قضايا سياسية

ملخص كتاب العلاقات الدولية بين الحاضر و المستقبل

من اعداد وفق تحديد الدكتور 2014

مقدمة :

تغيرت السياسة الدولية بطرق مختلفة في السنوات الاخيرة، فالاوضاع الموضوعية و القوى و الظروف الكامنة، و توزع القوة، و التأثير الاقتصادي و القضايا البارزة كلها عوامل مختلفة بالتأكيد، و لكن بالاضافة الى هذه الاختلافات، نجد ان الوضع الذاتي او اطار المرجعية الذي يفهم الناس من خلاله الاحداث العالمية تغير هو الاخر، فقد انتقلنا من المجتمع البشري الذي عاش حياته الجماعية مجزأة الى سياق جديد يعيش فيه هذا المجتمع حياته ككل لا يتجزأ، فالحضارة العالمية التي نشأت الان هي ذات نفوذ اكبر بكثير نسبيا من نفوذ حضارة روما التي كانت الاوسع انتشارا من كل الحضارات العالمية السابقة، فأبعد قرية في غابة مهجورة أصغر كوخ معزول في القطب الشمالي يشعران بسلطة التأثير و السيطرة في العصر الحالي…

الفصل الاول : تطور مسار العلاقات الدولية

المبحث الاول : المقاربة التاريخية لمفهوم العلاقات الدولية

ان العلاقات الدولية قائمة منذ زمن بعيد، منذ ان وجدت الجماعات البشرية و تنوعت و تعددت، منذ قيام المدينة الدولة مثل المدن الفينيقية و المصرية و اليوناية، و التي كانت في مجملها قائمة على القوة و الحروب، كوسيلة تتخذها الاقوام القديمة لفرض ارادتها على الاقوام الضعيفة، و لما كان الملك الحاكم في الماضي يجسد الدولة، و كانت المنازعات تحل

بالحروب، فقد كان السائد ان تطغى الصراعات على القضية البشرية، مع الابقاء على بعض الاستثناءات التي تهدف الى تنظيم العلاقات نحو السلام، بسلك الطرق الدبلوماسية البدائية التي يعبر عنها بالمفاوضات، و ضلت تستعمل للتعبير عن التعامل السلمي بين الدول حتى منتصف القرن السابع عشر، حيث حلت محلها الدبلوماسية التي يعرفها البعض ” بفن المفاوضات “، و المفاوضات لا تعني بالضرورة بديلا كاملا عن استخدام القوة، انما جاءت كاستثناء للتخفيف من حدة الحروب التي كانت طاغية على العلاقات الدولية حتى معاهدة وستفاليا سنة 1648م.

و لما كانت الحروب عبارة عن نزاع مسلح بين دولتين او اكثر بقصد الغلبة و فرض شروط للسلام، فان الدبلوماسية  هي فن الاقناع دون استعمال القوة في سبيل المحافظة على السلام، هكذا نجد ان هناك علاقة ربط في الاهداف بين الحرب    و الدبلوماسية كما جاء في كتاب كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية، حين قال ان هناك زواج بين القوة المسلحة و الدبلوماسية و ليس بينهما طلاق.

بعد الحرب العالمية الاولى لجأ المجتمع الدولي الى المطالبة بتحقيق السلم عن طريق القانون الدولي، و قد تجسدت هذه المطالبة عمليا بقيام عصبة الامم، كمنظة دولية تعمل على استقرار السلم و الامن الدوليين، الا ان التضامن بين أعضاء عصبة الامم كان مفقودا، فقد انقسمت المواقف بين من يريد من هذه المنظمة ان تتمتع بالقوة و القدرة على مراقبة ألمانيا و اجبارها على احترام معاهدة السلم، و ذلك بإنشاء قوة عسكرية تابعة لها، وكانت فرنسا من مناصري هذا التوجه، في حين كان هناك توجه اخر عملت انجلترا و أغلبية الدول الانجلوساكسونية على ان لا تكون عصبة الامم قوة قاهرية تحد من سيادة الدول، حيث تبقى مسخرة لارادة الدول على ان تتمتع بحق الوساطة الدولية في حال قيام اي نزاع او نشوب خصام، الا انه و بعد اتفاق ميونخ 1938م، بدأت بريطانيا تبدل من سياستها القديمة المسالمة، لتتجه نحو التسلح و القوة، و قيام الدول الدكتاتورية بالاعتداء و العنف لتنفيذ سياستها، لكل هذه الاسباب كان لابد ان يعود للقوة الدور الاساسي في العلاقات الدولية، التي كانت من نتائجها قيام الحرب العالمية الثانية، و بعد انتهاء الحرب و قيام هيئة الامم المتحدة، بدأت العلاقات الدولية تميل نحول السلم أكثر من ميلها نحو الحرب، لكن تطور الاحداث الدولية أدى إلى تعطيل سياسة الامن الجماعي، بانقسام العالم الى معسكرين متخاصمين يميلان بعلاقتهما نحو الحرب أكثر من من ميلهما نحو السلم، الا ان وجود الاسلحة الذرية لدى كل من هذين المعسكرين بدل من مفهوم الحرب، فتحولت من صراع هدفه الحاق الهزيمة بالخصم الى صراع من اجل فناءه، لذلك خيم على العلاقات الدولية نوع من السلم قائم على توازن الرعب، بدون التخلي عن امكانية الحرب، و هو ما عرف بالحرب الباردة، وهذا النوع من الحرب لم يبق في حالة ركود، بل أخذ حالة تصاعدية من التوتر في العلاقات الدولية، من خلال سباق التسلح و امتلاك أسلحة الدمار الشامل، التي كادت ان تجر العالم الى حرب تدميرية فعلية تكون وباء على الجميع، و لكي يتفادى المجتمع الدولي هذا الحال طرح مبدأ التعايش السلمي بين نظامين مختلفين، ليخفف من حدة التوتر و يقود في الوقت نفسه الى سياسة الانفراج الدولي و من ثم الوفاق، الى مرحلة انتقالية نحو العولمة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ليحكم العالم من قطب واحد بدلا من الثنائية التي كانت قائمة سابقا، الا ان هذا لم يحد من التوتر، فالأزمات الاقليمية التي طرحت كانت تحل بالطرق العسكرية و لم تحل بالاداة السلمية، و هذا دليل على ان الصراع الدولي لم ينته بعد.

المبحث الثاني : بداية التطور

اذا كانت العلاقات الدولية لم تتبلور كعلم في مجال المعرفة الا في الريع الاول من القرن العشرين، فان العلاقات السياسية نشأت منذ ان وجدت التكتلات البشرية، و قامت بين القبائل روابط الجوار او حصلت فيما بينها الغزوات، و ذلك منذ نشأة الجماعة البشرية التي اضطرت من اجل الحفاظ على بقائها و تأمين حاجتها الى التعامل مع غيرها من التكتلات.

بعد التطور التاريخي للمجتمع الانساني الذي تحول فيما بعد، الى مجتمعات سياسية تحولت بدورها الى وحدات شكلت نواة الدولة، فأصبحت تشعر بضرورة انشاء علاقات سلمية فيما بينها تقوم على التعاهد و تبادل البعثات الدبلوماسية     و فض النزاعات عن طريق التحكيم، و لعل اول تحكيم سجله التاريخ كان بين اسبارطة و مسينا ( 123 ق.م )، وبعد نهاية العصور الوسطى و بداية العصر الحديث، عصر النهضة شهدت اوروبا حروبا دينية بين الكاثوليك و البروتستانت دامت حولي ثلاثين سنة، و بعد الروح القومية التي رافقت الاكتشافات الجغرافية، بدأت تطرح  فكرة التنظيم الدولي، للبحث عن سلام دائم بين الدول، حيث شهدت العلاقات الدولية خلال القرن السابع عشر، تطورات هامة، بإنعقاد مؤتمر وستفاليا عام 1648م، حيث اعتبرت تلك المعاهدة الاساس الذي قامت عليه العلاقات الدولية حتى قيام الثورة الفرنسية، لقد هذه المعاهدة حدا نهائيا للمشكلة الدينية ببقاء المذهبين الكاثولكي و البروتستاني متعايشين في اوروبا، و اطلقت فكرة الدولة القومية في العلاقات الدولية، و اسس نظام البعثات الدبلوماسية و ذلك بقيام تبادل الدول للسفارات، غير ان هذه الصورة السلمية لم تحقق اهدافها بسبب سباق التسلح و الزيادة في الحركة الاستعمارية، مما أدى الى الحروب، فكانت النتيجة حروب و نزاعات هنا و هناك و اختتمت بالحربين العالميتين الاولى و الثانية.

المبحث الثالث : تحديد مفهوم العلاقات الدولية

المطلب الاول : مفهوم العلاقات الدولية

مع ان العلاقات الدولية قائمة منذ أبد العصور، الا انها لم تتبلور في العلوم الاجتماعية الا حديثا، و كانت  الولايات المتحدة الامريكية في طليعة الدول التي أقبلت على هذا العلم بعد الحرب العالمية الاولى، و عهدت بتدريسه في جامعتها بعد تخليها عن عزلتها الدولية و توجهها نحو الاهتمام بالشؤون الدولية، مما حتم عليها معرفة كيفية التعامل مع الغير و بذلك دراسة الاسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية، بعد ذلك اهتمت الجامعات الاوروبية بهذا العلم و دراسته تحت أسماء مختلفة، كالشؤون الدولية او السياسة الخارجية او المنظمات الدولية و غيرها، غير ان تدريس هذه المادة من قبل اساتذة غير مختصين ادى الى التشعب في مضمونها.

المطلب الثاني : تعريف العلاقات الدولية

تكثفت التعاريف حول مفهوم العلاقات الدولية، حيث هناك من يرى ان السياسة الخارجية مظهر من مظاهرها عن طريق العلاقات السياسية لدولة مع دولة اخرى، ورأى بعضهم ان العلاقات الدولية هي تلك القوى الاساسية الاكثر تأثيرا في السياسة الخارجية، اما البعض الاخر عرف العلاقات الدولية هي مجموعة من الأنشطة المختلفة كالاتصالات الدولية      و التبادل التجاري و المباريات الرياضية و بانها تلك العلاقات بين الافراد الذين ينتمون لدول مختلفة الى غير ذلك…

و نستنتج مما سبق ان العلاقات الدولية ليس هناك اجماع موحد على تعريفها من قبل جميع الباحثين المهتمين بدراستها، فجميع تلك التعريفات صحيحة بمجملها، فالقواسم مشتركة بينهم حيث ان العلاقات الدولية تتم عبر الحدود ة انها تتم خارج نطاق الدولة الواحدة، فهي تطال الدول و المنظمات الدولية و الشركات المتعددة الجنسيات و الجماعات السياسية كالاحزاب الى غير ذلك…

المبحث الرابع : العلاقات الدولية و العلوم الاخرى

تهتم العلاقات الدولية ببحث المسائل الدولية، فتلتقي بذلك و تتداخل مع باقي العلوم الاخرى التي تتناول جانبا من هذه المسائل، فما هي نقاط الالتقاء و الاختلاف بين العلاقات الدولية من جهة و العلوم الاخرى من جهة ثانية ؟

المطلب الاول : العلاقات الدولية و القانون الدولي العام

يقصد بالقانون الدولي العام هو مجموعة من القواعد المنظمة للعلاقات بين الدول و المنظمات الدولية او غيرها من الجماعات السياسية، فالاضافة الى تنظيمه هذه العلاقة فهو يبين ما لهم من حقوق و ما عليهم من التزامات شأنه شأن اي قانون، و لذلك يرتبط بالمعرفة القانونية، اذن الاختلاف بين علم العلاقات الدولية و القانون الدولي، يتمثل في ان الاول يهتم بالتحليل الموضوعي لراوبط الواقع من احداث في العلاقات الدولية، بينما يهتم الثاني بالتحليل الشكلي للروابط القانونية و هكذا يقتصر اللقاء في انهما مجرد يعملان في مجال واحد و هو العلاقات بين الدول.

المطلب الثاني : العلاقات الدولية و التاريخ الدبلوماسي

ان التاريخ يفسر الوقائع التي حدثت في الماضي و تحدث في الحاضر و يسجلها، انه يساهم بذلك في فهم القضايا الدولية المعاصرة و يدرك أهمية التعاون بين الشعوب، لذلك و جب الربط بين التاريخ السياسي و العلاقات الدولية لكونهما يشتركان معا في تناول العلاقات بين الدول، و لكون العلاقات الدولية تعتمد كثيرا على التاريخ لتتمكن من فهم أحداث الحاضر و استخراج القواعد التي تتحكم في الظواهر الدولية، اذن يتشارك التاريخ الدبلوماسي و علم العلاقات الدولية في مجال واحد و هو العلاقات بين الدول، بفرق ان الاول يتناول تاريخ الاحداث هذه العلاقات، اي انه يقوم بتسجيل الاحداث المحسوسة، بينما يسعى الثاني علم العلاقات الدولية الى الفهم الشامل لأحداث الواقع الدولي دون العناية بكل حدث بذاته.

المطلب الثالث : العلاقات الدولية و علم السياسة

ان علمي السياسة و العلاقات الدولية علمان يتناولان وجهين لواقع واحد، هو “المجتمع السياسي” و لكن بينما يتناول علم السياسة المجتمع السياسي في ذاته، يتناول علم العلاقات الدولية العلاقات ما بين المجتمعات السياسية المتعددة، بهذا يصبح علم العلاقات الدولية بمثابة فرع من علم السياسة، بمعنى اخر انه اذا كان علم السياسة يتناول من ظاهرة السلطة و الحكم في الدولة موضوعا أساسيا لدراسته، فإن العلاقات الدولية تهتم بدراسة السلطة في إطار المجتمع الدولي الذي يضم مجموع الدول التي تكونه.

الفصل الثاني : الاتجاهات النظرية لمفهوم العلاقات الدولية

ان النظرية العلمية تطلب موقفا علميا لظاهرة ما من اجل تفسيرها و معرفة حقيقتها، و يعتبر البعض ان للنظرية في العلوم الاجتماعية عامة، و في العلاقات الدولية خاصة وظيفتان أساسيتان هما: الاولى هو تدوين ما هو معروف سابقا بمنهجية سليمة، و الثانية توفير الاساس الذي يمكننا من الحصول على مزيد من المعرفة و تدوينها. فما هي اهم النظريات في العلاقات الدولية ؟

المبحث الاول : النظريات في العلاقات الدولية

تهدف نظرية العلاقات الدولية الى  تفسيرها، فقد استطاع العالم الامريكي هوفمن ان يقدم تصنيفا للنظريات يختصرها في ثلاث :

1 – النظرية الفلسفية و النظرية التجريبية

تنطلق الاولى من مسلمات معينة بناء على قيم محددة اخلاقية و ادبية بهدف نظام دولي، فيما تنطلق الثانية من حالات محددة و عديدة دون ان تهتم في اكثر الاحيان الى مفاهيم محددة و تتوصل الى اطلاق احكام عامة.

2 – النظرية العامة و النظرية الجزئية

تهدف الاولى من خلال نظرتها الكلية ايضاح و تفسير مختلف الظواهر الدولية، اما الثانية جزئية حيث تتناول جانب او شكل من ظواهر و تفعلات دولية كنظرية منع قرار و نظرية الردع و المفاوضات.

3 – النظرية الاستنتاجية و النظرية الاستقرائية

تنطلق الاولى من فرضية و مسلمة معينة لاستكشاف قواعد سلوكية محددة، اما الثانية الاستقرائية فهي تنطلق من واقع محدد، و من حالة معينة من اجل ابراز سماتها العامة.

رغم هذا التصنيف للنظريات في العلاقات الدولية، يبقى هناك صعوبات امام وضع نظرية واحدة و موحدة، بسبب صعوبة حصر المتغيرات الدولية و ارتباطها بعوامل متعددة منها اقتصادية و فكرية و بيئية و غيرها من العوامل، لكن حاول بعض الباحثين جمع هذه المفاهيم الفكرية المتناقضة في ثلاثة تيارات اساسية و هي :

أ – التيار الماركسي

ب – التيار الانجلو-سامسوني

ج- المدرسة الفرنسية في العلاقات الدولية

ينطلق التيار الماركسي من رؤية ماركسية للعلاقات الدولية حيث يتركز الصراع الطبقي المرتبط بعلاقات الانتاج، فمن جهة هناك المستغلون ( بكسر الغاء ) و من جهة اخرى المستغلون (بفتح الغاء )، لكن التيار الماركسي لم يبقى واحدا و موحدا فقد خضع لتفسيرات مختلفة باختلاف الدول فنتكلم عن الماركسية الاوروبية و الاسيوية و غيرها…فما هي المنطلقات الاساسية لكل هذه المدارس .

المطلب الاول : النظرية المثالية

ينطلق اصحاب المنهج المثالي في دراسة العلاقات الدولية من مقدمات عقائدية و ميتافيزقية، او اخلاقية للانتهاء بالتحليل الفلسفي، ان هذه الدراسة قديمة قدم العلاقات الدولية، فمنذ فجر العصور الحديثة و الفلاسفة المثاليون يتناولون هذه العلاقات في ضوء القيم المثالية و يعتبرون الضمير الانساني هو الحكم الاعلى في ضبط العلاقات، لكن المثالية لم تتبلور كمدرسة لها مفكروها الا بعد الحرب العالمية الاولى، حيث وقف المثاليون موقف الرفض من مجموعة المبادئ السائدة في العلاقات الدولية، مثل مبدأ توازن القوى و مبدأ استخدام القوة و التقسيم المجحف للعالم خلال الحرب، و طرحوا مبادئ مقابلة تمثلت في الحقوق و الالتزامات القانونية الدولية.

و كانت القضية السياسية و الاخلاقية الاساسية التي وجهتها المدرسة المثالية هي “قضية الفجوة” القائمة في العلاقة الدولية بين الواقع المتمثل بالحرب العالمية الاولى و بين الطموح في بناء عالم افضل، و لكن هذه النظرية المثالية لم تصمد كثيرا امام تحديات الواقع الدولي و تطور احداثه، فإذا كانت قد انطلقت من مسلمات اخلاقية و قانونية و عقلانية     و اعتمدت على الرأي العام في فهم مسار العلاقات الدولية، فانها كانت كانت عاجزة عن فهم الاسباب التي تدفع الدول لانتاج سلوكيات نزاعية و عدوانية، اي انها لم تتمكن من تحديد الدوافع التي تحرك الدول نحو العدوان و الحرب، على ان فشل المدرسة المثالية ساعد على نشوء المدرسة الواقعية التي جاءت لتدرس ما هو قائم في العلاقات الدولية لا ما يجب ان تكون عليه العلاقات.

المطلب الثاني : النظرية الواقعية

ان دراسة العلاقات الدولية بمنهج علمي واقعي، هو من أحدث فروع العلوم الاجتماعية، فقد أدت الحرب العالمية الثانية و التطورات التي رافقتها الى تحويل التفكير في العلاقات الدولية من المثالية الى الواقعية، اي من القانون و التنظيم الى عنصر القوة، ببدء انتقال الاهتمام من دراسة المنظمات الدولية و القانون الدولي الى دراسة السياسة الدولية و الاحداث و الظواهر السياسية، كما هي في الواقع و ليس كما يجب ان تكون، و ارتبطت نشأة المدرسة الواقعية بجهود الباحثين الامريكين، بدءا من عام 1940م، مترافقة مع التوجه الجديد للسياسة الخارجية الامريكية، بعد تخليها عن النزعة الاخلاقية في سياستها الخارجية و توجيه جل اهتمامها نحو المصلحة القومية التي اقتضتها الاوضاع الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

ان اصحاب النظرية الواقعية في العلاقات الدولية تأثروا بكتابات الفكرين القدامى في الغرب و بفلسفتهم السياسية القديمة و ببعض كتابات مفكرين غير غربيين، فخلال القرن السادس عشر كان مكيافيللي قد تبنى نظرية سياسية في العلاقات الدولية تقوم على على منطق القوة و الدهاء، و ذلك لضمان أمن الدولة و بقائها، كما ان اهتمامه بالقوة و اعتماده بان السياسة هي تصارع على المصالح، تركت اثرا كبيرا على الكتاب و المفكرين الوقعيين، و جعلته يحتل مكانة مرموقة بينهم،  لكن تعرضت  المدرسة الواقعية لعدة انتقادات بسبب اخذها بمفهوم القوة كمتغير رئيسي في وضع نظام العلاقات الدولية و متابعة تطوراتها، و اهمالها لباقي المؤثرات الاجتماعية غير المادية كالعوامل الروحية و المعنوية، مما لا يكفي لشرح و تفسير هذه العلاقات.

ان هذه الانتقادات و غيرها ساهمت الى حد ما في اضعاف موقع المدرسة الواقعية و تبيان عجزها في دراسة العلاقات الدولية، مما دفع للظهور في اواخر السبعينات من القرن العشرين، مدرسة اخرى وهي الواقعية الجديدة، التي اعتبرت امتدادا لها و لكنها متطورة عنها من حيث انفتاحها على العلوم الاجتماعية الاخرى مستفيدة منها، بعد ان كانت قد سبقتنها بالظهور المدرسة السلوكية. فما هي المنطلقات الاساسية للمدرسة السلوكية ؟

المطلب الثالث : النظرية السلوكية

شهد عقد الخمسينات من القرن العشرين، ظهور المدرسة السلوكية بهدف ايجاد “نظرية تعليلية تفسيرية تنبؤية”، باعتمادها على قواعد و مناهج بحث علمية و مقارنة، تقوم بمجملها على القياس الكمي للمتغيرات الواقعية في العلاقات الدولية، ان هذه النظرية هي تحليلية عامة و ليست خاصة و تفسيرية وليست معيارية، و تحاول هذه المدرسة الربط بين الظواهر السياسية و الظواهر الاجتماعية لتخرج بنتيجة مفادها، ان السلوك السياسي هو جزء من سلوك اجتماعي عام، لذلك و بالرغم من انتقادها للمدرستين المثالية و الواقعية لافتقادهما لمناهج البحث العلمي، و باعتماد الاولى على القانون و الثانية على القوة، منطلقة من ان سلوكيات الدول هي اساس سلوكيات الافراد و الجماعات، باعتبارها سلوك البشر هو جوهر العلاقات السياسية، لكنها تعرضت لعدة انتقادات هذه اهمها :

 – تنتقد السلوكية بانها تبتعد عن الواقع الدولي لعدم تمكنها من اخضاع بعض الظواهر الموجودة في العلاقات الدولية كالجوع و المرض و غيرها من الظواهر.

المطلب الرابع : نظرية المدرسة ما بعد السلوكية

تركز هذه المدرسة في منطلقاتها على أهمية القيم في أهداف البحث و مسلماته، و ترفض المنطق الذي يقول بوجود بحث مجرد من اية قيمة، كما هو عند السلوكية، و تدعو الى توجيه الابحاث لخدمة السلام العالمي و الابتعاد عن الحروب و بناء دولي افضل، و تلتقي كذلك هذه المدرسة مع المثالية من حيث ايمانها ب الانسجام في المصالح بين الافراد و بين المجتمع الدولي و بين المصلحة القومية و المصلحة العالمية، و توجه هذه المدرسة لدراسة العلاقة الدولية  نحو ايجاد حلول للنزاعات  الدولية المتعددة، و ليس  الاكتفاء فقط التعرف على هذه المشكلات و الكشف  عن أربابها، و تعتقد  كذلك ان هناك أطرافا اخرى فاعلة على صعيد السياسة العالمية غير الدولة  تلعب دورا موازيا بالاهمية و احيانا اكثر اهمية من العديد من الدول، كالكتل و المنظمات الاقليمية و الدولية.

الفصل الثالث : الدراسات عن السلام و حل النزاعات  

شهدت مرحلة ما بعد الحرب الباردة تسارع الدرسات عن تطور السلام و حل النزعات، و في هذا المجال نجد ان الدرسات عن السلام و حل النزعات الدولية تكمل دراسة العلاقات الدولية، و بالرغم انه لا يوجد تعريف وحيد للسلام  و حل النزاعات، فوجهة النظرالمقبولة عموما تقول عنه انه مجال اكاديمي متشابك الموضوعات يحلل أسباب الحرب، و العنف، و القمع المنتظم، و يكتشف العمليات او الاجراءات التي يمكن استخدامها لادارة النزاعات و التغييرات على نمو يمكن من الصيانة القصوى للعدالة، و من التقليل الى اقصى حد من العنف، و يشمل هذا المجال دراسة الانظمة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في جميع المستويات منها القومية و العالمية الى غير ذلك من العلوم، ان السلام و حل النزاعات يتطور و يتحرك خارج المفهوم التقليدي للقوة و الامن، فان هذه الدراسات عن السلام و حل النزعات تقر بان الجوع و الفقر و الاستغلال مثلا هي تحديات للامن القومي، و عموما فان السلام و حل النزعات يركز على امن النظام العالمي كله، كذلك نجد ان الامن المعزز لدولة ما يتطلب امنا محسنا لكل الدول ايضا، و بالتالي فان مفهوم الامن المشترك الذي يشترط وجود مصالح مشتركة يؤدي الى امن متزايد الاهمية للدول كلها، و اذا كانت العلاقات الدولية تنظر الى السياسة و الثقافة بوصفهما موضوعين منفصلين احدهما عن الاخر، فان مسألة السلام و حل النزعات ترى في السياسة نشاطا سياسيا     و ترى في السياسة العالمية نوعا من الاتصال الثقافي، و اذا كانت العلاقات الدولية تميل الى تفعيل الوصف و الشرح، فان مسألة السلام و حل النزعات تسعى على نحو اوضح الى الاخذ بالتنبؤ، الذي يعتبر الاخذ به امرا مقصودا في السياسة.

المبحث الاول : طبيعة السياسة العالمية

ان الجدل المتعلق بالطابع الحقيقي للسياسة العالمية و كيفية دراستها على أفضل و جه، هو ذلك الوجه بين الايجابيين    و من هم بعد الايجابيين. فالايجابيون يعتقدون، بالواقعية الموضوعية المتحررة من القيمة و يقبلون باسلوب الاقتراب الغربي السائد الى المعرفة المتجذرة في العقلانية و المادية، اما من هم بعد الايجابيين فيرفضون سيطرة العلم التجريبي الغربي و يؤكدون انه يوجد الكثير من الوسائل المنطقية و الطرائق الاخرى لائشتقاق المعرفة، و هو يخضع لمجموعة متنوعة من التفسيرات المعتمدة على وجهات نظر الناس المنخرطين فيها.

المطلب الاول : المقاربة الانثوية للعلاقات الدولية

ان احد الاسهامات الهامة في الجدل الدائر عن السياسة العالمية هو ان اصواتا اخرى بدأ تسمع في دراسة العلاقات الدولية، و لعل الابرز منها هو صوت الجنس اللطيف، و هناك حجم متزايد من الكتابات الانثوية التي تتحدى معظم المفكرين ان يقدروا المدى الذي يمكن فيه للممارسة التقليدية و لعلم العلاقات الدولية ان يلقيا الضوء على المفاهيم         والافضليات التقليدية للذكور و على الاستمرار في تجاهل اهتمامات النساء، و الاسهام في قمعهن المستمر.

ان الابعاد النسبية الانثوية في مجال العلاقات الدولية و التي تعني كيفية تفسير الواقع من حولنا بدأ الان تكتسب سماتها البارزة او تظهر فعلا الى الوجود، و ان ما ينتشر عن العلاقات الدولية و الانوثة يكشف ثلاثة أبعاد هامة، تدعى أحيانا اطارات عمل او حسابات نظرية و هي : الليبرالية، و الاتجاه الانثوي الجذري، و البناء الاجتماعي، و ان وجود هذه الابعاد الثلاثة يعكس غياب النظرية الرئيسة الموحدة.

ان الاهتمام الرئيس للاناث الليبراليات كان و لا يزال يتمثل في الحصول على حقوق و فرص متساوية للنساء في مجتمع يحكمه الذكور، وقد اكتسبت الانثوية الراديكالية مكانة بارزة في المجتمعات الغربية اثناء اعوام الستينات، و تنامت انطلاقا من راديكالية الطلبة في اوروبا، يبنما شكلت جزءا من حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الامريكية.

