دراسات أمنيةدراسات سياسية

ملابسات المشهد السوري القادمة

وليد عبد الحي

لم يبق من المشهد السوري إلا بعض ” غبار ودخان المعارك” بعد ان حسمت الدولة السورية وحلفاؤها النزال لصالحهم رغم الثمن والاوزار الفادحة لطرفي الصراع، لكن ترتيب البيت السوري بعد المعركة لا زال منطويا على قدر من الملابسات المحلية والإقليمية والدولية:
أولا : الملابسات المحلية:
يبدو ان استكمال الرئيس الاسد لفترته الرئيسية (حتى 2021) اصبحت أحد مسلمات القوى الفاعلة( وهو ما كنا قد تنبأنا به في الربع الاول من عام 2011)، لكن النزاع سيثور حول نقطة محددة وهي ان الدستور السوري الجديد( القائم حاليا) يعطي الرئيس الحق في فترتين كل منها سبع سنوات، فهل فترة حكم الرئيس ما قبل الدستور الجديد ضمن حساب الفترتين ام ان الدستور الجديد يستدعي الحساب من جديد كما تريد سوريا وايران وروسيا؟، وفي هذه الحالة فان الأسد سيتقدم للسباق الرئاسي في عام 2021 وهو ما يوفر له فرصة للمكوث في السلطة حتى عام 2028.
في وضع كهذا سيواجه الرئيس ثلاثة قوى محلية هي ” أطلال معارضة سياسية” ، وتزايد في دور الجيش السوري في صنع القرار السياسي لاسيما ان الجيش –الى جانب التحالفات الاقليمية والدولية- هو صانع النتيجة، وعليه سيسعى لنفوذ اكبر في بناء وتحديد دوره، وهو ما قد يجعل مرونة القرار فيها بعض الالتباس بخاصة اذا اتجه الرئيس الاسد نحو مزيد من تخفيف الدولة البوليسية من ناحية وتوسيع دائرة المشاركة خارج جدران البعث التي اصابها قدر غير يسير من التشقق من ناحية ثانية.
أما البعد الاقتصادي ، فإن الخبرة التجارية للمجتمع السوري والتي تعود لتراث فينيقي عميق ستجعله قادرا على اعادة البناء في وقت قياسي مقارنة بالمجتمعات العربية الاخرى التي اصابها وباء الربيع العربي.
ثانيا: الملابسات الاقليمية:
تتسم العلاقات الاقليمية السورية بقدر من التنوع من حيث ما يسميه علم السياسية ” المسافة السياسية” الفاصلة بين الدول وبيئتها الاقليمية، فالجوار المباشر يتمثل في أردن ” متلهف بالقدر السوري على تجاوز الإحن السابقة بين الدولتين” ، وعراق يمثل العمق الاستراتيجي لسوريا لكنه يعاني من تنازع داخلي كامن قابل للتفجر في أي وقت ” ، وتركيا ” التي تشكل العمق الاستراتيجي للأخوان المسلمين الاكثر عداء للحكومة السورية من ناحية لكنها الاقرب لتوجهات النظام في سوريا في النزوع للجم التطلعات الانفصالية للاكراد في سوريا” من ناحية مقابلة ، أما لبنان ” فقدرته على المناكفة لسوريا أقل من قدرته على المنازلة في ظل الثقل الذي يتمتع به أنصار سوريا في المجتمع اللبناني والقوى السياسية اللبنانية بل وفي البيروقراطية الحكومية”، وتبقى اسرائيل التي ضمت الجولان بدعم امريكي ، والتي ستبقى معنية باشغال سوريا في أية ازمات مستقبلية داخليا او اقليميا ، وهو الخيار الافضل للتخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي.
لكن لسوريا جوار الخط الثاني المتمثل في ايران والخليج العربي ومصر والجزائر والمغرب، ومن الواضح ان الدور الايراني سيبقى أطول مما يعتقد الكثيرون، لكن هذا الدور مرهون بشكل اساسي بطبيعة التطورات الداخلية في ايران، فمع استمرار خامنئي فلن يجري تغيير ذو شأن نحو سوريا، لكن مرحلة ما بعد خامنئي ستفتح الباب على احتمالات عديدة يطول شرحها في هذا المقام ناهيك عن مدى قدرة الطرفين السوري والايراني في بناء ” علاقة عقلانية ومنضبطة بين الجيش السوري والقوات الإيرانية مستقبلا”…اما دول الخليج فموقفها الاقل عداء من سوريا حاليا محكوم ببعض الاعتبارات مثل ” التراخي الامريكي في مواصلة المواجهة مع النظام في سوريا من ناحية والرغبة في استمرار سياسة المكايدة مع قطر والضغينة مع تركيا من ناحية ثانية، ناهيك عن الفشل في تحقيق أي انجاز في سوريا..اما مصر فيبدو انها تتبنى موقف المتنبي ” لا خيل عندك تهديها ولا مالُ..فليسعف القول إن لم يسعف الحالُ” بينما الجزائر تمر في مرحلة انتقالية لكنها أيا كانت نتائج هذه المرحلة ستبقى قريبة من سوريا حتى لو فاز رئيس اسلامي في انتخابات قادمة.
ثالثا: الملابسات الدولية:
من الواضح ان الولايات المتحدة لا تسعى في فترة ترامب ” لافعال حربية واسعة” في ظل انشغالاتها وفوضى علاقاتها التجارية مع الصين ومزاحماتها الاستراتيجية مع روسيا وتنامي الشقوق في جدران علاقاتها الاوروبية الى جانب المشكلات الاقليمية في ايران وفنزويلا ومع كوريا الشمالية ومع المكسيك ناهيك عن ان ادارة ترامب هي صاحبة اعلى معدل تغييرات في المناصب العليا في التاريخ الأمريكي ، ويبدو ان الوجود الأمريكي في سوريا يستهدف مسالتين هما أولا دعم الاكراد(بالتنسيق مع اسرائيل)، وهو هدف غير قابل للتحقق في المدى المنظور نظرا للموقع الجغرافي للأكراد بين دول اربع تعتبر المشروع الكردي تهديدا لامنها القومي، والثاني لمحاولة مقايضة سحب قواتها من سوريا بسحب القوات الايرانية من سوريا، وهو أمر لا يقل صعوبة عن الامر الاول في ظل حاجة كل منهما للآخر،فالوجود الايراني في سوريا مهم لإيران في حالة قيام اسرائيل بعدوان على ايران.
اما روسيا فتبدو براغمتيتها ناجحة الى حد كبير في إدارة علاقتها مع المتناقضين، فهي نجحت في نقل تركيا لموقف مختلف كثيرا عن بداية الازمة السورية بل إن روسيا توظف بعض التزاحم الايراني التركي على مركزية الاقليم لجني الثمار من حقليهما معا، وهي تنسق – في حدود مع ايران في سوريا- ولكنها أقل تناغما مع ايران في الموقف من أنصار الله في النزاع اليمني، كما انها تبدي قدرا من التنسيق مع اسرائيل بشكل يصب في نهاية المطاف في مصالحها ، وهو نفس الاستراتيجية التي تتبناها الصين.
أما أوروبا ، فيبدو انها تنتظر مرحلة ما بعد ترامب لتبني استراتيجية فيها قدر من الاستقرار، إذ افسد ترامب الكثير من العلاقات الاوروبية الامريكية لا سيما في الشرق الاوسط.
الخلاصة:
اللعبة لم تنته، وسيبقى الوطن العربي ميدانا لصراعات متلاحقة ستكلفه دما ودموعا وجيوبا….

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock