في 3 أبريل 2020 وقعت كل من الصين وإيران اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 25 عام على الأقل، وعلى الرغم من عدم نشر الوثائق الرسمية الخاصة بهذا الاتفاق إلا أن هناك كثير من التسريبات حول هذه الوثيقة وبنودها والتي تتمثل في أن الصين ستتحدى العقوبات الأمريكية بشراء النفط الإيراني. وفي المقابل، تسمح إيران للصين بالاستثمار في البلاد، خاصة أن العقوبات حالت دون وجود أية استثمارات أجنبية.

ويعتقد بعض المراقبين أن هذا الاتفاق يمكن أن يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط مما يوفر للصين موطئ قدم قوي في المنطقة على حساب الولايات المتحدة. ومن المتوقع أيضًا أن تزيد الاتفاقية من نفوذ إيران في مفاوضاتها مع إدارة بايدن حول إحياء نقطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). بالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاقية ستوفر أيضًا على المدى الطويل لإيران فرصة لتحرير نفسها من القبضة الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها التي سببت تداعيات سلبية على اقتصادها وقيّدت انتشار نفوذها السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

مبادئ أساسية

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده أن الاتفاقية تركز على الأبعاد الاقتصادية التي تعد المحور الأساس لها ومشاركة إيران في مشروع الحزام والطريق، ضمن خطة الصينية الضخمة لإقامة مشاريع بنى تحتية تعزز علاقات بكين التجارية مع آسيا وأوروبا وإفريقيا. كما أشار إلى أن مشروع الاتفاقية يعود إلى زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج إلى طهران في يناير 2016، حين قرر مع الرئيس الإيراني حسن روحاني تعزيز العلاقات بين البلدين؛ حيث تعهد البلدان في ذلك الوقت بإجراء مفاوضات لإيجاد اتفاق تعاون موسع لمدة 25 عام ينص على تعاون واستثمارات متبادلة في مختلف المجالات، ولاسيما النقل والموانئ والطاقة والصناعة والخدمات.

وكما تم ذكره في السابق فإن الاتفاق كان قيد المناقشة منذ عام 2016 وتم تأجيل توقيعه بسبب مخاوف إيران من أنه قد يكون له تأثير سلبي على مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية ويؤثر سلبًا على تنفيذ أحكام خطة العمل الشاملة المشتركة التي تدعو إلى رفع العقوبات عن إيران، ولكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بصورة منفردة وإعادة فرض عقوبات أمريكية أكثر صرامة، بالإضافة إلى تباطؤ إدارة بايدن في العودة إلى الاتفاق ساهمت في دفع إيران  نحو التوقيع على هذه الاتفاقية في مواجهة الولايات المتحدة.

وضمن هذا السياق أعلنت صحيفة نيويورك تايمز بأن الصين ستستثمر 400 مليار دولار على مدار 25 عامًا في عشرات المجالات، بما في ذلك البنوك والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، وفي المقابل ستضمن إمدادات منتظمة من النفط الإيراني بشروط مخفضة للغاية خلال تلك الفترة، بالإضافة إلى ذلك، تضمنت المسودة أحكامًا تتعلق بتوسيع التعاون العسكري والبحوث المشتركة وتطوير الأسلحة بالإضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية.  وسيصاحب الاستثمار الصيني تخفيض في أسعار النفط الإيراني لفائدة الصين، كما ستمنح طهران الأولوية للصين في تنفيذ خطط التنمية في إيران. بالإضافة إلى ذلك، ستسمح الوثيقة بتواجد 5000 من قوات الأمن الصينية على الأراضي الإيرانية. مع إمكانية حصول الصين على خصم يصل إلى 32% على مشترياتها من النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية مع تأخير السداد لمدة عامين.

تداعيات مختلفة

على الرغم من أنه لا توجد أي معلومات رسمية عن تفاصيل الوثيقة، إلا أن منتقدي ومعارضي النظام الإيراني انتقدوا الاتفاقية بشدة، واصفين إياها بـمعاهدة تركمنشاي الجديدة، في إشارة إلى معاهدة تركمنشاي بين روسيا القيصرية وإيران القاجارية في القرن التاسع عشر عندما تنازلت إيران بموجبها عن مناطق واسعة في القوقاز لصالح روسيا القيصرية. وقد تشكك بعض الإيرانيين في دوافع الصين عند تسريب مسودة للاتفاق العام الماضي، فاتفاقات الحزام والطريق تهدف إلى خدمة مصالح الصين بالأساس. خاصة أنه تبين لاحقًا أن بعض الاتفاقات التي بدت جذابة هي في الحقيقة مجحفة وقاسية بالنسبة للدول الأصغر والأفقر (والكثير منها أفقر وأصغر من الصين)، التي وجدت نفسها قد تورطت في الاتفاق.

وبالنسبة للصين من الواضح أن الاتفاقية بالنسبة للصين مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الخاصة بها وتوفر لها الفرصة لإدخال إيران بقوة في نطاق مبادرة الحزام والطريق، كما أنها أداة لإبلاغ واشنطن بأن بكين لا تخشى الاقتحام في المجالات التي تعتبرها أمريكا ضمن نطاقها الاستراتيجي. 

وفيما يتعلق بإيران، فإن هذه الاتفاقية بمثابة طريقة للهروب من محاولة الولايات المتحدة تقويضها اقتصاديًا واستراتيجيًا، وتتزايد أهمية هذه الاتفاقية عندما تنخرط كل من طهران وواشنطن في مفاوضات حول خطة العمل الشاملة المشتركة وينتظر كلاهما لمعرفة من سيتنازل أولُا. وضمن هذا الإطار تسعى إيران إلى دعم من الصين وروسيا الموقعين على خطة العمل الشاملة المشتركة، وإنه منذ أن انسحبت الولايات المتحدة من التزامها بالاتفاق بصورة أحادية فإنه يجب عليها أولًا العودة إلى الاتفاقية ورفع جميع العقوبات قبل أن يُتوقع من إيران العودة إلى القيود المفروضة على برنامجها النووي.

وتهدف الولايات المتحدة إلى قيام إيران بصورة أولية تنفيذ القيود التي فرضتها خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) قبل أن تتمكن من التفكير في رفع العقوبات، ومن جانب آخر يزيد الضغط الداخلي من داخل الكونجرس وخارجه من إحجام إدارة بايدن عن اتخاذ الخطوة الأولى، وهو الأمر الذي دفع إيران إلى توقيع الاتفاقية الاستراتيجية مع الصين كوسيلة لتعزيز موقفها التفاوضي تجاه الولايات المتحدة بشأن هذه القضية من خلال إثبات أن إيران لديها خيارات اقتصادية واستراتيجية أخرى ولا تحتاج إلى الاعتماد على المبادرة الأمريكية والأوروبية بالصورة التي تهدد مصالحها الداخلية والخارجية. وإلى جانب علاقات إيران الوثيقة مع روسيا، فمن المحتمل أن تخلق الصفقة الصينية الإيرانية محورًا قويًا لا يمكن إلا أن يعزز موقف طهران الإقليمي وقدرتها التفاوضية مع إدارة جو بايدن بشأن عودة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفيما يتعلق بتداعيات هذه الاتفاقية هناك مجموعة من المسارات التي ستتأثر بها على سبيل المثال يصف المراقبون الغربيون بأن توقيع اتفاقية تعاون مدتها 25 عامًا بين إيران الغنية بالنفط والصين الطامحة إلى مكانة القوة العالمية، سوف يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ذلك تدفع جمهورية الصين الشعبية بـمخلب استراتيجي جديد نحو الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

ويستند هذا التطور على أن العلاقات بينهما ترتكز على المصلحة المشتركة للطرفين في معارضة الولايات المتحدة وحلفائها؛ حيث أن التعاون الأعمق والأوسع بين الصين وإيران، لا سيما عند النظر إليه في سياق علاقاتهما الوثيقة مع روسيا وعلاقات هذه الترويكا العدائية مع الولايات المتحدة، يحمل إمكانات قوية لتغيير المشهد الاستراتيجي الإقليمي.

بالإضافة إلى ذلك فإن إبرام بكين لأكبر الصفقات مع طهران سوف يتسبب في زيادة التوترات الإقليمية مع الدول العربية خاصة وأن هذه الاتفاقية سوف تسمح لإيران في ممارسة دورها الإقليمي القائم بالأساس على التدخل في الدول العربية خاصة أن هذه الاتفاقية جاءت بعد سنوات من ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى من قبل الولايات المتحدة على إيران، والتي تهدف إلى تدمير الاقتصاد الإيراني وتقويض نظامها السياسي من الداخل. وأن قيام الصين بإضفاء الطابع الرسمي على استعدادها لاستثمار مئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الإيراني سوف يساهم في تحجيم الضغوط الإقليمية والدولية عليها.

في الختام هناك مجموعة من الدوافع الصينية والإيرانية التي ساهمت في اتجاههما إلى توقيع مثل هذه الاتفاقية وقد كان العامل الأمريكي المتغير الأكثر وزنًا وتأثيرًا في الدفع بتوقيع هذه الاتفاقية، كما أن هناك مجموعة مختلفة من التداعيات الناجمة عن توقيعها بعضها يتعلق بالمسارات الداخلية الإيرانية والبعض الآخر يتعلق بالمسارات الإقليمية والدولية إلا أن هذه المسارات في معظمها ترتكز بصورة أساسية في انعكاساتها على الداخل الإيراني مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 18 يونيو 2021.

المراجع:

1) هل أصبحت إيران بوابة الصين لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط؟، على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-56589117

2) رغم عدم الإعلان عنها.. “نيويورك تايمز” تنشر “تفاصيل الاتفاق الصيني الإيراني” استنادا إلى مسودة، على الرابط: https://cutt.us/MrvOt

3) اتفاق الصين السري مع إيران، على الرابط: https://cutt.us/vybRP