ان البعد الانثوي النسبي الثالث، اي البناء الاجتماعي، فانه يضم افكار ما بعد الحداثة و ما بعد البنيوية، و عموما فان علاقة الفكر الانثوي بالتيارات النظرية لما بعد الحداثة و ما بعد البنيوية هي علاقة معقدة، و يهتم هذا الاسلوب الخاص بالهوية

المطلب الثاني : طرق الدراسة

لكي نقدر على نحو أكثر كمالا مجموعة أساليب الاقتراب الى العلاقات الدولية و الى الجدل المتعلق بعلم المعرفة يحتاج الطلاب الى فهم شيء ما عن منهجية هذا المجال، و عملية البحث فيه. فالاسئلة الكثيرة التي طرحت عن فعل الدول و رد فعلها تطلبت معطيات يجب الاجابة عنها بشكل مقنع، و قد افترض السلوكيون بوجه خاص، انه اذا لم يكن ممكنا اكتساب المعرفة العلمية الا بواسطة المراقبة و تصنيف المعطيات الكمية ( العددية )، فيجب على دراسة العلاقات الدولية ان تستفيد بشكل ما، من القياس الكمي.

ان الهدف من القياس الكمي هو تحقيق دقة اكثر في التحليل، و لذا فان المفاهيم يجب ان تكون قابلة للقياس، و يشار اليها الى انها متحولات : اي قابلة للتغير، كالدخل القومي السنوي، و ذلك عبر مجموعة من الحالات ( كأن تكون مجموعة معينة من الدول ). و عندما تجمع معطيات كمية من هذا النوع عن السياسة الدولية فسوف يكون ممكنا ان يتم تحليلها باستخدام مجموعة متنوعة واسعة من الاساليب الاحصائية للاجابة عن اسئلة معقدة جدا.

ثمة مجال اخر جديد للبحث الكمي هو دراسة الاحداث الدولية، مثلا من هم الممثلون الاكثر نشاطا في هذه او تلك

الاحداث ؟ و هل يميل النظام الدولي على نحو حاسم الى السلم او العنف في أثناء فترة معينة ؟ و ما مدى بروز دور المنظمات الدولية في النشاط اليومي للسياسة العالمية ؟

و بالرغم من انه لا يجوز لاحد ان يقع في خطأ الاعتقاد بان النموذج يمثل الواقع كليا، فان اساليب النمذجة المعقدة او المتطورة تستطيع برغم ذلك، ان تقدم الينا وجهات نظر نافذة تؤمن الاستقصاء المستقبلي للعلاقات الدولية و توفر لنا فوائد نظرية و عملية كبيرة.

المطلب الثالث : الحاجة الى تفكير جديد

يجب ان نؤكد ايضا انه لكي نحقق السيطرة على الاخطار الراهنة المهددة لاستمرار الحياة البشرية، كالحرب و العنف البنيوي و الاساءة الى البيئة، فثمة حاجة الى تحول جوهري في طريقة تفكيرنا ازاء السياسة العالمية، و على سبيل المثال، فقد نرغب في ان يؤدي الضغط على زر سحري الى ازالة كل اسلحة الدمار الشامل، و لكن ان لم نكن قادرين على تغيير هذه العادات  في تفكيرنا عن العلاقات الدولية بمنطق القوة و الابادة التي خلقت هذه الاسلحة بالدرجة الاولى، فان هذه الاخيرة سوف يعاد صنعها خلال زمن قصير.

المطلب الرابع : اسلوب هذه الدراسة

يمكن الدراسة من ثلاث وجهات نظر :

أ – وجهة النظر الاولى هي مناقشة للدولة القومية بوصفها ممثلا سياسيا فرديا، و تشمل الدراسة المشكلة التي توجهها الدولة من خلال ربطها للاهداف التي تسعى الى تحقيقها بالوسائل الموجودة تحت تصرفها، و هنا نركز على مفهوم القدرة  و نقسمه الى بعدين : النفوذ و الذي يشير الى قدرة الدولة في الحصول على الموافقة على سياستها عبر وسائل مقنعة غير القوة، و القسر الذي هو عنصر القوة و الذي تحاول الدولة المعنية استخدامه لكي تلزم دولة اخرى بتنفيذ ارادتها.

ب – و جهة النظر الثانية تركز على النظام السياسي العالمي، في المجالين النظري و العملي، حيث يتم التدقيق في مفاهيم السيادة و الاستقلال و سياسة القوة و ميزان القوة و اليات تنظيم السياسة الدولية و مضامين العلاقات بين الدول اي العلاقات الدولية التي ينخرط فيها الممثلون الرئيسيون.

ج – و جهة النظر الثالثة تعالج السياسة الدولية و القضايا المؤثرة في النظام كله و في اعضائه، و تتم دراسة بعمق لكل من الحرب و السلم و الايديولوجية و الاصولية و التكنولوجيا و العلاقات بين الشمال و الجنوب و الفقر و التطور و الاقتصاد الى غير ذلك…

الفصل التاسع : حقوق الانسان

مقدمة :

يصعب تعريف حقوق الانسان و لكن يستحيل تجهلها، ان حقوق الانسان تخص و تهتم بكرامة ووقار الفرد و احترام الذات الانسانية، و هكذا فان الاعلان العالمي لحقوق الانسان ( 1948 )، و المعاهدة الاوروبية لحماية حقوق الانسان و الحريات الجوهرية ( 1950 )، و الميثاق الدولي عن الحقوق المدنية و السياسية ( 1966 )، هي كلها اجزاء من عملية توسيع افاق احترام كرامة الانسان و حريته، و فرصه في الابداع، و بالرغم من ان السعي عالمي الى الاهتمام بكرامة الانسان ووقاره، فانه يحدد و يعرف حسب ثقافة  حضارة كل شعب، و مهما يكن من امر فان كرامة و وقار الانسان يبدوان من الحجات الانسانية التي لا تقبل النقاش في شأنها.

المبحث الاول : الاهتمام الدولي بحقوق الانسان

كان مؤتمر فيينا عام 1815م  قد اظهر اهتماما دوليا بحقوق الانسان لاول مرة في التاريخ الحديث، و عالج هذا المؤتمر الحرية الدينية و الحقوق المدنية و السياسية كما وافق المؤتمرون على الغاء العبودية من حيث المبدأ، بعدها تلا هذا الاتفاق عدد من المواثيق و المعاهدات ضد العبودية نذكر منها : مؤتمر برلين في شأن افريقيا ( 1885 )، مؤتمر بروكسل ( 1890 )، معاهدة سانت جيرمن سنة ( 1919 )، مؤتمر جنيف سنة ( 1926 ).

و قد اظهر مؤتمر فرساي سنة 1919 م، اهتمامه بحماية الاقليات، و ابرمت عدة معاهدات شددت فيها الدول الجديدة على حقوق الاقليات بما فيها حق الحياة و الحرية و الحرية الدينية و الحق بجنسية الدولة التي يعيش فيها المواطن و المساواة الكاملة مع المواطنين الاخرين و ممارسة الحقوق السياسية و المدنية.

و قد اسهمت منظمة العمل الدولية على نحو خاص في تطوير حقوق الانسان، باعتبارها واحدة من اقدم المنظمات الدولية، فقد ابرمت اتفاقيات عن حق التنظيم و عقد الصفقات على نحو جماعي، و الغاء العمل الالزامي، و انهاء التمييز في العمل.

فبعد الحرب العالمية الثانية الذي عرف مجازر وابادة جماعية فقد تم التنصيص في ميثاق الامم المتحدة على مبدأ حقوق الانسان عكس ميثاق عصبة الامم الذي لم يتم الاشارة فيه لتلك الحقوق، ثم تم تبني الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة1948 من قبل الجمعية العمومية للامم المتحدة، الا ان هذا الاعلان يعتريه عيوب بحيث تعاريفه عامة و غير ملزمة، و هو عبارة عن بيان و ليس معاهدة و ليس له قوة الالزام الدولية.

و في الختام تجدر الاشارة و التنويه الى وجود منظمات غير حكومية كمنظمة العفو الدولية و منظمة هيومن رايتس      و تش الذين يقومون  بمهام تحقيقية و كشف الحقائق و المراقبة و التبليغ عن انتهاكات حقوق الانسان، كما يوجد اليوم اكثر من الف منظمة غير حكومية عبر العالم و تقدم هذه الوكالات فيضا من المعلومات و التقارير.

المبحث الثاني : المؤتمر العالمي الاول عن حقوق الانسان  .

عقد اول مؤتمر عالمي عن حقوق الانسان في فيينا سنة 1993م، و بالتالي يكون قد مر 25 سنة عن المؤتمر الدولي الاول عن حقوق الانسان في طهران، حيث تبنت 167 حكومة بالاجماع اعلان فيينا، اذ يدعوا البيان الى دمج حقوق الانسان في برامج و انشطة الامم المتحدة،  و تمت الموافقة بقوة على حقوق الاطفال و حقوق المستوطنين الاصليين و دعا الاعلان كذلك الامم المتحدة لاقامة مفوضية عليا لحقوق الانسان و اقامة كذلك محكمة عقاب دولية، الا  انه فشل في مسألة تقرير المصير.

المطلب الاول : المقاربة الليرالية و الماركسية لمجال حقوق الانسان

هكذا نحن امام حقوق الانسان بمقاربتين ليبرالية غربية و ماركسية اشتراكية تحركا بعيدا عن واجبات الفرد نحو الدولة، ان هذا الوضع فرض الدولة في موقع النيران من قبل الافراد و الجماعات المطالبين بحقوق متساوية و يبقى الاشكال في تدخل الحكومة من اجل اقرار الحقوق، فتقلل من حقوق الافراد و الجماعات، و تدخل الدولة لا يلبى الا من خلال توسيع سلطتها و هذا ما يضيق الخناق على حريات الافراد و الجماعات.

المطلب الثاني : حقوق الانسان في فترة الحرب الباردة و ما بعدها

رفعت نهاية الحرب الباردة الضباب عن مفهوم الايديولوجية الذي كان يعتم على المشهد الدولي، اذ تركت ارثا ترجيديا    وقاسيا في مجال حقوق الانسان، و تركت ايضا عالما مقسما الى اربع مجالات :

1- النزاع بين الحقوق المدنية و السياسية من ناحية و بين الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية من ناحية ثانية.

2- النزاع بين الحرية و  المساواة و الاخاء

3- النزاع بين نوعين من الدول الديموقراطية الحديثة

4- النزاع الجديد بين الاغنياء و الفقراء

هكذا اصبحت مفاهيم حقوق الانسان و الديموقراطية مبادئ مقبولة لطموحات كل مجتمع، و ان على الاقل على المستويين العالمي و القومي، يمكن الاشارة ان اول نموذج للدولة الديموقراطية الحديثة  كان ولا يزال متمثلا في المجتمع و النظام الليبرالي الرأسمالي، الذي تلعب فيه الطبقة المتوسطة المستهلكة دورا هاما و تشدد على اهمية الحقوق المدنية  و السياسية، اما الثورات الاشتراكية فقد جاءت بنموذج جديد فنجد من الامثلة الانظمة في روسيا و الصين و كوبا اذ شددت على على الديموقراطية الاشتراكية في سعيها الى استعادة التوازن للمجتمع و المساواة الاقتصادية عبر نظام الحزب الواحد الحاكم.

ان هذين النوعين من الدول الديموقراطية قد خلقا نموذجين مختلفين جذريا من الدول الديموقراطية الحديثة، لكن كلا هذين الامثلة ليسا كاملين، و يمكن ان نراهم في اشهر و اقوى دولتين في العالم، الولايات المتحدة الامريكية و الاتحاد السوفياتي سابقا.

اوقفت الحرب الباردة الجهود الهادفة الى تطوير ديمقراطية و حقوق انسانية واحدة و تامة، اذ نسفت التطور في جنوب العالم، و كان التوسع في الاخذ بالديموقراطية و الانسانية قد توقف في كلا النظامين، و بطرق مختلفة، حيث اخذت الحرب الباردة الاسبقية و كانت النتيجة هي فشل مختلف نماذج التطور، تنافس الدولتان العظيمنان على الهيمنة العالمية و اوقفتا جهود تقوية النظام الدولي و اهمال حقوق الانسان و انظمة حماية هذه الحقوق.

اما الان و بعد انتهاء الحرب الباردة فيوجد فراغ كبير في مناقشة حقوق الانسان، و العالم اليوم يفتقر الى نموذج او مثال ديموقراطي جديد و الى  نظرة متكاملة عن حقوق الانسان، لكن نجد ان الليبرالية الجديدة هي وجهة النظر السائدتان     وذلك  لاسباب تعود في معظمها الى غياب النظريات و التحليلات الجديدة، لكن يبقى الامل في ان البعض من المجتمع العالمي يجاهد و يكافح من اجل الاجتهاد و الخروج بنموذج جديد يرتكز على المكونات الثلاثة الحرية و المساواة          و الاخاء من اجل ان يستطيع العالم ان يصبح مجتمعا حقيقيا لكي يتفادى الانحدار الى الخراب و الفوضى.

الفصل العاشر : العولمة على الصعيد الدولي

مقدمة :

 جاءت العولمة لتكون نتيجة سقوط التعايش السلمي بين نظامين متناقضين خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث سقطت على اثره الثنائية القطبية لتستبدل بنظام احادي القطب كنظام عالمي جديد، فظهر لنا مسطلح ” العولمة ” كتعبير جديد عن الحال العالمية في تطور العلاقات الدولية.

ان انهيار الاتحاد السوفياتي و الانظمة التابعة له فتح المجال امام الرأسمالية لتتحرك على المستوى الكوني، مسقطة الحواجز، و مسهلة انتقال السلع و الخدمات و رؤوس الاموال و الافكار، و بما ان الشركات المتعددة الجنسيات و القوة التكنولوجيا باتت واقعا، و بما ان هذه الظاهرة ذات سمة امريكية واضحة، فقد اصبح حديث المراقبين ينصب على          ” أمركة- العالم ” من خلال العولمة. فما هي هذه العولمة ؟ و ما هو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الامريكية في النظام العالمي الجديد ؟

المبحث الاول : مفهوم العولمة

تعني العولمة في معناها اللغوي تعميم الشيء و توسيع دائرته ليشمل العالم كله، و في المجال السياسي تعني العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلد بعينه، و من الناحية الايديولوجية فهي تعبر عن بصورة مباشرة عن ارادة الهيمنة على العالم، كما عرف الصندوق الدولي العولمة في تقريره السنوي عام 1997، على انها الاندماج المتسارع للاقتصاد العالمي عبر التجارة و تدفق رؤوس الاموال و انتقال التكنولوجيا و انتشار شبكال الاتصال و الاعلام.

فالعولمة تقدم نفسها على انها حامية الحريات و رديفة للديموقراطية و حرية الاقتراع و حرية السوق الى غير ذلك، لكنها في الحقيقة ليست سوى هيمنة للقوي على الضعيفف من خلال لجوئها الى :

– السوق العالمية

– اللجوء الى الاعلام لاحداث التغيير

– اضعاف القوى الاقليمية الساعية لتحقيق استقلالية تامة لسياستها

– السيطرة على الدول الغنية بالموارد الطبيعية الحيوية

– خلق قوى اقليمية حليفة و تابعة

تلك اهم الفرضيات و الوسائل التي تلجأ اليها قوى الهيمنة العالمية لتثبيت مفهوم العولمة، و هذا المفهوم يتناقض مع العالمية التي تعني التطور و الرقي و الانفتاح على الثقافات الاخرى.

المبحث الثاني : مظاهر العولمة

ان اهم مظهر من مظاهر العولمة هو الهيمنة، و قد تكون سياسية، او اقتصادية، أو عسكرية، أو تكنولوجية، او اعلامية، او كلها مجتمعة الى غير ذلك، و بما ان الاتحاد السوفياتي انهار و اصبح العالم امام قوة دولية واحدة  متمثلة في الولايات المتحدة الامريكية، فقد نصبت نفسها حامية الوضع الدولي، و لجأت الى الحصار الاقتصادي و التهديد العسكري لتقزم خصومها، بل حتى حلفائها لكي تضمن ولائهم فهي تسيطر على مصادر الطاقة و الثروات الطبيعية في الشرق الاوسط   و جنوب افريقيا التي يحتاجها حلفائها خاصة الدول الاوروبية و اليابان.

فاليابان تستورد 95%  من نفطها 80% منه يأتي من الشرق الاوسط و زهاء 80% من مصادر الطاقة الاوروبية يأتي كذلك من الشرق الاوسط، في حين ان قدرا كبيرا من احتياجات هذه الدول من المعادن يأتي من جنوب افريقيا.

كما ان التفرد الامريكي بقرارات الامم المتحدة من جراء استهتارها بالهيئات الدولية، يعبر تعبيرا صادقا عن سياسة الهيمنة، و كذلك بقاء حلف شمال الاطلسي بعد سقوط المعسكر الشيوعي يؤكد بالملموس دعم الهيمنة الامريكية، بتدخله في البوسنة و الهرسك و صريبيا و العراق و افغانستان و الصومال…

كذلك نجد ان العولمة تدافع عن مبدأ حرية التجارة العالمية، بمعنى فتح حدود الدول و اسواقها، و لضمان نجاح العولمة الاقتصادية تم انشاء ” منظمة التجارة العالمية ” سنة 1995، و انيطت لها صلاحيات واسعة في مجال مراقبة النظم التجارية و فرض الانظباط التجاري.

هذه هي العولمة التي تعد هي الاساس في النظام العالمي الجديد.

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock