتبادل كان يتطلب فترة طويلة، قد تم ذلك في عهد كان لقرطاجة امبراطورية معتبرة في الحوض المتوسط، هكذا فإن قرطاجة لم تعد مدينة فينيقية بإفريقيا، ولكنها مدينة إفريقية وأن ثقافتها يطبعها الطابع الفينيقي وهو الغالب أو المرجح[12].

وقد حدثنا “ديودور الصقلي” عن الليبوفينيق في أثناء روايته لمغامرة الطاغية “أجاثوكليس”[13] الصقلي بأفريقيا (القرن الرابع ق.م) . فقال ما فحواه أن لوبيا يتقاسمها أربعة أقوام[14] على عهد “أجاثوكليس”:

أ. الفينيقيون ويسكنون قرطاجة.

  • الليبوفينيق وهم سكان معظم المدن الساحلية والذين تربطهم بالقرطاجيين علاقات قرابة ونسب. وإلى هذه المصاهرة وما نتج عنها ترجع تسميتهم بهذا الاسم.

جـ. اللوبيون وهم الأعرق أصلا والأكثر عددا (مزارعون) وهم يكرهون القرطاجيين كرها شديدا لما يقاسونه من سطوتهم وقساوة حكمهم لهم.

  • البدو الرعاة الذين ينتشرون في معظم الإقليم وحتى تخوم الصحراء.

         هذه الفقرة بالذات لعلها أول إشارة موثقة عن بدء عملية التمازج والانصهار بين الفينقيين واللوبيين خلال القرن الرابع ق.م أو قبله[15].

         ويتحدث “فرانسوا ديكريه” بأن تسمية الليبيوفينيقيين[16] أعطيت للفينيقيين الذين سكنوا في المستوطنات، ومن ثم شملت اللوبيين الذين أخذوا بالعادات البونية، ويعتقد أن هذه التسمية تدل على طبقة اجتماعية في المدن البونية تمتعت بنفس الحقوق الإدارية التي كانت لسكان العاصمة قرطاج. حقيقة لقد نهلت هذه الحضارة القادمة من الشرق من أفضل المصادر في الأراضي التي اختارتها، حيث كانت تلك المستوطنات عبارة عن مراكز لحضارة مختلطة انتشرت على طول الساحل الشمالي لأفريقيا باتجاه المحيط[17].

  1. وضعيتهم في الدولة القرطاجية:

يذكر “ديودور” أن اللوبيين الفينيقيون الذين يقطنون المدن الساحلية الكثيرة يتمتعون بحقوق المواطنة القرطاجية مثلهم في ذلك مثل سكان قرطاجة[18]، وعلى الرغم من أن اللليبوفينيقيين كان لهم نفس المزايا ونفس حقوق القرطاجيين، كحق الزواج من القرطاجيات وحق تولي المناصب في الدولة القرطاجية، بل ولهم حق الإعفاء من الضرائب والخدمة العسكرية[19]، إلا أن لهذا العنصر الجديد[20] له لغته وكتابته الخاصة به، والتي كانت مزيجاً بين اللغة المحلية واللغة الفينيقية.

وقد تبنى المؤرخ “ستيفان قزال” فكرة أن الليبيوفينيقي له معنى إداري وله صبغة بونية، ويدل على أولئك اللوبيين الذين كانوا يتمتعون بنفس الحقوق المدنية التي كان عليها المواطنون القرطاجيون في مدينة قرطاجة، والذين كان لديهم مؤسسات بلدية موازية. ومع ذلك فإنه يرى أن هذا العنصر رغم الحقوق التي يتمتع بها، فإن منتسبيه يعدون مواطنين من الدرجة الثانية في الدولة، مثلما كان اللاتين في الامبراطورية الرومانية، ذلك أنهم لم يكن لهم حق المشاركة في الحياة السياسية، وخاصة تولي المناصب العليا المنبثقة عن مجلس الشيوخ[21].

 تحدثنا المصادر القديمة على الليبيوفنيقيين منذ عهد الملك  “حنون”، وهم الذين شاركوا في رحلة حنون في القرن الخامس ق.م الذي قام أثناءها بتأسيس مستوطنات لليبوفينيقيين[22].

  1. رحلة حنون:

تعتبر من الرحلات المهمة التي سجلها لنا التاريخ وهي وصف رحلة حنون (Hannon) القرطاجي، إذ أشار إليها العديد من المؤلفين اليونانيين واللاتين. ولقد علّق حنون روايته البطولية في معبد بعل (Baal) حيث كان للقرطاجيين أنفسهم ولجميع الزائرين أن يطّلعوا عليها[23].

 انطلقت الرحلة من مدينة قرطاجة في حوالي القرن الخامس ق.م، ووصلت أخبارها عن طريق ترجمتها الإغريقية[24]. وقد اشترك في هذه الرحلة الليبيون إلى جانب القرطاجيين.

يلاحظ بأن الرحلة لم تشير إلى أنها سلكت شواطئ بلاد المغرب أو شواطئ جنوب غربي أوروبا فيما عدا ذكرها لاجتياز “أعمدة هرقل” التي هي مضيق جبل طارق الحالي. غير أن اشتراك الليبيين في هذه الرحلة ووقوعها بعد معركة هيميرا (Bataille d’Himère) 480 ق.م والتي انهزمت فيها قرطاجة لأول مرة أمام الزحف الإغريقي في جزيرة صقلية ثم انتهاج القرطاجيين بعد ذلك لسياسة إفريقية تعتمد على الاستيطان، يجعلنا نرجح بأن رحلة حنون كانت قد سلكت شواطئ المغرب القديم قبل اجتيازها لأعمدة هرقل[25].

أورد المصطفى مولاي رشيد ترجمة لهذه الرحلة وتحدث عن رواية حنّون ملك القرطاجيين كالتالي:” لقد قرر القرطاجيون أن يتجاوز حانون أعمدة هيركليس، وأن يؤسس مدنا لليبيون الفينيقيين. بستين سفينة ذات الخمسين مجدافا، ورافقه حوالي ثلاثون ألفا من الرجال والنساء، زُوِّدُوا بالأغذية وبكل المعدات اللازمة”[26].

كُلف حنون إذن بإنشاء المستوطنات في إفريقيا، فيما وراء مضيق جبل طارق. فماهي أسباب هذا القرار؟ هل يعني ذلك التخفيف على قرطاجة من تزايد السكان، من عناصر مشوشة؟ هل يعني إنعاش أو تعويض مراكز فينيقية قديمة كانت على الساحل المغربي، فتدهورت وربما تدمرت؟

 كان يوجد ثلاثمائة ألف مواطن بقرطاجة، وفي هذه المدينة بالذات جرى ضغط ديمغرافي كان بمثابة مواجهة هجرة ذات نطاق واسعا، فكانت هناك مجموعات كثيرة من الوافدين على العاصمة القرطاجية حبا في مغرياتها المادية[27].

وخلق ذلك نوع من البطالة مما جعل الدولة القرطاجية تبحث عن مخرج لهذه الأزمة والضيق، فبحثت في وسيلة ذهاب هذه الجموع الوافدة على قرطاجة فوجدت الحل في تنظيم رحلات بحرية منها رحلة حنون التي كانت تهدف إلى الاستكشاف وفتح أفاق ومستوطنات جديدة ترفع عن مدينة قرطاجة أعباء التدفق الديمغرافي على العاصمة قرطاج[28].

جرت رحلة حنون في القرن الخامس ق.م، وقد استغرقت مدة عامين ونصف، وكانت مسافتها خمسة وعشرون ألف كلم، إن رحلة حانون تعد كهمزة وصل بين قرطاجة واللوبيين، والتي عبر من خلالها بسفنه على الساحل القرطاجي، ثم عرج على سواحل نوميديا[29].

لقد كانت نتائج رحلة حنون هي تأسيس ست مستوطنات على سواحل المغرب، وأخرى عند مصب الساقية الحمراء، تقريبا في مواجهة جزائر الكناريا[30]، كما أتاحت الاطلاع على النماذج الحضارية لبلاد المغرب وزادت من التواصل الاجتماعي الليبي القرطاجي.

4.دور الليبوفينيقيين الحضاري:

إن الحضارة البونية في إفريقيا الشمالية تمثل ثمرة تعاون حميم وهي تظهر ويمكن تشخيصها في معالم أثرية نتيجة هذا التعاون والتفاعل الحضاري مثل مقام دوقة[31] بتونس[32]، وقد شكل هذا العنصر (الليبيوفينيقيين) حلقة الوصل بين الفينيقيين والسكان المحليين، وسهل عملية الاندماج التي حدثت فيما بعد بين القادمين الجدد وبين اللوبيين، خاصة بعد القرن الخامس ق.م، مما ساعد على استقرار الثقافة واللغة البونية بين الأهالي[33].

وفي الواقع فإن لهذا الرأي ما يدعمه- وبشكل قوي- إذا ما تتبعنا الظروف التي مر بها الفينيقيون في شمال أفريقيا، عند التحول القرطاجي نحو الفضاء الإفريقي عقب هزيمة هيميرا، فخرج القرطاجيون من مدينتهم وامتلكوا العديد من الضياع، واستوطنوا المناطق الريفية، وكونوا تجمعات سكانية فينيقية بين السكان المحليين، مما أتاح لهم فرصة الاحتكاك أكثر بالسكان، واستخدم بعضهم في فلاحة الأراضي التابعة للقرطاجيين، كما أن الازدحام السكاني في قرطاجة وتحول أعداد لا بأس بها من اللوبيين من الأرياف إلى المدينة سواء كانوا باحثين عن عمل، أو منخرطين في الجندية، نجد أن هذا أدى إلى التمازج أكثر بين العنصرين[34].

إضافة إلى نزوح عائلات قرطاجية بأكملها نحو المراكز الداخلية التي سكنها القرطاجيون واللوبيون جنباً إلى جنب مثل: دقة ومكثر وكركوان[35]، قد أدى إلى زيادة الاختلاط مع السكان المحليين، كما أن حاجة القرطاجيين إلى حلفاء جدد لهم من الأفارقة –يمثل لهم عمقاً استراتيجيا من حيث توفر المؤن والجند في صراعهم ضد الإغريق- كان وراء ذلك التقارب مع السكان المحليين، والاتصال بزعماء القبائل، وببعض الممالك المحلية كالنوميديين مثلاً، فجاء هذا التقارب في صور شتى، كالامتزاج داخل المدن الداخلية، وزيادة التعامل التجاري، والمصاهرة[36].

يمكن أن نستخلص من ذلك أن القرطاجيين هم نتاج تزاوج بين الشعبين الفينيقي واللوبي، الذين أخذوا اسم البونيقيين، وبذلك يمكننا القول أن الحضارة البونيقية هي نتاج حضارتين[37]، حضارة ذات أصول فينيقية وحضارة مغربية أصيلة.

وليس لدينا أية حجة على أن محكومي قرطاجة استطاعوا بسهولة اقتناء الحقوق المدنية والسياسية التي كانت للمواطنين. غير أن عددا كثيرا من اللوبيين، سواء في أرض وطنهم أو في الجيش، قد تعلموا لغة سادتهم، وعرفوا الآلهة التي كانوا يعبدونها، كما ألمّوا إلى حد ما بحضارتهم. ولهذه الأسباب نجد تعبير “ليبيين فينيقيين” قد خصص إطلاقه في أول الأمر على الغير، ثم أطلق من بعد على قسم من ذريتهم[38].

نتيجة للاختلاط والتمازج الذي وصل إلى حد بعيد، حتى أصبح يطلق على كل الطبقات العامة من الجانبين تسمية: الليبوفينيقي، خاصة بعد القرن الخامس ق.م، حيث لم نجد أثراً لهذه التسمية قبل تلك الفترة، وهذا التزاوج والتمازج وإن كان من المرجح أنه قد حدث مع بداية قدوم الفينيقيين، ولكن الاندماج الكامل قد جاء- كما ذكرت- نتيجة التحول القرطاجي إلى الفضاء الأفريقي، والاعتماد على بدائل اقتصادية أخرى غير التجارة البحرية كالتوسع في مجال الزراعة، بعد إن أصبح الخطر الإغريقي يهددهم في البحر، حيث نتج عن هذا الاندماج أن أصبحت هذه التسمية تطلق حتى على الفينيقيين أنفسهم القاطنين في المراكز الأخرى خارج قرطاجة[39].

ومع ذلك فأكثرية الأهالي كانت تكره السيطرة البونيقية. وربما لم تكن هذه الكراهية بسبب الخدمة العسكرية، ووجوب الذهاب للمشاركة في حروب بعيدة لم يكن جانبهم يراعى فيها، بل بسبب فداحة الضرائب التي صارت لا تحتمل بسبب العنف والابتزازات التي يقوم بها المكلفون بالجباية. ولم يكن للقرطاجيين فن اجتذاب القلوب من أجل تسهيل العملية[40].

كان النوميديون المجاورون للمنطقة البونيقية، يعاملون معاملة الأتباع، بحيث كانوا إذا خرجوا من الحلف يُنظر إليهم كعصاة. وقد ذكرت حتى الأتوات المفروضة على البعض منهم. وعمليا كادوا يكونون رعايا، إن لم يكونوا كذلك قانونيا. وللتأكد من وفائهم كانت قرطاجة تضع الحاميات بمدنهم وتطالبهم بالرهائن. (فمدينة تفست Thevest سلّمت سنة 247 ق.م ثلاثة آلاف منهم إلى الملك حنّون). وكانت وضعيتهم شبيهة بوضعية الفودِراتي (Foederati) (الحلفاء) الذين كانوا يسكنون خارج الحدود العسكرية للإمبراطورية الرومانية، ولكنهم يخضعون لسلطتها. ولربما أن الذين لم يكن بالإمكان التغلب عليهم بالرهب، كانوا ينالون بعض الهبات المالية. وحين تحتاج إليهم الدولة يضعون في خدمتها مجموعات المجندين –الخيالة منذ القرن الثالث ق.م على الأقل-التي يتفق على تحديد أعدادها، والمعتقد هو أن قرطاجة كانت تتكفل بالإنفاق على هذه الجيوش[41].

ولم يكن هؤلاء النوميديون دائمي الوفاء، بحيث كانوا إذا حدثت أزمة لقرطاجة، يفضلون الانضمام إلى أعدائها، ويقتحمون منطقتها لينهبوها. وكانت تنتقم منهم حسب الظروف والقوات التي تتوفر عليها، بالغزوات وحتى بالتقتيل. وقد تقبل عروض الصلح والخضوع التي كانوا سرعان ما يتقدمون بها بمجرد حدوث تغير ما[42].

أما المال فكان ضريبة منتظمة ومقدارها يحدد مسبقاً لكل قبيلة، وكان الرؤساء المسؤولون عن المقادير المفروضة هم الذين يجمعونها، كما كانت الضرائب أداءات فوق العادة يطالب بها القادة حسب هواهم. ولقد كانت هذه التكاليف العسكرية والمالية تثقل كاهل الأهالي كثيراً الذين كانوا لا يطيقون زيادة على ذلك كبرياء وقسوة القرطاجيين[43].

يرى ستيفن غزال أن قرطاجة، إذا كانت قد ملكت إمبراطورية مكونة من مستوطنات بحرية متناثرة ومن بعض الولايات التي يسكنها الرعايا، فإنها لم تقم بتنظيمها. فقد مكثت أجنبية عن سكانها الذين كانوا يختلفون عنها[44]، والذين لم يكونوا يحبونها. كما لم تعمل هي لتكون محبوبة. وكان يمكن أن تدوم مدة أطول لو أنشأت في إفريقيا الشمالية أمة بونيقية بالرجال الذين كان باستطاعة هذه المنطقة تقدمهم لها، وبالحضارة التي كان بالإمكان هي أن تهبها لهم أو تفرضها عليهم. وهي مهمة تجعلها بنية البلاد صعبة على مدينة نائية بإحدى زوايا الرباعي المكون لأرض المغرب، ولكنها مهمة تجاهلت قرطاجة القيام بها[45].

وتساءل الأستاذ محمد العربي عقون عمّا إذا كان القرطاجيون يشعرون بانتمائهم إلى بلاد المغرب؟ أم أنّ انتماءهم كان قاصرا لا يتجاوز تعلّقهم بالمال والتجارة؟ حيث صعب على الفينيقيين استبدال حب المال بالتضحية بقسم منه في سبيل الوطن، ولعل فكرة الوطن كانت عندهم في أحسن الحالات لا تتجاوز أسوار قرطاج[46].

خاتمة

ترتب على التوغل القرطاجي في الفضاء الإفريقي اختلاطهم بالسكان المحليين، وصل إلى حد التزاوج معهم، وهذا الأمر نتج عنه ظهور عنصر جديد في المجتمع القرطاجي “الليبو فينيقي”، وهذا الامتزاج أدى إلى تطور اجتماعي وثقافي مهم، كانت أبعاد تلك الموجة الفينيقية قد أحدثت في الواقع تغييرات جذرية أدت إلى التلاحم والانصهار العرقي، وإلى المزج والتوحد اللغوي والتطبع بذات الطباع.   

         والواقع أن عملية تأثر النوميديين بالحضارة القرطاجية لم يكن نتيجة عمل مُنظم ومقصود قامت به قرطاجة، إنما كان بطريقة غير مباشرة وبشكل سلمي وهو النتيجة الطبيعية لتجاور شعبين وانصهارهم لمدة زمنية طويلة جداً

[1]ليبي أو لوبي: مشتق من ليبيا أو لوبا: وهو اسم عريق ضارب في القدم، دار حوله الكثير من الجدل في محاولة لتتبع أصوله لغويا وجغرافيا ثم حضاريا، ويبدو أنه اشتق من الكلمة المصرية القديمة ريبو، وفي قراءة أخرى ليبو التي تقابل اللغة العبرية لوبيم وفي الإغريقية ليبوس وفي اللغة العربية ليبيا، وقد وجدت لها نصوص كثيرة في المعابد المصرية كمعبد الكرنك الذي يعود إلى فترة الملك مرنبتاح، وعهد رمسيس السادس من الأسرة الفرعونية العشرين.لقد شاع اسم القبائل التي كانت تقطن إلى الغرب من مصر تحت اسم الليبو، ثم انتقل الاسم إلى الفينيقيين، وورد الاسم أيضا في نقوش متعددة. وعن طريق الفينيقيين انتقل الاسم إلى الإغريق، وذكر في عدة مواضع من الإلياذة ولأوديسة لهوميروس.أما هيرودوت، فقد ذكر اسم ليبيا في عدة نصوص، غير أن الاسم كان يعني لديه قارة إفريقيا كلها، أما في العصر الروماني، فقد أخذ اسم ليبيا كما هو عند الإغريق لكن مدلول الاسم تقلص في أواخر هذا العصر، وأصبح يشمل برقة فقط وجزء صغيرا من الساحل الغربي لمصر. ينظر: محمد الصغير غانم ، نصوص بونية ليبية مختارة من تاريخ الجزائر القديم، د ط، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2012، ص 148.

[2] تيت ليف، ديودور الصقلي، إفيان.

[3]Fantar Mouhamed ,L’Afrique du Nord dans l’antiquite, histoire et civilisation, payot, Paris, 1980, P60.                                                                      

[4]يذكر محمد علي دبوز لولا الجنس المغربي العتيد الذي طعم الدماء الفينيقية ولولا اختلاط الفينيقيين بالمغاربة وتأثرهم بهم لاستمروا على الضعف الذي أصاب دولتهم في المشرق ولا يكونون على القوة والشباب وطول العمر الذي حظيت به دولتهم. ينظر: محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج1، ط1، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1964، ص109.

[5] الشاذلي بورونية، محمد الطاهر، قرطاج البونية تاريخ حضارة، مركز النشر الجامعي، تونس، 1999، ص 213.

[6] فرانسوا ديكريه، قرطاجة أو إمبراطورية البحر، تر: عز الدين أحمد عزو، ط1، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1996، ص 119.

[7]Warmington. (B.H), Histoire et civilisation de Carthage, 814-146 Av.J.C, trad. Guillemin. (S.M), Payot, Paris, 1961, p 76.

[8] أصطيفن أكصيل، تاريخ شمال إفريقيا القديم، ج1، تر: محمد التازي سعود، مطبوعات أكاديمية، المملكة المغربية الرباط،2007، ص 371.

[9] نفسه، ج2، ص 74.

[10]Tite-Live, Histoire romaine, liv. XL, texte établi et traduit par. CH. Gouillard, Ed. les Belles Lettres, Paris, 1986, XX VIII, 17.

[11]Fanter, et Décret, L’Afrique du Nord dans l’antiquité ,Op, cite., P 136.

[12]أحمد السليماني، المكنون الحضاري الفينيقي القرطاجي في الجزائر، ط1، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، الجزائر، 2007، ص 137.    

[13]أجاثوكليس (Agathoclesهو قائد إغريقي كان قد نقل الحرب من صقلية إلى إفريقيا لأول مرة في حوالي نهاية القرن الرابع ق.م (310-307 ق.م) حيث قام بغزو ممتلكات غرب قرطاجة، ويذكر ديودور الصقلي بأنه بعد الانتصارات الأولى التي سجلها أجاثوكليس على القرطاجيين عاد إلى صقلية وترك مسؤولية مواصلة الحملة إلى ابنه أرخقاثوس(Archegathos). ينظر: Diodore de Sicile ,Bibliothèque Historique de Diodore de Sicile, Tome 01, Trad par ; Ferdinand Hoefer , T ;3, éd.Adolphe Delahays, Paris, 1851., XX,57,5-6.

[14]Ibid, XX,L. V,4.

[15] محمد مصطفى بازامه، سكان ليبيا في التاريخ، ج1،ط1، دار ألف باء، لبنان، 1994، ص ص 90-91.

[16] يذكر دوكريه: ”لو أردنا استخدام تعبير أخف لقلنا “أفروفينيقيين”. ينظر: فرانسوا دوكريه، قرطاجة الحضارة والتاريخ، تر: يوسف شلب الشام، دار طلاس، دمشق، 1994، ص119.

[17] فرانسوا ديكريه، قرطاجة أو امبراطورية البحر، المرجع السابق، ص 119.

[18]Diodore, XX,L. V,4.

[19] فرانسوا ديكريه، قرطاجة الحضارة والتاريخ، المرجع السابق، ص 70.

[20] هذا ما يشبه جنس السواحلية في شرق إفريقيا في التاريخ الحديث الذي ينحدر من آباء عرب وأمهات أفريقيات، فقد عثر في شبه جزيرة البيرنيه على نقود مكتوب عليها بالخط اللوبي الفينيقي، فمن الجائز أنه كان لمزيج من السكان المغاربة والفينيقيين الذين نقلتهم قرطاجة من إفريقيا إلى أسبانيا لتحكم سيطرتها هناك. ينظر: تسيركين يولي بركوفيتش، الحضارة الفينيقية في إسبانيا، تر: يوسف أبي فاضل، مراجعة: ميشال أبي فاضل، جووس بروس، بيروت، 1988، ص62.

[21] أصطيفن أكصيل، ج1، المرجع السابق، ص 291.

[22]أحمد السليماني، المرجع السابق، ص 136.

[23] محمد حسين فنطر، اكتشاف حنّون لعالم جديد، تونس أعلام ومعالم، الوكالة القومية للتراث- المعهد الوطني للتراث، مارس 1997، ص48.

[24] نقشت أخبار رحلة حنون على لوحة برونزية بلغتها البونية، ثم أودعت بعد ذلك في معبد الإله بعل حمون الذي يقابل الإله الإغريقي كرونوس (Cronos). وقد ضاعت الكتابة الأصلية ولم تبق إلا الترجمة الإغريقية. ينظر، محمد الصغير غانم، المظاهر الحضارية والتراثية لتاريخ الجزائر القديم، ج 2، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2011، ص 195.

[25] المرجع نفسه، ص 195.

[26] المصطفى مولاي رشيد، المغرب الأقصى عند الإغريق واللاتين القرن السادس ق.م، القرن السابع ميلادي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ط1، 1993، ص14.

[27]أصطيفن أكصيل، المرجع السابق، ص477.

[28]أحمد السليماني، المرجع السابق، ص 136.

[29] نفسه، ص ص 29 – 30.

[30] أصطيفن أكصيل، المرجع السابق، ج1، ص 394.

[31]معبد دوقة: كانت مدينة دوقة (Dougga) من أهم المدن الداخلية التي وردت الإشارة إليها في الوثائق الكتابية والأثرية، وقد اقترن اسمها بالملك ايلماس (Ailymas) الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع ق.م. ينظر: Diodore de Sicile, XX, 17,1 et 18,3.

[32]أحمد السليماني، المرجع السابق، ص 137.

[33] مفتاح محمد سعد البركي، الصراع القرطاجي الإغريقي من القرن السادس حتى منتصف القرن الثالث ق.م وأثره على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في قرطاجة، مجلس الثقافة العام، سرت-ليبيا، 2008، ص 253.

[34] المرجع نفسه، ص 253.

[35] محمد الصغير غانم، المملكة النوميدية والحضارة البونية، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 1998، ص ص 148-156.

[36] مفتاح محمد السعد البرمكي، المرجع السابق، ص 254.

[37]Albertini.(E), Marçais.(G), Yver.(G), L’Afrique du nord française dans l’histoire, Ed. Archat, Lyon, Paris, 1937, p 43.                                                    

[38] أصطيفن أكصيل، المرجع السابق، ج2، ص 226.

[39] مفتاح محمد سعد البركي، المرجع السابق، ص 256.

[40] أصطيفن أكصيل، المرجع السابق، ج2، ص 226.

[41] نفسه، ج2، ص 227.

[42] أصطيفن أكصيل، المرجع السابق، ج2، ص ص 227-228.

[43] نفسه، ج2، ص232.

[44] استنتج الأستاذ محمد الصغير غانم بأن القرطاجيين ارتضوا لأنفسهم البقاء غرباء رغم استقرارهم في المنطقة أكثر من ثمانية قرون. ينظر: محمد الصغير غانم، المملكة النوميدية والحضارة البونية، المرجع السابق، ص45.

[45] أصطيفن أكصيل، المرجع السابق، ج2،  ص ص 232-233.

[46] محمد العربي عقون، من تداعيات الحرب البونية الأولى على قرطاج ثورة جندها المأجور (241-237 ق.م)، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 21، جوان 2004، ص 207

اضغط على الصورة