مبحث تمهيدي
   المبحث الأول: الاحتلال الإيراني وجذور الخلاف
   المبحث الثاني: توجهات الطرفين حيال الأزمة
   المبحث الثالث: موقف الدول الكبرى
   المبحث الرابع: الموقف العربي والخليجي
   المبحث الخامس: العلاقات الخارجية الإيرانية وصعوبتها
   الملاحق
   الخرائط
   المصادر والمراجع.

معلومات أساسية
1- الموقع الجغرافي
– جزيرة طنب الكبرى: تبلغ مساحتها ما يقارب تسعة كيلومترات مربعة، وتقع شرقي الخليج العربي قرب مضيق هرمز، وتبعد حوالي 30 كيلومترا عن إمارة رأس الخيمة التي كانت الجزيرة تتبع لها قبل تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

استولت عليها إيران في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، بعد أيام من انسحاب قوات الاستعمار البريطاني منها، وقبل يومين من استقلال الإمارات عن بريطانيا، وكان يسكنها آنذاك نحو 300 نسمة يعيشون على صيد السمك ورعي الماشية.

– جزيرة طنب الصغرى: ذات أرض رملية وصخرية مجدبة وتتكاثر فيها الطيور البرية والبحرية، ولا تتوفر فيها مياه صالحة للشرب، ولذلك كانت تضم أسرة واحدة عند استيلاء إيران عليها مع طنب الكبرى، وكانت وقتها تتبع لإمارة رأس الخيمة. تقع طنب الصغرى على بعد حوالي 12.8 كيلومترا غرب جزيرة طنب الكبرى، وهي مثلثة الشكل وتبلغ مساحتها نحو 2 كيلومتر مربع.

– جزيرة أبو موسى: هي كبرى الجزر الثلاث إذ تبلغ مساحتها 20 كيلومترا مربعا، تبعد عن طنب الكبرى بعشرين كيلومترا، وتقع على بعد حوالي 43 كلم من شاطئ الإمارات، و67 كلم عن الشاطئ الإيراني وسط ممر ناقلات النفط المصدّر من الخليج العربي إلى العالم، وكانت مأهولة عند احتلالها بنحو ألف مواطن إماراتي يعملون في حرفة صيد السمك.

وتمتاز هذه الجزيرة بمياهها العميقة الصالحة لرسو السفن، كما يوجد فيها معدن أوكسيد الحديد الذي سبق أن قامت الشركة الألمانية فونكهاوس في عام 1906 باستخراجه وتصديره إلى ألمانيا، وهو ما أقلق بريطانيا التي رأت في الوجود الألماني بالمنطقة تهديدا لمصالحها، فتدخلت لدى حاكم الشارقة الذي أوقف المصنع في 1907.

2- الأهمية الإستراتيجية
رغم صغر مساحة الجزر الثلاث فإن أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية كبيرة جدا وهي سبب النزاع عليها، فهي تقع في منطقة حساسة من الخليج العربي وتوجد بالقرب منها الممرات الآمنة للملاحة البحرية فيه.

وتشرف الجزر على مضيق هرمز الذي يمر عبره يوميا حوالي 40% من الإنتاج العالمي من النفط، ويربط بين خليج عُمان والخليج العربي المعبر الرئيسي إلى المحيط الهندي. ومن يتحكم في هذه الجزر يسيطر على حركة المرور المائي في الخليج العربي.

وبحكم هذا الموقع الجغرافي المتميز للجزر فإنها صالحة للاستخدامات العسكرية؛ مما يجعلها مركزا ملائما للرقابة العسكرية على السفن التي تعبر الخليج العربي، أما سواحلها فيمكن استخدامها ملجأ للغواصات وقواعد إنزال آمنة، لكون مياهها عميقة وتصلح لإقامة منشآت عسكرية.

ومن الناحية الاقتصادية فإن هذه الجزر تزخر ببعض الثروات الطبيعية المهمة مثل: البترول، وأكسيد الحديد الأحمر، وكبريتات الحديد، والكبريت.

وفي عام 1972 أعلن حاكم الشارقة آنذاك سلطان بن محمد القاسمي اكتشاف النفط في المياه الإقليمية لجزيرة أبو موسى، وقد منحت حكومة الشارقة إحدى الشركات الأميركية امتيازات للتنقيب عن النفط في الجزيرة، وصدّرت منها أول شحنة منه عام 1974، ثم تراجعت مستويات الإنتاج لاحقا لكن لا يزال وجود احتياطيات نفطية في المنطقة محتملا.

إن النزاع على الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى ما بين جمهورية إيران الإسلامية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ليس حديث عهد وإنما تمتّد جذوره إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وكان دائماً بين مدّ وجذّر طبقاً للظروف التي كانت تحكم المنطقة في ذلك الحين، وتبعاً للمتغيرات الدولية والإقليمية التي تؤثر عليها.

تعاقبت عدة أحداث سياسية وتاريخية على قضية الجزر بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، جعلت بريطانيا تعمد إلى إغلاق ملف هذه القضية تحديداً بين أعوام 1924 ـ 1932 بعد فشل المباحثات البريطانية ـ الإيرانية، بشأن بيع أو تأجير هذه الجزر من قبل شيخ رأس الخيمة.

وظلّ الصمّت مخيّماً على هذه الحقوق المغتصبة سنوات طويلة حتى عادت الأحداث تتجدد مرة أخرى في مطلع عام 1968، عندما أعلنت بريطانيا رغبتها في الانسحاب من المنطقة بنهاية عام 1971.

وفي عهد الشاه محمد رضا بهلوي هاجمت إيران هذه الجزر، واحتلت قواتها العسكرية قسماً من جزيرة أبو موسى، مع الاستيلاء على شقيقتيها جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، خلال يومي 29، 30 نوفمبر 1971، وهو اليوم المحدد رسمياً لانتهاء الحماية البريطانية على الإمارات المتصالحة، والتي أُعلن عن استقلالها الوطني باسم دولة الإمارات العربية المتحدة اعتباراً من الثاني من ديسمبر 1971. وبدأت الأطماع الإيرانية تتزايد في ظل احتلالها للجزر العربية الثلاث مع ظهور ملامح تهديدها باحتواء عسكري لدول المنطقة، دون احترام لحقوق جيرانها في منطقة الخليج العربي.

بنجاح الثورة الإسلامية في الإطاحة بنظام الشاه واستلام مقاليد الحكم وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، توقعت كافة المحافل الدولية والإقليمية من القيادات الإسلامية الجديدة تصحيح الأخطاء، التي ارتكبها نظام الشاه في حق الدول التي تجاوره، وفتح صفحة جديدة من العلاقات بأسلوب منطقي وعقلاني، في إطار مبادئ الشرعية الإسلامية، بدءاً بإعادة الجزر العربية الثلاث إلى أصحابها الشرعيين.

وعلى الرغم من تصريحات القيادة الإيرانية الجديدة التي تدعو إلى إسقاط سياسة التوسّع، وأنها ستجري مراجعة شاملة لكافة المعاهدات والاتفاقيات التي أُبرمّت في العهد السابق، إلا أن النتائج لم تتعد مجال التصريحات والوعُود.

ثم توالت الأحداث في منطقة الخليج العربي، فنشبت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (1980 ـ 1988) وبعد إيقاف القتال بين الدولتين بعد حرب طويلة ومريرة، بدأت مرحلة أخرى من الصراعات المسلحة بالمنطقة بغزو العراق لدولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990، لتبدأ حرب الخليج الثانية. وبنهاية هذه الحرب، صعّدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحداث قضية الجزر العربية الثلاث، اعتباراً من أغسطس 1992. وأعادت فتح ملف الأزمة باستيلائها على القسم الثاني من جزيرة أبو موسى في انتهاك غير مبرّر لمذكرة التفاهم الموقعة مع إمارة الشارقة في نوفمبر 1971.

إن قضية الخلاف حول الجزر الثلاث من القضايا التي ينبغي على قادة العمل السياسي العربي والإيراني معاً أن يبّحثا لها عن حّل، وإذا كانت كل القضايا جديرة بأن تنال كل الدعاية والاهتمام من أجل استقرار الشعوب والبحث عن آفاق أوسع للتعاون والتطور، فإن هذه القضية ـ بصفة خاصة ـ ينبغي أن تأخذ الأولوية في أسبقية الاهتمامات.

إن إيران هي أكثر دول الجوار التصاقاً بالوطن العربي، ويجمع بينهما اعتبارات وقيم استراتيجية وسياسية واقتصادية وثقافية وتاريخية رئيسية، ينبغي لها أن تتجدد، ولقد نهل العالم من الحضارة الإسلامية المزدّهرة بعلومها وفنونها وآدابها، وكانت هذه الحضارة نسيجاً من التعاون المثمر بين العالم العربي وإيران وتركيا، بحكم الجغرافيا التي جعلتهم دولاً متجاورة، لا تملك واحدة منها أن ترحل أو تجبر الأخريات على الرحيل، كما لا تملك واحدة منها أن تعزل الأخريات، أو يعزلونها، فإن ذلك يفتح مجال الصراع، وسوف تدفع الشعوب في النهاية الثمن، وهو إهدار المصالح والطاقات والجهود في دمار يصيب المنطقة بأسرها، ويفتح الأبواب والنوافذ للنفوذ الأجنبي وتداعياته بكل ما يمثله من أخطار واضحة.

في عام 1997، ظهرت مفارقة مفادها تبادل الأدوار بين دولتي الجوار الإقليمي في تفاعلهما مع الأمة العربية، حيث بدأت تركيا في إدارة ظهرها للوطن العربي بالمضّي قدّماً في توطيد تعاونها العسكري مع إسرائيل. في حين بدأت إيران تنفتح على الوطن العربي، بعد أن نُصَّب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأصبح واضحاً أن سياسة التقارب بين إيران وبعض الدول الخليجية، قد تكون منعطفاً إيجابياً إلى بدء مرحلة جديدة تستهدف التخلص من كل الشوائب التي كثيراً ما أصابت هذه العلاقات تارة بالفتور، وتارة أخرى بسوء الظن وبالكثير من الشكوك. ومرت العلاقات بعقبات وأزمات بعضها كان صامتاً والبعض الآخر كان واضحاً على مستوى العلنّية وتبادل المؤخذات.

وعلى الرغم من أن انعقاد القمة الإسلامية الثامنة في إيران في ديسمبر 1997، لم يخرج كالعادة ـ إلا بمجموعة كبيرة من القرارات أغلبها سبق إصداره من قبل، إلا أن هذه القمة ـ بصفة خاصة ـ والتي لقبت بقمة “العزة والحوار والمشاركة” خرجت بمجموعة فريدة من الإيجابيات وفي مقدمتها التقارب العربي الإيراني.

شهدت أعوام 97، 98، 1999 تطوراً ملحوظاً في العلاقات الخليجية الإيرانية، وفي ظل أوضاع خليجية وإقليمية مشجعة، توجهت المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لمزيد من التفاهم والتعاون المشترك، نتج عن سلسلة من المبادرات الإيجابية الشجاعة من قبل الطرفين نالت الكثير من التشجيع والترحيب.

ينظر معظم الخليجيين بعين الرضا لهذا التقارب، ويرون أنه كفيل بالإسهام في حلّ الغالبية العظمى من مشكلات المنطقة وخفض توتراتها الإقليمية، كما يرّون أن إدماج إيران في المنطقة يفتح آفاقاً واعدة، بينما يرى قسم محدود من أهل الخليج خلاف ذلك وأعلنوا بعضاً من تحذيراتهم عما أطلقوا عليه “بالهرولة في اتجاه إيران”. وعلى الجانب الآخر، يوجد لدى القيادة السياسية في إيران ثمّة قناعة بأن التقارب مع المملكة العربية السعودية هو الضمان الحقيقي لعضوية طهران في النادي الخليجي وبالتالي في النادي العربي. ويراهن البعض على أن مشكلة احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ستكون إحدى العقبات الرئيسية في تحسّن وتطور العلاقات الخليجية الإيرانية والعربية الإيرانية.

تؤكد الوثائق والحقائق التاريخية والجغرافية أن السيادة على الجزر الثلاث كانت، منذ أقدم العصور ولا تزال، لدولة الإمارات العربية المتحدة، وثابت في القانون الدولي أن الاحتلال الناجم عن استخدام القوة لن يكسب الدولة المحتلة سيادة على الإقليم المحتّل مهما طال الزمن.

وهكذا يتناقض الاحتلال الإيراني لتلك الجزر وما تلاه من إجراءات وتدابير مع مبادئ الميثاق الدولي وأغراضه، ويتنافى مع مبادئ القانون الدولي، وبصفة خاصة احترام استقلال وسيادة الدول ووحدة أراضيها، وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونبذ اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها وحل النزاعات بالطرق السلمية.

لقد آن الأوان أن تأخذ قضية الاحتلال الإيراني بالقوة المسلحة للجزر الإماراتية الثلاث، طوال الثمانية والعشرين عاماً الماضية، طريقها إلى الحل السلمي، بإنهاء احتلال إيران لها وإعادتها إلى السيادة الشرعية الشاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة، تحقيقاً للاستقرار والأمن في منطقة الخليج، وبناء السلام العادل والشامل وتحقيق الاستقرار والتوجه نحو التنمية الاقتصادية حتى تتحقق جميع آمال وطموحات شعوب المنطقة.

أولاً: الوضع القانوني للخلاف حول الجزر

منذ إخفاق إيران في محاولاتها الهيمنة على دولة البحرين عقب استقلالها، أخذت إيران تتحيَّن الفرصة للانقضاض على الجزر العربية، وتم لها ذلك باحتلالها جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى والجزء الشمالي الشرقي من جزيرة أبو موسى (يومي 29، 30 نوفمبر 1971)، وهي جزر عربية كانت واقعة تحت الاحتلال البريطاني، ضمن الأقاليم التي كانت تسمى الساحل المهادن أو الإمارات المتصالحة أو المشيخات، والتي تجمعها الآن الدولة الاتحادية، دولة الإمارات العربية المتحدة منذ الثاني من ديسمبر 1971.

وقد حاولت الدول العربية معالجة هذه الواقعة بالطرق السلمية فدخلت في مفاوضات مع إيران، عند قيام الدولة الإيرانية الجديدة بقيادة آية الله الخميني، ظناً منها أنه يختلف عن الشاه، ولكن فوجئ العالم باستمرار الاحتلال كما هو، بل وتفاقم الحال عندما استكملت القوات الإيرانية احتلالها لجزيرة أبي موسى رغبة منها في فرض الأمر الواقع.

ساد توتر شديد في الأوساط السياسية الدولية على أثر محاولات إيران فرض سيادتها على الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي، ويرجع هذا التوتر إلى أن هذه الجزر على الرغم من ضآلة مساحتها تمثل الطريق الأوحد دخولاً وخروجاً من وإلى مضيق هرمز البحري المعروف، وهو مضيق تتعاظم أهميته وتزداد كلما تعاظمت الأخطار التي تحيط به، ومن ثم الآثار الناجمة عن التأثير في وضعه القانوني بصورة أو بأخرى. ولقد استشعر المجتمع الدولي حيوية مثل هذا المضيق، فبادر منذ أمدّ ليس بالقصير إلى محاولة وضع نظام قانوني دولي يحكم هذا المضيق وأمثاله من المضايق الدولية؛ فصدرت اتفاقيات جنيف لعام 1958 وما قبلها وما تلاها من محاولات، شارك فيها العالم كله في هذا المجال، وأهمها اتفاقية جمايكا 1982 التي جاءت نتيجة بحث وتشاور بين دول العالم ومنظماته الحكومية وغير الحكومية، لفترة زمنية استمرت حوالي عشر سنوات، في إطار مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار الذي عقد أولى جلساته الإجرائية في نيويورك عام 1973، ثم تواصلت جلساته بدءاً من كراكاس عام 1974 وحتى جمايكا عام 1982.

فالمضايق أو الممرات المائية التي تربط بين بحرين عالميين (اُنظر خريطة موقع الجزر الثلاث)، تمثل أهمية قصوى لدول العالم بما تقدمه من إمكانية التحكم في مسارات الملاحة الدولية، ومن بينها مضيق هرمـز وهو البوغاز أو المنفذ البحري الذي يصل بين خليج عُمان ومياه الخليج العربي غرباً، ويشاطوءه كل من سلطنة عُمان وجمهورية إيران.

يبلغ عرض مضيق هرمز البحري 51 ميلاً بحرياً، وتقع فتحته بين دولتين هما سلطنة عُمان من الجانب العربي والجمهورية الإيرانية على الجانب الآخر، ومن المعروف أن المنطقة الصالحة للملاحة في المضيق تقعّ في المياه الإقليمية لسلطنة عُمان.

على أثر قرار الحكومة البريطانية في عام 1968، تصفية قواعدها العسكرية والانسحاب من شرقي السويس بنهاية عام 1971، بادرت إيران في 29، 30 نوفمبر 1971 باحتلال الجزر العربية الثلاث “طنب الكبرى وطنب الصغرى والجزء الشمالي الشرقي من جزيرة أبي موسى”، ثم عادت لتكريس احتلالها، باستكمال سيطرتها على الجزء الباقي من جزيرة أبي موسى اعتباراً من 24 أغسطس 1992.

  1. الإطار القانوني لعروبة هذه الجزر

من الثابت رسمياً أن هذه الجزر عربية أصيلة ولا أساس لأي إدعاء خلاف ذلك، وهذه الجزر ليست جزر خربه متروكة بما يجعلها مطمعاً لعمليات الغزو والفتح، ثم اكتسابها على هذا الأساس، وفقاً لأحكام القانون الدولي العام باعتبارها خلّواً من سيادة البشر، فينطبق عليها نظرية No Man’s Land. فبريطانيا التي كانت تحتّل هذه الجزر حتى ذلك التاريخ، كانت تتعامل مع مشايخ الساحل العربي “المحميات السّبع”، التي تكونت منها فيما بعد دولة الإمارات العربية المتحدة، ولم يكن لإيران أي صلّة بإدارة هذه الجزر ولا بالولاية عليها، إضافة إلى أن القاطنين لهذه الجزر هم عرب منذ الأزل وليسّوا إيرانيين.

ذلك أنه وفقاً لأحكام المادة (121) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحت عنوان “نظام الجزر”، أصبحت الجزيرة لا تقل عن أي إقليم أرضي آخر من حيث الامتداد الشاسّع بحراً وجواً الذي تحققه للدولة ذات السيادة عليها، ويظهر هذا الامتداد في الجوانب التالية:

أ. البحر الإقليمي للجزر وما فوقه وما تحته

لأن الجزيرة إقليم أرضي فإن أحكام الجزء الثاني من الاتفاقية المذكورة تنطبق عليها، وهي تلك التي تضمنت المادة (2) المتعلقة بالنظام القانوني للبحر الإقليمي، وللحيّز الجوي فوق البحر الإقليمي، ولقاعّه ولباطن أرضه”، والتي تقول: “تمتّد سيادة الدولة الساحلية خارج إقليمها البري ومياهها الداخلية، أو مياهها الأرخبيلية ـ إذا كانت دولة أرخبيلية ـ إلى حزام بحري ملاصق يعرف بالبحر الإقليمي. وتمتّد هذه السيادة إلى الحيز الجوي فوق البحر الإقليمي وكذلك إلى قاعه وباطن أرضه”.

ولكل دولة الحق في أن تحدّد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز (12) ميلاً بحرياً مقاسه خطوط الأساس. التي نصّت عليها المادة (5) من الاتفاقية، فضلاً على ما أوردته المادة (6) التي نصّت على أنه:

“في حالة الجزر الواقعة فوق حلقات مرجانية أو الجزر المحاطة بشعاب مرجانية، خط الأساس لقياس عرض البحر الإقليمي هو حدّ أدنى الجزر للشعب المرجانية باتجاه البحر، كما هو مبيّن بالرمز المناسب على الخرائط المعترف بها رسمياً من قبل الدولة الساحلية”، `مذكرة للعرض على الأمين العام لجامعة الدول العربية بتاريخ 4/10/1992. بشأن مضيق هرمز والجزر العربية في الخليج العربي` ـ دراسة قانونية موجزة، ص 6.  ‘).

ومن الواضح وفقاً للأحكام التي أوردتها هذه النصوص، أن للجزر العربية في الخليج بحراً إقليمياً يمتد إلى مسافة (12) اثني عشر ميلاً بحرياً، ويبدأ قياس مسافته من خط الأساس، وهو هنا أدنى حّد لانحسّار مياه الجذّر عما يكون حول الجزيرة من شعب مرجانية، وإلا فمن الساحل، مما يوضح مدى ما تمتّد إليه ولاية الدولة صاحبة السيادة على الجزيرة.

لا يقتّصر ذلك على المياه الإقليمية للجزيرة، وإنما تمتّد السيادة إلى كل الحيز الجوي فوق البحر الإقليمي وكذلك إلى قاعّه وباطن أرضه، وهو يعني الكثير في قوة الدولة وسيطرتها على خطوط ومسارات الملاحة الدولية، وخاصة أن الملاحة في البحر الإقليمي يحكمها نظام “المرور البرئ” وليس المرور العابّر أو الحرّ. والمرور البرئ يعني وفقاً لأحكام المادة (19) من الاتفاقية، الخضوع لسيادة الدولة المشاطئه ومراعاة قوانينها والالتزام بها.

ب. المنطقة المتاخمة للجزر

إضافة إلى البحر الإقليمي، هناك المنطقة المتاخمة للبحر الإقليمي تمارس عليها الدولة سيطرتها، وتمتد هذه المنطقة إلى مساحة مساوية لمسافة البحر الإقليمي، أي أنها معه تمتّد إلى (24) أربعة وعشرين ميلاً بحرياً.

ج. الجرف القاري للجزر

ورد تعريف القاري في المادة (76) بالجزء السادس من الاتفاقية المذكورة على النحو التالي:

يشمل الجرف القاري لأي دولة ساحلية قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتّد إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم تلك الدولة حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مساحة (200) ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي، إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتّد إلى تلك المساحة.

تشمل الحافة القارية الامتداد المغمور من الكتلة البرية للدولة الساحلية، وتتألف من قاع البحر وباطن الأرض للجرف المنحدر والارتفاع، ولكنها لا تشمل القاع العميق للمحيط بما فيه من ارتفاعات متطاولة ولا باطن أرضه.

ومن هذا النص يتضح أن أي جزيرة مهما كانت ضآلة مساحتها، يمكن أن تمتد ولاية الدولة صاحبة السيادة عليها إلى مساحة (200) ميل بحري بالنسبة لمنحدر الشاطئ تحت الماء.

د. المنطقة الاقتصادية الخالصة

تضمنت المادة (55) التعريف التالي:

“المنطقة الاقتصادية الخالصة هي منطقة واقعة وراء البحر الإقليمي وملاصقة له، يحكمها النظام القانوني المميّز المقرر في هذا الجزء، وبموجبه تخضع حقوق الدولة الساحلية وولايتها وحقوق الدول الأخرى وحرياتها للأحكام ذات الصّلة في هذه الاتفاقية”.

وقد نصّت المادة (56) من الاتفاقية على سلطات الدولة على المنطقة الاقتصادية الخالصة فهي، خليط من حقوق سيادية، وحقوق ولاية، وجميعها تمثل سيطرة الدولة على هذا الاتساع المترامي.

وعرض المنطقة الاقتصادية الخالصة تحدده المادة (57) على النحو التالي:

“لا تمتّد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى أكثر من (200) ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها البحر الإقليمي”.

هـ. المصايّد والتعدين

في حالة توافر الشروط القانونية لإقامة منطقة اقتصادية خالصة وفقاً للمادة (55) من الجزء الخامس من الاتفاقية، أو كانت فكرة الجرف القاري قد غلّبت خصائصها على طبيعة شواطئها وفقاً لأحكام الجزء السادس، فإن الدولة صاحبة السيادة تمارس اختصاصات مهمة، كالتالي:

ـ حقوق الاستكشاف والاستغلال للموارد الطبيعية الحيّة وغير الحيّة وحفظ هذه الموارد وإدارتها.

ـ تمارس الحقوق المبيّنة في هذه المادة فيما يتعلق بقاع البحر وباطن أرضه وفقاً للجزء السادس من الاتفاقية.

ـ تقرر الدولة الساحلية كمية الصيد المسموح بها من الموارد الحيّة في منطقتها الاقتصادية.

ـ تقرير مسارات وطرق بحرية وفرضها على بقية السفن.

ـ وغير ذلك الكثير من المزايا والحقوق التي تقررها الاتفاقية المذكورة.

  1. الاتفاق المعّدل لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982:

جاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والتي وقعّت في العاشر من ديسمبر 1982، بأحكام تفصيلية عديدة في هذا الشأن، لحسّم الخلاف الذي ثار بين الدول النامية والدول المتقدمة في السيطرة على موارد قاع البحر خارج نطاق الولاية الوطنية، تحت دعوى حرية أعالي البحار، وقد انتهى الأمر مؤقتاً بانتصار وجهة نظر الدول النامية، بتوقيع هذه الاتفاقية عام 1982.

وبعد أن شعرت تلك الدول بنشوة النصر بتوقيع تلك الاتفاقية، فوجئت بإحجام الدول الكبرى عن توقيعها أو التصديق عليها (على الرغم من أنه قد وقّع على هذه الاتفاقية 116 دولة، فإن معظم هذه الدول كانت من الدول النامية).

ثم جاء الاتفاق الأخير الصادر بقرار الجمعية العامة رقم 263/48، ليعدل كثيراً من هذه الأحكام، وإفراغ الجزء الحادي عشر من الاتفاقية والمتعلق “بالمنطقة الدولية لقاع البحر”، من كثير من محتواه الذي كان يميل إلى جانب الدول النامية، وبصفة خاصة ما يتعلق بمسائل اتخاذ القرارات ونقل التكنولوجيا وعقود الاستثمار وتقديم المساعدات إلى الدول النامية.

وأصبح الاتفاق الأخير منحازاً تماماً إلى وجهة نظر الدول الكبرى المتقدمة، ويؤكد صحة ذلك، خطاب الرئيس الأمريكي في السابع من أكتوبر 1994 أمام مجلس النواب الأمريكي بشأن التصديق على الاتفاق، جاء فيه: “على الرغم من تلك المزايا التي وفرتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982، فإن الولايات المتحدة رفضت التوقيع عليها بسبب العيوب في النظام الذي كانت تقيّمه لإدارة وتطوير الموارد المعدنية في قاع البحر خارج حدود الولاية الوطنية، وكان لا بد من إصلاحه، وقد تحقق هذا الإصلاح الآن”.

ثانياً: معلومات أساسية عن الجزر الثلاث

يمتّد الخليج العربي من مضيق باب السلام (هرمز) جنوباً وحتى منطقة الفاو جنوب العراق، يغذيه مجرى مائي هائل من مياه شط العرب برافديه دجله والفرات، منذ آلاف السنين، ويذكر الجغرافيون أن تغيرات جيولوجية حدثت في العصور التاريخية القديمة والتي يقدر بأنها انتهت منذ نحو مليون عام، انفصّل خلالها حوض البحر الأحمر من البحر المتوسط ثم اكتسحته مياه المحيط الهندي، وفي نحو منتصف تلك المرحلة التاريخية، تّكون الخليج من المنطقة البحرية التي تمثل الآن البحر المتوسط، وامتّد حتى مدينة تدمّر في بادية الشام.

وفي البداية كان الخليج العربي محصوراً ضمن شق ضيق على امتداد السهل الساحلي الشرقي، وكانت المنطقة المنخفضة من الشمال الغربي إلى الجنوب، تتميز بموارد هائلة من المياه العذبة والبحيرات المالحة حيث تجمعت على شكل تلال من الرمال وكتّل ملحّية تصل كثافتها في بعض المواقع إلى 15.000 قدم كدليل على العمق العمودي لتلك المنخفضات، وقد اندفعت عملية الضغط الشمالي والطمي مما تحمله الأنهار والسيول، بحيث تحولت المواقع المنخفضة إلى بحيرات وأهوار في حوض جنوب الرافدين وحتى جنوب الخليج العربي.

تقدر مساحة الخليج العربي بـ 97.450 ميلاً مربعاً، تشمل عدداً من الجزر التي تنتشر في وسط الخليج وفي أطرافه، يزيد عددها عن مائتّي جزيرة يقع أغلبها في القسم الجنوبي الغربي على مقربة من سواحل دولة الإمارات، ومن هذه الجزر إمارة أبو ظبي. ومن أهم الجزر في الخليج جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى (نسبة إلى العالم الإسلامي الجليل أبو موسى الأشعري)، وجزيرة قشم لوقوعها جميعاً في مدخل الخليج العربي، تليها في الأهمية جزر قيسّ والشيخ وأبو نصير وصيّر بني ياس وخرج وغيرها.

يبلغ طول الساحل الغربي من الفاو من الشمال حتى رأس مسندم في الجنوب نحو 1357 كم، بينما يبلغ طول الساحل الشرقي الواقع تحت النفوذ الإيراني 860 كم، أما عرض الخليج فيتراوح بين 180، 280 كم، ويبلغ أعمق قسم منه نحو مائة متر في مدخل الخليج عند مضيق هرمز.

تؤلف سواحل الخليج الغربية والشمالية منافذ طبيعية إلى الأقاليم الداخلية في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، كما تؤلف سواحله الشرقية عبر السلسلة الجبلية المحاذية له منافذ أخرى إلى بلاد فارس ووسط آسيا، ومن ثم يرى الجغرافيون الخليج العربي معبراً أو جسراً بين الشرق والغرب فهو منطقة وصل بين أوروبا والشرقين الأدنى والأقصى.

  1. الأهمية الإستراتيجية

إن السّمة الأولى للأهمية الإستراتيجية لهذه الجزر هي أنها تقع على المدخل الشمالي لمضيق هرمز، والطرف المسيطر عليها قادر على التحكم في حركة الإمدادات النفطية على مضيق هرمز، ويعني هذا أن إيران بسيطرتها على هذه الجزر تملك التأثير على حرية الملاحة البحرية ضد دول الخليج العربي وبقية الدول العربية.

ففي الوقت الذي تستطيع فيه إيران تجاوز المضيق وتصدير النفط من موانئ إيرانية تقع جنوب المضيق، في حين أن حركة الإمدادات النفطية لكثير من الدول العربية محكومّة بحرية الملاحة عبر المضيق وهذا يعني أن سيطرة إيران على الجزر يساعدها على تنفيذ الخنق الاستراتيجي النفطي ضد الدول العربية، في حين لا تؤدي سيطرة الدول العربية على الجزر إلى الخنق الاستراتيجي النفطي ضد إيران.

تشكل هذه الجزر مواقع جغرافية لا يستهان بها في توفير الحماية الاستراتيجية العسكرية بالسيطرة على أمن الملاحة الإقليمية والدولية، التي تتحكم بمضيق هرمز في الخليج العربي، النافذة البحرية الرئيسية لدولة الإمارات العربية المتحدة وبقية دول الخليج في إطلالها على العالم الخارجي. بل تعد هذه الجزر مراكز حيوية لمنارات المراقبة البحرية للسفن التجارية المارة من مختلف أنحاء العالم، وكذلك تعد منطقة استراتيجية فريدة حيث تُشكل مركزاً للاستطلاع والمراقبة لسواحل المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران وجمهورية العراق، وبالتالي فإن هذه الجزر لا تقل أهمية عن ممرات الملاحة العربية الدولية مثلها مثل مضيق “باب المندب” في عدن على مدخل الجزء الجنوبي للبحر الأحمر، وقناة السويس في الجزء الشمالي من البحر الأحمر.

جاء في دراسة لخبراء الاقتصاد والسياسة في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في جامعة جورج تاون الأمريكية، أن 68% من صادرات نفط الشرق الأوسط تمر من مضيق هرمز بشواطئ الجزر الثلاث، وأن هذه النسبة تُشكل نصف الطاقة التي تعتمد عليها صناعة العالم واقتصاده ومتطلبات حياته اليومية.

  1. الأهمية الاقتصادية

يمثل موقع هذه الجزر موانئ وملاجئ للسفن التجارية المارة في عمق الخليج خاصة عند التزّود بالمؤن الضرورية، وكذا في اللجوء والاحتماء من العواصف البحرية التي قد تواجه هذه السفن أثناء رحلاتها البحرية إلى الشرق الأقصى والأدنى من العالم. كما أن هذه الجزر غّنية بالمياه العذبة والواحات الزراعية الخضراء التي استخدمها في الماضي شيوخ القواسّمه كمشتى لأسرهم وكمنطقة رعّي لثرواتهم الحيوانية ولصيد الصقور البحرية، ومن ثم فإنها مجال هائل لممارسة الأنشطة الاقتصادية والسكانية للقبائل العربية القاطنة فيها منذ أزمنة تاريخية بعيدة. كما أنها غنيّة بالثروة البحرية المحيطة بسواحلها، وبالثروات المعدنية.

  1. الأهمية السياسية

يرجع تعّقد البعد السياسي لهذا الخلاف إلى أنه نشأ بين دولتين مسّلمتين وبين قوتين غير متكافئتين في القدرات العسكرية، وتتحكمان بممّر مائي وملاحي تمّر من خلاله نصف الاحتياطيات العالمية من النفط، الأمر الذي سيؤدي في حالة نشوب أي نزاع مسلح إلى تدّخل أطراف خارجية عدّة، لأسباب سياسية أو اقتصادية أو إقليمية، وسينتج عن ذلك إهّدار لإمكانيات المنطقة البشرية والمادية والحّد من نموها وازدهارها وتقدمها.

منذ احتلال إيران للجزر الثلاث، لجأت إلى توطين أعداد كبيرة من المواطنين الإيرانيين وخاصة فئة العسكريين منهم، لتغيير المعالم الديموغرافية لهذه الجزر وفرض سياسة الأمر الواقع، إمعاناً في تكريس احتلالها.

  1. الأهمية العسكرية

أوضح الشاه محمد رضا بهلوي مخطط بلاده السياسي والعسكري تجاه المنطقة، في خطاب له في طهران في نوفمبر 1972 (بعد احتلاله للجزر الثلاث) جاء فيه:

“إن الخطوط الدفاعية للبحرية الإيرانية تتجاوز نطاق الخليج الفارسي وخليج عدن، وتمتد إلى المحيط الهندي، وإن القوات البحرية الإيرانية يجب أن تزاد عدة مرات خلال السنوات القادمة لتحقيق استراتيجية بعيدة المدى”.

منذ احتلال إيران للجزر الثلاث يومي 29، 30 نوفمبر 1971 ثم تكريسها لاحتلال جزيرة أبو موسى يوم 24 أغسطس 1992، بادرت إيران بإنشاء عدة استحكامات وتجهيزات عسكرية وتمركز عناصر ووسائل عسكرية متنوعة في هذه الجزر.

تحاول طهران بناء القوة العسكرية الإيرانية الحديثة ومن ذلك:

أ. حصولها على ثلاثة غواصات روسية الصنع.

ب. عقد صفقات تسليح تفوق حاجتها الدفاعية.

ج. تنظيم سنوياً ما يقرب من 40 مناورة بحرية عسكرية في مدخل الخليج وبحر عمان.

د. محاولاتها الجادة في مضمار إنتاج الأسلحة فوق التقليدية.

ونظراً لصعوبة متابعة تطور التجهيزات والاستحكامات العسكرية في الجزر، وتمركز وسائل وعناصر القوات العسكرية بها، يمكن أن تتحول هذه الجزر الثلاث تدريجياً إلى قواعد بحرية إيرانية، تؤثر سلباً على أمن وسلامة تدفق حركة الناقلات والقوافل البحرية من وإلى مضيق هرمز.

  1. معلومات أساسية عن الجزر الثلاث:

أ. جزيرة أبو موسى

تقع على مسافة 94 ميلاً بحرياً من مدخل الخليج العربي عند مضيق هرمز، وتبعد عن الساحل الشرقي للخليج بحوالي 72 كم بينما تبعد ما يقرب من 60 كم من سواحل دولة الإمارات العربية المتحدة وبصفة خاصة في مقابل ساحل إمارة الشارقة. وهي جزيرة مستطيلة الشكل تبلغ مساحتها حوالي 35 كم مربع، أقصى طول لها 5 كم وأقصى عرض 9 كم، يتكون سطحها من سهول رملية منخفضة مغطاة بأعشاب جافة، وبها تل جبلي يطلق عليه سكان الجزيرة جبل الحديد ويقع في منتصف الجزيرة ويبلغ ارتفاعه 360 قدماً، كما يوجد جبل آخر يسمى جبل الدعالي (أي جبل القنافد). 

بالجزيرة بعض الثروات التعدينية مثل أكسيد الحديد والذي أسند حق استثمار رواسبه منذ أكثر من 57 عاماً قبل احتلال الجزيرة، من قبل شركة ألوان الوادي الذهبي (ميكوم) البريطانية في السادس من فبراير 1952، حيث كانت الجزيرة تابعة لإمارة الشارقة آنذاك. وتقع مناجم أكسيد الحديد في الشمال الشرقي من الجزيرة، ويمتلك شيوخ إمارة رأس الخيمة نسبة من هذه المناجم في القطاع الشمالي من الجزيرة، وتمتلك شركة صن فالي كولون كومباني أوف ويك البريطانية مناجم الأكسيد، وفق الامتياز الذي منحه إياها حاكم الشارقة.

تم استغلال هذه المناجم لأول مرة عام 1934، ثم أغلقت خلال سنوات الحرب العالمية الثانية من عام 1940 وحتى عام 1947، وكانت الشركة تدفع 50.000 روبية سنوياً لحاكم الشارقة مقابل حقوق التنقيب، وكان إنتاج الأكسيد آنذاك حوالي 2500 طن في الموسم الجيد، وكانت الشركة توفر إنتاجاً يكدس تحت الطلب تمهيداً لشحنه إلى مدينة بريستول البريطانية، ويعتبر نوعية الأكسيد المستخرج من الجزيرة من النوع النقي بحيث لا يحتاج إلى تصفية كثيرة، وقد وصل عدد العمال في مناجم جزيرة أبو موسى إلى 500 عامل.

يوجد في الجزيرة عدة آبار للمياه العذبة، منها بئر عذبة على عمق 30 قدماً تابع لشركة التنقيب على الأكسيد، وبذلك تتوافر في الجزيرة المياه الصالحة للاستخدام الآدمي والزراعة والرعي. ويقطن الجزيرة حوالي 1500 نسمة وجميعهم من العرب الأصليين الذين ينتمون إلى القبائل العربية في الساحل الغربي (إمارتي رأس الخيمة والشارقة)، يمتلكون عدة سفن صغيرة يستخدمونها في النقل التجاري إضافة إلى استغلال الثروة السمكية.

يعمل بعض السكان المحليين في مناجم استخراج الأكسيد خلال فصل الشتاء، وفي فصل الصيف يعملون في الصيد البحري والملاحة، ويتم تسويق الثروة السمكية إلى السفن العابرة أمام الجزيرة، وكذا أسواق الشارقة ودبي، مما يحقق للعاملين في هذا المجال عائداً مادياً كبيراً، كان سكان الجزيرة يملكون في مطلع الستينات حوالي 25 زورقاً للصيد. ومن الثروات الطبيعية كذلك في الجزيرة كبريتات الحديد والكبريت، إضافة إلى اكتشاف النفط في مواقع بحرية تابعة لها (حقل مبارك) الذي يضم ثلاثة آبار تقوم شركة .Butes Oil Gas Co باستغلالها بموجب امتياز منحة لها حاكم إمارة الشارقة.

يوجد بالجزيرة عدة إدارات حكومية تابعة لإمارة الشارقة تؤدي الخدمات للسكان، مثل مدرسة للبنين والبنات وعيادة للرعاية الصحية ومركز للشرطة ومستودعات ومخازن للمواد الغذائية والتموينية إضافة إلى الخدمات الحكومية الأخرى.

ب. جزيرة طنب الكبرى

تقع جزيرة طنب الكبرى على مدخل مضيق هرمز (باب السلام) على مسافة 59 كم جنوب غرب جزيرة قشم، وتقع إلى الشمال الشرقي من جزيرة أبو موسى وتبعد عنها حوالي 50 كم، كما تبعد عن إمارة رأس الخيمة 75 كم وعن الساحل الشرقي للخليج مسافة 50 كم. هي دائرية الشكل تقدر مساحتها بـ 9 كم مربع، ويبلغ طولها 12 كم وعرضها 7 كم.

يتكون سطح الجزيرة من سهول منبسطة قليلة الارتفاع، وفي طرفها الجنوبي الشرقي المقابل لمدخل الخليج مرتفع جبلي، أُنشأت على قمته “فناره” لإرشاد السفن عام 1912 بموافقة من حاكم رأس الخيمة آنذاك، الشيخ سالم بن سلطان القاسمي، بناء على طلب من الحكومة البريطانية باعتباره صاحب السيادة على الجزيرة. يتوفر في الجزيرة مياه عذبة تستخدم للشرب والزراعة وتنتشر أشجار النخيل وبعض الأشجار المثمرة الأخرى في مزارع الجزيرة وحدائق منازلها. ويقطن الجزيرة حوالي 700 نسمة، وينحدر سكانها من قبائل جرير وتميم العربية الأصيلة، ويمتهنون صيد الأسماك والاتجار فيها في أسواق رأس الخيمة ودبي، وبعض السكان يعمل بالزراعة والرعي.

سبق لإمارة رأس الخيمة أن وفرت لسكان الجزيرة العديد من المؤسسات الخدمية كالمدرسة الابتدائية للبنين والبنات والعيادة الصحية ومركز للشرطة.

ج. جزيرة طنب الصغرى

تعرف في بعض المصادر بجزيرة نابيو، وتقع على مسافة 90 كم من الساحل الغربي للخليج، غرب جزيرة طنب الكبرى بحوالي 10 كم. والجزيرة على شكل مثلث طوله 2 كم وعرضه 1 كم. ويتكون سطح الجزيرة من مجموعة من التلال الداكنة ذات الطبيعة الصخرية، خاصة في طرف الجزيرة الشمالي، ويبلغ أعلاها 116 متراً، ويلجأ إليها الصيادون عند اشتداد الرياح وارتفاع الأمواج، وبالجزيرة أعداد كبيرة من الطيور البحرية، وليس بالجزيرة سكان.

تعد جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى جزئين من أراضي إمارة رأس الخيمة على الرغم من أنهما تبعدان عن ساحل تلك الإمارة مسافة 60 ميلاً تقريباً، وبمسافة 20 ميلاً بحرياً عن الساحل الإيراني المقابل للجزر الثلاث التي تتحكم بمضيق هرمز.

  1. المسارات البحرية بمضيق هرمز هي:
  • الدخول إلى الخليج من شمال طنب الكبرى وشمال أبو موسى.
  • الخروج من الخليج من جنوب أبو موسى وشمال طنب الصغرى.

المبحث الأول : الاحتلال الإيراني وجذور الخلاف

أولاً: التغييرات التي أدخلها الاحتلال الإيراني

ما أن احتلت القوات الإيرانية جزيرة طنب الكبرى، بادرت إلى تمركز عناصر من المدفعية بعيدة المدى ومدفعية مضادة للسفن البحرية ومدفعية مضادة للطائرات، وأقامت عدة استحكامات عسكرية في عدد من التلال الجبلية التي تشرف على الخليج وكذا على أراضي الجزيرة وسهولها.

وحوَّلت مركز الشرطة بالجزيرة إلى محطة كهرباء، وحولت مبنى المدرسة القاسمية الجديدة إلى مستودع للأسلحة والمؤن، وأقامت على أحد الأبنية المشرفة على ساحل الخليج مركزاً للإرسال اللاسلكي، واتخذت من الدار المجاورة لها مركزاً للقيادة. كما أنشأت بعد ذلك مطاراً عسكرياً لطائراتها النفاثة (المقاتلة) والطائرات العمودية.

وشجعت الحكومة الإيرانية النساء الإيرانيات على الاستقرار في الجزيرة (حوالي 150 امرأة) فخصصت لكل منهن مكافأة شهرية قدرها 700 تومانا كحافز للإقامة في الجزيرة، وبذلك تم إحلال السكان الجدد محل أهالي طنب الكبرى العرب المهجرين.

أما عن جزيرة أبو موسى فقد شهدت هي الأخرى تغييرات كثيرة في جانبها الشرقي حيث تحولت إلى قاعدة عسكرية متطورة، أقامت فيها إيران موانئ (أرصفة) للسفن الحربية وزوارق الطوربيد البحرية السريعة، وأنشأت مطاراً عسكرياً متطوراً امتّد مدّرجه عدة كيلومترات فوق أرض الجزيرة، في القسم التابع لدولة الإمارات بدعوى أن حربها القائمة مع العراق استدعت اتخاذ مثل هذا الإجراء. ويضاف إلى ذلك، إنشاؤها ميناءً لاستقبال المراكب والسفن القادمة إلى الجزيرة، حيث أخذ سكان الجزيرة يستخدمونه في قدومهم ورحيلهم مما أتاح لسلطات الميناء الإيرانية فرصة الرقابة والتحكم على القادمين إلى الجزيرة والمغادرين لها.

فرضت السلطات الإيرانية فيما بعد إجراءات رسمية متشّددة على القادمين إلى الجزيرة ووضعت القيود على دخول أبناء الجنسيات الأخرى إلى الجزيرة. وأقدمت إيران بعد ذلك على انتهاك آخر لسيادة دولة الإمارات بتسّييرها خطاً جوياً يربط بين مدينة بندر عباس الإيرانية وجزيرة أبو موسى، تشجيعاً للمواطنين الإيرانيين على الاستيطان في الجزيرة التي لم يكن يسكنها من قبل أي مواطن إيراني.

عزّزت إيران قاعدتها العسكرية في جزيرة أبو موسى بعد أن منحت نفسها مسؤولية الأمن في الجزيرة، وزادت أعداد العسكريين الإيرانيين من (120) إلى (500) جندي، وأقامت قواعد صواريخ سلك وورم. أما عن الموقف في جزيرتي طنب الكبرى والصغرى، فلا أحد يعلم شيئاً لأن الجزيرتين محتلتان تماماً منذ اقتحام القوات الإيرانية لهما يوم 29 نوفمبر 1971، وطردت سكانها بعد أن قُتلت عدداً منهم.

  • في 28/8/1996 أكدت دولة الإمارات في رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي، رفضها لادعاء إيران أن المجال الجوي لجزيرة أبو موسى تابع لإيران، واعتبرت دولة الإمارات هذا الادعاء انتهاكاً صارخاً لسيادتها على جزيرة أبو موسى.
  • في 4/9/1996 أبلغت دولة الإمارات الأمم المتحدة، عدم اعترافها بأحكام قانون المناطق البحرية للجمهورية الإيرانية لعام 1993، وبأي حكم في القانون يمسّ سيادتها على جزرها الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى والمياه الإقليمية التابعة لها.
  • في 1/10/1996 أوضح راشد عبدالله وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة أمام الدورة الواحدة والخمسين للجمعية العمومية للأمم المتحدة، أن إيران عمدت إلى إقامة تجهيزات ومنشآت فوق هذه الجزر ليست كلها ذات طابع مدني، فشيدت محطة للكهرباء في جزيرة طنب الكبرى في إبريل 1996، ومطاراً ومستودعاً للتبريد ومصنعاً لتجهيز الأسماك في جزيرة أبو موسى، كما لجأت إلى توطين أعداد كبيرة من المواطنين الإيرانيين وخاصة فئة العسكريين منهم، لتغير المعالم الديموغرافية لهذه الجزر الثلاث وفرض سياسة الأمر الواقع إمعاناً في تكريس احتلالها.
  • في نوفمبر 1996 قدمت دولة الإمارات مذكرة احتجاج رسمية إلى الحكومة الإيرانية، احتجاجاً على افتتاح فرع لإحدى الجامعات الإيرانية في جزيرة أبو موسى وأكدت دولة الإمارات أن إيران تحاول فرض الأمر الواقع بإقامة مشاريع على الجزر التي تحتلها.
  • في 4/1/1997 سلمت البعثة الدائمة لدولة الإمارات الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، نصّ مذكرة وزارة الخارجية التي سلمتها للسفارة الإيرانية في أبو ظبي احتجاجاً على انتهاك إحدى القطع البحرية الإيرانية للمياه الإقليمية يوم الأول من يناير 1997 دون الحصول على إذن مسبق من السلطات المختصة في الدولة.
  • في 8/1/1997 سلمت البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة الأمين العام للمنظمة الدولية ورئيس مجلس الأمن، نصّ المذكرة التي وجهتها وزارة الخارجية إلى سفارة إيران في أبو ظبي احتجاجاً على إعلان الحكومة الإيرانية تنظيم دورة لكرة القدم في جزيرة أبو موسى.
  • في 21/6/1997 سلمت البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، الأمين العام للمنظمة الدولية ورئيس مجلس الأمن نص مذكرة الاحتجاج التي وجهتها وزارة الخارجية إلى السفارة الإيرانية في أبو ظبي على قيام إيران ببناء رصيف بحري في جزيرة طنب الكبرى.
  • في 2/3/1999 تقدمت دولة الإمارات بمذكرة احتجاج رسمية للأمين العام لجامعة الدول العربية، تجاه ما قام به وزير الداخلية الإيراني بافتتاح مقر جديد للبلدية ومجمعاً طبياً في جزيرة أبو موسى في الخامس من فبراير 1999، مما يعّد انتهاكاً من إيران لمذكرة التفاهم حول هذه الجزيرة.

ثانياً: نبذة تاريخية عن جذور الخلاف بين إيران والإمارات حول الجزر

تمتد جذور النزاع إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وكان دائماً بين مدّ وجذر طبقاً للظروف التي كانت تحكم المنطقة في ذلك الحين، وتبعاً للمتغيرات الدولية والإقليمية التي تؤثر عليها. وقد رفضت حكومة إيران منذ البداية إعادة الجزر إلى أصحابها وتمسكت بقرار احتلالها.

بعد انهيار دولة اليعاربه في عُمان، بدأ يسطع نجم قوة دولة القواسم وأسطولها البحري، في الساحل الجنوبي للخليج العربي حيث كانت من أبرز مناطقهم رأس الخيمة والشارقة، ثم امتد هذا النفوذ في القرن الثامن عشر إلى الساحل الشمالي حيث استقر بعض “القواسم”، ووضعوا الجزر والساحل المحاذي للخليج تحت سيطرتهم. ثم حدث تقسيم عُرفي عام 1835م بين “القواسم” لملكية جزر الخليج، بحيث أصبحت جزيرتا سرى وهنجعام تابعة لقواسم لنجه، وجزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى وصّير بو نعير تابعه لقواسم ساحل عُمان، أي رأس الخيمة والشارقة، وهذا ما تؤيده وثيقة لدى السلطات البريطانية من عام 1864م عبارة عن رسالة رسمية من حاكم قواسم الساحل تؤكد بموجبها تبعية جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى وصّير بو نعير له منذ أجداده الأوائل.

تعد هذه الوثيقة أول مستند رسمي يؤكد السيادة العربية على هذه الجزر، بالإضافة إلى أن حاكم الشارقة رفض عام 1898م منح امتياز لشركة أجنبية للتنقيب عن بعض أنواع المعادن الموجودة في باطن أرض جزيرة أبو موسى. مما أزعج إيران في ذلك الحين، وجعل قواتها تغزو “لنجة” وتطرد حكامها “القواسم” عام 1887م بعد أن حكموا هذه المنطقة زهاء ربع قرن، ثم احتلت جزيرة سرى.

في القرن التاسع عشر كانت هذه الجزر غير مأهولة بالسكان الدائمين، وكان القواسم يستخدمونها للرعي الموسمي، وحينما طالبت إيران عام 1887م بهذه الجزر، كانت السلطات البريطانية تستعد لإعلان ملكيتها عليها، وفي ذلك الوقت أظهر المندوب البريطاني في الشارقة نسخاً من خمسة رسائل، من بينها رسالة من الشيخ خليفة بن سعيد من “لنجة” تؤكد بشكل واضح أن جزر طنب هي من أملاك الشيخ حميد بن عبدالله من رأس الخيمة.

وكما يبدو أن هذه الرسائل كانت حاسّمة في إقناع البريطانيين بأن أيّاً كان المسؤول عن إدارة “لنجه” قبل عام 1887م، فإن هذه الجزيرة كانت من ممتلكات الفرع الأكبر لأسرة القواسم وليس من ممتلكات الفرع الأصغر في “لنجه”، وفي الوقت الذي كان البريطانيون يعدون العدة لمساندة الشارقة في مطالبتها لجزيرة “سير”، علموا أن إيران تطالب بالجزيرة نفسها لكنهم لم يعارضوا الأمر، وأصبحوا على استعداد للقبول باحتلال إيران للجزيرة، وبعد ذلك اكتشف البريطانيون وثائق مؤرّخة بين أعوام 1884، 1908م، تظهر بوضوح أن جزيرة أبو موسى تابعة للشارقة.

ومن ناحية أخرى، ادعى الإيرانيون أن جزر أبو موسى وطنب كانت ـ على غرار جزيرة سير ـ تحت إدارة شيخ “لنجة” في الفترة التي سبقت عام 1887م، وأشاروا إلى خرائط أعدّها البريطانيون في الفترة التي تمتد بين 1886 وبداية عام 1900م، والتي تشير إلى أن البريطانيين يعتقدون أن هذه الجزر فارسية، ومن ثم برز خلاف بين الحكومة الإيرانية في طهران من جهة وبين القواسم والبريطانيين من جهة أخرى حول وضع هذه الجزر.

في عام 1904 احتلت إيران جزيرة أبو موسى واعترف قائد الحملة الإيرانية آنذاك في تقرير له عام 1887م، أن القواسم يستوطنون أبو موسى ويتخذون منها قاعدة لهم. كان الهدف من هذا الاحتلال هو منح امتياز لإحدى الشركات الأجنبية للتنقيب على ثروات وخيرات الجزيرة.

ولإضفاء الشرعية على هذا الاحتلال، رفعت إيران العلم الإيراني على الجزيرة، مما جعل حاكم الشارقة يحتج على هذه التجاوزات، وسانده في ذلك ممثل بريطانيا في المنطقة في ذلك الوقت، الذي طالب طهران بتقديم ما يؤيد سيادتها على الجزيرة. فما كان من إيران إلا أن انسحبت من الجزيرة عندما عجزت عن تقديم أية وثائق تثبت ادعاءاتها.

في عام 1912 قرر البريطانيون إنشاء “مناره” على أرض جزيرة طنب الكبرى، وفي فبراير 1913، أثارت وزارة الخارجية الإيرانية مع البريطانيين مسألة “المناره” وقضية ملكية القواسم للجزيرة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تحولت الأنظار عن المنطقة وتجمّدت العلاقات بين القواسم والإيرانيين حتى عام 1923 عندما تولت أسرة بهلوي مقاليد الحكم في إيران.

في عام 1923، فوجئ المندوب البريطاني في طهران برسالة من وزارة الخارجية الإيرانية تطالب فيها بجزر طنب وأبو موسى، ورد المندوب البريطاني بمذكرة مفادها، أنه في عام 1904 رفضت الحكومة الإيرانية رفع أعلامها على الجزر، وتوصل الطرفان إلى اتفاق شفوي مفاده أن جزيرة “سير” هي ملك للإيرانيين وأن جزيرة أبو موسى وجزر طنب ملك للعرب.

ثم توترت العلاقات فيما بعد بين بريطانيا وإيران، ومع ذلك، حاول الجانبان البحث عن حّل لإشكالية هذه الجزر عامي 1929، 1930، وكادت هذه المباحثات أن تسّفر عن معاهدة بريطانية إيرانية، إلا أن المباحثات توقفت وتقدمت إيران بطلب استئجار جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى من رأس الخيمة لمدة خمسين عاماً، ورفضت بريطانيا، ثم مع بداية عام 1935، احتج الإيرانيون حين منح حاكم الشارقة لشركة بريطانية حق امتياز تصدير الأكسيد من جزيرة أبو موسى. وعلى الرغم من ذلك فقد خفت حدة الخلاف كثيراً، وبدأت بعض العائلات العربية والفارسية تقطن هذه الجزر، قدّر حجمها بخمسّ عائلات إيرانية وخمسّة عشر عائلة عربية، وفي عام 1941 صرّح الإيرانيون أن شقيق حاكم رأس الخيمة يحصل على ضرائب من العائلات الإيرانية والعربية التي تقيم في هذه الجزر. وخلال الخمس والعشرين عاماً التي تلّت الحرب العالمية الثانية، وقعت عدة أحداث بسيطة، وقدم المندوبان البريطاني والإيراني اقتراحات عديدة لتسوية الخلاف حول الجزر، إلا أن هذه الاقتراحات لم تؤخذ بعين الاعتبار.

ثالثا: أبعاد إعلان بريطانيا عن عزمها الانسحاب من الخليج

حين أعلن البريطانيون عام 1968 عن عزمهم الانسحاب من الخليج بنهاية عام 1971، عادت إشكالية الجزر لتتصّدر قائمة الاهتمامات في المنطقة، أما بشأن قضية البحرين ومطالبة الإيرانيين بها فقد تم التوصل إلى حلّ لها بواسطة الأمين العام للأمم المتحدة، بدعم ومساندة شاه إيران والذي أظهر براعة سياسية فقد طالب الشاه بإعادة سلطته على جزيرة أبو موسى وجزيرتي الطنب، وأعلن بوضوح أن إيران تتوقع أن تُكافئ بامتلاك هذه الجزر بعد جلاء القوات البريطانية عن منطقة الخليج. وبادر الممثل الخاص لوزارة الخارجية البريطانية في الخليج (وليم لوسي) إلى تأييّد قيام اتحاد بين الدول العربية التي ستنسحب القوات البريطانية عنها، كما حاول إيجاد حل للخلاف حول جزيرتي الطنب وأبو موسى. صرّح الشاه بأنه سوف يقف بوجه أي اتحاد بين الدول العربية في الخليج الجنوبي ما لم ينّل مأربه، مؤكداً أنه على استعداد لأخذ هذه الجزر بالقوة المسلحة إذا لزم الأمر.

كان ذلك إيذاناً ببدء مفاوضات غير متكافئة بوساطة بريطانية حتى تم التوصل إلى اتفاق فيما بعد في شهر نوفمبر 1971 بما عرف بمذكرة التفاهم.

رابعاً: احتلال إيران للجزر العربية الثلاث

في 29 نوفمبر 1971، زحفت قوات عسكرية كبيرة من الجيش الإيراني يساندها بعض القطع البحرية إلى جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، واحتلتهما بعد مقاومة محدودة بين عناصر الشرطة التابعة لإمارة رأس الخيمة والقوات الإيرانية المتفوقة عدداً وعدّة، وقُتل ثلاثة إيرانيين وفرد من قوة الشرطة التابعة لرأس الخيمة، أما باقي عناصر الشرطة فقد أصيبوا واعتقلتهم القوات الإيرانية.

وأُجبر سكان الجزيرة التي يقدر عددهم بـ180 على مغادرة الجزيرة إلى رأس الخيمة، تاركين ورائهم منازلهم وممتلكاتهم.

وكان الموقف في جزيرة أبو موسى مختلفاً تماماً، حيث قصد مندوب شاه إيران إلى الجزيرة مرافقاً للقوات الإيرانية في اليوم التالي مباشرة (30 نوفمبر 1971)، وكان في استقباله في الجزيرة نائب حاكم الشارقة الشيخ صقر بن محمد بن صقر القاسمي، وممثل عن الحكومة البريطانية، وسكان الجزيرة الذي يبلغ تعدادهم نحو 800 نسمة. وانتشرت القوات الإيرانية في الجزء المخصص لها في الجزيرة وفقاً لمذكرة التفاهم. وهكذا قبل 48 ساعة من إعلان قيام دولة الإمارات الجديدة، سقطت جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لإمارة رأس الخيمة فـي أيدي القوات الإيرانيـة يوم 29/11/1971. كمـا تمركزت القوات الإيرانية فـي جزيرة أبو موسى يـوم 30/11/1971 وفقاً لاتفاق غير عادل بين إيران وإمارة الشارقة، وبذلك حققت إيران ما كانت تخطط له قبلاً باحتلالها للجزر الثلاث دون خسائر تذكر.

قدمت إمارة رأس الخيمة احتجاجاً شديد اللهجة للحكومة البريطانية المسؤولة عن حماية الجزيرتين (طنب الكبرى والصغرى)، تطبيقاً للاتفاقيات المبرمة بينهما والتي كانت سارية المفعول آنذاك، ولم تكن بريطانيا قد استكملت انسحاب قواتها العسكرية بعد. ولكنها لم تكترث لموضوع الاحتلال الإيراني للجزر، واكتفت ببيان أصدرته وزارة الخارجية البريطانية أعربت فيه عن خيبة الأمل لما حدث ولسقوط الضحايا فوق الجزر.

تم الإعداد والتخطيط الجيد لاحتلال إيران للجزر، وكان للشاه رؤية إستراتيجية منسّقة ومتكاملة اعتمدت على عدة ركائز أساسية وهي:

  • الاختيار الدقيق والمناسب لتوقيت تنفيذ عملية احتلال الجزر، في يومي 29، 30 نوفمبر 1971، وهو اليوم السابق لانتهاء اتفاقية الحماية البريطانية للمحميات والإمارات، حيث تنتهي المعاهدة المبرمة مع بريطانيا يوم الأول من ديسمبر 1971. وكان اختيار هذا التوقيت بعد أن تكون القوات العسكرية البريطانية الرئيسية قد غادرت بالفعل منطقة الخليج، وليس من منطق الأمور أن تقاتل بريطانيا صديقها وحليفها الشاه لاسترداد جزيرتي طنب ثم تنسحب في اليوم التالي من المنطقة.
  • تنفيذ عملية الاحتلال قبل 48 ساعة فقط من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة اتحادية مستقلة ذات سيادة تتكون من سبع إمارات (أبو ظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القوين، الفجيرة، ورأس الخيمة) اعتباراً من 2 ديسمبر 1971.
  • ادعاء إيران أن احتلالها للجزر قبل ساعات من إعلان قيام الدولة الجديدة (دولة الإمارات العربية المتحدة)، لا ينافي إمكانية التعايش السلمي مع الدولة الجديدة بدعوى أن مشكلة الجزر هي مسألة بين إيران والقواسم منذ فترة زمنية بعيدة ولا علاقة لدولة الإمارات بها، وأن الأمن والاستقرار في الخليج يتحقق من خلال التعاون بين الإيرانيين والعرب.

خامساً: مفاوضات الوساطة البريطانية ـ الإيرانية مع حاكم الشارقة

ارتبط الموقف البريطاني بمقتضيات المصالح البريطانية الإيرانية المشتركة، فكان على بريطانيا انطلاقاً من هذا الموقف تكليف أحد دبلوماسيها المخضرمين (وليم لوسي) ليقوم بدور التسوية والضغط للتوصّل إلى حّل يتوافق مع أهداف وسياسات إيران.

كان على الشارقة أمام هذا الموقف أن تواجه الأمور وحدها، وأن تقرر ما تراه مناسباً تجاه تلك الضغوط والتهديدات المتواصلة باحتلال جزيرة أبو موسى، وبعد مفاوضات طويلة طرح الممثل الخاص لوزارة الخارجية البريطانية في الخليج وليم روس، مشروع اتفاق على إمارة الشارقة يتضمن نقطتين أساسيتين:

  • اقتسّام الجزيرة بين إيران والشارقة في مقابل مبلغ من المال يُتفق عليه فيما بعد، على ألاّ تدّعي الشارقة السيادة على الجزيرة كما لا تدّعي إيران السيادة عليها لمدة سنتين بعدها يتقرر مصيرها.
  • تأجير إيران للجزيرة لمدة 99 عاماً قابلة للزيادة، لقاء مبلغ من المال يتفق عليه، على أن يبقى علم الشارقة مرفوعاً فوق المخفر الوحيد هناك، ويحق لحكومة طهران إقامة قواعد في المناطق التي تختارها.

وفي كلمة ألقاها الشيخ خالد بن محمد بن صقر القاسمي حاكم الشارقة في نهاية أكتوبر 1971، أمام جمع كبير من أبناء الشارقة، عقب اجتماعه بالمفاوض البريطاني وليم لوسي قال:

“إن الشارقة ترفض رفضاً قاطعاً الشروط التي عرضها (لوسي) بخصوص جزيرة أبو موسى، ونعتبرها شروطاً تمسّ سيادة الشارقة التي لا يمكننا التنازل عنها أو عن أي شبر واحد من التراب العربي الذي هو ملك للأمة العربية جمعاء”. وناشد حاكم الشارقة في حينها الدول العربية، أن تتخذ موقفاً موحداً إزاء هذه القضية.

تواصلت الضغوط البريطانية ـ الإيرانية على الشارقة، تخيرها بين الرضوخ للمطالب الإيرانية مع التوصل إلى تفاهم ودي يبقى للشارقة وجوداً في الجزيرة، أو الاحتلال الإيراني الكامل لجزيرة أبو موسى.

رأت الشارقة أن تتوصل إلى اتفاق يعتمد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إزاء الوعيد والتهديد الإيراني باحتلال جزيرة أبو موسى المتلازم مع الضغوط التفاوضية البريطانية. ومن ثم في 29 نوفمبر 1971، أعلن الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة من إذاعة صوت الساحل في معسكر المرقاب التابع لقوة ساحل عُمان بإمارة الشارقة، بياناً قال فيه:

“إنه اضّطر إلى التوصل إلى ترتيب مع إيران للتشارك في السيادة على جزيرة أبو موسى، في مواجهة التهديد الصريح بالاستيلاء على الجزيرة بالقوة في حالة عدم قبوله، إضافة إلى أن بريطانيا سبق أن أوضحت موقفها بصراحة من أنها عاجزة عن الدفاع عن الجزر إذا لم يتم التوصل لترتيبات محددة قبل حلول موعد رحيلها عن الخليج”.

وهكذا إزاء التهديدات الإيرانية، وافق حاكم الشارقة آنذاك على اقتسّام السلطة في جزيرة أبو موسى مع إيران دون التخلي عن سيادته أو الاعتراف بالسيادة الإيرانية، وذلك في إطار اتفاقية أطلق عليها اسم مذكرة تفاهم، تم التوصل إليها بالإكراه وهو ما يلغي شرعية هذه المذكرة وذلك بموجب المادة (52)، من قانون المعاهدات بين الدول والتي تنص على ما يلي:

“تُعد لاغية الاتفاقية التي يتم التوصل إليها بالتهديد أو باستخدام القوة وانتهاك مبادئ القانون الدولي كما يتضمنه ميثاق الأمم المتحدة”.

تم توقيع مذكرة التفاهم هذه بين إيران والشارقة بضمان الحكومة البريطانية، بين الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وعباس حلقبري وزير الخارجية الإيراني، ودوجلاس هيوم وزير خارجية بريطانيا.

انقسّم الرأي العام الإقليمي والعربي حول مذكرة التفاهم والإقرار لإيران باحتلال نصف جزيرة أبو موسى بين مؤيد ومعارض، فقد رأى البعض أن ذلك الإجراء يعد تفريطاً في أرض الجزيرة ومياهها، ورضوخاً للوعيد والتهديد العدواني الإيراني وتسليماً للضغوط التفاوضية البريطانية، وأن ما حدث يمنح إيران قاعدة متقدمة للقفز على المزيد من الأراضي العربية تحقيقاً لأهداف شاه إيران في التوسع والسيطرة على منطقة الخليج العربي بأسرها. في حين رأى البعض الآخر أن التفريط بالجزء أفضل من ضياع الكلّ، وأنه ليس لإمارة الشارقة القدرة على مواجهة التهديدات الإيرانية والضغوط البريطانية، كما أن المستقبل كفيل باستعادة ما سّلب من الجزيرة، عندما تتهيأ الظروف العربية والسياسية المواتية لتحقيق هذه الغاية، حيث أن الشارقة لم تسلم بموجب مذكرة التفاهم لإيران الحق أو الشرعية بالسيادة على الجزيرة.

سادساً: التكييف القانوني لمذكرة التفاهم بين إيران وإمارة الشارقة

لا تعدو هذه الاتفاقية كونها مجرد ترتيبات إدارية مؤقتة قُصد منها إتاحة الفرصة للطرفين لإدارة الجزيرة واستثمار بعض ما بها من ثروات إلى أن يحسّم موضوع السيادة عليها.

وعلى ذلك يمكن إجمال مضمون مذكرة التفاهم في النقاط التالية:

  • إن إمارة الشارقة لم تتنازل عن سيادتها على جزيرة أبو موسى أو على أي جزء منها.
  • إن مذكرة التفاهم لم تنقل لإيران السيادة على جزيرة أبو موسى أو على أي جزء منها.
  • إن وجود القوات الإيرانية في قسم الجزيرة المحدد في الخريطة المرفقة بمذكرة التفاهم، لا سّند له سوى مذكرة التفاهم ومن ثم فإن أثره مقيّد ببنودها.
  • إن مذكرة التفاهم تسبغ على إيران ولاية كاملة فقط في حدود المنطقة المتفق على احتلالها من قبل القوات الإيرانية والمحددة بموجب الخريطة المرفقة بمذكرة التفاهم.
  • إن مذكرة التفاهم لا تعطي إيران الحق في التدخل بأي طريقة وتحت أي ظروف في جزء الجزيرة الذي قضت مذكرة التفاهم بأنه يخضع للولاية الكاملة لإمارة الشارقة.

سابعاً: محتويات مذكرة التفاهم:

تتضمن مذكرة التفاهم مقدمة وسّتة بنود، تؤكد المقدمة أن كلاً من إيران والشارقة لن يتخلّيا عن المطالبة بأبي موسى ولن تعترف أيٌ منهما بمطالب الأخرى، أما البنود السّتة فهي كالتالي:

  • المادة الأولى، تنصّ على وصول قوات إيرانية لجزيرة أبو موسى واحتلال مناطق ضمن الحدود المتفق عليها في خريطة مرفقة بالاتفاق.
  • المادة الثانية، أن يكون لإيران صلاحيات كاملة على المناطق المتفق عليها والمحتلة بالقوات الإيرانية، وفي المقابل تمارس الشارقة صلاحيات كاملة على سائر المناطق الأخرى من الجزيرة.
  • المادة الثالثة، تعترف كل من إيران والشارقة بامتداد المياه الإقليمية للجزيرة لمسافة 12 ميلاً بحرياً.
  • المادة الرابعة، يصرح لشركتّي نفط (تم تحديدهما في الاتفاق) باستغلال الثروات النفطية للجزيرة، على أن يقسّم العائد مناصّفة بين إيران والشارقة.
  • المادة الخامسة، المساواة في الحقوق بين المواطنين في كل من إيران والشارقة فيما يتعلق بالصّيد في المياه الإقليمية للجزيرة.
  • المادة السادسة، يتم التوقيع على اتفاق تعاون اقتصادي بين إيران والشارقة.

وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم بنصّها الصريح لا تمسّ إدعاء الطرفين بالسيادة على الجزيرة، ولا تتجاوز كونها مجرد ترتيبات لإدارة الجزيرة بصفة مؤقتة، إلا أنها وقعت دون رغبة حقيقية من جانب إمارة الشارقة في ظل ظروف قاهرة وملحّة تمثلت في التالي:

  • تصميم بريطانيا على الانسحاب من المنطقة في الموعد المحدد وسحب الحماية عن الإمارات.
  • تهديد إيران بأنها سوف تحتل الجزر الثلاث بالقوة المسلحة ما لم يتم التوصل إلى تسوية بشأنها قبل قيام الدولة الاتحادية المقترحة.
  • تهديد إيران بعدم الاعتراف بالدولة الاتحادية المقترحة بل ومعارضتها لقيام هذه الدولة، ما لم يتم التوصل إلى تسّوية حول الجزر تتلاءم مع رغبات طهران.
  • حققت إيران هدفها العسكري والسياسي باحتلالها للجزر العربية الثلاث معتمدة في ذلك على قدراتها العسكرية والبشرية والاقتصادية، وبالتعاون والتنسيق الكامل مع بريطانيا التي أصبحت إيران حليفتها الاستراتيجية في المنطقة، التي تضمن لها وجوداً استعمارياً غير مباشر في المنطقة، وتصون مصالحها الاقتصادية والسياسية، وتلعب دور الشرطي لقمع أي بادرّة لمحاولة تمرد على النفوذ البريطاني في المنطقة.

بذلت دولة الإمارات العربية المتحدة جهوداً سلمية متعددة منذ وقوع العدوان الإيراني على الجزر العربية الثلاث في مختلف المحافل الدولية والإقليمية للمطالبة باستعادة سيادتها على جزرها المحتلة، وبقدر ما كانت التصريحات الصادرة عن المسؤولين في دولة الإمارات بالليونة والدعوة إلى حل هذه القضية بالطرق السلمية، كانت تصريحات المسؤولون في طهران تتسّم بالشّدة وبالتهديد وبالوعيد، ومثال ذلك تصرح شاه إيران “نحن نؤكد موقفنا بأن الجزيرة كلها ملكيتها إلينا”، وما ذكره رئيس وزراء إيران “أن إيران لن تتنازل مطلقاً عن سيادتها غير القابلة للتحكيم عن مجّمل جزيرة أبو موسى”.

في مقابل ذلك أكد المجلس الأعلى للاتحاد، في أول بيان له بعد إعلان قيام دولة الإمارات يوم 2 ديسمبر 1971، جاء فيه: “يستنكر الاتحاد مبدأ استخدام القوة ويأسف لما اتخذته إيران أخيراً من احتلال جزء من الوطن العربي العزيز، ويرى ضرورة احترام الحقوق المشروعة ومناقشة ما قد ينشأ من خلافات بين الدول بالطرق المتعارف عليها دولياً”.

وتحركت دولة الإمارات منذ قيامها في 2/12/1971 على جميع الأصّعدة والمستويات العربية والدولية، مؤكدة تمسكها بالسيادة المطلقة على الجزر، ومناشدة المجتمع الدولي حث إيران على إنهاء العدوان بسحب قواتها من الجزر، على النحو التالي:

  • في 6/12/1971 طلبت دولة الإمارات ودولة عربية أخرى من الأمين العام لجامعة الدول العربية، الاتصال بإيران على أعلى المستويات لإقناعها بإعادة النظر في إجراءاتها بشأن الجزر.
  • في 9/12/1971 عقد مجلس الأمن الدولي جلسة للنظر في النزاع بناءً على طلب دولة الإمارات وعدد من الدول العربية، وقد عبرت دولة الإمارات عن رفضها لاحتلال الجزر وأكدت سيادتها عليها. (الوثيقة رقم 161، S / PV بتاريخ 9/12/1971).
  • في 17/7/1972 تقدمت دولة الإمارات مع دول أخرى برسالة إلى رئيس مجلس الأمن، تؤكد فيها عروبة الجزر وأنها جزء لا يتجزأ من الإمارات العربية المتحدة ومن الوطن العربي. (الوثيقة رقم S / 10740 بتاريخ 18/7/1972).
  • في 5/10/1972 أكدت دولة الإمارات في بيان لها في الجمعية العامة للأمم المتحدة الدورة رقم (27)، أنها لا تعترف بأية سيادة على تلك الجزر باستثناء سيادة الإمارات. (الوثيقة رقم S / PV / 2055 بتاريخ 5/10/1972).
  • في 20/2/1974 أكدت دولة الإمارات في بيان لها في مجلس الأمن، بأنها لا تعترف بأية سيادة على تلك الجزر سوى سيادة دولة الإمارات، وأكدت على أن الاستقرار في منطقة الخليج يستلزم التعاون فيما بين دولها واحترام كل دولة لسيادة الدولة الأخرى ووحدة ترابها، وبأن تسوية أية خلافات بينها يجب أن تتم بالطرق السلمية. (الوثيقة رقم S / PV / 1763 بتاريخ 20/2/1974).
  • في 19/11/1975 أكدت في بيان لها في الأمم المتحدة، أمام اللجنة السياسية الخاصة، موقفها من أنها لا تعترف بأية سيادة على الجزر سوى سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة. (الوثيقة رقم A / C.I / PV / 2092 بتاريخ 19/11/1975).

ثامناً: قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وتطور الخلاف حول الجزر

بنجاح الثورة الإسلامية في الإطاحة بنظام الشاه واستلام مقاليد الحكم وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في الحادي عشر من فبراير 1979، توقعت كافة المحافل الدولية والإقليمية من القيادات الإسلامية الإيرانية الجديدة خيراً، لتصحيح الأخطاء التي ارتكبها نظام الشاه في حق الدول التي تجاوره وفتح صفحة جديدة في العلاقات معها، بأسلوب منطقي وعقلاني في إطار مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، بدءاً بإعادة الجزر العربية الثلاث إلى أصحابها الشرعيين.

توافق مع هذا المناخ، أن كافة التصريحات التي أدلى بها مسؤولون إيرانيون في الحكومة الإسلامية الجديدة، أجمعت على أن الاتجاه لدى الحكومة الجديدة في طهران هو إسقاط سياسة التوسع التي انتهجها النظام السابق، وأن نظام الحكم الإسلامي الجديد سوف يجري في أقرب فرصة مراجعة شاملة لجميع الإجراءات والاتفاقيات التي أبرمّت في العهد السابق.

وتأكيداً لهذا التوّجه، زار رئيس المحاكم الثورية في طهران آية الله خلخالي دولة الإمارات العربية المتحدة يومي 28، 29 مايو 1979، وأجرى مع المسؤولين في دولة الإمارات عدّة لقاءات ومشاورات بشأن قضية الجزر العربية الثلاث، في محاولة لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، وفي نهاية الزيارة صرّح بقوله: “أن الخليج ليس فارسياً ولا عربياً بل إسلامي، ويتوافق ذلك مع التعريف الذي أعلن عنه سابقاً آية الله الخميني”.

بعد انتهاء زيارة آية الله خلخالي لدولة الإمارات وعودته إلى طهران، صدرت فجأة تصريحات رسمية عن حكومة الدكتور بازركان الإيرانية تقول: “إن خلخالي غير مسؤول في الدولة، وبياناته التي أصدرها أثناء زيارته لدول الخليج لا تمثل وجهة نظر الحكومة الإيرانية”.

وبذلك تكون الثورة الإسلامية في إيران قد حدّدت طبيعة سياستها مع جيرانها وحسّمت أمر الجزر لصالحها استمراراً لسياسة الشاه، ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل عمدت إيران عام 1987 إلى احتلال الجزء الجنوبي من جزيرة أبو موسى الواقعة تحت ولاية إمارة الشارقة، وتبعت ذلك بإنشاء مدرج للطائرات الحربية تمتّد أطرافه إلى الجزء الجنوبي من الجزيرة، بدعوى أن حربها الطويلة مع العراق استدعت اتخاذ مثل هذا الإجراء.

وهكذا باءت بالفشل جهود دولة الإمارات ومساعيها مع النظام الإيراني الجديد لاستعادة حقوقها المسلوبة في الجزر، إزاء التعنت الإيراني.

لم تلق هذه التطورات اهتمام المجتمع الدولي الذي كان مشغولاً لعدة سنوات في متابعة تطورات وآثار الحرب العراقية ـ الإيرانية، وكان لتلك الأحداث آثار سلبية على الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في منطقة الخليج، فقد وجدت طهران أن الظروف الدولية والإقليمية تشكل حافزاً لها على اتباع سياسة “الضم” التي انتهجتها فيما يتعلق بجزيرة أبو موسى.

لم تتوقف دولة الإمارات العربية المتحدة عن مطالبتها بحقوقها المشروعة في الجزر الثلاث بعد قيام الثورة الإيرانية، واتخذت الإجراءات التالية:

  • في 6/8/1980 بعث وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أكد فيها سيادة دولة الإمارات على الجزر الثلاث وصدرت الرسالة كوثيقة رسمية من وثائق الجمعية العامة ومجلس الأمن.
  • في 1/12/1980 بعثت دولة الإمارات رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أكدت فيها موقفها الثابت وتمسكها بسيادتها الكاملة على الجزر الثلاث.
  • في 3/12/1980 أصدرت البعثة الدبلوماسية الدائمة لدولة الإمارات في نيويورك، بياناً أكدت فيه من جديد على سيادة دولة الإمارات على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى الواقعة في عرض الخليج العربي، وجاء في هذا البيان أن دولة الإمارات العربية المتحدة ترفض بصورة قطعية كل ما يقال عن سيادة أخرى على هذه الجزر.

تاسعاً: تجدد النزاع وإعادة فتح ملف الأزمة

منذ مطلع الثمانينات أقدمت إيران على العديد من الإجراءات التي تشكل انتهاكاً صارخاً لمذكرة التفاهم، ومن أمثلة هذه الإجراءات ما يلي:

  • التعّدي على الأراضي التابعة لدولة الإمارات والتي تقع خارج حدود جزء الجزيرة المخصص للوجود العسكري الإيراني، وذلك بإنشاء مطار وشق طرق وإقامة منشآت عسكرية ومدنية.
  • التدخل في الحياة اليومية لمواطني دولة الإمارات المقيمين في الجزيرة، وذلك بمنعهم من إقامة مبان جديدة أو ترميم المباني القائمة وإغلاق المحال التجارية وعدم السماح بإعادة فتحها إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من السلطات الإيرانية.
  • اعتراض السفن الإيرانية العسكرية لقوارب الصيد التابعة لمواطني دولة الإمارات في المياه الإقليمية للدولة وإجراء التحقيق معهم ومصادرة قواربهم.
  • تمركز عناصر من أنظمة الصواريخ الإيرانية في القسم التابع لدولة الإمارات.
  • إنشاء بلدية في جزيرة أبو موسى تابعة لمحافظة بندر عباس الإيرانية، ومحاولة ربط الخدمات البلدية للسكان مع الخدمات البلدية للجزء المخصص لإيران في الجزيرة.
  • عرّقلة عمل شرطة دولة الإمارات وذلك للنشاط الزائد للدوريات العسكرية الإيرانية التي تجوب الأسواق والطرقات.
  • إلزام سكان الجزيرة بالقدوم إليها ومغادرتها عن طريق مركز إيراني.
  • فرض الحصول على إذن مسّبق عند قدوم الموظفين الجدد للجزيرة وعند استبدالهم.

اعتباراً من عام 1991، أقدمت إيران على فرض إجراءات أكثر تشدداً ضد السكان العرب في جزيرة أبو موسى، ثم قامت في الأسبوع الأخير من مارس 1992 باعتقال وإبعاد عدد من العاملين الأجانب في القسم التابع لإمارة الشارقة، وتم إغلاق المحال التجارية والاشتراط على الصيادين بضرورة تجديد تراخيص الصيد كل خمسة أيام، ومراجعة الهويات التي يحملها المواطنون والمقيمون على الجزيرة، ومنع بناء روضة للأطفال، ورفضت فصل الطلاب عن الطالبات.

وصعّدت إيران سلسلة إجراءاتها التعسفية في إبريل 1992، بتوسيع نطاق سيطرتها على جزيرة أبو موسى في انتهاك صارخ للشروط المتفق عليها في مذكرة التفاهم، وذلك بتمركزها لقوات عسكرية إيرانية على بقية أجزاء الجزيرة، ومنعت رفع علم دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنعت كافة أنواع السيارات التي تحمل لوحات إماراتية من دخول الجزيرة، وفرضت الحصول على تأشيرة إيرانية لمن يرغب الدخول إلى الجزيرة.

وعلى الرغم من الدبلوماسية الهادئة التي أتبعتها دولة الإمارات لإيجاد حل سلمي للأزمة، إلا أنها فشلت في حث إيران على إلغاء تلك الإجراءات الإيرانية الأخيرة التي لا مبرر لها، والتي أدت إلى احتلالها الكامل وفرض سيادتها بالقوة المسلحة على جزيرة أبو موسى، الأمر الذي جدد النزاع بين الدولتين مرة أخرى بعد 21 عاماً.

عاشراً: الجهود السلمية لدولة الإمارات تجاه الأزمة

قام راشد عبدالله وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة بزيارة عمل إلى طهران يومي 22، 23 إبريل 1992، سلم خلالها رسالة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني.

أكد مصدر دبلوماسي في حكومة دولة الإمارات، تمسك بلاده بحقها الكامل على كافة أراضيها، وقال المصدر في تصريحه لصحيفة الأنباء الكويتية في إبريل 1992، أن دولة الإمارات تنتظر النتائج التي ستسفر عنها زيارة مبعوث رئيس الدولة للتفاوض مع المسؤولين الإيرانيين حول استيلاء القوات العسكرية الإيرانية على جزيرة أبو موسى.

وفي أبو ظبي قرّر المجلس الأعلى للاتحاد في دولة الإمارات العربية المتحدة في اجتماعه بتاريخ 11/5/1992 برئاسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، اعتبار الاتفاقيات المعقودة بين أي إمارة ـ من الإمارات السبع ـ والدول المجاورة، هي اتفاقيات بين اتحاد دولة الإمارات وهذه الدول، وذلك تأسيساً على أنه في الاتحادات الفيدرالية ـ كاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة ـ تعد الشؤون والأمور المتعلقة بأعمال السيادة من اختصاص الدولة الاتحادية التي تُمارسّ وتُدافعّ عن حقوق كافة الإمارات المكونة في مجموعها لها، طبقاً لقواعد القانون الدستوري الذي يؤكد أن الإدارة المركزية في الدولة الاتحادية هي التي تكفل الدفاع عن سيادة إقليمها من أي اعتداء خارجي.

أوضح المراقبون السياسيون أن هذا القرار الذي أصدرته أعلى سلطة سياسية في اتحاد دولة الإمارات، هو أول مبادرة سياسية وخطوة علنية للتعامل مع مشكلة جزيرة أبو موسى والتي فرّضت إيران سيطرتها الكاملة عليها من جانب واحد مع بداية إبريل عام 1992، ومخّلة ـ بذلك ـ بمذكرة التفاهم التي وقعتها مع إمارة الشارقة عام 1971 (قبل إعلان قيام دولة الإمارات) والذي يعطي إيران وحكومة الشارقة المسؤولية المشتركة عن شؤون الجزيرة ورعاية سكانها من العرب والإيرانيين.

أشارت مصادر سياسية أن هذا القرار، يعد رداً إيجابياً على منطق إيران، التي تحاول بعد استكمال سيطرتها على جزيرة أبو موسى، اعتبار أن هذه الأزمة من الشؤون الخاصة بينها وبين إمارة الشارقة وحدها، وترفض بطريقة تدعو إلى القلق التعامل مع دولة الإمارات بشأن هذه القضية.

واستمرت وسائل الإعلام الإيرانية تردد أن القضية محصورة فقط بين إيران وإمارة الشارقة.

حادي عشر: نتائج المباحثات الإماراتية مع الجانب الإيراني

أثار الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني خلال مباحثاته مع وزير خارجية دولة الإمارات في طهران يومي 22، 23 إبريل 1992، وجهات نظر جديدة ومطالب ومواقف يمكن أن تؤثر سلباً في العلاقات بين الدولتين، منها ما يلي:

  • استياء إيران من وجود عمال أجانب في الجزيرة، وتعّتقد بعض المصادر الخليجية أن إيران تسّعى إلى إحّلال عمال نفط إيرانيين بدلاً من العمال الذين أخرجتهم إيران مؤخراً من جزيرة أبو موسى.
  • ترى إيران أن دولة الإمارات العربية المتحدة ينبّغي أن تدفع لها تعويضات مالية، تعتقد إيران أنها تستحقها بسبب الخسائر الكبيرة التي منيّت بها خلال حربها الطويلة مع العراق.
  • ترى إيران أنها غير ملزمة قانوناً ببحث وضع الجزيرة مع دولة الإمارات، ويتمسّك المسؤولون في الحكومة الإيرانية بمقّولة ثابتة ومحدّدة، هي أن الاتفاق المتعلق بجزيرة أبو موسى أبرّم أصلاً بين إيران وإمارة الشارقة.

ثاني عشر: تصاعد الأحداث وإعادة فتح ملف الأزمة

في تصعيد مفاجئ رفضت السلطات الإيرانية في جزيرة أبو موسى السماح لسفينة نقل الركاب الإماراتية “خاطر” القادمة من الشارقة بإنزال ركابها في الجزيرة يوم 24/8/1992. وهم أكثر من مائة من المدرسين والمدرسات وأفراد عائلاتهم والعاملين من المواطنين والمقيمين في الجزيرة، وأبقّت السلطات الإيرانية السفينة “خاطر” في عرض الخليج ثلاثة أيام، ولم تسمح للركاب بالوصول إلى مراكز عملهم وأماكن سكنهم في الجزيرة، وأرغمت السفينة إلى العودة إلى الشارقة.

صّرح مرتضى سّرمدي الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية في اليوم التالي للأزمة 25/8/1992، أن إيران والشارقة اتفقتا على أن المواطنين والأجانب الذين يرغبون في الذهاب إلى جزيرة أبو موسى يجب عليهم الحصول على تصاريح دخول من إدارة الموانئ الإيرانية، وحين طلبت السلطات الإيرانية من العمال والموظفين على متن السفينة “خاطر” تنفيذ ذلك، سلمت إمارة الشارقة ملف جزيرة أبو موسى إلى وزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، فانتقلت المسألة إلى الإطار الاتحادي لدولة الإمارات.

في الأول من سبتمبر 1992، صّرح مصدر مسؤول في وزارة الخارجية لدولة الإمارات بشأن ما قامت به إيران يوم 24/8/1992 في جزيرة أبو موسى بأنه: “لا يتفق مع العلاقات التي ربطت بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وينعكس سلباً على التعاون بين البلدين، في الوقت الذي ترغب فيه دولة الإمارات العربية المتحدة إقامة علاقات حسن الجوار والتعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودولة الإمارات العربية المتحدة ليّحدوها الأمل بأن تبقى العلاقات التاريخية والودّية كما عهدناها قائمة بين البلدين”.

وفي الثاني من سبتمبر 1992، أعلن كمال خرازي مندوب إيران في الأمم المتحدة، أن منع الشرطة الإيرانية ركاب السفينة الإماراتية من النزول إلى الجزيرة ينبع من مسؤولية إيران عن أمن الجزيرة، وبموجب اتفاق عام 1971 فإن الجزيرة مملوكة لإيران وإمارة الشارقة، لكن مسؤولية الأمن تقع على عاتق جمهورية إيران الإسلامية.

تبع ذلك إعلان أحد المصادر الرسمية في أبو ظبي يوم 2/9/1992، أن إيران قد عززت قاعدتها العسكرية في جزيرة أبو موسى بزيادة أعداد العناصر العسكرية من 120 إلى ما يقرب من 500 من الضباط والرتب الأخرى، وأقامت قواعد لعناصر من الصواريخ من طراز سلك وورم صينية الصنع، كما بدأ الإيرانيون إقامة إنشاءات عسكرية في الجزيرة وتعزيز وجودهم العسكري عليها، وتسّيير دوريات عسكرية في أرجاءها، وأصّروا على ضرورة حصول كل من يرغب في الدخول إلى الجزيرة الحصول على إذن إيراني مسّبق بذلك.

رفضت السلطات الإيرانية مجرد استلام مذكرة دبلوماسية من وزارة الخارجية لدولة الإمارات حول هذا الموضوع.

زار وفد إماراتي برئاسة وزير الخارجية طهران يومي 22، 23 إبريل 1992. والتقى الوفد بكبار المسؤولين الإيرانيين للتباحث معهم بشأن الإجراءات التي اتخذت ضد مواطني وموظفي دولة الإمارات في جزيرة أبو موسى. بعد هذه الزيارة، صعّدت إيران الأحداث ومنّعت ركاب السفينة “خاطر” من النزول إلى الجزيرة، بعد أن اتبعتهم في عرض الخليج عدة أيام، وأعلنت بعد عدّة أيام مسؤوليتها عن أمن جزيرة أبو موسى.

ولكي تعطي إيران موضوع الأمن -الذي يتسّم بحساسية بالغة في منطقة الخليج- بعداً خاصاً، فقد أعلن الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني عن اكتشاف إيران شبكة مسلحة داخل الجزيرة. وبتقصّي الحقائق اتضحّ أن هذه الشبكة لم تكن سوى خبير هولندي من العاملين في تطهير مياه الخليج من الألغام البحرية التي زُرعت خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، والذي لم يكن يحمل معه عند إلقاء القبض عليه، سوى سلاح شخصي للدفاع عن النفس.

أثار راشد عبدالله وزير الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، هذا الموضوع في خطابه أمام الأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1992 جاء فيه:

“لقد قامت السلطات الإيرانية باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير غير القانونية بشأن جزيرة أبو موسى انتهاكاً لمذكرة التفاهم لعام 1971. ولقد عبرت بلادي عن رفضها لهذه الإجراءات لما تمثله من انتهاك صارخ لسيادة ووحدة أراضي دولة الإمارات ومبدأ حسن الجوار، إلى جانب تعارضها مع نصوص وروح مذكرة التفاهم التي تفتقر إلى العدالة والتكافؤ أصلاً، والتي تم فرضها في ظروف التهديد باستعمال القوة والإكراه.

وتستهدف الإجراءات الإيرانية الأخيرة السيطرة على جزيرة أبو موسى وضمها إليها أسّوه بما فعلته حكومة إيران في 29 نوفمبر 1971 في احتلالها العسكري لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لدولة الإمارات. ومن الطبيعي أن هذه الإجراءات ستزيد التوتر وتزعزع الاستقرار والأمن في المنطقة بما يتنافى مع مفهوم التعايش السلمي وحسن الجوار والعلاقات التقليدية القائمة بين البلدين” .

المبحث الثاني: توجهات الطرفين حيال الأزمة

أولاً: موقف دولة الإمارات وأسانيدها التاريخية والقانونية

المبادئ الأساسية لمنازعات الحدود في القانون الدولي

يتعامل القانون الدولي العام مع ظاهرة الحدود الدولية وما قد ينجم عنها من مشكلات ومنازعات اعتماداً على مجموعة من المبادئ الأساسية أو الحاكمة التي ينبغي أن تكون محل اعتبار عند الشروع في أي محاولة لتسوية نزاع معّين من منازعات الحدود. ولعل المبدأ الرئيسي الحاكم، في هذا الخصوص، هو ذلك المبدأ الذي يطلق عليه فقهاء القانون الدولي والعلاقات الدولية، مبدأ “نهاية الحدود الدولية واستقرارها”. ونصه كالتالي:

“تتمتع الحدود السياسية الدولية منذ لحظة إتمام تعيينها وتخطيطها (ترسيمها) ـ أو حتى تعيينها فقط ـ بقدر من الثبات والاستمرارية يفترض فيها أن تنتج آثاراً قانونية ذات طبيعة دائمة وملزمة، ليس فقط في مواجهة الأطراف المعنية مباشرة، وإنما في مواجهة الكافّة، طالما تم تعيينها على أساس سليم”.

أ. مبدأ خلافة الدول في معاهدات الحدود

ويفيد بأن معاهدات الحدود تعد من المعاهدات التي تجوز الخلافة فيها، أي أن الدولة الجديدة إعمالاً لمبدأ نهائية الحدود الدولية واستقرارها واستمراريتها، بوصفها الدولة الخّلف، ترث الحدود نفسها التي تم تعينيها من قبل بواسطة الدولة أو الدول السلف.

ب. مبدأ لكل ما في حوزته

ومفاد هذا المبدأ، الإبقاء على الحدود السياسية بين الدول حديثة العهد بالاستقلال ـ بوضعها الراهن ـ لأنه قد يكون أخّف الأضرار التي ينبغي تحملها، وذلك ما لم تتفق الدول المعّنية طواعية وبشكل ودّي على غير ذلك.

ج. مبدأ استثناء معاهدات الحدود من نطاق تطبيق نظرية التغير الجوهري في الظروف

لا يجوز الاستناد إلى التغير الجوهري في الظروف كسبب لإنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها في الأحوال التالية:

(1) إذا كانت المعاهدة منشّئة لحدود.

(2) إذا كان التغير الجوهري نتيجة إخلال الطرف بالتزام طبقاً للمعاهدة أو بأي التزام دولي لأي طرف آخر في المعاهدة.

د. مبدأ احترام السيادة الإقليمية

نص ميثاق الأمم المتحدة، ـ في المادة 2/4 منه ـ على أنه:

“يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة”.

هـ. المبادئ الخاصة بأدلة الإثبات ودلالاتها القانونية في منازعات الحدود

(1) مبدأ السلوك اللاحق

يقصد بالسلوك اللاحق في هذا الخصوص، جميع ما يصدر عن طرف معين من أطراف النزاع الدولي بشأن الحدود من أعمال ومواقف يمكن الارتكان إليها لفهم وجهة نظره بخصوص هذا النزاع. وتأخذ هذه الأعمال أو تلك المواقف صوراً شتّى منها:

التشريعات، الخرائط، التصريحات أو البيانات المنسوبة إلى الدولة، التجنيد الإجباري للمواطنين، جباية الضرائب، تسجيل وقائع الزواج والميلاد والوفاة ومباشرة الاختصاص القضائي.

(2) مبدأ إغلاق الحجّة

ويقصد بهذا المبدأ أنه يمتنّع على الدولة التي تسّلك سلوكاً ما، يحقق لها نفعاً معيناً، أن تدعي لنفسها حقوقاً تضّر بدولة أخرى على نقيض هذا السلوك، أي أن التصرف السابق للدولة، والذي من شأنه أن يعّمد إلى إيهام الدول الأخرى بوجود حالة معينة، يُغلق على هذه الدولة الطريق لإمكان العودة والمطالبة بما يخالف هذا التصرف السابق، من الواضح أن هذا المبدأ يتفق تماماً ومبدأ حسّن النيّة، بل ويعد أحد أهم مقتضياته. ويعد من القواعد الموضوعية التي تقيم الدعوى ويستند إليها الحق في منازعات الحدود، وقد أعمّلت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في العديد من القضايا.

(3) مبدأ حجّية الخرائط

جرت عادة الدول على إصدار خرائط رسمية أو غير رسمية، توضح عليها حدودها السياسية مع جيرانها، كما أن الخرائط قد تلحق بالمعاهدات المنشئة للحدود. ولا بّد أن تتحقق في الخرائط التي يعّول عليها في هذا الخصوص صفات وشروط معينة، وأشار بعض الفقهاء إلى وُجوب التمّييز بين نوعين من هذه الخرائط.

النوع الأول: يشمل الخرائط الملحقة بمعاهدة منشئة للحدود، وهذه تكون لها أهمية كبرى حيث أنها تعبّر بحق عما ارتضاه الأطراف المعنّيون عند اتفاقهم على تعيّين خط الحدود، ولكن من الملاحظ أن العمل قد جرى على أنه إذا حدث تعارض عند التفسير بين نصوص المعاهدة والخرائط، فإن الأولوية تكون للخط المشار إليه في المعاهدة.

النوع الثاني: يشمل الخرائط التي تصدر عن الدول الأطراف بالإرادة المنفردة، وهذا النوع يعّبر عن وجهة نظر كل طرف دون اتفاق الأطراف جميعاً على ذلك.

ثانيا: تطبيق المبادئ الحاكمة لمنازعات الحدود على حالة النزاع الإماراتي ـ الإيراني بشأن الجزر العربية الثلاث في الخليج

  1. النزاع بشأن الجزر الثلاث ومبدأ نهاية الحدود واستقرارها

يُمثل التصرف الإيراني انتهاكاً صارخاً للمبدأ الأساسي مبدأ نهاية الحدود السياسية الدولية واستقرارها واستمراريتها.

فقد ظلت سيادة الإمارات مستمرة على الجزر حتى إعلان بريطانيا عن انسحابها من منطقة الخليج في أواخر الستينيات من القرن الحالي، والحق أنه إذا كان قد حدث أن سيطرت إيران فترة قصيرة جداً عام 1904 على جزيرة أبو موسى، إلا أن هذه السيطرة ووجّهت بمعارضة شديدة، سواء من جانب الحكام العرب أو من جانب بريطانيا، مما اضطرت إيران معه إلى التراجع وإنزال علمها من على الجزيرة.

  1. مبدأ السلوك اللاحق

تمسّك الجانب العربي دوّماً بأحقيته في السيادة على هذه الجزر، على النحو التالي:

أ. الرسائل المتبادلة بين حاكم قواسم الساحل والمسؤولين البريطانيين في الخليج، والتي أكد فيها الحاكم عن تبعية جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى له نقلاً عن أجداده.

ب. إن بريطانيا، وكما يقول السيد ريتشارد سكوفيلد من مركز الدراسات الجغرافية السياسية والحدود الدولية في بريطانيا، اعترفت دوماً بالسيادة للقواسم في رأس الخيمة والشارقة على هذه الجزر.

ج. مباشرة العديد من مظاهر السيادة في تلك الفترة، ومنها خدمات التعليم والصحة، وجباية الضرائب.

د. حرص الحكام العرب على تسجيل احتجاجاتهم على أي تصرف من جانب أي قوة دولية، من شأنه أن ينال من السيادة العربية على الجزر الثلاث.

هـ. منح حاكم الشارقة امتياز للتنقيب عن المعادن عام 1898 لإحدى الشركات الأجنبية في جزيرة أبو موسى.

و. أنشأ حاكم الشارقة منذ السبعينات من القرن الماضي استراحة خاصة له في جزيرة أبو موسى، مما يقطع بتبعيتها له.

وفيما يتعلق بالجانب الإيراني:

يكشف السلوك اللاحق لإيران في هذا الخصوص، بما لا يدع مجالاً للشك، اقتناعها بتبعية الجزر لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة، والدليل على ذلك ما يلي:

أ. عندما حاولت إيران اتخاذ خطوات عملية في سبيل تأكيد سيطرتها على جزيرة أبو موسى، ورفعت العلم الإيراني على الجزيرة، لم تصّمد إيران أمام احتجاجات كل من حاكم الشارقة والمسؤولين البريطانيين في الخليج مما دفعها إلى التراجع وإنزال العلم، بل ووصف التصرف الذي حدث بأنه يمثل تصرفاً فردياً لم يكن للحكومة الإيرانية عّلم به من قبل.

ب. كذلك مما يقطع باقتناع إيران بعدم تَبعية الجزر لها، إبداء رغبتها عام 1930، في استئجار جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لمدة خمسّين عاماً من إمارة رأس الخيمة، وطبقاً للروايات التاريخية، فإن حاكم رأس الخيمة لم يمانع في تأجير الجزيرتين لإيران، غير أنه اشترط شروطاً عديدة من شأنها المحافظة على سيادته على الجزيرتين، ومع ذلك فإن تطور العلاقات بين بريطانيا ـ التي كان لها النفوذ الفعلي في إمارات ومشيخات الخليج العربي في ذلك الوقت ـ وإيران، على نحو سلبي، حال بالفعل دون إتمام هذه الخطوة، وبالتالي تراجعت السلطات الإيرانية عن المضي في عرض الاستئجار.

  1. القيمة الاستدلالية للخرائط والنزاع حول الجزر الثلاث

إذا كانت إيران قد دفعت بأن هناك عدداً من الخرائط البريطانية قد أشارت إلى تبعية الجزر للسيادة الإيرانية، ومنها تلك الخريطة العسكرية التي قدمتها وزارة الخارجية البريطانية عام 1886 لشاه إيران وظهرت عليها الجزر الثلاث باللون الفارسي، إلا أن هذا الدفع لا يصمد أمام الحقائق التالية:

أ. إن هذه الخرائط من الخرائط الخاصة التي تستخدم في أغرض الملاحة البحرية، وليس في أغراض الاستعانة بها لترسيم الحدود الدولية.

ب. إن القاعدة بالنسبة للخرائط المتعلقة بأقاليم المنطقة تؤكد على عروبة الجزر الثلاث.

ج. ثمة خريطة إيرانية، صادرة عام 1955، أشارت بوضوح إلى تبعية الجزر لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة.

د. الاعتماد على بعض الخرائط البريطانية للقول بتبعية الجزر لإيران لا يسّتقيم وحقيقة أن بريطانيا ذاتها قد اعترفت على الدوام بتبعية هذه الجزر للجانب العربي وليس لإيران.

هـ. تشير المصادر التاريخية بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، إلى أن الخريطة البريطانية الوحيدة التي أظهرت تبعية الجزر الثلاث لإيران، قد اعتبرت من جانب وزارة الخارجية البريطانية بأنها تمثل خطأ غير مقصود ولم يتكرر بعد ذلك.

  1. النزاع حول الجزر الثلاث ومبدأ احترام السلامة الإقليمية

إن استخدام القوة المسلحة من جانب إيران لاحتلال هذه الجزر لا يعطي الحكومة الإيرانية ـ ومهما طالت فترة هذا الاحتلال ـ أي حق في التمسّك بالبقاء على أراضي الجزر الثلاث، إضافة إلى أن الاحتلال الإيراني لهذه الجزر يشكل مخالفة صارخة لأحكام القانون الدولي الحديث ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، التي لا تجيز استخدام القوة المسلحة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، ومن الملاحظ أن الاحتلال الإيراني قد ووجه برفض قاطع من إمارتي رأس الخيمة والشارقة، ثم من دولة الإمارات العربية المتحدة التي انضمّت الإمارتان إلى عضويتها في الثاني من ديسمبر 1971.

والحق، أنه ليس لإيران أن تدفع فيما يتعلق بجزيرة أبو موسى أن سلطتها ووجودها العسكري والمدني في الجزيرة يسّتند إلى ما سّمي بمذكرة التفاهم أو الترتيبات التي وقعتها مع حاكم إمارة الشارقة في نوفمبر 1971، وذلك لأن المذكرة تعد باطّلة قانوناً لغياب شرط التعبير الحرّ والصريح من جانب الطرف العربي الموقع عليها، لاسيما أن حاكم الشارقة ـ الشيخ خالد بن محمد القاسمي ـ قد أكرّه على التوقيع على هذه المذكرة، وذلك ما ذكره الشيخ نفسه بشأن الظروف التي صاحبت توقيعه عليها.

يقول الشيخ، “قضيت نحو عامين في استخراج الوثائق الخاصة بعروبة الجزيرة وتبعيتها للشارقة، وكلفت طائفة من رجال القانون لإعداد المستندات والحجج القانونية، وقدمت هذه الوثائق إلى الحكومة الإيرانية، ولكن منطق القوة والتهديد لم يتّح فرصة عند العقل والحجج والأسانيد الشرعية، هناك عدة عوامل أصبحت فيما بعد كتلّة من الضغوط والملابسات الدقيقة.

كانت بريطانيا تهدد بإنهاء مشكلة الجزر دون أن تحسّم الموقف، وإيران تهدد وتتوعد أن الجزر إيرانية وستأخذها بالقوة، والظروف الاقتصادية القاسية وضعت الشارقة في مركز الضعف وعدم القدرة على الحركة وتواطؤ القوى الأخرى في تأييد إيران. ورأيت بعد مشاورات مع بعض الأشقاء أن نبحث عن صيغة لتجميد المشكلة سياسياً ومعالجتها اقتصادياً، وكان ما قيل عنه اتفاقية”.

ثالثاً: الرؤية الإيرانية حول تبعية الجزر

طالبت إيران بحق فرض سيادتها على إمارة البحرين، التي كانت سيطرة الإمبراطورية الإيرانية قد انقطعت عنها منذ القرن الماضي، والتي كانت قد تحولت منذ ذلك الوقت إلى مجرد محمّية تابعة للتاج البريطاني. كما طالبت إيران بحق فرض سيادتها على كل من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، والتي كان مشايخ إمارتي الشارقة ورأس الخيمة قد حصلوا منذ عام 1904 على مرسوم ملكيتها.

خلال جولة المفاوضات التي أجريت بين الطرفين البريطاني والإيراني عامّي 1930، 1931، أبدت إيران استعدادها للتنازل عن مطالبتها بفرض سيادتها على إمارة البحرين، في مقابل حصولها على جزيرة أبو موسى الاعتراف بمطالبها المتعلقة بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، غير أن الحكومة البريطانية لم تكن مستعدة آنذاك للتعامل مع إيران. وهكذا ظلت مختلف القضايا المرتبطة بهذه المسألة معّلقة حتى عام 1970، عندما قررت إيران التنازل عن مطالبتها بإمارة البحرين، كما توصلت مع شيخ إمارة الشارقة على عقد نوع من التسوية فيما يخص جزيرة أبو موسى، بينما استطاعت السيطرة على كل من جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وذلك بإنزال قواتها العسكرية على أرض هاتين الجزيرتين.

في عام 1968 عندما أعلنت بريطانيا عن عزمها الانسحاب من منطقة الخليج بنهاية عام 1970، كان الوضع مختلفاً تماما، حيث كان موقف الدولة البريطانية قد تعرض لكثير من الضعف والاختلال، لدرجة قبول الحكومة البريطانية عقد اتفاقية تتضمن الشروط التي كانت ترفضها بشكل قاطع عام 1930.

في 20 مايو 1970، أبلغت الحكومة الإيرانية بشكل رسمي الحكومة البريطانية بمطالبها المتعلقة بحقوق السيادة والملكية على الجزر الثلاث، وفي منتصف شهر أكتوبر من العام نفسه أعلنت إيران أنها ستقابل بالرفض التام العرض الذي قدمته فيدرالية المشايخ العربية (التي أصبحت فيما بعد دولة الإمارات العربية المتحدة) ولن تعدل مطلقاً عن هذا الموقف، إلا إذا قوبلت المطالب الإيرانية المتعلقة بالجزر المذكورة بالاعتراف والموافقة.

خلال يونيه 1971، جرت عدة لقاءات بين السلطات الإيرانية والسّير وليم لوس ـ الذي عينته حكومة ادوار هيث المحافظة ـ من أجل ايجاد حل مقبول لقضية جزر الخليج العربي، وفي ختام سلسلة هذه اللقاءات صّرح وليم لوس، أن على مشايخ إمارتي رأس الخيمة والشارقة ألاّ ينتظروا أي دعم من طرف الدولة البريطانية في حالة قيام إيران باحتلال الجزر المذكورة، ونصح المسؤول البريطاني مشايخ الإمارتين بالبحث ومحاولة التوصل إلى تسّوية مع الجانب الإيراني، ولكن تطور الأحداث جاء على النحو التالي:

  1. التوصّل إلى تسّوية مرضية للطرفين فيما يتعلق بجزيرة أبو موسى، وذلك عبّر صياغة مذكرة تفاهم تحمل تاريخ نوفمبر 1971.
  2. ترك جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى في وضعية قانونية معّلقة (وقد زاد من صعوبة هذا الوضع، الوعود بمّد يّد العون والمساعدة التي قدمتها كل من ليبيا والعراق للشيخ صقر شيخ إمارة رأس الخيمة)، وبينما كان شاه إيران السابق قد قرر تقديم بعض المعونات والمساعدات والتعويضات لشيخ إمارة رأس الخيمة (رداً على الاغراءات المالية التي قدمت لشيخ إمارة الشارقة)، لم يكن شاه إيران مستعداً لزحزحة سيادة إيران على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأرجع ذلك لعدة مبررات، منها ما يلي:

أ. إن رفع شيخ رأس الخيمة علم الإمارة على أرض جزيرة طنب الكبرى عام 1965 هو عمل استفزازي، إلى جانب القلق الزائد تجاه تصريحات مشايخ الإمارتين بأن الجزر المذكورة بمثابة صخور قارية. وبلغ قلق السلطات الإيرانية أقصى درجاته في نوفمبر 1971، عندما أُعلن عن اكتشاف مناجم النفط والغاز بمياه جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

ب. “الأهمية الاستراتيجية” للجزر المذكورة، بالنسبة لمصالح إيران القومية.

ج. اختارت إيران توقيت تنفيذ الاحتلال (بيوم واحد قبل إعلان انتهاء السلطة البريطانية من المنطقة بشكل رسمي)، بحيث تكون إيران مسؤولة عن أعمالها فقط أمام الدولة البريطانية ومشيخّتّي الشارقة ورأس الخيمة، وليس أمام المجموعة الدولية في مجملها.

رابعاً: موقف مجلس الأمن من النزاع

في 9 من ديسمبر 1971، وبناءً على طلب من كل العراق وليبيا والجزائر وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، طُرح موضوع احتلال إيران للجزر الثلاث أمام مجلس الأمن الدولي. وقد وجَّه ممثلو كافة الدول العربية بهيئة الأمم المتحدة، باستثناء مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة، النقد اللاذع والصريح لبريطانيا وإيران على السواء، وكان المندوب العراقي أكثر المتشديين، حيث ذكر أن شيخ إمارة رأس الخيمة كان قد وجه طلباً إلى العراق لكي يمدّه بيد العون والمساعدة، وذلك قبل توجيه الطلب لكل من جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة. كما طعن المندوب العراقي في صلاحية مذكرة التفاهم، التي عقدتها إيران مع إمارة الشارقة، بخصوص جزيرة أبو موسى، ثم عبَّر خلال مناقشاته عن رفض بلاده (العراق) للتبريرات الثلاث التي صاغتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران، لتفسير عملية وضع اليد الإيرانية على الجزر الثلاث، حيث كانت المبررات المشار إليها تقضّي بما يلي:

  1. تأكيد إيران على حقوق السيادة التاريخية على الجزر الثلاث.
  2. تأكيد إيران والولايات المتحدة الأمريكية معاً على حالة الفراغ السياسي والعسكري الذي نتج عن جلاء الوجود البريطاني من منطقة الخليج العربي.
  3. تأكيد إيران الأهمية الإستراتيجية للجزر الثلاث.

وبعد ذلك، وجه النقد لبريطانيا، لأنها سلمت دورها الاستعماري في منطقة الخليج العربي لإيران، ولم تلتزم بالحفاظ على وحدة تراب إمارة رأس الخيمة، أما الكويت وجمهورية اليمن الجنوبية، فقد طالبتا مجلس الأمن بمطالبة إيران بإخلاء وسحب قواتها من أراضي الجزر الثلاث، بينما طالبت ليبيا المجلس المذكور “بتحمل مسؤولياته كاملة وأن  يكون على مستوى تطلعات المجموعة الدولية”. أمَّا الانتقادات التي وجهها وفد دولة الإمارات فقد حملّت نبرة أكثر اعتدالاً من سابقاتها، حيث صرحت بما يلي:

“من أجل اتخاذ مسّار يكون في خدمة العلاقات التي تربط البلدان المجاورة ترابياً وساحلياً وخدمة الروابط الثقافية والروحية العميقة التي جمعت منذ عصور خلّت الشعبين العربي والإيراني..”.

كان الرد الذي قدمته السلطات الإيرانية للإجابة على مطالب مجلس الأمن الدولي، موجهاً أساساً ضد العراق، الذي وصفّه الوفد الإيراني بأنه “مصدر القلق وزعزة الاستقرار” بالمنطقة، ثم أعلن المندوب الإيراني طعن الحكومة الإيرانية في المبدأ الذي أعطى العراق حق التحدث بالإنابة عن إمارة الشارقة. ثم شرح مندوب إيران أهداف وأبعاد السياسة الإيرانية مذكراً بحقوق “إيران التاريخية” في الجزر المذكورة وأهميتها الاستراتيجية وقربها من السواحل الإيرانية، ثم أضاف أن إيران قد ساهمت عبر سيادتها على الجزر المذكورة، في نشر الإسلام وإشاعة الأمن والاستقرار في ربوع المنطقة.

أما المندوب البريطاني فقد ذكر أن الاتفاق على مسألة البحرين، واستقلال قطر، وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، والتوصل إلى تسوية بين كل من إيران وإمارة الشارقة بخصوص جزيرة أبو موسى، كل هذا، قد شكلّ أساساً معقولاً ومقبولاً من أجل ضمان أمن وسلام المنطقة في المستقبل. ثم أضاف التعبير عن رفض بلاده لموقف العراق القاضي بأن وضعية المنطقة بعد  جلاء القوات البريطانية عنها، لم تكن تشكل أي تهديد للسلام الإقليمي والعالمي. واخّتتم اجتماع هيئة الأمم المتحدة بتبّني مقترح مندوب دولة الصومال بتأجيل مناقشة مسألة الجزر الثلاث إلى أجل لاحق، بهدف توفير الفرصة والوقت الكافيين للأطراف المعنية لتحديد وتوضيح مواقفها المختلفة.

في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية، فإن إيران على يقين أنه: سيكون من العبث محاولة استغلال أي خلاف مع إيران، بما يمكن أن يشكل تهديداً محتملاً لاستقرار وأمن وسلامة منطقة الخليج العربي، مع مراعاة الاعتبارات التالية:

  1. عند غزو العراق لدولة الكويت في 2 أغسطس 1990، طرحت هذه القضية كقضية بين دولتين عربيتين على المجموعة العربية، والتي عجزت عن أن تحل مشكلة بالغة الحساسية بين دولتين عربيتين، وكانت النتيجة أن جيوش العالم دخلت إلى منطقة الخليج العربي.
  2. طالما أن دولة الإمارات غير قادرة عن الدفاع عن نفسها وعلى أخذ حقوقها، إذن لا بد من الاعتماد على طرف خارجي، وهكذا نعيد الكرّة في حل مشاكل هذه المنطقة التي تزخر بالمشاكل.
  3. إن الدول العربية غير قادرة على حل مشاكل الحدود فيما بينها، فكيف لها الآن أن تطالب بحل المشاكل الإقليمية بينها وبين إيران.

كانت الحكومة البريطانية قد أوضحت في أكثر من مناسبة، من خلال الوثائق والمراسلات الرسّمية منذ القرن التاسع عشر، عن اعترافها بسيادة قواسم الشارقة ورأس الخيمة على الجزر الثلاث، ومعارضتها للادعاءات الإيرانية، حتى أن الحكومة البريطانية وجهت في سبتمبر 1934 تحذيرات للحكومة الإيرانية بعدم المساسّ بالأوضاع القائمة في الجزر، حيث اعتبرت أن المزاعم الإيرانية لا أساس لها من الصحة، وهددّت بمقاومة أي تدخل من جانب إيران في الجزر الثلاث.

في الثامن عشر من أكتوبر 1992، استقبل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية، وناقش معه التطورات الراهنة في المنطقة. وأجرى الأمين العام للجامعة بعد ذلك محادثات مع راشد عبدالله وزير الخارجية، وخلال الاجتماع أكدت دولة الإمارات وجامعة الدول العربية، رغبة الدول العربية وحرصّها على حل الخلاف القائم بين دولة الإمارات وإيران، والخاص بالاحتلال الإيراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وانتهاك مذكرة التفاهم حول جزيرة أبو موسى، بالطرق السلمية التي تنصّ عليها المواثيق الدولية.

وأكد الجانبان رغبة الدول العربية في إقامة علاقات حسن جوار صحيحة ومتوازنة مع إيران، تستند إلى مبادئ ومواثيق الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز، والقوانين الدولية التي تنصّ جميعها على احترام سيادة الدول واستقلالها ووحدتها الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التهديد باستخدام القوة واللجوء إلى حل النزاعات بالطرق السلمية وفق هذه المبادئ والمواثيق الدولية.

ومن جانبه أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية مجدداً دعم وتأييد جامعة الدول العربية لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة تجاه القضية المصيرية الحالية، وصرح في نهاية زيارته إلى أبو ظبي، أن الجامعة العربية ستواصل اتصالاتها مع دولة الإمارات للوقوف على تطورات هذه القضية، والتشاور حول الخطوات التي من شأنها أن تؤدي إلى حل هذا الخلاف بالطرق السلمية وفقاً للمواثيق الدولية.

خامساً: الأهداف الإيرانية في منطقة الخليج

بعد نهاية نظام الشاه واستلام الثورة الإسلامية لمقاليد الحكم في الحادي عشر من فبراير عام 1979، كان نظام الحكم الجديد في طهران لا زال فريسّة للصراعات الداخلية والتي تترك في طبيعتها أثراً مباشراً على الخيارات والتوجهات الإيرانية سواء في الداخل أو في الخارج. ثم تتابعت الأحداث حيث بدأت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران ثمان سنوات، ثم وفاة الخميني في 3 يونيه 1989، تاركاً المسؤولين الإيرانيين غارقين في أزمات سياسية واقتصادية وثقافية حادة، من أبرزها، التعقيدات التي شهدتها عملية خلافة الخميني، وتعدد مشاكل الدستور، وتطورات ونتائج حرب الخليج الأولى، وآلية الخطة الاقتصادية الخمسية التي قرر تنفيذها، ونقص الأيدي العاملة المتخصصة، وانخفاض قيمة الاحتياجات من العملات الصعبة، واستحالة ضبط التضخم، وعدم إمكانية إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع الغرب وتحديداً مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وتولى هاشمي رافسنجاني الحكم، وكان أول التغيرات سّحب عناصر حرسّ الثورة من سهل البقاع في لبنان، لأن هذا البلد لم يعّد يمثل لإيران أهمية استراتيجية. وأُعلن أن توجهات النظام الإيراني الجديد، تركز أساساً على كيفية تدعيم مواقعه في مناطق ذات أهمية استراتيجية بالغة، هي منطقة الخليج العربي، ومنطقة آسيا الوسطى حيث خصّمه القديم “تركيا”.

تأمل طهران إعادة تنشيط علاقاتها السّرية التي أقامتها في منتصف الثمانينات مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر قنوات ما وراء الأطلسي، والتي كشفت عنها فيما بعد فضيحة إيران جيت، شريطة ألا يتخلى النظام الإيراني عن سياسته الإعلامية المعادية للإمبريالية. وبدأت إيران في دراسة تحديد الإطار السياسي الذي ستتبعه مع الغرب، وذلك أن الأزمة الاقتصادية الحادة التي أصابتها قد أدت إلى التأخر في تسديد الديون، وأحدثت سخطاً داخلياً عارماً، الأمر الذي دفع بنظام هاشمي رافسنجاني إلى تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة واليابان ودول المجموعة الأوروبية.

ويبدو أن الولايات المتحدة كانت مسّتعدة لإعادة دراسة الملف الإيراني شريطة إلا تعترض إيران على مسار السلام في الشرق الأوسط، كما أن اليابان ودول المجموعة الأوروبية ليس بوسعها إلا التجاوب العاجل للإغراء الإيراني. ومع بداية حرب الخليج الثانية، استطاعت إيران أن تفرض نفسها على الساحة الدولية بفضل الدبلوماسية التي اعتمدها رافسنجاني، والذي عرف كيف يستغل هذه الحرب لصالحه، وأن يبقى بلاده خارج دائرة الصراع، كما أنه استطاع إلزام النظام العراقي بالتنازل لصالحه عن كل ما كان محل خلاف بين البلدين بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية، إضافة إلى ذلك استطاع رافسنجاني القضاء على أي تهديد عسكري أو اقتصادي قد يأتي من بغداد. وبنهاية حرب “تحرير الكويت”، كانت إيران هي المنتصّر الأول فيها، على الرغم من عدم مشاركتها في القتال، وأعلنت أنها قوة إقليمية كبرى، بل الطرف الإقليمي الوحيد الذي يمكنه أن يقدم الحماية لدول الخليج من التهديدات العراقية.

أما بالنسبة لدول الخليج، فقد اقتنعت بأهمية إعطاء إيران دوراً في الترتيبات الأمنية في المنطقة، بينما أعلن هاشمي رافسنجاني أن استبعاد إيران من أي مفاوضات أمنية، يعني أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق. وبالفعل جاء “إعلان دمشق” بين دول الخليج ومصر وسورية كنواه لقوة سلام عربية، لينصّ في فقرة خاصة منه، على أن هذا سيكون مقدمة لفتح حوار مع الأطراف الإسلاميين والدوليين، في إشارة واضحة لإيران، ثم تلي ذلك اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي في سبتمبر 1991 ليضع إطار التعاون الخليجي ـ الإيراني المشترك في المجالات الاقتصادية والأمنيّة.

نجح النظام الإيراني الجديد في التعامل بذكاء مع الأمور الدقيقة والحساسّة التي تحرك الرأي العام الإسلامي، إذ أدان غزو العراق لدولة الكويت كما أدان وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في منطقة الخليج، وكان لموقف إيران تجاه انتفاضة الشيعة في جنوب العراق، أكبر الأثر من تقدير واحترام الهيئات الدبلوماسية الغربية. اعتبرت الولايات المتحدة فيما بعد، أن السياسة الإيرانية الممثّلة في محاولة تصدير الثورة لبلدان المنطقة وخاصة منطقة الخليج، ومساعدتها للحركات الإسلامية المسلحة، ورفضها التسوية السلمية مع إسرائيل، وامتلاكها لترسانة أسلحة تقليدية إلى جانب محاولاتها الجادة لامتلاك سلاح نووي، يمثل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار منطقة الخليج العربي وبالتالي للمصالح الأمريكية الحيوية.

بعد عدة سنوات من المواجهة، أصبح للولايات المتحدة عدّة شروط مسّبقة يتحّتم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الوفاء بها لإقامة حوار معها، وهي عدم معارضة عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وعدم دعم الحركات الإرهابية المسلحة، وعدم السعي للحصول على أسلحة الدمار الشامل.

رغم الرؤية السياسية الواقعية لنظام رافسنجاني، إلا أن عامل الازدواجية ما زال يفرض وجوده على ساحة التوجه السياسي لطهران، ففي شهر مايو 1991 تطرق الرئيس رافسنجاني إلى هذه الازدواجية بقوله(‘إنطوان صغير، محاضرة `الأبعاد والأهداف الإيرانية في منطقة الخليج العربي`، القسم الأول من ندوة جزر الخليج العربي: أسباب النزاع ومتطلبات الحل، مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي، عام 1994، ص 89 ـ 90.’): “نحن نسعى للحصول على التقّنية من الغرب، والغربيون يظنون أننا بصّد التراجع عن المبادئ الإسلامية، وهذا غير صحيح لأن إيران في الحقيقة ستحافظ على مبادئها الثورية وفي نفس الوقت ستستفيد من التكنولوجيا الغربية”. وخير دليل ومثال على هذه الازدواجية، هو موقف إيران بشأن قضية الجزر الثلاث موضوع النزاع مع دولة الإمارات العربية المتحدة.

بعد انتهاء عملية تحرير الكويت، وبدلاً من اتخاذ خطوات عملية لتطبيع العلاقات العربية ـ الإيرانية، تلبّدت الأجواء بين الطرفين، وكانت قضية السلام العربي ـ الإسرائيلي هذه المرة هي أحّد عوامل التباعد، إذ فيما كانت الحكومات العربية تشارك في فاعليات مؤتمر مدريد في نهاية عام 1991، استضافت العاصمة الإيرانية مؤتمراً دولياً لدعم القضية الفلسطينية، ثم اندلعت أزمة الجزر الإماراتية الثلاث اعتباراً من إبريل عام 1992 حتى تصاعدت الأحداث في 24 أغسطس 1992، بانتهاك إيران لمذكرة التفاهم لعام 1971 بشأن جزيرة أبو موسى، لتزيد إيران من تعكّير صفو العلاقات العربية ـ الإيرانية.

تدخلت الولايات المتحدة بقوة لعزل وتطويق إيران بدعوى معارضتها للسلام وتهديدها للأمن الإقليمي في منطقة الخليج، وسعيها للحصول على أسلحة الدمار الشامل. الأمر الذي يؤكد أن الولايات المتحدة لن تترك إيران تعمل بحرّية في منطقة الخليج، لأن المصالح الحيوية للولايات المتحدة في هذه المنطقة تحتاج اتباع سياسة الحسّم والتشّدد وفرض العقوبات الصارمّة إذا لزّم الأمر.

سادساً: تحليل الموقف الإيراني من قضية الجزر الثلاث

  1. الصّلف والتعّنت

أكد الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني، أن إيران لن تغّير موقفها نحو جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وأضاف أن:

“رغم أن موقفنا بشأن الجزر لن يتغير، وأننا قد عززنا الأمن لمنع وقوع أحداث تحريضية توجد عليها مؤشرات كثيرة، وأننا نرى استفزازات لا تخدم سوى مصالح الغرب لتثبت أقدامه في المنطقة”.

  1. التبريرات الإيرانية

هناك تضارب واضح في تبريرات إيران وتفسيراتها لمختلف جوانب القضية، منذ أن نقّضت في إبريل عام 1992 ـ من جانب واحد ـ مذكرة التفاهم التي أبرمت مع إمارة الشارقة لإدارة جزيرة أبو موسى، على النحو التالي:

أ. في البداية كانت السلطات الإيرانية تنفي أساساً وجود مشكلة، وتنفي قيام القوات العسكرية الإيرانية الموجودة بالجزيرة، بمنع سكانها من مواطني وموظفي دولة الإمارات من الدخول إليها.

ب. ثم عادت لتصّرح، أنها لم تمنع مواطني دولة الإمارات من الدخول إليها، ولكنها لم تسمح بدخول بعض الأجانب الذين لم يحصلوا على تأشيرات دخول إيرانية للجزيرة.

ج. بعد نشّر الصّور الدالة على ممارسات إيران ضد سكان الجزيرة في وسائل الإعلام المختلفة، عادت السلطات الإيرانية تعلن على لسان مندوبها الدائم في الأمم المتحدة، أن ما تمارسه إيران في الجزيرة، هو جزء من مسؤوليتها الأمنية بموجب اتفاقية الترتيبات (مذكرة التفاهم) المعقودة مع إمارة الشارقة، والتي تجعل مسؤولية المحافظة على أمن الجزيرة من المهام المنوطّة بإيران.

د. الرهان على شق الصف الإماراتي

كان تقدير السلطات الإيرانية في البداية، أن التدرج السياسي والإعلامي لفرض سيطرتها على جزيرة أبو موسى بالكامل، بالاستناد إلى تجارب سابقة، سيكون هو الأسلوب الأمثل لتحقيق هذه الغاية، حيث أن دولة الإمارات وبصفة خاصة إمارة الشارقة لن تحاول ـ كما حرصت دائماً ـ تصعيد موقفها في مواجهة خطوات التصعيد الإيرانية. كان تقدير السلطات في طهران، أن الموقف السياسي والأمني لدولة الإمارات محكوم باعتبارات محلية وإقليمية، تفرّض عليها في النهاية قبول سياسة الأمر الواقع وتمنعّها من تصعيد القضية.

وبناءً على ذلك، حاولت إيران الانفراد بإمارة الشارقة وتحاورّت معها عن العلاقات الأخوية القديمة بينهما والكفيلة بحل أي مشكلة معلقة، وحاولت كذلك شق الصف الإماراتي، من خلال رفض طرح موضوع الجزيرة كقضية تتصّل بعلاقات دولة الإمارات بإيران، وحصر هذا الموضوع فقط في إطار علاقات خاصة وغير متكافئة مع إمارة الشارقة.

حاولت إيران خلال تلك الفترة المبكّرة من الأزمة، الإيحاء بشكل مباشر وغير مباشر، بوجود ثغرات في موقف دولة الإمارات في التعامل مع أزمة الجزيرة، وذلك من خلال الإشارة إلى تأثير العلاقات التجارية التاريخية والقائمة بين إمارة دبي (وهي إحدى الإمارات السبع في دولة الإمارات) وإيران، ولكن هذه المحاولات جميعها باءت بالفشل، عندما أعلن المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة (وهو أعلى سلطة سياسية في الدولة) بكل وضوح عن تمسّكه بالحقوق المشروعة لدولة الإمارات في جزيرة أبو موسى وبقية الجزر المحتلة (جزيرتي طنب الكبرى والصغرى)، ورفضه القاطع القبول بأي صورة من صور الاستيلاء غير المشروع عليها.

وكان التوجه السياسي لدولة الإمارات بعد ذلك، هو التحرك في محيطها الإقليمي، فكان بيان جدة الصادر عن اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في 9/9/1992، ثم بيان الدوحة الصادر عن دول إعلان دمشق في 10/9/1992، وأخيراً بيان مجلس الجامعة العربية الصادر عن اجتماعات وزراء الخارجية العرب في 14/9/1992.

هـالرهان على انشقاق الصف الخليجي

راهنت إيران كذلك على انشقاق الصف الخليجي الذي تصّورت أنه محكوم باعتبارات المواجهة التي أفرزتها أبعاد وآثار الاحتلال العراقي لدولة الكويت، تعاملت إيران مع فاعليات الاجتماعات الثلاث، اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، واجتماع دول إعلان دمشق، واجتماع مجلس الجامعة العربية، والذين أجمعّوا على تأييد موقف دولة الإمارات وحقها في استعادة سيادتها على جزرها المحتلة الثلاث، وعبرت عن عميق أسفها لاتخاذ إيران تلك الإجراءات والانتهاكات الغير مبررة.

عندما اتضّح أن موقف دولة الإمارات يحّظى بتأييد إقليمي وعربي، بدأت إيران تغير من أسلوبها، فلجأت إلى:

اتهام الدول الغربية بإثارة النزاع

(1)  ذكر رئيس البرلمان الإيراني “علي أكبر مشتاق نوري” أن أزمة الجزر ليست سوى مؤامرة دبرها الغرب، كما أكد الزعيم الروحي “آية الله خاميني” أن القوى الغربية تُغذي الأزمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة لتبرّير وجود قواتها العسكرية في المنطقة.

(2)  صرح دبلوماسيون غربيون، أن إيران تخطط لبناء قاعدة بحرية عميقة في جزيرة أبو موسى، لتكون قاعدة بحرية صالحة لاستخدام الغواصات ـ وهو سلاح بحري جديد يدخل لأول مرة في المنطقة ـ التي تعمل على الحصول عليها من روسيا الاتحادية، ويعتقد دبلوماسيون آخرون أن إيران تسّعى إلى استخدام مشكلة الجزر وبصفة خاصة جزيرة أبو موسى، كورقة ضغط ومساومة إقليمية في المنطقة.

سابعاً: الأهداف الإيرانية من تصعيد أزمة

  1. فرض وجودها الإقليمي في المنطقة بعد نهاية حرب الخليج الثانية وتدمير آلة الحرب العراقية، للخروج من حالة العزلة الدولية التي تعانيها منذ قيام الثورة الإسلامية، مما أثر سلباً على دورها التقليدي في المنطقة، مع الإعلان ـ مبكراً ـ عن ضرورة ترك أمن منطقة الخليج العربي لشعوب المنطقة تحققه وترعاه دون غيرها.
  2. إشعار الولايات المتحدة ودول التحالف الغربي الرئيسية، بأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية في المنطقة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن مشاركة إيجابية لإيران، القوة الإقليمية الكبرى والوحيدة في المنطقة، والتي يمكن أن تقدم الدعم والحماية لدول الخليج من أي تهديدات عراقية في المستقبل.
  3. إعلام دول الخليج العربي بضرورة التعاون والتنسيق الكامل مع طهران لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، وذلك بإعطاء إيران دوراً في الترتيبات الأمنية في المنطقة، وأن استبعاد إيران من أي مفاوضات أمنية، يعني بالضرورة أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق في منطقة الخليج.

المبحث الثالث: موقف الدول الكبرى

أولاً: موقف الولايات المتحدة الأمريكية

أكدت الولايات المتحدة منذ بداية الأزمة، على ضرورة تسوية النزاع بشأن جزيرة أبو موسى بالطرق السلمية، وفي حديث لمساعد وزير الخارجية الأمريكي أمام الجمعية الوطنية للأمريكيين العرب في واشنطن، وصف إيران بأنها جار مشاكس بشكل متزايد، مشيراً إلى موقف إيران المتعنّت بتأكيد سيطرتها على جزيرة أبو موسى دون وجه حق.

صرح وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر خلال لقائه بوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، الذي عقد بالرياض في 27 إبريل 1994، التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الخليج. وجاء في البيان الختامي لهذا اللقاء، أن وزراء خارجية دول مجلس التعاون ووزير الخارجية الأمريكي أعربوا عن تقديرهم البالغ لجهود دولة الإمارات العربية المتحدة الرامية لحل قضية الجزر الثلاث مع جمهورية إيران الإسلامية، وطالبوا إيران بالدخول في مفاوضات جادة مع دولة الإمارات لحل القضية.

وفي 8 مايو 1994، أعلن روبرت بيلليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي، أن الولايات المتحدة ستواصل فرض ضغوط اقتصادية على إيران لتغيير سياستها المتشّددة في النزاع مع دولة الإمارات حول جزر طنب وأبو موسى، ولتجعّلها جاراً صالحاً في المنطقة، من أجل استقرار الأمن في الخليج.

ثانياً: موقف الحكومة البريطانية

رداً على تصريح لرئيس مجلس الشورى الإيراني الذي جاء فيه “أن الجزر الثلاث تعود ملكيتها إلى إيران بموجب اتفاق تم توقيعه مع بريطانيا”. نفى ناطق باسم وزارة الخارجية البريطانية أن تكون الحكومة البريطانية قد تفاهمت مع طهران لبسط سيادة إيران على جزيرة أبو موسى، وقال الناطق: “لقد رفضنا استعمال القوة ودعونا إلى حل سلمي للخلاف على هذه الجزيرة الإستراتيجية القريبة من مضيق هرمز، وعلى جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى القريبتين منها” وأضاف: “أن إيران والشارقة أبرمتا اتفاقاً بشأن جزيرة أبو موسى في عام 1971، بعد استقلال الإمارات عن التاج البريطاني، ويقضي الاتفاق باقتسام السيادة على الجزيرة، وأنه لم يحدث أي اتفاق عند الانسحاب البريطاني من الخليج عام 1971، على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وأن هذا ما كانت الحكومة البريطانية في حينه قد أسفت عليه.

أعربت الحكومة البريطانية عند استقبال دوجلاس هيرد وزير الخارجية البريطاني وروجر فريمان وزير المشتريات في وزارة الدفاع البريطانية للشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة الإمارات يوم 24 أكتوبر 1994، عن دعمها لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة إزاء استمرار الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث منذ عام 1971، وتأييدها للإمارات في مطالبتها بإحالة هذا النزاع إلى محكمة العدل الدولية، بعد أن فشلت الجهود التي بذلتها دولة الإمارات لحل النزاع عن طريق المفاوضات الثنائية.

وفي اليوم التالي 25 أكتوبر 1994، أُعلن عن التأييد الرسمي البريطاني لموقف دولة الإمارات، بعد اجتماع اللجنة المشتركة بين الدولتين، مثل دولة الإمارات الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية، ووزير المملكة المتحدة برئاسة دوجلاس هوج وزير الدولة في وزارة الخارجية البريطانية.

وقد تجدّد الموقف البريطاني من دولة الإمارات تجاه مطالبتها بالجزر التابعة لها، خلال الاجتماع الذي عقد بمقر وزارة الخارجية بدولة الإمارات في العاصمة أبو ظبي في 31 أكتوبر 1994، بين وكيل وزارة خارجية الإمارات بالإنابة ومساعد وكيل وزارة الخارجية البريطانية المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط، والذي أكد دعم الحكومة البريطانية لدولة الإمارات في توجهها لإحالة الموضوع إلى محكمة العدل الدولية باعتبارها الجهة الدولية المخولة بحل النزاعات بين الدول.

ثالثاً: موقف جمهورية فرنسا

أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية دانيال برنار عن قلق حكومته إزاء الخلاف بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران على حق السيادة على جزيرة أبو موسى وعلى جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وأكد على ضرورة العمل على إيجاد تسوية سلمية لهذا الخلاف، استناداً إلى الحوار وانطلاقاً من القوانين الدولية، في إطار احترام وسيادة الدول على أراضيها واحترام التعايش السلمي بين الدول. وإن أي عمل من جانب واحد من شأنه أن يؤدي إلى تدهور في العلاقات القائمة بين دول المنطقة، وينبغي بالتالي تجنبه(‘مذكرة هيئة الاستعلامات، وزارة الإعلام المصرية `دراسة حول الخلاف بين دولة الإمارات وإيران، إصدار خاص، 1992، `الأهمية السياسية للجزر`، ص 32.’).

أعلنت الحكومة الفرنسية، أن فرنسا قد تولت رئاسة مجلس الأمن الدولي اعتباراً من 2 أكتوبر 1992، وأنها على استعداد كامل لتركيز جهودها لتنظيم حوار ومشاورات من خلال المنظمة الدولية حول مشكلة جزيرة أبو موسى.

في 4 نوفمبر 1994، أعلن ريتشارد دوكيه المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية إلى وكالات الأنباء “إن موقف فرنسا واضح من هذه القضية، فقد أعربت فرنسا دوماً عن تأييدها للحل السلمي لجميع الخلافات، خاصة النزاعات المتعلقة بالأراضي والحدود وفق ميثاق الأمم المتحدة”. وأضاف: “إن دولة الإمارات العربية المتحدة أعربت عن رغبتها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لحل قضية الجزر، وأن فرنسا من جهتها تؤيد هذه المبادرة” (‘أحمد جلال التدمري، الجزر العربية الثلاث ـ دراسة وثائقية `لمحة جغرافية عن منطقة الخليج العربي`، ص 363.’).

رابعاً: موقف روسيا الاتحادية

أعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الروسية أن موسكو تؤيد ضرورة استقرار العلاقات بين إيران وجيرانها العرب، وتطالب بحل النزاع حول جزيرة أبو موسى عن طريق الحوار، وتجنّب التصّرفات غير المسؤولة التي تضّر بمصالح دول المنطقة.

خامساً: موقف جمهورية الصين الشعبية

في 5 نوفمبر 1994، اجتمع نائب رئيس المجلس الوطني الصيني بوفد من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في أبو ظبي برئاسة الحاج بن عبدالله المحيربي رئيس المجلس، وأعرب الضيف الصيني عن تقدير بلاده وتأييدها لموقف دولة الإمارات بشأن موضوع الجزر، حيث قال:

“نحن نقدر كثيراً موقف دولة الإمارات من عدم اللجوء إلى القوة لحل هذه الخلافات، وكذلك الجهود التي تبذلها من أجل الحفاظ على الاستقرار في منطقة الخليج”.

سادساَ: موقف وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي

طالب المجلس الوزاري المشترك الذي يضّم وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي ووزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عند انعقاده بالرياض في 8 مايو 1994، إيران بالتجاوب مع مبادرة دولة الإمارات التي أعلنها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لحل قضية الجزر عن طريق المفاوضات وفقاً لبنود القانون الدولي والتعايش السلمي بين الدول.

سابعاً: الوساطة العربية والمفاوضات بين الدولتين

على هامش أعمال مؤتمر وزراء خارجية دول إعلان دمشق السادس والذي عقد بالعاصمة القطرية الدوحة يوم 9، 10 سبتمبر 1992، عرض وزير الخارجية السوري فاروق الشرع على الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وساطة الجمهورية السورية في الأزمة القائمة بين دولة الإمارات والجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن قضية الجزر الثلاث. وقد قبلت دولة الإمارات الوساطة السورية.

وصّل وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع، إلى طهران في التاسع من سبتمبر 1992، ونقلت عنه وكالة الأنباء السورية ما يلي:

إنه يحمل رسالة من الرئيس السوري حافظ الأسد إلى الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني بشأن الوساطة السورية، لمحاولة تسوية النزاع بين دولة الإمارات وإيران حول ملكية ثلاث جزر صغيرة في الخليج العربي. وإن سورية تعتقد أن العلاقات الطيبة بين الإمارات وإيران ستمكن الدولتين من احتواء وتسوية هذا النزاع بالطرق السلمية. وإن الرسالة التي يحملها تؤكد على ضرورة تسّوية هذا النزاع سلماً ووفقاً للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بين الدولتين.

وقد أُعلن في سورية عقب عودة وزير الخارجية السوري إلى دمشق، ما يلي:

  1. إن زيارة الشرع كانت مشجعة وأن إيران قبلت وساطة سورية في هذا الموضوع، وأبدت رغبة في تسّوية الخلاف بالطرق السلمية والحيلولة دون اتسّاع هوّة هذا النزاع.
  2. أظهرت الدولتان حرصّهما على الحفاظ على اتفاقية عام 1971 (مذكرة التفاهم)، والتي وقعت بين إيران وإمارة الشارقة قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن الجهود السورية ستتواصل لإنجاح هذه الوساطة وصولاً إلى حل سلمي لهذه الأزمة.
  3. إن وزير الخارجية السوري يحمل رسالة من الرئيس الإيراني إلى الرئيس السوري حافظ الأسد، رداً على رسالته الأولى إليه.
  4. أطلعت الجمهورية السورية دولة الإمارات العربية المتحدة على نتائج محادثات وزير الخارجية السوري في طهران يومي 19، 20 سبتمبر 1992، من خلال القنوات الدبلوماسية.

ولكن من العجيب ما قالته، بعد ذلك، في طهران صحيفة “طهران تايمز” الإيرانية شبه الرسمية في العشرين من سبتمبر 1992 (أثناء زيارة فاروق الشرع لإيران)، أن إيران رفضت الوساطة السورية في مسألة جزيرة أبو موسى معتبرة أن سورية طرف غير محايد. وأن طهران تفضل إجراء مفاوضات مباشرة مع دولة الإمارات العربية المتحدة التي فضّلت تسّوية المسألة عبّر وسيط، وأن إيران لا تعارض هذا الأمر شريطة أن يكون هذا الوسيط طرفاً محايداً، وليس مثل سورية، حيث أعلنت دمشق من قبل تضامنها مع دولة الإمارات، خلال اجتماع وزراء خارجية دول إعلان دمشق في الدوحة بتاريخ 10/9/1992، وكذلك خلال انعقاد المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في القاهرة بتاريخ 14/9/1992.

ثامناً: وقائع المفاوضات بين الإمارات وإيران

عُقدت جولة مباحثات ثنائية في مدينة أبو ظبي يومي 27، 28 سبتمبر 1992، بهدف التوصّل إلى تسّوية سلمية تفاوضية. مثَّل دولة الإمارات وفد دبلوماسي من وزارة الخارجية برئاسة سيف سعيد مساعد مدير عام مجلس التعاون بوزارة خارجية دولة الإمارات، وكان الوفد الإيراني برئاسة مصطفى فوميني حائري مدير إدارة الخليج بوزارة الخارجية الإيرانية.

عقد وفدا الإمارات وإيران جلسة المباحثات الأولى صباح الأحد 27 سبتمبر 1992، قدمت خلالها دولة الإمارات مذكرة طالبت فيها إيران بالانسحاب من الجزر الثلاث موضوع النزاع، وطلب الوفد الإيراني تعليق المفاوضات بعد ما يقرب من 45 دقيقة فقط من بداية جلسة المباحثات، ثم استؤنفت المفاوضات بعقد جلسة استمرت ساعتين ونصف الساعة، أعلن في نهايتها رئيس الوفد الإيراني رفض بلاده التفاوض بشأن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

في الوقت الذي أعلنت فيه دولة الإمارات، في بيان رسمي، فشل المحادثات واستحالة استمرارها بسبب التعنت الإيراني (اُنظر ملحق بيان دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن المحادثات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حول موضوع الجزر الثلاث)، زعمت وكالة الأنباء الإيرانية أن الطرفين قد اتفقا على تهيئة المناخ لعقد جولة أخرى من المحادثات في طهران. وأعلن السفير مصطفى فوميني رئيس الوفد الإيراني، أن المحادثات لم تستكمل بسبب الفشل في الاتفاق على جدول الأعمال، مشيراً إلى رفض بلاده مناقشة موضوع السيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

أثار راشد عبدالله النعيمي وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة قضية الجزر الثلاث، خلال خطابه أمام الدورة السابعة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 30 سبتمبر 1992، مؤكداً استعداد بلاده لتسوية هذه القضية بالطرق السلمية المنصوص عليها في المادة (23) من ميثاق الأمم المتحدة.

تاسعاً: أسباب فشل المفاوضات بين الدولتين

وصفت مصادر إماراتية البيان الذي صدر عن وزارة الخارجية الإيرانية حول المفاوضات بين الدولتين (اُنظر البيان الصادر عن وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن المباحثات مع دولة لإمارات العربية المتحدة حول جزيرة أبو موسى)، بأنه بيان إنشائي ملئ بالمغالطات التي لا يمكن قبولها، وأشارت إلى العبارة التي وردت في صدّر البيان الإيراني عن من وصفهم البيان بالوافدين من غير مواطني الشارقة على جزيرة أبو موسى، مما يدل أن إيران عادت إلى ترديد نغمة الانفراد، والتي يفترض أن تكون المحادثات في أبو ظبي قد تجاوزتها بعد أن أصبح الحوار مباشراً بين حكومة البلدين.

وأضافت هذه المصادر، أن هذه النغمة تكررت في أكثر من موقع في البيان الإيراني، من خلال الإشارة لما وصفته إيران، بجهودها من أجل إزالة سوء الفهم بين حاكم الشارقة والمسؤولين الإيرانيين في الجزيرة، وأوضحت المصادر الإماراتية، أن هذه العبارات الواردة في بيان وزارة الخارجية الإيرانية تحتوي على الكثير من المغالطات، منها ما يلي:

  1. المغالطة الأولى

أنها تعطي إيحاءات غير مقبولة حول أحقّية الدولة الاتحادية وأجهزتها الرسمية في التفاوض حول ما يتصل بأراضي الدولة في أي مكان، مهما كانت الارتباطات الإدارية لتلك الأراضي.

  1. المغالطة الثانية

أشار البيان الإيراني إلى المفاوضات مع دولة الإمارات وكأنها مبادرة إيرانية، علماً بأن الذي فتح مجال الحوار ومحاولة التفاهم على الخلافات المعلقة بين الدولتين، كانت دولة الإمارات وهي التي أوفدت لهذا الغرض وزير خارجيتها يومي 22، 23 مايو 1992 إلى طهران، مما يؤكد على رغبة دولة الإمارات في إيجاد حلول حاسمة، وقد قوبلت المبادرة الإماراتية بالتجاهل والإهمال، بل والتنكر لحق الحكومة الاتحادية لدولة الإمارات في التفاوض على أمر يتصل بسيادتها على أراضيها.

  1. المغالطة الثالثة

طرحت دولة الإمارات في مفاوضاتها مع الوفد الإيراني ما تعده موضع خلاف مع طهران، وكان الأجدر بالوفد الإيراني أن يطرح وجهة نظره في هذا الشأن، بدلاً من أن يضع شروطاً مسّبقة على ما يجب وما لا يجب بحّثه، بشكل يتضمن توجيهها للمفاوضات وتحديدها لمسارها ونتائجها قبل أن تبدأ.

بعد انهيار المفاوضات بين البلدين، بدأت حملة متبادلة من التصريحات الساخنة بين دولة الإمارات وإيران، يؤكد كل منهما على صحّة موقفه وقانونية وجهة نظره تجاه نتائج المفاوضات والبيانات الصادرة عنها ويمكن إيجاز ذلك فيما يلي:

أ. انتقدت المصادر الإماراتية ما ورد في البيان الإيراني عن استغلال حسن نيّة ورحابة صدر طهران، وصرحت هذه المصادر أن إيران هي التي استغلت رحابة صدر الإمارات وصبّرها، حين امتنعت دولة الإمارات عن إثارة موضوع التجاوزات الإيرانية في جزيرة أبو موسى لفترة طويلة على أمل أن يُحل الخلاف بشكل ودي، إلا أن السلطات الإيرانية تجاهلت ذلك وتمادت في إجراءاتها لتغيير الطابع القانوني والإداري في الجزيرة.

ب. وعلى الجانب الآخر، وصفت إيران البيان الصادر عن دولة الإمارات بالتسّرع، ورداً على ذلك ذكرت المصادر الإماراتية، أن بيان دولة الإمارات لم يتضمن في الواقع إلا عرضاً لما جرى في المفاوضات وتحديداً لموقف الإمارات من الخلافات القائمة مع إيران، ولم يتضمن بأي صورة من الصور اختلاقاً لقضايا لم تكن موجودة من قبل، فموضوع جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى هو موضوع قديم، ولم تكف دولة الإمارات عن المطالبة بالسيادة عليهما، تقديراً من دولة الإمارات لبعض الظروف الإقليمية التي مرت بها المنطقة في السنوات الماضية (حرب الخليج الأولى والثانية)، لذا اتبعت دولة الإمارات سياسة الصبر والتريث وامتنعت عن إثارة موضوع الجزيرتين بشكل علني، وليس بمثابة الاعتراف بسيادة إيران وشرعية احتلالها للجزيرتين.

وصرّحت هذه المصادر أنه فيما يتعلق بموضوع جزيرة أبو موسى، فإن دولة الإمارات لا تعتبره موضوعاً يسّيراً إلا من منطلق أن حلّه يكمن في رجوع إيران إلى نصوص مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر 1971، والبدأ بعد ذلك في التفاوض لحسّم مسألة السيادة على الجزيرة خلال فترة زمنية محدّدة.

ج. وبشأن ما جاء في البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية، عن استعداد طهران لمواصلة المفاوضات، ذكرت المصادر الإماراتية أن هذا الاستعداد الذي ورد في البيان جاء مشروطاً، حيث ورد قبل الإشارة إلى الاستعداد لمواصلة المفاوضات، تأكيداً بأن إيران لن تغّير سياستها، وهذا يعني أن المفاوضات بهذه الصورة هي نوع من إهدار الوقت وتمييع القضية دون أن يكون هناك استعداد حقيقي للوصول إلى حلول عادلة وشاملة تكون ضماناً فعلياً لهدوء واستقرار وأمن المنطقة، وتؤكد احترام السيادة الإقليمية للدول ووحدة أراضيها وحسن الجوار وحل المنازعات بالطرق السلمية.

د. في أبو ظبي حّملت دولة الإمارات العربية المتحدة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسؤولية عدم إحراز أي تقدم في المفاوضات، والتي انهارت دوت التوصل إلى جدول أعمال لمسار وأسبقيات المباحثات، ونتيجة لذلك، فإنه ليس أمام دولة الإمارات سوى اللجوء إلى كافة الوسائل والسّبل السلمية المتاحة لتأكيد سيادتها على الجزر الثلاث.

هـ. أما في طهران، فقد تجاهلت وكالات الأنباء الإيرانية الإشارة إلى انهيار المفاوضات مع دولة الإمارات، وصرحت أن هناك جولة أخرى للمفاوضات تعقد في إيران في موعد سيحدد لاحقاً، ويستبعد المراقبون مشاركة دولة الإمارات في الجولة القادمة للمباحثات، ما لم تقبل إيران التفاوض حول الأوضاع في الجزر الثلاث.

عاشرا: المبادرة السّلمية لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة

قال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطابه بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني الثاني والعشرين، في الثاني من  ديسمبر 1993:

“إننا ننادي بضرورة اللجوء إلى الحوار والالتزام بالطرق السلمية من أجل إنهاء هذا الاحتلال، وعودة الجزر الثلاث لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة تمشياً مع القوانين والأعراف الدولية ومبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل بين الدول”.

وفي العام التالي، كرر رئيس دولة الإمارات مبادرته الثانية في كلمته بمناسبة العيد الوطني الثالث والعشرين في 2 ديسمبر 1994، كلامه بقوله:

“لقد دأبت دولة الإمارات على انتهاج سياسة ثابتة مع جيرانها نابعة من هدي ديننا الحنيف الذي يدعو إلى الإخاء والتسامح. وفي هذا الإطار نكرر الدعوة للاخوة في جمهورية إيران الإسلامية للاحتكام إلى مبدأ الحوار الموضوعي البناء أو اللجوء إلى التحكيم الدولي لحل مشكلة جزرنا المحتلة طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى”.

حادي عشر: وساطة عربية جديدة للتوفيق بين الإمارات وإيران

استجابت دولة الإمارات العربية المتحدة لوساطة دولة قطر التي تقدمت بمبادرة للدولتين، لاستضافة اجتماع إماراتي ـ إيراني على مستوى الخبراء من الجانبين، يعقد في الدوحة في 18 نوفمبر 1995.

ثاني عشر: العودة إلى المفاوضات بين الإمارات وإيران

اقترحت دولة الإمارات أن تكون عناصر جدول الأعمال للاجتماع المقرر عقده يوم 18 نوفمبر 1995 في الدوحة، من أربع نقاط رئيسية هي:

  1. إنهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.
  2. الالتزام بمذكرة التفاهم المبرمة في نوفمبر 1971 بشأن جزيرة أبو موسى، وإلغاء أي إجراءات أو تدابير تخالف بنودها.
  3. حسم مسألة السيادة على جزيرة أبو موسى.
  4. إحالة النزاع بشأن الجزر الثلاث إلى محكمة العدل الدولية، إذا تعذّر الوصول إلى حل تفاوضي خلال فترة زمنية محدّدة.

صدر عن وفد دولة الإمارات يوم 21 نوفمبر 1995 بيان صحفي بعد أربعة أيام من المفاوضات مع الجانب الإيراني، أُعلن فيه ما يلي:

“إن اجتماع الخبراء من دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران لم يتوصل إلى اتفاق على إعداد جدول أعمال المفاوضات بين البلدين، لحل النزاع القائم بينهما على الجزر الثلاث، لأن الوفد الإيراني رفض بشكل قاطع المشاركة في وضع جدول أعمال وفقاً لما جاء في نصّ كتاب الدعوة التي بموجبها انعقد الاجتماع في الدوحة على مستوى الخبراء يوم السبت الموافق 18/11/1995، وأصّر الوفد الإيراني على أن الغرض من الاجتماع ليس وضع جدول أعمال ومن ثم فقد اجتماع الخبراء مرجعيته والهدف الذي انعقد من أجله”.

وأضاف البيان:

“إن دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي تؤكد حرصها على استمرار علاقات حسن الجوار والروابط التاريخية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ترى أن إشاعة الأجواء السلمية وتهيئة ظروف وأساليب ملائمة في التعامل بين البلدين، لا تتأتى إلا باحترام مبادئ القانون الدولي التي تقضي باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، بما في ذلك اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، وتحريم استخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق أو تكريس مكاسب أو تغييرات إقليمية”.

ثم طرحت دولة الإمارات مبادرة تدعو إلى إحالة هذا النزاع إلى محكمة العدل الدولية، حيث أعلنت قمم مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمجلس الوزاري لمجلس التعاون ومجلس الجامعة العربية ووزراء خارجية دول إعلان دمشق ومعظم دول العالم، تأييدها المطلق للتوجه السلمي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

ثالث عشر: السياسة الإيرانية لتكريس احتلالها للجزر الثلاث

لم تكتف إيران برفض هذه المبادرات فحسب، بل وفرضت الإجراءات والتدابير لتكريس حالة الاحتلال. حيث قامت خلال شهر إبريل 1996 بإنشاء محطة كهربائية في جزيرة طنب الكبرى. وقد عقب مصدر مسؤول في وزارة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، في تصريح له بتاريخ 18/4/1996 على هذه الخطوة الإيرانية بما يلي:

“أعلنت الحكومة الإيرانية يوم الاثنين الماضي الخامس عشر من إبريل عام 1996، عن إنشاء محطة كهربائية في جزيرة طنب الكبرى التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكما هو معروف للجميع، فإن جزيرة طنب الكبرى جزيرة محتلة بالقوة من قبل إيران منذ عام 1971.

وكما هو مستقر في القانون الدولي، فإن الاحتلال لا يرتب أية حقوق لسلطة الاحتلال في الأراضي الخاضعة للاحتلال، لذلك فإن قيام الحكومة الإيرانية بإنشاء محطة كهربائية في جزيرة طنب الكبرى، نعتبره خرقاً لقواعد القانون الدولي وانتهاكاً لسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزيرة طنب الكبرى ولا يرتب أية حقوق لسلطة الاحتلال”.

إن استمرار الحكومة الإيرانية في اتخاذ خطوات وممارسات من هذا القبيل، لتكريس احتلالها للجزر المحتلة الثلاث التابعة لدولة الإمارات، بهدف فرض سياسة الأمر الواقع بالقوة، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى تعقيد النزاع القائم بين الدولتين منذ عام 1971، والذي تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة جاهدة إلى حله بالطرق السلمية، بما في ذلك دعوة الحكومة الإيرانية للقبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

في 28 أغسطس 1996، أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة في رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي رفضها لادعاء إيران أن المجال الجوي لجزيرة أبو موسى تابع لإيران، بما يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادتها على جزيرة أبو موسى.

في نوفمبر 1996، قدمت دولة الإمارات مذكرة احتجاج رسمية إلى الحكومة الإيرانية احتجاجاً على فتح فرع لإحدى الجامعات في جزيرة أبو موسى، وأكدت أن إيران تحاول فرض الأمر الواقع بإقامة مشاريع على الجزر التي تحتلها.

في 4 سبتمبر 1996، أبلغت دولة الإمارات العربية المتحدة الأمم المتحدة عدم اعترافها بأحكام قانون المناطق البحرية للجمهورية الإيرانية لعام 1993، وبأي حكم في القانون يمسّ سيادتها على جزرها الثلاث والمياه الإقليمية التابعة لها.

في الأول من أكتوبر 1996، قال راشد عبدالله وزير الخارجية في خطاب دولة الإمارات أمام الدورة الواحدة والخمسين للجمعية العمومية للأمم المتحدة: “إن إيران لم ترفض فحسب التوجهات السلمية لدولة الإمارات، والجهود والوساطات التي قامت بها بعض الدول الصديقة بما في ذلك جهود الأمين العام للأمم المتحدة، بل عمدت إلى إقامة تجهيزات ومنشآت فوق هذه الجزر ليست كلها ذات طابع مدني. فشيدت محطة للكهرباء في جزيرة طنب الكبرى، ومطاراً ومستودعاً للتبريد ومصنعاً لتجهيز الأسماك في جزيرة أبو موسى، كما لجأت إلى توطين أعداد كبيرة من المواطنين الإيرانيين وخاصة فئة العسكريين منهم لتغيير المعالم الديموغرافية لهذه الجزر الثلاث، وفرض سياسة الأمر الواقع إمعاناً في تكريس احتلالها.

وطالب وزير خارجية دولة الإمارات حكومة إيران بإزالة كل ما أقامته من منشآت مدنية وعسكرية في جزر الإمارات المحتلة الثلاث، والاستجابة إلى كافة المبادرات السلمية والمدعومة من قبل الدول الشقيقة والصديقة المحبة للسلام والداعية للدخول في مفاوضات ثنائية جادة غير مشروطة تحقق الحل السلمي لهذا النزاع أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

في 4 يناير 1997، سلمت البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، نص مذكرة وزارة الخارجية التي سلمتها للسفارة الإيرانية في أبو ظبي، احتجاجاً على انتهاك إحدى القطع البحرية الإيرانية للمياه الإقليمية لدولة الإمارات، دون الحصول على إذن مسبق من السلطات المختصة في الدولة.

وفي 8 يناير 1997، سلمت البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، الأمين العام للمنظمة الدولية ورئيس مجلس الأمن، نصّ المذكرة التي وجهتها وزارة الخارجية إلى سفارة إيران في أبو ظبي احتجاجاً على إعلان الحكومة الإيرانية تنظيم دوره لكرة القدم في جزيرة أبو موسى.

في 13 فبراير 1997، طالبت دولة الإمارات العربية المتحدة، الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، الاستمرار في الإبقاء على البند الخاص باحتلال جمهورية إيران الإسلامية لجزر الإمارات الثلاث، ضمن قائمة المسائل المعروضة على مجلس الأمن حتى تسترد دولة الإمارات سيطرتها وسيادتها على جزرها الثلاث.

وفي 21 يونيه 1997، سلمت البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، الأمين العام للمنظمة الدولية ورئيس مجلس الأمن، نصّ مذكرة الاحتجاج التي وجهتها وزارة الخارجية إلى السفارة الإيرانية في أبو ظبي بشأن قيام إيران ببناء رصيف بحري في جزيرة طنب الكبرى التابعة لدولة الإمارات، والتي تحتلها إيران منذ عام 1971.

رابع عشر: الدعم العربي لموقف دولة الإمارات

استعرض المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في ختام القمة السابعة عشر التي عقدت في الدوحة في ديسمبر 1996، مستجدات قضية احتلال إيران للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة. وكرر المجلس أسفه الشديد لاستمرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الامتناع عن الاستجابة للدعوات المتكررة الجادة والصادقة الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول إعلان دمشق، ومجلس جامعة الدول العربية، ومؤتمر القمة العربية، والداعية إلى حل هذا النزاع حلاً سلمياً.

وكرر المجلس الأعلى دعوته للحكومة الإيرانية، إلى إنهاء احتلالها للجزر الثلاث والكف عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن تنفيذ أية إجراءات وإزالة أية منشآت سبق تنفيذها من طرف واحد في الجزر الثلاث، وإتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

وأكد مؤتمر القمة العربية في ختام اجتماعاته في القاهرة يوم 23 يونيه 1996، على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، ودعمه وتأييده ومساندته لكافة الإجراءات والوسائل التي تتخذها لاستعادة سيادتها على هذه الجزر. ودعت القمة العربية إيران، إلى إنهاء احتلالها للجزر الثلاث والكف عن ممارسة فرض الأمر الواقع بالقوة في هذه الجزر، وإتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها وفق مبادئ وقواعد القانون الدولي بما في ذلك القبول بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية.

كما كلفت القمة العربية الأمين العام لجامعة الدول العربية، بمتابعة هذه القضية ورفع تقرير بشأنها إلى مؤتمر القمة العربي القادم.

كما أكد وزراء خارجية دول إعلان دمشق في البيان الختامي في أعقاب اجتماعهم في اللاذقية بالجمهورية العربية السورية يوم 26 يونيه 1997، أن الوصول إلى حل سلمي لقضية جزر الإمارات الثلاث التي تحتلها إيران هو أمر مهم لفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية ـ الإيرانية.

وكرر الوزراء مطالبتهم في بيانهم الختامي، الحكومة الإيرانية بإنهاء احتلالها للجزر الثلاث والتوقف عن إقامة منشآت إيرانية في الجزر بهدف تغيير تركيبتها السكانية، وإلغاء كافة الإجراءات وإزالة كافة المنشآت التي سبق تنفيذها من طرف واحد في الجزر الثلاث، وإتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

وجاء في البيان الختامي، أن أمن دولة الإمارات العربية المتحدة جزء لا يتجزأ من أمن دول الخليج العربي والأمن القومي العربي، وطالبوا الحكومة الإيرانية بالامتناع عن كل ما من شأنه تهديد أمن واستقرار منطقة الخليج العربي.

خامس عشر: أبعاد تطبيع العلاقات الخليجية ـ الإيرانية على مشكلة الجزر

حافظت إيران بعد نهاية حكم الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية على مضمون توجهها السياسي الذي يؤكد الاستعداد للحوار مع دولة الإمارات، والذي يتمسّك في الوقت نفسه بتثبيت سيادة إيران على هذه الجزر الثلاث، مما أبقى ملف القضية مفتوحاً.

في أعقاب حرب الخليج الثانية، حاولت إيران أن تفصل بين خلافها مع دول الخليج العربي حول قضية الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة وقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي من جهة أخرى، وحاجتها لتطوير علاقاتها الاقتصادية مع تلك الدول في إطار سياسة كسر العزلة المفروضة على الثورة الإيرانية من جهة أخرى، غير أن عام 1997 شهد تطوراً ملحوظاً لهذا الاتجاه من خلال تعميق أواصر التعاون الاقتصادي القائم مع بعض الدول العربية، وتنويع مجالاته ووسائله.

إظهار الالتزام “بالشرعية الدولية”

يعد مثل هذا الالتزام بالشرعية الدولية بالخارج، امتداداً لإعلان الرئيسين الإيرانيين رافسنجاني وخاتمي احترامهما للشرعية الدستورية في الداخل، مع ملاحظة أنهما خلعا على الشرعية الدولية تفسيرها الخاص، الأمر الذي ميزّ الموقف الإيراني حيال بعض القضايا بالتناقض، بينما احتفظ هذا الموقف بتماسكه حيال بعض القضايا الأخرى.

البيئة الدولية

عند تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، أعلنت إدارة الرئيس كلينتون اتباع سياسة الاحتواء المزدوج ضدها وتشجيع أوروبا على مقاطعتها، إلا أن هذه العزلة بدأت تنحسر تدريجياً في السنوات الأخيرة، وكان عام 1997 هو العام الأكثر فشلاً لسياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية في شقها الإيراني.

حيث شهد هذا العام توقيع إيران عقداً كبيراً مع شركة توتال الفرنسية، يقضي باستثمار الشركة مبلغ 2 مليار دولار في استقلال حقل غاز فارس في الخليج، وهو ما يتجاوز 50 ضعفاً الحد الأعلى (40 مليون دولار) الذي يحدده قانون داماتو الأمريكي للمبالغ المستثمرة في كل من إيران وليبيا، ولم يتعّد الاحتجاج المتواضع الذي أبدته الولايات المتحدة على مسلك الشركة الفرنسية كونه محاولة لحفظ ماء الوجه.

وفي إطار هذا التفسير للزوبعة الأمريكية، رفضت فرنسا فكرة العقاب الأمريكي، وتضامنت معها دول الاتحاد الأوروبي الخمسة عشر في موقفها، كما عقدت إيران في العام نفسه (1997) مفاوضات مع شركة شّل البريطانية ـ الهولندية لتنفيذ ثلاثة مشروعات أخرى للغاز تبلغ تكلفتها 10 مليارات دولار ويستغرق تنفيذها 6 سنوات. مثلت هذه الاختراقات المتتالية لسياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية، من قبل  شركائها الأوربيين، أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى اعتبار قضية العلاقة مع إيران، قضية من قضايا الرأي العام الأمريكي في عام 1997، ودعت الرئيس الأمريكي لاقتراح الحوار مع إيران. بعد أن عادت العلاقات الإيرانية ـ الأوروبية إلى سيرتها الأولى، في محاولة أوروبية للتنافس مع الهيمنة الأمريكية، اعتباراً من نوفمبر 1997.

أما عن روسيا الاتحادية والصين فقد اطّرد التعاون الإيراني معهما، وتوطّد بصفة خاصة خلال فترة تأزم العلاقات الإيرانية ـ الأوروبية.

سادس عشر: محطات رئيسية في تطبيع العلاقات الخليجية ـ الإيرانية

  1. التقارب السعودي ـ الإيراني

منذ عام 1992، تحركت الدبلوماسية الإيرانية في عهد الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني بالتحضير لعقد قمة بين الدولتين، حيث توافق ذلك مع تقرير أعدّه مركز الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، وتضمن دراسة شاملة عن تطورات ما بعد حرب الخليج الثانية والمتغيرات الجديدة في المنطقة والدور المستقبلي لكل من المملكة العربية السعودية وشقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي، وركز على ضرورة تعزيز التعاون مع المجموعة الخليجية، وبصفة أساسية المملكة العربية السعودية العربية السعودية، على أن يمثل هذا التوجه أساساً استراتيجياً للعمل على قيام مجموعة أمنيّة اقتصادية إيرانية ـ خليجية، من شأنها أن تؤسس نواه قوية لنظام إقليمي مسّتقر في المنطقة.

نشطت قنوات الحوار الهادئ بين البلدين، وتوقف المراقبون أمام الزيارة التي قام بها هاشمي رافسنجاني إلى المملكة العربية السعودية في فبراير 1997، وأجمعّوا على أنها إحدى أبرز محطات التطور الإيجابي في العلاقات بين الدولتين الإسلاميتين الكبرتين في المنطقة، وتأكيداً للتوجه السياسي الإيراني الجديد الذي بدأ مع ولاية الرئيس محمد خاتمي في اتجاه “الانفتاح على العالم الإسلامي انطلاقاً من البوابة السعودية”.

استمرت زيارة رافسنجاني خمسة عشر يوماً اجتمع خلالها مع القيادات السياسية العليا بالمملكة، وقام بجولة كبيرة شملت أهم المدن السعودية الكبرى، وصرح في حديث له أمام اجتماع مجلس الشورى السعودي أن “إيران تتطلع إلى المملكة كقبلّة للمسلمين، وأنها ستبقى كذلك إلى يوم القيامة”.

على ضوء التصريحات التي أدلى بها كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني عند زيارته للمملكة، عن مجالات التنسيق والتعاون بين الرياض وطهران في المجالات الاقتصادية وخاصة قطاع النفط، أعلنت المملكة العربية السعودية استعدادها للتعاون مع إيران والاستثمار المشترك في مجالات النفط ومشتقاته تنقّيباً وتصّنيعاً وتسّويقاً.

كان مما دفع مناخ تحسن العلاقات وصول وزير الداخلية الإيراني عبدالله نوري إلى المملكة العربية السعودية قبل أيام من بدء موسم الحج، بعد أيام قليلة من مغادرة وزير الخارجية كمال خرازي للرياض، مما حدا ببعض المراقبين إلى إعطاء هذه الزيارة بعداً أمنياً وسياسياً غايته إذابة ما تبقى من جليد الحذر والترقب الواعي لدى القيادة السعودية. وقد أوضح وزير الداخلية الإيراني هذه الغاية بقوله “نحن وإخواننا في السعودية لن نسمح بأن يعبث أحد بعلاقاتنا التي تسير من حسن إلى أحسن”.

ولعل أبرز العوامل المباشرة الداعية إلى الالتقاء هو وضع السوق النفطية وحالة عدم الاستقرار التي أصابتها اثر حرب الخليج الثانية، ولما كانت إيران والسعودية هما الدولتان الأكبر في منظمة البلدان المصّدرة للنفط “أوبيك”، فإن لهما مصلحة مشتركة في استقرار أسعار النفط في زمن انهيارها.

وبوجه عام، فإن الدوافع الإيرانية في اتجاه التطبيع مع السعودية تبدو متداخلة، فالعامل الأمني لا ينفصل تماماً عن العامل الاقتصادي، ولذا فإن التوجه الإيراني للتنسيق مع السعودية سيؤمن لطهران ـ في حالة بلوغ أهدافه المنشودة ـ دوراً أساسياً في وضع إقليمي لا يزال يمر بطور التأسيس، كما تأمل طهران من وراء هذا التنسيق أن تكون الرياض هي المفتاح الحقيقي لعضوية إيران في “النادي الخليجي” وبالتالي في عضوية “النادي العربي” في مرحلة لاحقة. وبذلك تكون الرياض هي بوابة الدخول الطبيعية إلى السوق الخليجية، التي تعد واحدة من أهم أسواق المنطقة لترويج البضائع والسلع الإيرانية، ولاستقبال الأعداد الكبيرة من العمالة الإيرانية التي لا تزال تنتظر تسوية الأوضاع للعودة إلى دول الخليج، مما قد يخفف من الأعباء الضخمة التي تراكمت على الاقتصاد الإيراني خلال حرب السنوات الثمانية مع العراق.  

يذهب فريق من الخبراء الاقتصاديين إلى التفاؤل أكثر من ذلك، فيرى أن تطور علاقة الرياض وطهران سيفتح أمام العاصمة الإيرانية الطريق للحصول على قروض كبيرة من صندوق النقد الدولي لتمويل المشروعات الاقتصادية والتنموية التي بدأت في طهران في السنوات الأخيرة، وهي من الأولويات الأساسية لحكومة الرئيس الحالي محمد خاتمي، علماً بأن المملكة العربية السعودية هي الدولة الأولى في المنطقة التي تساهم في تمويل هذا الصندوق. وأن التوجيهات العامة لسياسة الرئيس محمد خاتمي حيال دول الجوار العربي، تؤكد على ضرورة أن تقترن سياسات التعقّل والانفتاح وحسّن النوايا، بإجراءات عملية أساسية تكفل المصداقّية اللازمة.

وبنجاح هذا الأسلوب، يمكن أن تتقدم طهران إلى مسافات أبعد نحو إزالة عناصر الجمود وعدم الثقة الناتجة عن بقاء بعض أسباب ومبررات النزاع، وفي مقدمتها قضية الجزر الثلاث، في حين يبدو واضحاً أن هذه القضية تحتل المقام الأول في إبقاء الجدار الفاصل في العلاقات العربية ـ الإيرانية، فالقضية هنا ـ وفقاً لرأي الخبراء ـ لا تقتصر على دولة الإمارات العربية، وإنما تدخل كعامل رئيسي ومؤثر في صياغة أمن منطقة الخليج العربي.

لقد ظهرت بالفعل بوادر إيجابية في اتجاه الحل السلمي لهذه القضية منذ تسلم الرئيس خاتمي مقاليد الحكم، فقد أدلى بتصريحات أكد فيها “استعداده لحل الخلاف” مع دولة الإمارات، ثم بعث برسالة بهذا المعنى إلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك بعث وزير الخارجية الإيرانية السابق علي أكبر ولايتي برسالة مماثلة إلى الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية والمسؤول عن ملف الجزر بدولة الإمارات.

ردت الإمارات العربية المتحدة على الإرشادات الإيرانية، بتأكيد ضرورة أن تشمل المفاوضات الثنائية الجزر الثلاث وليس جزيرة أبو موسى فقط، وأن يتعهد الجانب الإيراني الموافقة على اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في حالة فشل المفاوضات.

وفي نهاية الاجتماع الوزاري الخليجي في الرياض في نهاية مايو 1997، رحّب بانتخاب الرئيس محمد خاتمي، ودعا إلى ضرورة تحسّن العلاقات مع طهران، شرط أن تسعى إلى وضع الآليات العملية لتسوية قضية الجزر الإماراتية الثلاث.

نشط التحرك الإيراني في مجال دعم ومساندة التنسيق العربي في مواجهة سياسات التعنت الإسرائيلي حيال التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، حيث أكد الدعم الإيراني للمحور السعودي ـ السوري ـ المصري من مبدأ احترام الخيارات العربية في شأن السلام العادل والدائم في منطقة الشرق الأوسط.

  1. قمة طهران الإسلامية

عقدت القمة الإسلامية الثامنة في طهران المدة من 9 ـ 11 ديسمبر 1997، شارك فيها 53 دولة (منها 17 دولة عربية) وخمس من المنظمات الدولية والإقليمية وعدد من المندوبين والمراقبين لدول وجماعات ودول ومؤسسات.

ويمكن القول أن هذه القمة حققت الكثير من الإنجازات، من أهمها سيادة مناخ عقلاني في التعامل مع الخلافات بين الدول الإسلامية داخل مثل هذه المؤتمرات، وإقرار مبدأ الحوار “الفكري” حول القضايا الاستراتيجية للعالم الإسلامي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

إضافة إلى أن لهذه القمة نتائج ملحوظة بالنسبة لمصالح الدولة المضيفة (إيران) إذ حققت إيران حضوراً دولياً وعربياً وشرق أوسطياً، وأبرزت توجهاتها الجديدة في مجال العلاقات على هذه المحاور، أما رئيسها محمد خاتمي، فقد كانت القمة الإسلامية بالنسبة له هي الفرصة التاريخية لإبراز مواقفه الفكرية المجددة والسياسية والدبلوماسية التركية، سواء تجاه العالم الخارجي أو تجاه الأوضاع الداخلية في إيران.

جاء في خطاب الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي وجهه إلى مؤتمر القمة الإسلامية يوم التاسع من ديسمبر 1997:

“إن مبادئ الإسلام الحنيف تحضّ على التماسك والتواصي بالخير، وأن نسّعى إلى تسّوية المنازعات فيما بيننا بالطرق والوسائل السلمية، ولا شك أن مبدأ التسوية للمنازعات يعد أحد المبادئ الأساسية التي ينص عليها التنظيم الدولي الجديد، وفي ظل ما أشار إليه ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي في مادته الثانية حول مبدأ التسوية السلمية للمنازعات التي تثور بين الدول الأعضاء واتساقاً مع ما ذكره رئيس القمة الإسلامية فخامة الرئيس محمد خاتمي في خطابه القيّم والهام صباح اليوم أمام مؤتمركم، فإنني أرجو من الأخوة في إيران أن يستجيبوا للدعوة الصادقة وأن يسّعوا مع اخوتهم في دولة الإمارات العربية المتحدة لحل مسألة الجزر الإماراتية الثلاث في إطار قيّم الإسلام، ومقتضيات حسّن الجوار، وبما يمليّه ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي وقواعد القانون الدولي.

جرت خلال انعقاد المؤتمر عشرات اللقاءات التي شارك فيها بنشاط ويقظة واضحة الجانب المضيف، واستهدفت بشكل خاص تنقية الأجواء بين إيران وكل من مصر والعراق ودول الخليج، كما كان الجانب الإيراني حريصاً على تحقيق أكبر قدر من تحسين هذه العلاقات خلال انعقاد المؤتمر.

المبحث الرابع: الموقف العربي والخليجي

أولاً: الموقف العربي

كان للتجاوزات والانتهاكات الإيرانية في جزيرة أبو موسى ردود فعل واسعة في الأوساط العربية والأجنبية، وقد تناولت وسائل الإعلام المختلفة ومراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية هذه الأحداث بالبحث والدراسة. وقد أيّدت معظم الدول العربية دولة الإمارات في موقفها العادل في تمسكها بالسيادة على الجزر الثلاث التي احتلتها إيران. وسياساتها الحكيمة لاستعادة هذه الجزر بالطرق السلمية، وذلك كما يلي:

  1. موقف مجلس التعاون الخليجي

ندد المجلس الوزاري لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، في اجتماعات دورته الرابعة والأربعين التي عقدت في جدة بتاريخ 8/9/1992 واستمرت لمدة يومين، بالإجراءات التي اتخذتها إيران في جزيرة أبو موسى وتطورات الأحداث فيها، لما تُمثله من انتهاك لسيادة ووحدة أراضي إحدى دول مجلس التعاون وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة. (اُنظر ملحق قمة التعاون/ جزر الإمارات)

طالب المجلس الوزاري إيران باحترام مذكرة التفاهم التي توصلت إليها إمارة الشارقة وإيران آنذاك، كما أكد المجلس على أن القسم المحدد في جزيرة أبو موسى لإمارة الشارقة، هو من مسؤولية دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيام هذه الدولة في الثاني من ديسمبر 1971. كما أعرب المجلس عن أسفه البالغ لاتخاذ إيران تلك الإجراءات غير المبرّرة، التي تعد إخلالاً بالرغبة المعلنة لتطوير وتنمية العلاقات بين الجانبين، وتعارضاً مع المبادئ التي تقوم عليها العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران، واتفاق الجانبين على إقامة علاقات عميقة وصادقة على أساس الالتزام بمبادئ القانون الدولي واحترام استقلال وسيادة ووحدة أراضي الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونبذ اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها وحل المنازعات بالطرق السلمية.

كما أكد المجلس وقوفه الكامل والتام إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة في التمسك بسيادتها الكاملة على جزيرة أبو موسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وتأييده المطلق لكافة الإجراءات التي تتخذها دولة الإمارات لتأكيد سيادتها على الجزر الثلاث.

في 15 من نوفمبر 1992 عقد بالكويت اجتماع لوزراء الدفاع لدول مجلس التعاون الخليجي، أدان وزراء الدفاع الإجراءات التي اتخذتها إيران في جزيرة أبو موسى بما لا يتفق مع البيانات الإيرانية المعّبرة عن الرغبة في تحسين العلاقات مع دول المجلس، ودعا الوزراء إيران للالتزام بالاتفاقيات المعقودة بينها وبين دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن جزيرة أبو موسى، وأكدوا دعمهم لدولة الإمارات في تأكيد تبعية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لدولة الإمارات.

عقدت القمة الخليجية الثالثة عشر في أبو ظبي 27 ـ 29 ديسمبر 1992، حيث أعرب قادة دول مجلس التعاون الخليجي عن أسفهم الشديد للإجراءات الإيرانية في جزيرة أبو موسى، واستمرار احتلالها لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وطالب إيران بإزالة تلك الإجراءات. وطالبها بإلغاء وإزالة كافة الإجراءات التي اتخذتها في جزيرة أبو موسى، وإنهاء احتلالها لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وأكد تضامنه التام وتأييده المطلق لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة، ودعم كافة الإجراءات والوسائل السلمية التي تراها مناسبة لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث، استناداً إلى الشرعية الدولية وانطلاقاً من مبدأ الأمن الجماعي.

  1. موقف دول إعلان دمشق

أعرب وزراء خارجية دول إعلان دمشق، في اجتماعهم السادس الذي عقد يومي 9، 10 سبتمبر 1992، بالعاصمة القطرية الدوحة، عن استنكارهم الشديد للإجراءات غير القانونية التي اتخذتها إيران في الجزيرة منتهكة بذلك وحدة الأراضي الإقليمية لدولة الإمارات، ومبادئ القانون الدولي. وطالب الوزراء إيران باحترام مذكرة التفاهم السابقة، مؤكدين أن جزيرة أبو موسى أصبحت من مسؤولية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيام الاتحاد عام 1971، كما أعربوا عن رفضهم القاطع لاستمرار احتلال إيران لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

وأكدوا وقوفهم التام إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة في التمسك بسيادتها الكاملة على جزيرة أبو موسى، وتأييدهم المطلق لكافة الإجراءات التي تتخذها لتأكيد سيادتها على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

  1. موقف جامعة الدول العربية

أكد مجلس جامعة الدول العربية في ختام اجتماعات دورته الـ 98 التي عقدت في القاهرة في 14 سبتمبر 1992، وقوف الدول العربية إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة احتلال إيران لجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، واستنكر المجلس الاحتلال غير المشروع لهذه الجزر الذي يعّرض الأمن والاستقرار في المنطقة لأشّد المخاطر. ودعا المجلس الأمم المتحدة إلى مطالبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باحترام المواثيق والعهود الدولية الموقعة بين دولة الإمارات وإيران وحقها وسيادتها على الجزر الثلاث، وكلف المجلس في قراره الأمين العام لجامعة الدول العربية بمتابعة هذا الموضوع، وتشكيل لجنة من الأمانة العامة للجامعة لمتابعة تطورات القضية.

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أن رد الفعل العربي إزاء ما أثير حول جزيرة أبو موسى مؤخراً، هو دليل واضح على تضامن الدول العربية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وأبدى أسفه لاتخاذ إيران هذا الموقف على الرغم من أن الدول العربية تنظر إليها كدولة شقيقة وصديقة. وفي 19 إبريل 1993، أكد مجلس جامعة الدول العربية في ختام اجتماعاته الدورية، وقوفه إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة في التمسك بسيادتها الكاملة على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وأيد المجلس اتخاذ الإجراءات اللازمة لعرض هذا الموضوع على الأمم المتحدة، واعتباره بنداً دائماً على جدول أعمال مجلس الجامعة.

أصّدر مجلس جامعة الدول العربية في ختام دورته المائة في سبتمبر 1993، وبعد دراسة وافّية ومتعمقة لقضية الجزر، قراراً يتضمن ما يلي:

أ. الوقوف إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة في التمسك بسيادتها الكاملة على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، واستنكار احتلال إيران غير المشروع لهذه الجزر.

ب. تأييد المجلس المطلق لكافة الإجراءات التي تتخذها دولة الإمارات العربية المتحدة لتأكيد سيادتها على هذه الجزر، ورفض الانتهاكات الإيرانية التي تعرّض الأمن والاستقرار في المنطقة لأشّد المخاطر.

ج. مطالبة إيران باحترام العهود والمواثيق الموقعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وحقها وسيادتها على كل من جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.

  1. موقف وزراء الإعلام العرب

أعلن وزراء الإعلام العرب في ختام اجتماعهم الذي عقد بالقاهرة يومي 19، 20 سبتمبر 1992، تأييدهم الكامل لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة وحقها الكامل في جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وطالبوا إيران بالعمل على سرعة حل القضية بالطرق الودّية والسلمية، وأكدوا التزام الإعلام العربي بأداء دوره القومي بشأن هذه القضية، والتصّدي للادعاءات والحملات الإعلامية الإيرانية.

أكد المجلس تمسّكه وتأييده لقرار مجلس جامعة الدول العربية بهذا الشأن والصادر عن الدورة الـ 98 للمجلس بتاريخ 14/9/1992، ولبيان اجتماع وزراء خارجية دول إعلان دمشق في اجتماعهم السادس في الدوحة في 10/9/1992، ولقرار وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في دورته الرابعة والأربعين والذي عقد في جدة 9/9/1992.

  1. مواقف عربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

تناولت وفود بعض الدول العربية والأجنبية في كلماتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الـ 47 خلال الفترة بين شهري أكتوبر وديسمبر 1992، موضوع الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث والتجاوزات الإيرانية لمذكرة التفاهم الخاصة بجزيرة أبو موسى.

وفي الدورة الثامنة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى راشد عبدالله النعيمي وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، كلمة في 4 أكتوبر 1993، أشار فيها إلى أهمية حل المنازعات بالحوار والطرق السلمية بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي من أجل بناء الثقة وتعزيز السلم والأمن والاستقرار والتعايش وحسن الحوار بين دول المنطقة.

وفي الجلسة المسائية ألقى المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة، كلمة ردّ فيها على كلمة وزير خارجية دولة الإمارات، وركز في خطابه على النقاط التالية:

أ. أن بلاده حاولت خلال السنوات الماضية أن تتوّصل للسلام مع دول المنطقة، وتم الإعلان في عدّة مناسبات بأنه لا بد من التوصل إلى اتفاقيات أمنية.

ب. بخصوص النزاع مع دولة الإمارات، حاولت حكومة إيران عام 1992 إزالة سوء التفاهم بين البلدين وتأكيد أهمية التفاوض بينهما، وفي سبتمبر 1992 أرسلت إيران مندوباً عنها للإمارات، وقد وضع الطرف الآخر شروطاً مسّبقة في المفاوضات غير المقبولة على الإطلاق مما أدى إلى وقف المباحثات الثنائية.

ج. إن السياسة الإستراتيجية لحكومة إيران في المنطقة، تبنى على استعدادها للمفاوضات الثنائية والسلمية لحل كافة المسائل المعلقة، وعلى عدم تصعيد الموقف، انطلاقاً من علاقات حسن الجوار.

وعقّب وزير خارجية دولة الإمارات على كلمة مندوب إيران لدى الأمم المتحدة، بأن بلاده تؤكد مرة أخرى استعدادها التام لتسوية هذا النزاع بأي من الطرق السلمية التي نص عليها الميثاق، بهدف استعادة سيادتها على الجزر الثلاث التي هي جزء لا يتجزأ من أراضيها. وينطلق هذا الموقف من إيمان دولة الإمارات العربية المتحدة، بأن الاستقرار والأمن في منطقة الخليج يسّتلزم التعاون فيما بين دولها واحترام كل دولة لسيادة الأخرى، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وضرورة تسوية النزاعات بالطرق السلمية، خاصة في ضوء المستجدات الإقليمية والدولية، “وبناء على ذلك نناشّد جمهورية إيران الإسلامية مرة أخرى، الاستجابة لدعوتنا هذه”.

  1. موقف الاتحادات المهنّية العربية

أصدر اتحاد المعّلمين العرب بياناً تضامنياً مع دولة الإمارات، في ختام اجتماع رؤساء المنظمات الأعضاء المنعقد في مدينة تونس في الأول من أكتوبر 1992. كما أصدر الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب بياناً باسم الأمانة العامة للاتحاد يؤيد فيه موقف دولة الإمارات العادل بشأن قضية الجزر الثلاث.

كما أصدر اتحاد المحامين العرب، في ختام اجتماعهم الطارئ في عّمان يومي 15، 16 أكتوبر 1992، بياناً أكد فيه على عروبة الجزر الثلاث وسيادة دولة الإمارات عليها، ودعا المكتب الدائم للاتحاد إيران إلى احترام تعهداتها، ومراعاة حسن الجوار، وتعزيز الأمن والسلام في منطقة الخليج العربي. وفي اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد التي انعقدت في تونس عام 1994، أصدر المكتب تأكيداً لقرارات دوراته السابقة في استنكار المخططات الإيرانية الرامية إلى إحكام استيلائها على الجزر العربية الثلاث، وأكد المحامون العرب على عروبة هذه الجزر، وجاء في بيانهم ما يلي:

“إن المكتب الدائم يعلن دعمه بغير حدود لجهود دولة الإمارات لاستعادة الجزر الثلاث بالطرق السلمية ومن خلال الاتجاه إلى التحكيم ووساطة الأمم المتحدة، كما يطالب جامعة الدول العربية وملوك ورؤساء العرب باتخاذ ما يلزم لتدعيم مسعى دولة الإمارات في استعادتها للجزر باعتبارها حق عربي خالص”.

ثانياً: القمة الخليجية الثامنة عشر

بعد أيام من انتهاء قمة طهران الإسلامية، عقد بدولة الكويت الفترة من 20 ـ 22 ديسمبر 1997 مؤتمر القمة الخليجية الثامنة عشر، وحضره قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وسيطرت تحولات النهج السياسي للقيادة الإيرانية على فاعليات القمة في استجابة واضحة ـ وإن كانت حذرة ـ للإشارات الإيجابية التي حرصت حكومة طهران في إطلاقها، وأهمها دعوة الرئيس محمد خاتمي لحل القضايا المعلقة بين الطرفين، وإعلان استعداده للذهاب لدولة الإمارات لاستئناف المفاوضات بشأن الجزر موضع الخلاف، وقد ترددت بالفعل تصريحات حول اقتراح إيراني من أجل التوصل إلى حل وسط في هذه القضية يتضمن إعادة جزيرة طنب الكبرى إلى إمارة رأس الخيمة وتقاسم الوجود في جزيرة أبو موسى، مما يمثّل مدخلاً إيجابياً لإغلاق هذا الملف وتفعيل التعاون المشترك بين إيران ودول مجلس التعاون.

وبالرغم من صدور بعض التحذيرات ـ كويتية المصدر ـ مما أُطلق عليه بالهرولة باتجاه إيران، إلا أن التطورات الأخيرة في الخطاب السياسي الإيراني ودعاوى المصالحة التي صاحبتها تمثل تعاملاً إيجابياً مع غالبية المطالب الخليجية السابقة، والمتعلقة أساساً بالتخلي عن مبدأ تصدير الثورة، وحل أزمة الجزر  الإماراتية، فيما يظل الشرط الثالث والأخير والمتعلق بفهم العلاقة العضوية بين طهران والشيعة في الخليج العربي قابلاً لتسّوية ما.

وجاء في نصّ البيان الختامي للقمة الخليجية الثامنة عشر ما يلي:

قضية الجزر الثلاث

استعرض المجلس الأعلى تطورات قضية الجزر الثلاث، وكرر أسفه الشديد لاستمرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الامتناع عن الاستجابة للدعوات المتكررة الجادة الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وعن المنظمات والهيئات والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى، الداعيّة إلى حل هذا النزاع حلاً سلمياً.

كما استعرض المجلس الأعلى تصريحات الرئيس محمد خاتمي، التي عبّر فيها عن رغبته باللقاء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، واستمع إلى ترحيب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بهذا التوجه، ورحّب المجلس الأعلى بأي لقاء يعّقد بين قيادتي البلدين. وأكد سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، ودعمه المطلق لكل  الإجراءات والوسائل السلمية التي تتخذها لاستعادة سيادتها على هذه الجزر، وكرر المجلس مطالبته الحكومة الإيرانية بإنهاء احتلالها للجزر الثلاث، والكفّ عن ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، والتوقف عن إقامة منشآت إيرانية في الجزر بهدف تغيير تركيبتها السكانية، وإلغاء كل الإجراءات وإزالة كل المنشآت التي سبق تنفيذها من طرف واحد في الجزر الثلاث، واتباع الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

وقد أعرب المجلس عن أمله بأن تشهد المرحلة القادمة تطوراً إيجابياً وعملياً في العلاقات بين الجانبين من أجل بناء الثقة المتبادلة وتأسيس العلاقات على قواعد ثابتة بما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

ثالثاً: تطور العلاقات والزيارات المتبادلة

اعتباراً من عام 1997، شهدت العلاقات الإيرانية ـ الخليجية انفتاحاً وزيارات متبادلة تهدف إلى تطوير مجالات التعاون المختلفة بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي. وقد صرح الأمين العام لجامعة الدول العربية في خطابه أمام الدورة 109 لمجلس جامعة الدول العربية التي عقدت بالقاهرة في 24 مارس 1998، بما يلي:

“إن ما أعلنته إيران تحت قيادته الحكيمة والواعية من توجهات جديدة لإقامة علاقات طيبة مع الوطن العربي، يعّد في نظرنا بادرة تستحق الثناء ويمكن البناء عليها، وفي هذا الإطار فإنني أناشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الاستجابة لتسوية النزاع حول جزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث بالمفاوضات المباشرة وبالوسائل السلمية، وذلك بغية النهوض بالعلاقات العربية الإيرانية ودعم أواصر الثقة والتعاون بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول العربية”.

أجمع المحللون أن تطبيع العلاقات والتقارب بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي، هو المسار المنطقي والفاعل لحل قضية الجزر الإماراتية في إطار سلمي، حيث لا يمكن لإيران أن تحسن من علاقاتها مع بقية الدول العربية، دون حصولها على امتياز انضمامها لعضوية “النادي الخليجي”.

ويمكن إيجاز تطور العلاقات الإيرانية ـ الخليجية على النحو التالي:

  1. مع المملكة العربية السعودية

شهدت العلاقات الاقتصادية بين إيران والسعودية تقدماً ملحوظاً، بداية بافتتاح خط للرحلات الجوية المباشرة بين البلدين في 14 سبتمبر 1997، ومشاركة إيران لأول مرة في معرض جدة للسلع الاستهلاكية في أكتوبر من العام نفسه. واتفقت الدولتان على ضرورة مضاعفة قيمة مبادلتهما التجارية من 400 مليون دولار عام 1997 إلى ثلاثة أضعاف تلك القيمة، مع ملاحظة أنها كانت لا تتجاوز 200 مليون  دولار عام 1996. ثم جاءت مشاركة ولي العهد السعودي في اجتماعات قمة طهران الإسلامية في ديسمبر 1997، وبعد زيارة رافسنجاني للرياض في فبراير من العام نفسه، لتعطيا دفعة أكبر لعلاقات البلدين.

وافق مجلس الوزراء السعودي في اجتماعه في مايو 1998، على توقيع اتفاقية للتعاون مع إيران في المجالات الاقتصادية والعلمية والفنية والثقافية والرياضية، وأُعلن في حينه أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي سيقوم بتوقيع مذكرة التعاون بين البلدين خلال زيارته القادمة إلى طهران خلال أيام محدودة من اجتماع مجلس الوزراء السعودي.

من الأحداث الملحوظة التي أسهمت في تحسين علاقات البلدين الزيارة الناجحة التي قام بها الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وفي صحبته الأمير خالد بن سلطان ونخبة من كبار المسؤولين السعوديين إلى إيران في 1999، والتقى فيها الرئيس الإيراني وكبار المسؤولين الإيرانيين.

  1. مع دولة الكويت

تطورت العلاقات الكويتية ـ الإيرانية تطوراً ملموساً خلال الفترة الأخيرة أكدتها زيارات متبادلة قام بها مسؤولون من كلا البلدين، فقد استقبل أمير الكويت رئيس مجلس الشورى الإيراني علي أكبر نوري خلال زيارته للكويت، كما قام وزير الداخلية الكويتي بزيارة إيران وأجرى هناك محادثات مع المسؤولين. وتم توقيع اتفاقية تعاون أمني بين البلدين بهدف تعزيز ودعم العلاقات الثنائية، كما تم افتتاح خط ملاحي بين الكويت وإيران لأول مرة بعد حرب الخليج الثانية.

  1. مع سلطنة عُمان

على صعيد العلاقات الإيرانية ـ العمانية أكد السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان ضرورة توسيع آفاق التعاون ليس فقط بين مسقط وطهران، بل بين إيران وجميع الدول الخليجية السّت.

زار عُمان العديد من المسؤولين الإيرانيين، حيث استقبل السلطان قابوس رئيس مجلس الشورى الإيراني علي أكبر نوري، والذي يعّد أكبر شخصية إيرانية تزور مسقط منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

  1. مع دولة قطر

اتفقت الدولتان على إقامة مركزين تجاريين لتسويق منتجات الدوحة، تم بالفعل وضع أساسهما. كما تم إنشاء خط طيران مدني جديد بين البلدين، يرفع عدد رحلاتهما الجوية إلى خمسّ رحلات أسبوعياً، إضافة إلى ثلاث رحلات بحرية.

  1. مع دولة البحرين

في أعقاب رفع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين من مستوى قائم بالأعمال إلى مستوى السفراء في 13 نوفمبر 1997، قامت السيدة معصّومة ابتكار، نائبة خاتمي للبيئة وشؤون المحيط، بزيارة  البحرين لحضور اجتماعات اللجنة التنفيذية للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، المناط بها تحقيق التنسيق البيئي بين دول الخليج العربي.

رابعاًً: القمة الخليجية التاسعة عشر

بحضور شخصيات دولية ووسط اهتمام خليجي مكثف، عقد قادة دول الخليج العربي قمتهم التاسعة عشر في أبو ظبي المدة من 7 ـ 9 ديسمبر 1998، شارك في الدورة التاسعة عشر للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربي كل من قادة الإمارات والكويت وعُمان والبحرين وقطر وولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز.

استعرض المجلس الأعلى مستجدات قضية الجزر الثلاث، وجدّد تأكيده على أحقية سيادة دولة الإمارات على جزرها المحتلة، ودعمه لكل الإجراءات والوسائل السلمية لحل النزاع وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي. وأعلن الرئيس نيلسون مانديلا الذي شارك في الاجتماع تضامنه مع حق الإمارات في السيادة على الجزر الثلاث موضوع النزاع، مما أدى إلى إضفاء مزيد من الشرعية على هذا الحق في مواجهة الرؤية الإيرانية لهذه القضية، كما تم دعوة إيران إلى ترجمة ما تعلنه من حسن نوايا تجاه دولة الإمارات ودول مجلس التعاون إلى فعل حقيقي، من أجل تحقيق أمن واستقرار منطقة الخليج العربي.

وفي هذا الإطار عرض كوفي عنان سكرتير عام الأمم المتحدة، الوساطة بين دولة الإمارات والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لحل النزاع على الجزر الثلاث.

المبحث الخامس: العلاقات الخارجية الإيرانية وصعوبتها

أصبح واضحاً أن سياسة التقارب بين إيران وبعض الدول الخليجية، قد تكون منعطفاً إيجابياً إلى بدء مرحلة جديدة تستهدف التخلص من الشوائب التي كثيراً ما أصابت هذه العلاقات تارة بالفتور وتارة أخرى بسوء الظن وبالكثير من الشكوك، ومن المعروف أن تحريك هذه العلاقات قد أخذ وقتاً ليس بالقصّير ومرت بعقبات وأزمات، بعضها كان صامتاً والبعض الآخر كان واضحاً على مستوى العلنية وتبادل المؤاخذات.

وقد واكب انعقاد القمة الإسلامية الثامنة في طهران 9 ـ 11 ديسمبر 1997، ظهور وجه إصلاحي جديد على مسرح قمة الحكم الإيراني وهو الرئيس الحالي محمد خاتمي، بعد مرحلة شاقة خاضها بعقلانية ضد الانفلات السياسي وضد القوى المناهضة للديمقراطية وحرية الرأي، وكانت نقلّة كبيرة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الانفّتاح على العالم.

وفي ظل أوضاع خليجية وإقليمية مشجعة، توجهت المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لمزيد من التفاهم والتعاون المشترك نتج عن سلسلة من المبادرات الإيجابية الشجاعة من قبل الطرفين نالت التشجيع والترحيب، مما سّرع في تطور العلاقات بشكل واعٍ ومدروس  يدعو إلى التفاؤل. وينظر الخليجيون بعيّن الرضا لهذا التقارب، ويعتقدون أنه كفيل بالمساهمة في حل الغالبية العظمى من مشكلات المنطقة وخفض توتراتها الإقليمية، كما أنهم يرّون أن إدماج إيران في المنطقة يفتح آفاقاً واعدة.

وللمرة الأولى منذ قرابة عقدين من الزمان، يجرى الحديث عن إمكانية إشراك إيران في ضمان أمن الخليج، تردد ذلك في أوساط مجلس التعاون الخليجي، وتفكر الدول المعنّية جدياً بطيّ صفحة الصراعات التي تضّر المنطقة بأسرها وتعيق تطورها وتكاملها.

ويتحدث المسؤولون عن البحث الجاد في خطوات عملية، ومن بينها ما جاء على لسان وزيري الخارجية والدفاع الإيرانيين، باقتراح صيغّة أمنية مشتركة وتسّوية عادلة للمشكلات العالقة بين إيران ودول الخليج العربي.

ومع ذلك بدت في الأفق بوادر أزمة سياسية حادة بين إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة، نتيجة لبعض التجاوزات الإيرانية الجديدة على النحو التالي:

  1. في 27 فبراير 1999، أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية نقلاً عن أحد المسؤولين العسكريين ما يلي: “يبدأ اليوم سلاح البحرية الإيراني مناورات عسكرية عند مدخل الخليج وقرب جزيرة أبو موسى، وأن مناورات “الفاتح 77” تستمر 9 أيام، وتتكون من عدد من الوحدات البحرية ومقاتلات قاذفة من القاعدة التاسّعة الواقعة جنوب البلاد، ستشارك في المناورات بالإضافة إلى ثلاثة غواصات روسية الصنع. (تنظم إيران حوالي 40 مناورة عسكرية سنوياً في مياه الخليج وبحر عُمان).
  2. في 2 مارس 1999، تسّلم الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد، مذكرة احتجاج رسمية من دولة الإمارات تجاه قيام وزير الداخلية الإيراني يوم 5/2/ 1999 بافتتاح مقّر جديد للبلديّة ومجمعاً طبياً في جزيرة أبو موسى، مما يعّد انتهاكاً لمذكرة التفاهم ومحاولة فرض واقع غير مشروع وتكريس الاحتلال الإيراني وتغيّير الطبيعة الديمغرافية بالقوة.
  3. في 5 مارس 1999، دعت دولة الإمارات العربية المتحدة وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي إلى اجتماع طارئ في أبو ظبي، لبحث التجاوزات الإيرانية الأخيرة، وصدر عن هذا الاجتماع بيان شديد اللهجة تضمن النقاط التالية:

أ. إدانة المناورات العسكرية الإيرانية “الاستفزازية” التي جرت في الجزر الثلاث، والمطالبة بالكفّ عن مثل هذه الأعمال لأنها تهدد الأمن والاستقرار في الخليج العربي، وتشكل مصدر قلق بالغ ولا تساعد على بناء الثقة.

ب. دعوة إيران إلى إنهاء احتلالها للجزر الثلاث، من أجل مزيد من التقارب وإزالة العوائق في العلاقات الإيرانية الخليجية.

ج. ضرورة أن تقوم إيران بترجمة توجهاتها الانفتاحية المعلنة في عهد الرئيس خاتمي إلى عمل ملموس قولاً وفعلاً، من خلال الاستجابة إلى دعوة دولة الإمارات للتفاوض المباشر أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية باعتبارها الوسيلة السلمية لحل النزاعات بين الدول.

  1. يتضح هذا الموقف الخليجي الجماعي في ضوء التصريحات التي أدلى بها راشد عبدالله وزير خارجية دولة الإمارات ورئيس المجلس الوزاري لمجلس التعاون في دورته الحالية، بعد انتهاء الاجتماع الوزاري (5/3/1999) والسابق الإشارة إليه. حيث أشار راشد عبدالله إلى عدم اتخاذ الدول الخليجية إجراءات احترازية إزاء المناورات الإيرانية وحتى “لا تتّهم الدول الخليجية بتصعيد وزيادة المخاطر في المنطقة، وأن مثل هذه المناورات كبيرة وضخمة وتفوق احتياجات إيران الدفاعية وتسبب قلقاً للخليج وللعالم أجمع”.

وأضاف وزير خارجية دولة الإمارات، أن هذه المناورات لن تغّير من موقف بلاده التي تعتقد أن الانفتاح على إيران والتعامل معها له أهمية كبيرة لأننا نعيش في منطقة واحدة، فنحن نسّعى إلى تغّيير السياسة الإيرانية وليس من أجل قطع هذا التعاون، ونريد من إيران كذلك أن توظف هذه العلاقات لخدمة المصالح المشتركة والاستقرار في الخليج.

  1. في 6 مارس 1999، صعدت طهران لهجتها مع مجلس التعاون الخليجي رافضة دعوة الدول السّت الأعضاء في المجلس، إلى وقف المناورات العسكرية الإيرانية في الجزر الثلاث المتنازع عليها مع دولة الإمارات، واتهمت مجلس التعاون بالتدخل في شؤونها الداخلية، وأوضح الناطق باسم الخارجية الإيرانية ما يلي:

أ. إن السياسة الخارجية الحالية لبلاده والتي تهدف إلى الانفراج وتطوير علاقاتها مع جيرانها، يجب ألا يفهم منها تجاهل حقوقها المشروعة، وكرر الادعاء أن الجزر الثلاث هي جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية، مشيراً إلى أن بلاده تتوقع من دول مجلس التعاون العمل على حمل الإمارات على التصّرف بواقعية، والابتعاد عن الأساليب غير المثمرة، والدخول في حوار مباشر في إطار اتفاقية (مذكرة) التفاهم لعام 1971.

ب. وأوضح الناطق الإيراني أن المناورات التي تجريها بلاده تتعلق باعتبارات دفاعية، مشيراً إلى أنها حق طبيعي لا يستهدف تهديد أي طرف بل يصّب في خانة حفظ أمن الخليج، وأعرب عن “الدهشة حيال طرح مزاعم غير واقعية، في الوقت الذي تجرى فيه دول المنطقة مناورات عسكرية، مشتركة مع قوات أجنبية منتشرة في المنطقة”.

  1. أعرب وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن أمله في حل النزاع بين الإمارات وإيران بالطرق السّلمية، مشيراً إلى أنه يتطلع لأن تتحلى العلاقات الخليجية الإيرانية بالاستقرار والهدوء وصولاً لعلاقات متميزة، وأكد أن تجنب أي أعمال استفزازية هو أمر واجب على الطرفين.

أولاً: التوجهات السياسية والدبلوماسية لدول مجلس التعاون الخليجي

في 10 مايو 1999، عقدت في جدة أول قمة تشاورية لدول مجلس التعاون الخليجي، وصرّح الشيخ جميل الحجيلان الأمين العام  لمجلس التعاون بأن قمة جدة التشاورية تنعقد دون جدول أعمال، لن يصدر عنها بيان ختامي، وسيكتفي فقط بعقد مؤتمر صحفي بعد انتهاء أعمالها. وكان الشيخ الحجيلان قد أكد في وقت سابق، أن قمة جدة تأتي استكمالاً لمسيرة التعاون الخليجي وتستهدف تنفيذ القرارات السابقة ودعم التواصل بين قادة الدول الأعضاء، وأشار إلى أنه قام بجولة بين العواصّم الخليجية للاستماع إلى توجهات القادة بشأن القضايا المطروحة على قمة جدة.

وذكرت وسائل الإعلام في دولة الإمارات أن القمة التشاورية الخليجية الأولى ستبحث مسيرة العمل المشترك لمجلس التعاون، وعدداً من الملفات، من بينها ملف العلاقات مع إيران، وسط متغيرات بارزة على صعيد العلاقات الخليجية الإيرانية التي وصفّها وزيران خليجيان قبل أيام بأنها تبدو في أزهّى صّورها.

وعشية انعقاد أول قمة تشاورية خليجية، لم تصدر أية تعليقات رسّمية في دولة الإمارات عن أي نجاح في تحقيق اختراق كبير للموقف الخليجي، وتتساءل الأوساط السياسية والإعلامية في دولة الإمارات حول إمكانية إسهام التقارب بين أكثر من نصف أعضاء مجلس التعاون الخليجي وإيران إيجاباً أو سلباً على قضية الجزر، كما تتساءل هل يفرضّ هذا التقارب على دولة الإمارات أن تقف وحدها في مواجهة إيران؟ ولعل أشّد العبارات قسّوة هي تلك التي عبّر عنها مسؤول خليجي كبير بالقول “أن هناك من تتجّه قلوبهم وعقولهم إلى إيران، وألسّنتهم وحناجرهم إلى الإمارات”.

في 5 يونيه 1999، انتّقد بشدة راشد عبدالله النعيمي وزير الخارجية الإماراتي، دول مجلس التعاون الخليجي لتقاربها مع إيران، وأعلن في مقابلة تلفزيونية مع قناة الجزيرة:

  • إن التقارب الإيراني الخليجي يجئ على حساب بلاده وهو الذي شجع إيران على أن الاستفزازات المتعددة على الجزر وتغيير كثير من معالمها وإصدار التهديدات عبر وسائل إعلامها.
  • انتقد بشدة ما يتردد أن التقارب الخليجي مع إيران يصّب في اتجاه دعم الاعتدال الذي يمثله الرئيس محمد خاتمي، وقال “إننا لم نرصّد أي نتائج إيجابية لهذا الاعتدال على أرض الواقع بل إن الأمور تتفاقم في الجزر من جراء ما يعانيه المواطنون الإماراتيون من تعامل متعسف وصل إلى حدّ حرمانهم من فرص التعليم ومن ممارسة شعائرهم وتهديد أمنهم وأمانهم.
  • وأوضح أن دولة الإمارات لا تنكر أن لإخواننا في دولة مجلس التعاون أهداف ومصالح مع إيران يجب أن يسّعوا إلى تحقيقها وأن تكون علاقتهم مسّتقرة مع طهران، ولكن يجب ألا نغفل أننا أعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي ولدينا مصلحة واحدة، وإذا كان كل طرف سيذهب في طريقه فما فائدة الالتزام بإطار المجلس وغيرنا لا يّلتزم؟.
  • وطالب بضرورة إعادة النظر في التقارب الخليجي الإيراني وتقويمه على أساس ما تحقق، مشيراً إلى أهمية تبنّي سياسة خليجية مشتركة لمعالجة جميع القضايا، وأعاد إلى الأذهان الموقف الخليجي الموحد حيال الاحتلال العراقي للكويت، وتساءل لماذا لا يستبعد الآن هذا التقارب الخليجي مع إيران تحقيقاً لمصلحة وحقوق دولة الإمارات؟.

في 12 من يونيه 1999، اختتم وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي أعمال دورتهم الحادية والسبعين بالرياض، دون إصدار بيان ختامي عن نتائج الاجتماعات. في سابقة غير معّهودة، فيما أعتبر أمين عام المجلس، الشيخ جميل الحجيلان، أن هذه الدورة “مازالت مفتوحة” في إشارة إلى أن الوزراء بحاجة إلى مزيد من النقاش إزاء عدد من القضايا التي كانت مطروحة على جدول الأعمال. ومثل هذه السّابقة، أي عدم إصدار بيان، يمكن تفهمها في ضوء الملابسات التي سبقّت حدوث الاجتماع، وتمحورت حول ما سّمي “بالعتب الإماراتي” إزاء الموقف الخليجي المنفتح بقوة تجاه طهران، وتأثيره على حقوق الإمارات في الجزر الثلاث المحتلة من قبل إيران.

وكان المجلس قد بدأ اجتماعاته بجلسة تشاورية بين وزراء الخارجية السّت لاستعراض جدول الأعمال وبحث صيغة لتقريب وجهات النظر بين دول المجلس، حول التقارب الخليجي حيث تعتبر الإمارات أن هذا التقارب سيكون على حسّاب قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث. وفيما كان موقف دولة الإمارات واضحاً في هذا الصدّد، فإن بعض الدول الخليجية ـ ومنها العربية السعودية ـ ترى أن حلّ هذه القضية يتم عن طريق التفاوض المباشر أو إحالته للتحكيم الدولي، مع الاستمرار في مسيرة تحسّن العلاقات مع إيران، باعتبار أن ذلك سيؤدي إيجابياً إلى تحسين العلاقات مع الدول المجاورة، وإقامة علاقات تعاون وحسّن جوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وفي أبو ظبي انتقدت صحيفة “الاتحاد” الإماراتية في عددها الصادر في 13/6/99، مجلس التعاون الخليجي واتهمته بالفشل وبالقيام بهجوم متزامن مشترك مع إيران لعزل موقف دولة الإمارات في النزاع على الجزر الثلاث، وانتقدت الصحيفة تقارب بعض دول الخليج مع إيران على الرغم من استمرارها في احتلال هذه الجزر. وقالت لقد احتّلت قضية الجزر بنداً دائماً على جدول أعمال المجلس سنوات طويلة، لكنها للأسف لم تظهر على جدول أعمال مباحثات التطبيع الانفرادية بين أشقائنا وإيران، حيث بلغت علاقات بعض منهم مرحلة متقدمة ومتمّيزة.

ثانياً: توتر وأزمة العلاقات بين السعودية والإمارات

الأمر الذي لا شك فيه أن ما يمكن تسميته “أزمة” بين الدولتين العربيتين الخليجيتين الشقيقتين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قد جاء مباغتاً ومثيراً للدهشة والاسّتفهام، رغم أن مقدمات هذه الأزمة كانت متلاحقة وواضحة. فقد اعتادت الدول العربية السّت أعضاء مجلس التعاون الخليجي على ممارسة نوع من الدبلوماسية، يحرصّ على إخفاء الخلافات رغم كثرتها وحدّتها أحياناً، والظهور بمظهر التجانس والتوافق، فكل شئ دائماً على ما يرام في حين أن الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماماً.

إن مبعث الإثارة في هذه الأزمة، أنها لم تخرج فقط إلى العلن، بل تفجرت بشكل حّاد، انفلت في لحظة لتتحول إلى تراشق غير مسبوق بين شخصيتين سياسيتين مرموقتين في البلدين. وكان التساؤل الذي تردد كثيراً ولم يجدّ له حتى الآن إجابة منطقية هو ما الدافع للوصول بالبلدين إلى هذا المستوى من الحدّة في الخلاف؟ وهل حسّبت وقدّرت كل من السعودية والإمارات أمرهّما جيداً وبصفة خاصة أمر علاقاتهما المشتركة؟، وأمر مستقبل مجلس التعاون الخليجي قبل الاندفاع في هذا الخلاف؟.

يتركز أصل الخلاف بين الدولتين في شكله الخارجي، حول اعتراض الإمارات على التقارب الدافئ في العلاقات السعودية الإيرانية، من منظور أن هذا التقارب سوف يكون على حساب الإمارات ومصالحها الوطنية فيما يتعلق بقضية الجزر الثلاث التي احتلتها إيران عشية الانسحاب البريطاني الخليجي عام 1971.

وترى الإمارات أن هذا التقارب السعودي مع إيران، سوف يشجع الأخيرة على التمادي في موقفها المتشّدد من الجزر الثلاث، ظناً منها أن المملكة العربية السعودية وباقي دول المجلس قد سحبت دعمها لموقف الإمارات، ومن ثم لن تكون إيران مضّطرة فيما بعد للقبول بدعوة الحل السلمي لمشكلة الجزر، وهي الدعوة التي تطالب بالتفاوض الثنائي المباشر بين البلدين، أو بعرض المشكلة على محكمة العدل الدولية.

كانت دولة الإمارات تراهن طيلة السنوات الماضية وبصفة خاصة منذ عودة مشكلة الجزر للتفجر مجدداً في 24 أغسطس 1992، على أن موقف دول مجلس التعاون الخليجي الذي يربط بين تحسن العلاقات مع إيران وقبول الأخيرة بالدعوة السلمية بحل مشكلة الجزر سوف يؤتي ثماره عاجلاً أو آجلاً، ولذلك جاء ردّ فعل الإمارات منفعلاً وعصبياً نحو التقارب السعودي مع إيران، لأن هذا التقارب تم قبل أن تقدم إيران على أي خطوة إيجابية، أو حتى مجرد وعّد رسمي بالنظر في دعوة دولة الإمارات للتفاوض حول قضية الجزر.

أما المملكة العربية السعودية فلا ترى أي مبّرر للانفعال الإماراتي  وتؤكد أن التقارب السعودي الإيراني سيكون، على عكس تصور الإمارات، وفي صالح حل مشكلة الجزر. فهذا التقارب سيقدم الإغراء الكافي لإيران لكي تسعى نحو المزيد من الانفتاح وانفراج العلاقات مع دول مجلس التعاون، ذلك أن إقامة شبكة من المصالح المشتركة بين السعودية وإيران، وفي هذا الوقت بالذات الذي تواجه فيه إيران مشاكل اقتصادية حادة، سوف يجعل من الاحتفاظ الإيراني بالجزر هدفاً لا يداني هدف التوسع في تعميق علاقات المصالح المشتركة مع السعودية وباقي دول مجلس التعاون، إضافة إلى ذلك فإن هذا التقارب بين الرياض وطهران سوف يدعم التيار الإصلاحي والتصّالحي داخل السلطة الإيرانية بزعامة الرئيس محمد خاتمي، وعندما يقوي هذا التيار سيكون في إمكانه فتح ملف الجزر المتنازع عليها، دون خشّية الإطاحّة به من جانب التيار الآخر المتشّدد في السلطة، والذي يمكن أن يصّور إقدام تيار خاتمي على تقديم تنازل بالنسبة للجزر، على أنه خيانة عظمى لمصالح وطنية إيرانية.

هذا الخلاف في وجهتي النظر بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، لا يمكن وصفه إلا أنه مجرد خلاف في الشكل أو المظهر لخلافات أخرى أهم وأعمق. والقضية الأساسية هنا هي إدراك الإمارات أن خطوة السعودية في هذا الوقت للتقارب مع إيران، سوف تؤدي إلى حدوث اختلال في معادلة توازن القوى الإقليمي في الخليج، وهو اختلال ليس في مصلحة الإمارات وبالذات بالنسبة لمشكلة الجزر الثلاث المحتلة، كما أنه قد لا يكون في مصلحة باقي الدول الأربع الصغرى الأخرى في مجلس التعاون (الكويت وسلطنة عُمان وقطر والبحرين).

ثالثاً: البعد الإقليمي للخلاف السعودي ـ الإماراتي حول العلاقات مع إيران

إن الخلاف الذي نشب داخل مجلس التعاون الخليجي، نظر إليه البعض وناقشه، من زاوية تأثيره على العلاقات بين دول مجلس التعاون، وخطره على وحدة المجلس.

ويرى فريق آخر، أن هذا الخلاف يؤكد على ضرورة بحث العلاقة بين المصلحة القومية والمصلحة القطرية، وأيهما تسبق الأخرى، أو توظف لخدمتها؟، وهل يمكن أن تكون مراعاة المصلحة القومية، وتقديمها، ضّارة بالمصلحة القطرية؟.

إن الإطار الاتحادي يفترض المساواة في الحقوق، ولا يعطي ميزة للكبير على الصغير، حتى لو كان متميزاً في المساحة أو عدد السكان أو حجم الثروات التي يملكها، بل أن ذلك يّرتب عليه مسؤوليات أكبر تجاه الشقيق الأصغر حتى يعّزز الدوافع لديه بالانتماء للإطار الأكبر، دون أن يتولد لديه أي إحساس أن هذا الانتماء قد أفقده خصوصيته الوطنية، أو أنه سيكون في مرتبة أدنى من مراتب الآخرين، أو أن مصالحه وحقوقه ستكون عرضّه للمساومة عليها لحساب شركائه الآخرين.

إن تباين الرؤى هو أمر وارد، ولكن المحك الأساسي هو طريقة طرح هذا التباين وإدارته والنظر إليه، وعدم مساسه بالمبادئ العليا التي تحكم العلاقات بين أطرافه، وأن ما حدث بين الإمارات والسعودية جاء على غير قصد من الجانبين.

أثبت مجلس التعاون الخليجي أنه مؤسسة إقليمية أكثر انسجاماً من الجامعة العربية، وهو يقوم بين دول تقع في إطار جغرافي متصل، ويضم دولاً ذات أنظمة حكم  متشابهة، وله مجالس إقليمية متخصصة في مختلف الشؤون العسكرية والاقتصادية والإعلامية والتربوية، وكثيراً ما يتعامل، أو يتم التعامل معه كوحدة سياسية واحدة أو متكاملة، ولذا واجه كل التحديات التي واجهته بنجاح وثبات، فهو نتاج تجربة طويلة من التفاعل بين شعوبه ودوّله، وقد استطاع أن يتخذ من الأزمات التي ألمّت به (مثل أزمة غزو العراق لدولة الكويت) منطلقاً للتطور نحو الأفضل من خلال إعادة النظر في سياسته وتوجهاته.

رابعاً: احتواء أزمة الخلاف بين المملكة العربية السعودية والإمارات

خلال شهري مايو ويونيه 1999، شهدت الساحة الخليجية عدة تحركات سياسية ودبلوماسية للتوسط واحتواء النزاع القائم في وجهات النظر بين المملكة العربية السعودية والإمارات، منها ما يلي:

  1. في 21/5/99، أنهى محمد خاتمي، الرئيس الإيراني، جولة عربية هي الأولى له شملت سورية والمملكة العربية السعودية وقطر، وانتقل خاتمي من دمشق إلى المملكة العربية السعودية حيث أجرى مباحثات مع الملك فهد بنعبدالعزيز، العاهل السعودي وسائر المسؤولين السعوديين وعلى مدى أربعة أيام، من أجل إقامة أفضل العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية على أساس حسن الجوار والتعايش السلمي في المنطقة وتسوية أي خلاف من خلال الحوار المباشر، وقد اختّتم الرئيس الإيراني محادثاته في الدوحة حيث اجتمع مع الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر، ووقع الجانبان عدداً من اتفاقيات في مجالات مختلفة.
  2. في 20/6/99، أجرى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر، محادثات في أبو ظبي مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، انتقل بعدها إلى الرياض حيث اجتمع مع الملك فهد بن عبدالعزيز، العاهل السعودي، وذكرت الأنباء الإعلامية، أن الشيخ حمد أزال “العتّب المتبادل” بين السعودية والإمارات بشأن التقارب مع إيران. وقد رافق أمير قطر خلال زيارته للسعودية الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية، وهو أول مسؤول إماراتي رفيع المستوى يزور السعودية منذ بدء الخلاف. وقد رحبت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بالوساطة القطرية، في بيانين منفصلين صدر عن كل من الدولتين.

وتشير بعض المصادر، أن دولة قطر تقدمت بمشروع قرار جديد بشأن العلاقة بين مجلس التعاون وإيران، ومن المقرر أن يعرض مشروع القرار على أول اجتماع للمجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي.

وأعلنت المصادر السياسية، أن المملكة العربية السعودية طمأنت الإمارات بشأن علاقاتها مع إيران، وأكدت أن هذه العلاقة لمصلحة الجميع، وبذلك أُسدل السّتار على النزاع وتم تنقية الأجواء ورأب الصدّع بين الدولتين، والتي كادت أن تؤدي إلى تفكك أو تصدع مجلس التعاون الخليجي.

خامساً: احتمالات العودة إلى طريق المفاوضات

شكل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لجنة ثلاثية بعضوية كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة قطر، بهدف وضع آلية لبدء مفاوضات مباشرة بين أبو ظبي وطهران، وعقدت هذه اللجنة أولى اجتماعاتها في جدة في 10 يوليه 1999.

أعرب الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة الإمارات، عن أمل بلاده في أن تتوصل اللجنة الثلاثية إلى بدء مفاوضات جادة وصريحة بين الإمارات وطهران، وفق سقف زمني محدد من أجل إيجاد حل ينهّي احتلال إيران للجزر، بما في ذلك الإحالة إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي أو اللجوء إلى التحكيم. وقال: “نحن نريد أن نعطي الفرصة كاملة لهذه اللجنة ومن خلالها للجانب الإيراني للخروج بنتائج إيجابية تؤدي إلى إنهاء الاحتلال لجزرنا الثلاث، وإن الإمارات تدرك أن تجاوب الجانب الإيراني مع مساعيها هو العنصر الحاسم”.

وجاء رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، حميد رضا أصفى، بإبداء استعداد إيران لعقد مفاوضات مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول قضية الجزر، دون أي شروط مسّبقة. وقال أن طهران ترحب بأي مسؤول إماراتي يرغب في عقد مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين حول الجزر الثلاث، ومن المعروف أن كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني قد أعلن بعد زيارته الأخيرة إلى العربية السعودية، أنه قد وجّه دعوة لنظيره الإماراتي لزيارة إيران، ولا تزال هذه الدعوة قائمة.

أعلن الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان عن استعداده لزيارة إيران، على أساس الإعداد الجيد وتحضير مسودات اتفاقيات أو مذكرات تعد تتويجاً لجهود تحضيرية سابقة، وصرح “نحن نريد إنهاء الاحتلال ولا نقبل بتجزئة حقوقنا الوطنية وسيادتنا على كل شبر من أراضي دولة الإمارات”. وقد طلبت دولة الإمارات من الحكومة الإيرانية، توضيح ما تعنيه إيران تحديداً بالترحيب بإجراء محادثات غير مشروطة مع دولة الإمارات حول النزاع بشأن مجموعة من الجزر؟.

وصرحت المصادر الإماراتية، أن على طهران أن توضح ما إذا كانت ستوافق على مطلب أبو ظبي الخاص بتحديد جدول أعمال وجدول زمني لأي مفاوضات تجرى بين البلدين بشأن الجزر الثلاث موضوع النزاع. وذكرت تلك المصادر، أن مثل هذه المراوغة يمكن أن تكون مبرراً لعدم إجراء محادثات.

سادساً: مقترحات التفاوض السلمي والاحتكام إلى الشرعية الدولية

  1. التفاوض الثنائي المباشر أو الوساطة بين الأطراف المتنازعة

وفي هذا المجال، بإمكان السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، أن تستخدم كافة الأساليب الدبلوماسية المتاحّة لإقناع الحكومة الإيرانية بالتخلي عن احتلالها العسكري للجزر الإماراتية الثلاث، وعودة سكان الجزيرة الأصليين لمزاولة أنشطتهم الاقتصادية وضمان حرياتهم السياسية في التعايش السلمي جنباً إلى جنب مع المهاجرين الإيرانيين، وغير ذلك من الأمور الأخرى، إضافة إلى ذلك من الممكن وضع استراتيجية متبادلة ومشتركة للمصالح الاقتصادية، وقيام مشاريع استثمارية متبادلة المنافع بين الدولتين.

ومن الضروري أن تكون هناك التزامات لإبعاد شّبح المخاطر الأمنية، وذلك بعدم استخدام هذه الجزر كقواعد عسكرية لقوى أجنبية قد تهدد مستقبل أمن الملاحة البحرية الدولية في منطقة الخليج.

يتفق الجانبان على برنامج زمني محدد لتنفيذ القرارات التي سوف يتم الاتفاق عليها، وفقاً للأسبقيات والأولويات المطروحة ومثال ذلك: أولوية الانسحاب العسكري، وأولوية تبادل المصالح الاقتصادية، وقيام مشاريع استثمارية أو نفطية مشتركة، وتنظيم الهجرة المتوازنة، وإنشاء علاقات ثقافية، وغير ذلك من الأمور التي سوف تعود على شعوب هذه المنطقة بالأمن والرخاء والاستقرار الشامل.

  1. اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لتسوية النزاع حول ملكّية الجزر

في حالة فشل التفاوض الثنائي المباشر بين الدولتين أو الوساطة بينهما، وعدم انسحاب القوات العسكرية الإيرانية من الجزر الإماراتية الثلاث موضوع النزاع، خلال مهّلة زمنية محددة (من شهر إلى حد أقصى ثلاثة أشهر)، يحقّ لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تلجأ بصفة رسمية وعاجلة وفق مقتضيات القانون الدولي إلى محكمة العدل الدولية لتسوية النزاع.

عند طرح مستندات هذه القضية على مستوى القضاء في الشرعية الدولية، من الضروري التأكيد على عدد من المسائل التي تملك الدبلوماسية الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة خبرة طويلة فيها، للتأكيد عليها وطرحها قانونيّاً ومثال ذلك:

الهّوية السيادية الوطنية في ملكية الجزر الثلاث، وإثبات الحقوق الشرعية أو المشروعة لسكانها الأصليين، وطرح كافة أسباب ومبرّرات هذا النزاع في أركانه السياسية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية، وطابع الاحتلال العسكري المتزامن مع الأحداث الساخنة.. الخ، وذلك بهدف بلورّة الرؤية القانونية الكاملة لدى هيئة التحكيم الدولية لإيجاد مخرج سلمي للمشكلة.

وفقاً للأعراف الدولية وطبقاً للقانون الدولي، فإن اللجوء إلى التحكيم متاح لأطراف النزاع ، والتحكيم هو أهم مراحل فصّل أي نزاع بين دولتين، ومن أحدث قضايا نزاع فصل فيها التحكيم، هي قضية “طابا” بين جمهورية مصر العربية وإسرائيل، واحّتكم فيها طرفّا النزاع للتحكيم الدولي، ومن أهم مميزات التحكيم ما يلي:

أ. قبول الأطراف المتنازعة اللجوء إليه دون أن ينشأ بينهم العداوّة والحقّد، ويذكر في وثيقة التحكيم والذي يتفق عليها ـ بما معناه ـ أن يقبل الأطراف الحُكم الصادر من هيئة التحكيم أياً كان هذا الحُكم.

ب. مقابلة الحجة بالحجة على أن يقدم كل طرف ما يملكه من مستندات ووثائق للدراسة والاسّتدلال والمناقشة، من قبل هيئة التحكيم، وهذه الوسّيلة تسّبق القضاء الدولي.

إن التحكيم الدولي يسبق القضاء الدولي في محكمة الأمن الدولية، لأن هذه المحكمة لا تُصدر قراراً، إنما تصّدر حكماً مبّرماً نافذاً في حق الدولة الصادر بحقها هذا الحكم.

لذا من المفضل، أن تعّرض دولة الإمارات العربية المتحدة هذا النزاع، إن لم يحّل بالتفاوض المباشر أو بالوساطة بين طرفي النزاع، للتحكيم الدولي للفصّل فيه.

  1. دور جامعة الدول العربية في طرح القضية على المحافل الدولية

ويمكن أن يأخذ هذا الدور محورين أساسيين:

أ. المحور الأول

المطالبة بتحريك الموقف السياسي الرسمي عالمياً في القضية، وتدّويل الخلاف من أجل اتخاذ إجراءات وضغوط سياسية واقتصادية دولية طويلة المدى ضد الحكومة الإيرانية، من أجل الابتعاد عن وسائل السيطرة العسكرية أو التهديد بالقوة، في إنهاء احتلال جزر الإمارات العربية المتحدة الثلاث.

ب. المحور الثاني

التلميح باستخدام الحلول القصوى وفق القانون الدولي، والتأكيد على إمكانية التصّدي وطلب استخدام القوة العسكرية الدولية في حالة تصعيد الموقف أو استمرار التهديدات السياسية والعسكرية الإيرانية. وذلك باعتبار:

إن دولة الإمارات العربية المتحدة هي عضو في جامعة الدول العربية، والتي ينصّ ميثاقها على الدفاع عن سيادة واستقلالية الدول الأعضاء في حالة حدوث اعتداء خارجي عليها.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة هي عضو في جمعية الأمم المتحدة، والتي ينصّ ميثاقها على ضمان سيادة واستقلالية الدول الأعضاء.

الملاحق

  • مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران وإمارة الشارقة بشأن جزيرة أبو موسى نوفمبر 1971
  • بيان صادر عن ديوان حاكم الشارقة في 30/11/1971 بشأن الاتفاق بين الشارقة وإيران حول جزيرة أبو موسى
  • بيان وزارة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الممارسات الإيرانية في جزيرة أبو موسى في 24 أغسطس 1992
  • بيان دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن المحادثات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حول موضوع الجزر الثلاث
  • البيان الصادر عن وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن المباحثات مع دولة لإمارات العربية المتحدة حول جزيرة أبو موسى
  • قمة التعاون/ جزر الإمارات

ملحق مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران وإمارة الشارقة بشأن جزيرة أبو موسى نوفمبر 1971

إن البلدين معاً، إيران من جهة وإمارة الشارقة من جهة أخرى، لن يتنازلا عن مطالبهما بخصوص جزيرة أبو موسى ولن تعترف الواحدة منهما بمطالب الأخرى، لذا من أجل الردّ على هذه الخلفية، نُشير إلى ما يلي:

  1.  ستقوم القوات الإيرانية بالنزول على أرض جزيرة أبو موسى وتحتل المنطقة ثم تقوم بالانتشار في الحدود الواردة ضمن الخريطة الملحقة بهذه المذكرة.
  2. أ. تطبيق السيادة الإيرانية بشكل كامل ويرفرف علم إيران داخل الحدود المشار إليها أعلاه.

ب. تحتفظ إمارة الشارقة بسيادة كاملة على باقي تراب الجزيرة المشار إليه في الخريطة المرفقة بنصّ هذه المذكرة.

يرفرف علم إمارة الشارقة على مختلف بنايات ومكاتب البوليس التابعة لإمارة الشارقة، كما  يرفرف علم إيران على الثكنات العسكرية التابعة للجيش الإيراني بالجزيرة.

  1. تُقّر كل من إيران وإمارة الشارقة بمسافة اثني عشر ميل بحري كحدود للمياه الإقليمية.
  2. يتم استغلال ثروات الجزيرة النفطية وكذلك ثرواتها البحرية وثروات قعر البحر من طرف شركةButtese Gaseوالشركة النفطية وذلك طبقاً للاتفاقيات الجاري العمل بها في هذا الميدان والتي يجب على إيران قبولها على حالها.

أما المداخيل النفطية، سواء منها المداخيل الحالية أو المستقبلية فُتوّزع بالتساوي بين إيران وإمارة الشارقة وتقوم الشركات المذكورة بصّرفها لكل من الطرفين.

  1. يتمتع كل من مواطني إيران ومواطني الشارقة بالحقوق نفسها فيما يخصّ ميدان الصّيد وذلك في حدود المياه الإقليمية العائدة لجزيرة أبو موسى.
  2. يتّم عقّد اتفاقية مساعدة مالية بين إيران وإمارة الشارقة.

المصدر:

ملحق مرفق مع محاضرة السيد مهرداد خوناري، مدير مكتب شاه إيران في لندن، “الآفاق الإيرانية بخصوص جزيرتي طنب الكبرى والصغرى وجزيرة أبو موسى”، ضمن القسم الثاني من ندوة “جزر الخليج العربي: أسباب النزاع ومتطلبات الحل”، ص 178 ـ 179.

ملاحظة:

يوجد نصوص أخرى لمذكرة التفاهم، مع اختلافات لغّوية فقط في المراجع التالية:

محاضرة السفير جوليان ولكر، عضو الكومنولث البريطاني وسفير سابق، “الخلفية التاريخية لتبعية جزر الخليج العربي”، ضمن القسم الأول للندوة المشار إليها، ص 69 ـ 70.

أحمد جلال التدمري، “كتاب الجزر العربية الثلاث ـ دراسة قانونية”،  ص 285 ـ 286.

نقلاً عن جريدة الاتحاد ـ أبو ظبي، الصادرة في 30/11/1971.

ملحق بيان صادر عن ديوان حاكم الشارقة في 30/11/1971 بشأن الاتفاق بين الشارقة وإيران حول جزيرة أبو موسى

بكل ما في قلبي من حب وتقدير لكل فرد منكم أحيّيكم أطيب تحية وأحيّي فيكم جميعاً الوعيّ والتقدير الكامل للمسؤولية فلقد كنتم معي دائماً بقلوبكم وسواعدكم وأحاسّيسكم ووضعّتم أيديكم في يدي على دروب العمل والإقدام.

واليوم أعلن لكم عن التقاء وجهات نظرنا وحكومة الإمبراطورية الإيرانية لصيغة اتفاق حول جزيرة أبو موسى، وأننا بهذا الاتفاق نحفظ للشارقة وأبنائها حقّنا المشروع في جزء غال من أرضنا الطيبة وبه نستكمل المسيرة التي بدأناها بنجاح وتوفيق من الله عز وجل فقد سّرنا بهذا البلد بكل الإيمان والعمل المتواصل حتى نحقق الأهداف التي نرجوها له وكان الطريق إليها طويلاً وشاقاً ولكننا صبّرنا وثابرنّا ونجحنا والحمد لله فبعد سّنين من العمل المضّني ورغم كل الصعوبات استطعنا توفير الحياة الكريمة اللائقة للمواطن في هذا البلد.. حياة بعيدة عن الخوف والاستغلال وكان لا بد لنا أن نسّلك هذا المسّلك بهذا القرار الهام مدعومّين بتأييد أبنائنا فتصدّينا للسلبية وواجهنا المسؤولية الكبيرة بأمانة وحرّص شديدين.

أن نثبت لأبنائنا بشكل واضح وعملي حقيقة أهدافنا في هذا المستقبل ونتائج هذا القرار الهام على حاضرنا ومستقبلنا وتخطيّنا واحد من تاريخ بلادنا ونحن أشد قوة وثباتاً على طريق الاتحاد والأخوة العربية وأكثر قدرة على العمل والبذل والعطاء وها نحن نواصل المسيرة بكل الثقة والاطمئنان حتى تعزز حرية كل مواطن وكرامته.

ولقد كان الاجتماع التاريخي الكبير الذي بحثنا فيه هذا الأمر الخطير بكل الوضوح وبروح تقدير المسؤولية الذي كان منطلقاً عملياً نحو هذا الاتفاق بين حكومة الشارقة وحكومة الإمبراطورية الإيرانية والذي ينص على الآتي:

أولاً:  بعد الاتكال والاعتماد على الله العلّي القدير ومن أجل الحفاظ على مصالح أبناء الشارقة ولأجل استمرار العلاقات الأخوية وعلاقات الصداقة مع إيران.. ولأغراض الحفاظ على السلام والأمن في المنطقة فقد جرى الاتفاق بيننا وبين حكومة الإمبراطورية الإيرانية فيما يتعلق بجزيرة أبو موسى حيث يبقى علم الشارقة مرفوعاً وبحيث يبقى كذلك على مركز للشرطة وعلى الدوائر الحكومية فيها كذلك.. يبقى المواطنون فيها تحت سلطة واختصاص حكومة الشارقة.

ثانياً: ستقوم شركة ميوز غاز أوبل للكشف والتنقيب عن النفط والمصادر الطبيعية في جزيرة أبو موسى ومياهها الإقليمية البالغة أثني عشر ميلاً بحرياً حتى يجري تقسيم دخل المصادر الطبيعية المستخرجة من هذه المنطقة مناصفة وبالتساوي بين الشارقة وإيران.

ثالثاً: تصّل القوات الإيرانية إلى منطقة متفق عليها في الجزيرة بين الطرفين.

رابعاً: لقد تم توقيع اتفاقية للمساعدة المالية بين الشارقة وإيران تحصل الشارقة بموجبها على مبلغ مليون ونصف المليون من الجنيهات الإسترلينية سنوياً ولمدة تسّع سنوات تدفع للشارقة مباشرة ويجري إنفاقها في مصالحها العامة وستتوقف هذه الدفعات عندما يبلغ دخل الشارقة من النفط ثلاثة ملايين جنيه إسترليني سنوياً.

هذه هي نقاط الاتفاق بيننا وبين حكومة الإمبراطورية الإيرانية.

وفي الختام ليس لي إلا أن أقول أن هذا الاتفاق جاء مطابقاً لآمال أبنائنا وتطلعاتهم فمن أجلهم كان هذا الاتفاق وبتأييدهم ووقوفهم وتقديرهم الكامل للمسؤولية نجح هذا الاتفاق.

راجياً من الله عز وجّل وعلا أن يكون في عوننا لبلوغ أهدافنا الطموحة وأن يهيئ لنا من أمرنا رشداً وأن يوفقنا لإقامة نهضة شاملة في كل المجالات وكل الاتجاهات لتعويض أبنائنا عن السنوات الماضية التي عانّوا فيها من شظف العيش وظروف الحياة الصعبة وأن يتحقق في القريب العاجل أمل أبناء المنطقة في دولة الإمارات العربية لتتبوأ مكانها بين الدول وأن يكتب سبحانه وتعالى لأمتنا العربية والإسلامية النصر.

الخلاصة
كانت الجزر الثلاث مشمولة بمعاهدة الحماية الموقعة عام 1819 بين حكام الخليج وبريطانيا، ورغم ذلك فقد ظلت موضع اهتمام إيران التي حاولت -بوصفها أكبر قوة إقليمية- احتلالها عام 1904 و1923 و1963 لكنها أخفقت في محاولاتها تلك، ثم ما لبثت أن عاودتها آمال السيطرة عليها حين أعلنت بريطانيا انسحابها من المنطقة عام 1968.

وبعد فشل إيران في استتباع البحرين التي صوت سكانها في استفتاء عام 1970 على بقائها مستقلة، ركز شاه إيران محمد رضا بهلوي -القلق من الاتحاد المرتقب بين الإمارات الخليجية، والراغب في لعب دور “شرطي الخليج” الذي يحمي المصالح الغربية فيه- اهتمامه على الجزر الثلاث وأعلن أنه ينوي احتلالها، وساعده على ذلك صمت وربما تشجيع الدول الكبرى.

حاول بهلوي أولا إقناع حاكم رأس الخيمة صقر بن سلطان القاسمي بشراء طنب الكبرى وطنب الصغرى أو تأجيرهما لإيران، لكن محاولاته وُوجهت بالرفض القاطع.

أما حاكم الشارقة خالد القاسمي فقد وافق -بعد أن أخفق في الحصول على مساندة عربية- على توقيع مذكرة تفاهم مع إيران برعاية بريطانية عام 1971، ونصت الاتفاقية على تقاسم السيادة على جزيرة أبو موسى (الجزء الشمالي لإيران والجزء الجنوبي للشارقة) واقتسام عوائد نفطها، دون اعتراف إحداهما بمزاعم الأخرى تجاه الجزيرة.

لكن إيران وضعت يدها على طنب الكبرى والصغرى بعد أن اقتحمتهما بقوات عسكرية يوم 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، مما أدى إلى مقتل بعض رجال الشرطة وخمسة مدنيين وتهجير 200 عائلة، حسب مصادر إماراتية. في حين نشرت طهران قوة عسكرية في نصف جزيرة أبو موسى عملا بالاتفاقية الموقعة مع حاكم الشارقة.

أعلن قيام اتحاد الإمارات (المكوّن من أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وأم القيوين) في 2 ديسمبر/كانون الأول عام 1971، وبعد شهرين من ظهوره انضمت له إمارة رأس الخيمة، مما حول قضية “الاحتلال” الإيراني لطنب الكبرى والصغرى إلى قضية وطنية تعني الإمارات كلها.

أما جزيرة أبو موسى فقد استمرت فيها اتفاقية تقاسم السيادة حتى 1992، عندما قرر حكام إيران توسيع الاستخدام العسكري لجزيرة أبو موسى، فنصبوا فيها صواريخ مضادة للسفن وأقاموا فيها قاعدة للحرس الثوري وفيلقا بحريا.

ثم بدؤوا في مضايقة البعثة التعليمية العربية وحظروا في أغسطس/آب 1992 دخول أفرادها إلى الجزيرة دون تأشيرة إيرانية، وأرغموا طاقم سفينتهم المسماة “الخاطر” -التي تزور الجزيرة مرتين عادة، وتنقل المسافرين بين البر الإماراتي والجزيرة- على العودة إلى الإمارات.

أصدر الإيرانيون تحذيرات للإماراتيين المقيمين على أرض الجزيرة بأنهم إذا غادروا الجزيرة لمدة ستة أشهر فإنهم لن يسمح لهم بالعوة إليها، وأخيرا خيروا سكان الجزيرة العرب بين الطرد وقبول الجنسية الإيرانية، كما منعوا الصيد في مياه المنطقة إلا بتصريح من السلطات الإيرانية.

وما بين 1992 و1999خطت الحكومة الإيرانية خطوات واسعة في الاستغلال الإستراتيجي للجزر، فأسست مطارا في جزيرة أبو موسى، وقامت بتسيير خط جوي بينها وبين مدينة بندر عباس الإيرانية، ثم افتتح وزير الداخلية الإيراني بلدية إيرانية في الجزيرة.

وفي 2012 أعلنت إيران إقامة محافظة جديدة تدعى “خليج فارس” وجعلت جزيرة أبو موسى عاصمتها بعد أن كانت تابعة لإقليم “هرمز غان” وعاصمته بندر عباس، بينما سمحت لشركات سياحة إيرانية بتنظيم رحلات سياحية إلى الجزر الثلاث، كما أجرت منذ التسعينيات عشرات المناورات العسكرية البحرية والجوية في مياه المنطقة.

رفضت الإمارات العربية “احتلال” إيران لجزرها الثلاث مؤكدة أنها أن شعبها هو من شعب الإمارات وسيادتها من سيادته، ونظمت حملة دبلوماسية ضد الخطوة الايرانية وطالبت الدول العربية والمنظمات والهيئات الدولية بمساندتها في مواجهة “الاحتلال” الإيراني لجزرها، لكن حكم “الأمر الواقع” ظل سيد الموقف في الجزر الثلاث.

مواقف الأطراف
تقول إيران إنها “لم تتخل أبدا عن سيادتها” على الجزر الثلاث أيام الوجود البريطاني، وملكيتها للجزر الثلاث “غير قابلة للتفاوض لأنها جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية منذ القدم”، وإن ما تسميه “سوء الفهم” في هذه القضية لا يمكن أن يُسوَّى إلا “بالتفاوض المباشر وغير المشروط بين البلدين”، وما يصدر عن الإمارات في هذه القضية “تدخل في الشؤون الإيرانية مرفوض بالكامل”.

وتضيف طهران أنها عندما وقعت الاتفاقية مع الشارقة 1971 لم تكن هناك دولة اسمها “دولة الإمارات”، وبعد أن تشكلت هذه الدولة فإنها قبلت كل المواثيق والاتفاقيات الموقعة سابقا وتعهدت باحترامها، ومن ضمنها اتفاقية عام 1971 الموقعة مع إيران الشاه.

أما الإمارات فتقول إن الجزر “إماراتية الانتماء بحكم القانون والتاريخ”، وإن إيران تخلت عن ميراث الشاه في كل شيء وتغيرت تغيرا جوهريا وأصبحت جمهورية إسلامية لها نزعة ديمقراطية، إلا في قضية الجزر فقد نظرت إليها نظرة قومية وحافظت فيها على ما فعله الشاه من “احتلال غير شرعي ولا إسلامي”.

بل إن أبو ظبي ترى أن إيران الإسلامية تشددت أكثر من نظام الشاه الذي قبل في اتفاقية 1971 تقاسم السيادة على جزيرة أبو موسى، وهو ما أخلت به إيران بعد الثورة بـ”احتلالها” جميع الجزيرة 1992، وإن إجراء طهران المناورات في منطقة تعتبرها الإمارات مياها إقليمية لجزر تابعة لها يكرس هذا “الاحتلال” الذي تشبهه باحتلال إسرائيل للأراضي العربية بفلسطين والجولان السوري.

وتصف موقف طهران بأنه حصل فيه تراجع خلال العقدين الماضيين، فقد كانت قبل نظام الثورة الإسلامية مستعدة للتحكيم الدولي أما بعد قيامه فإنها صرحت برفض ذلك، إذ تقول وزارة خارجيتها إنه “لا إمكانية للجوء إلى التحكيم لحل النزاع”، كما أكد الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني بأن “إحالة القضية للمحاكم الدولية لن تجدي نفعا”.

وتستدل الإمارات على ملكيتها للجزر الثلاث بأن جميع الوثائق والمراسلات الرسمية البريطانية تقضي بأن الحكومة البريطانية كانت -منذ احتلالها المنطقة في القرن التاسع عشر وحتى “احتلال” إيران الجزر سنة 1971- تقر بالسيادة العربية على هذه الجزر، وكذلك مراسلات شركة النفط الأنكلو/إيرانية في عبدان سنة 1935.

عرضت أبو ظبي نزاعها مع إيران من جانب واحد على الأمم المتحدة قائلة إنها ستتجنب المواجهة مع دولة إسلامية جارة، وإن ملفها سيظل مدرجا على جدول أعمال مجلس الأمن -الذي رفع إليه في ديسمبر/كانون الأول 1971- حتى يتم إيجاد “تسوية عادلة وشاملة ودائمة” للنزاع عبر “الحوار المباشر في أي من البلدين بعد الاتفاق على أسسه وإطاره، أو التحكيم الدولي”، متعهدة بقبول نتائجه.

ورفضت طهران على الدوام الذهاب بالقضية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، كما عارضت في البداية الدخول في مفاوضات ثنائية ومباشرة مع الإمارات قائلة إن المسألة تعني إمارة الشارقة فقط، ثم غيرت موقفها لاحقا ودخل الطرفان في جولات تفاوضية لحل القضية بدأت في أبو ظبي عام 1992 لكنها لم تصب أي نجاح.

وحين قبلت طهران وساطة أطراف صديقة للجانبين قامت كل من سوريا وقطر (عام 1995) بجهود دبلوماسية خلال تسعينيات القرن العشرين لكنها كلها انتهت إلى الفشل، الذي تعددت أسبابه بدءا من اختلاف توصيف الطرفين لحقيقة الإشكال؛ ففي حين يقول الجانب الإيراني إن الأمر مجرد “سوء تفاهم” يصفه الطرف الإماراتي بأنه “احتلال إيراني حقيقي” لجزء من أراضيه.

ولكن المفارقة هي أن الإمارات ظلت الشريك التجاري الأول لإيران طوال عقود النزاع، فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين -حسب إحصاءاتهما الرسمية- نحو 6.8 مليارات دولار في عام 2012، وكان حجمه في العام الذي قبله 9.8 مليارات دولار، والتراجع الحاصل فيه سببه العقوبات الدولية المفروضة على طهران وليس نزاع الجزر. وتمرّ عبر الإمارات الغالبية العظمى من تجارة إيران مع دول الخليج.

تطورات تاريخية
– عام 1919: انفصال رأس الخيمة عن الشارقة واقتسامهما ملكية الجزر الثلاث (طنب الكبرى  والصغرى لرأس الخيمة وأبو موسى الشارقة).

– مارس/آذار 1964: قطع من الأسطول الإيراني تحتل جزيرة أبو موسى مما أثار احتجاجات عربية واسعة.

– عام 1968: بريطانيا تعلن عزمها الانسحاب من إمارات الساحل العربي على الخليج، مما حفز إيران على التفكير في حيازة الجزر الثلاث.

– 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971: إيران تستولي على جزيرتيْ طنب الكبرى والصغرى وتنشر فيهما قوات عسكرية قبل يومين من استقلال الإمارات عن بريطانيا.

– ديسمبر/كانون الأول 1971: دولة الإمارات تدرج ملف الجزر على جدول أعمال مجلس الأمن بحثا عن “تسوية عادلة وشاملة ودائمة” له.

– مارس/آذار 1980: الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر يقول إن دول الخليج “ترتبط بالولايات المتحدة وليست مستقلة..، ولا ننوي إعادة الجزر الثلاث لأنها ممر إستراتيجي سيكون في يد واشنطن”.

– ديسمبر/كانون الأول 1980: وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي يقول إن بلاده تسعى بالطرق الدبلوماسية السلمية لتأمين عودة الجزر الثلاث إلى سيادتها.

– يناير/كانون الثاني 1981: المتحدث باسم الحكومة الإيرانية بهزاد نبوي يصرح بأن حكومته أجرت اتصالات مع المسؤولين في الإمارات وحذرتهم من التورط في “المؤامرات الإمبريالية بالمنطقة”.

– يناير/كانون الثاني 1981: الحكومة الإيرانية تبلغ نظيرتها السورية بأن الانسحاب الإيراني من الجزر “سيفتح الباب أمام التدخل الأميركي لاتخاذ قواعد ثابتة فيها”.

– 14 أبريل/نيسان 1992: إيران تكمل سيطرتها على جزيرة أبو موسى وتغلق مركز الشرطة الإماراتية فيها، والإمارات تعتبر ذلك “طردا للشرعية الإماراتية واحتلالا إيرانيا غير مقبول”.

– 24 أغسطس/آب 1992: إيران تمنع سفينة إماراتية تحمل مواطنين من دخول جزيرة أبو موسى وترغمها على العودة إلى البر الإماراتي، والإمارات تنظم حملة دبلوماسية ضد الخطوة الإيرانية.

– سبتمبر/أيلول 1992: رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) علي أكبر ناطق نوري يقول إن الجزر “أراض إيرانية بموجب اتفاق موقع مع الإنجليز”، ولندن تؤكد أن هذا “الاتفاق مزعوم ولا وجود له على الإطلاق”.

– أكتوبر/تشرين الأول 1992: الإمارات تبلغ منظمة الأمم المتحدة استعدادها لتسوية مشكلة الجزر الثلاث بالطرق السلمية الواردة في المادة 33 من ميثاق المنظمة.

– سبتمبر/أيلول 1993: جامعة الدول العربية تعلن دعمها للإمارات في “تأكيد سيادتها على الجزر وتأييد حقها في استعادتها”.

– أبريل/نيسان 1993: وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية دوغلاس هيغ يقول إن بلاده لا تؤيد استخدام القوة في نزاع الجزر الثلاث، بل تدعو لمعالجته سلميا وفقا للقانون الدولي.

– سبتمبر/أيلول 1993: طهران تعلن تسيير خط جوي يربط بين بندر عباس وجزيرة أبو موسى، والإمارات تصف الخطوة بأنها “تعد انتهاكا لسيادتها وتتعارض مع مبادئ الصداقة وحسن الجوار”.

– ديسمبر/كانون الأول 1994: وزارة الخارجية الأميركية تقول إنه إذا فشل الحوار والجهود السلمية في حل قضية الجزر فإن الحل الأمثل هو رفع القضية إلى محكمة العدل الدولية، وتؤكد أنه من غير المناسب تدخل أميركا في هذه القضية.

– أبريل/نيسان 1995: المجلس الأعلى في الإمارات يدعو إلى إيجاد “حل سلمي لقضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران يستند إلى الحق والعدالة من خلال محكمة العدل الدولية”.

– أبريل/نيسان 1996: الحكومة الإيرانية تعلن إنشاءها محطة كهربائية في جزيرة طنب الكبرى، وأبو ظبي تعتبر ذلك “خرقا لقواعد القانون الدولي، ولا يُرتب أية حقوق لسلطة الاحتلال”.

– أغسطس/آب 1996: مصادر عسكرية خليجية تؤكد أن إيران نصبت مجموعة من صواريخ “سيلكويرم” في جزيرة أبو موسى، وتتحدث عن تعزيزات عسكرية إيرانية تم رصدها.

– يونيو/حزيران 1997: سفير إيران في الإمارات يصرح باستعداد بلاده للتفاوض مع الإمارات بشأن “المشكلات القائمة بينهما على أي مستوى وفي أي وقت”.

– يونيو/حزيران 1997: الإمارات تحتج لدى الأمم المتحدة على بناء إيران رصيفا بحريا في جزيرة طنب الكبرى.

– سبتمبر/أيلول 1997: الإمارات تندد بإجراء إيران مناورات عسكرية بحرية في جزيرة أبو موسى “المحتلة”، وتصف تصرفات إيران في الجزيرة بأنها “باطلة واستفزازية”.

– 10 يوليو/تموز 1999: وزير الخارجية القطري يطلع نظيره الإماراتي على نتائج الاجتماع الأول للجنة الثلاثية الخليجية (السعودية وقطر وعمان) المكلفة بإنهاء النزاع الإيراني الإماراتي.

– 26 مايو/أيار 2000: وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي يلتقي -في خطوة نادرة- نظيره الإيراني في قطر على هامش الاجتماع الوزاري لمنظمة المؤتمر الإسلامي حول الانتفاضة الفلسطينية.

– 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2000: رئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يطالب إيران بـ”إنهاء احتلالها” للجزر الثلاث لأنه “يقف حجر عثرة أمام تحسين العلاقات بين البلدين”.

– 1 ديسمبر/كانون الأول 2000: إيران تؤكد مجددا ملكيتها للجزر، وتقول إن مطالبة دولة الإمارات بالجزر تؤدي إلى “تفاقم المشاكل” في المنطقة.

– 31 ديسمبر/كانون الأول 2000: قادة دول مجلس التعاون الخليجي يدعون إيران إلى حل مشكلة الجزر الإماراتية بالمفاوضات أو التحكيم الدولي، مؤكدين “حق” الإمارات فيها و”احتلال” إيران لها.

– 23 فبراير/شباط 2001: وزارة الخارجية الإندونيسية تعلن استعدادها للتوسط بين الإمارات وإيران لإيجاد حل للنزاع بينهما، لأنها “تود أن تكون هناك تسوية سلمية بين المسلمين بالحوار”.

– 18 مارس/آذار 2001: طهران ترفض طلبا تقدمت به دول الخليج لرفع خلافها مع أبو ظبي إلى محكمة العدل الدولية، وتجدد قبولها “مفاوضات مباشرة وغير مشروطة مع الإمارات”.

– 19 مارس/آذار 2001: الإمارات تحتج على إقامة إيران مشاريع في الجزر الثلاث، وتقول إن ذلك “يعد فرضا لواقع غير مشروع ومحاولة لتكريس احتلال الجزر الثلاث”.

– 2 يونيو/حزيران 2001: مجلس التعاون الخليجي يدين المناورات العسكرية التي تجريها إيران في الجزر ويصفها بـ”الأعمال الاستفزازية المهددة للاستقرار في الخليج العربي”. وإيران تنتقد البيان.

– 23 يوليو/تموز 2001: إيران والإمارات تستأنفان في طهران الحوار بينهما حول الجزر، بمناسبة زيارة وفد يضم ثلاثة من أبناء الرئيس الإماراتي هي الأولى من نوعها منذ عشر سنوات.

– 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2001: البرلمان الإماراتي يناشد إيران التخلي عن الجزر الثلاث “انطلاقا من روابط حسن الجوار والمصالح المشتركة بين البلدين”.

– 26 مايو/أيار 2002: وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي يجري مباحثات في طهران مع وزير الخارجية الإيراني يُرجح أنها تناولت ملف الجزر الثلاث.

– 19 ديسمبر/كانون الأول 2005: قادة مجلس التعاون الخليجي يجددون دعمهم للإمارات في قضية الجزر “الخاضعة للاحتلال الإيراني”.

– 5 ديسمبر/كانون الأول 2006: الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يتهم الولايات المتحدة بـ”خلق خلافات وتوترات مصطنعة بين دول المنطقة ومسألة الجزر واحدة منها”.

– 1 ديسمبر/كانون الأول 2007: الإمارات تقول إن الجزر التي “تحتلها” إيران “جزء عزيز لا يتجزأ من دولتنا، ولن نألو جهدا في استعادتها والمطالبة بعودتها للسيادة الوطنية”.

– 18 فبراير/شباط 2008: نائب الرئيس الإماراتي يجتمع بطهران مع الرئيس الإيراني في زيارة هي الأولى لمسؤول إماراتي بهذا المستوى منذ قيام الثورة الإسلامية 1979، لكنها لا تتناول قضية الجزر.

– 14 مارس/آذار 2008: مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي يطالب -في ختام أعماله بأربيل العراقية- إيران بحل نزاعها مع الإمارات على الجزر الثلاث.

– مايو/أيار 2008: وفد من البرلمان الإماراتي يزور روسيا ويطلب منها أن تقنع إيران ببحث وضع الجزر الثلاث، والخارجية الإيرانية تدعو لـ”مباحثات ثنائية دون الحاجة إلى تدخل أطراف أخرى”.

– 27 مايو/أيار 2008: الإمارات تجدد تأكيدها أن الجزر الثلاث “محتلة” من إيران، قائلة إن “الاحتلال هو احتلال سواء أكان من قبل إسرائيل أو إيران أو أي دولة أخرى”.

– 24 فبراير/شباط 2009: وزير الداخلية الإيراني صادق محصولي يقول -في منتدى عقد بالبحرين- إن الجزر الثلاث “إيرانية”، واصفا الخلاف بشأنها بأنه “سوء تفاهم قابل للتفاوض”.

– 3 مارس/آذار 2009: مجلس وزراء الخارجية العرب يطالب إيران بـ”إنهاء احتلال الجزر الإماراتية الثلاث”، مؤكدا “حق الإمارات المطلق في السيادة الكاملة عليها”.

– 2 أبريل/نيسان 2009: الخارجية المصرية تقول إن “الجزر محتلة ولا بد لإيران أن تتخلى عنها، ونحن نؤيد الموقف الإماراتي في هذا الموضوع تأييدا كاملا”، وتدين “أسلوب الاستعلاء الإيراني”.

– 9 مارس/آذار 2010: وزراء خارجية دول الخليج يناقشون ملف “الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران”، ويدعون طهران “لحل القضية عبر المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية”.

– 21 أبريل/نيسان 2010: الخارجية الإيرانية تصف تصريحات لوزير الخارجية الإماراتي شبه فيها وضعية الجزر الثلاث بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بأنها “غير صحيحة وغير متزنة”.

– 25 أبريل/نيسان 2010: وزير خارجية الإمارات يقول إن “احتلال” إيران للجزر “ليس فقط معطلا لتحسين وتطوير العلاقة الإماراتية ولكنه أيضا معطل للعلاقات العربية الإيرانية”.

– 11 أبريل/نيسان 2012: الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يقوم بزيارة مفاجئة لجزيرة أبو موسى، والإمارات تدين الخطوة “بأشد العبارات” وتستدعي سفيرها بطهران للتشاور، وتبعث رسالة احتجاج للأمم المتحدة.

– 13 أبريل/نيسان 2012: نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية يقول إن “زيارة الرئيس لجزيرة أبو موسى هي شأن داخلي حدث في إطار جولات يقوم بها الرئيس في أقاليم البلاد”.

– 15 أبريل/نيسان 2012: شركة سياحية إيرانية تعلن تنظيم رحلات بحرية ثابتة إلى الجزر الثلاث.

– 17 أبريل/نيسان 2012: وزراء خارجية دول الخليج يعلنون في بيان تضامنهم مع أبو ظبي، واصفين زيارة الرئيس الإيراني لأبو موسى بأنها “انتهاك صارخ لسيادة الإمارات على جزرها”.

– 17 أبريل/نيسان 2012: الولايات المتحدة تنتقد زيارة الرئيس الإيراني لجزيرة أبو موسى، وتدعو طهران إلى “التجاوب مع مبادرة الإمارات” للحوار وارتضاء التحكيم الدولي حلا لقضية الجزر.

– 18 أبريل/نيسان 2012: طهران تتهم دول الخليج بالتدخل في شؤونها الداخلية بعد أن وصف مجلس التعاون الخليجي زيارة الرئيس الإيراني لجزيرة أبو موسى بأنها “عمل استفزازي”.

– 25 أبريل/نيسان 2012: إيران تعلن نشر أنظمة صاروخية هجومية ودفاعية في الجزر الثلاث، مؤكدة أنها لن تسمح “لأي عدو” بدخولها، وواصفة حديث الإمارات بشأنها بأنه “أمر مرفوض”.

– 25 أبريل/نيسان 2012: الإمارات تعلن أن قوات درع الجزيرة (قوات خليجية مشتركة) ستجري مناورات على الأراضي الإماراتية شعارها “جزر الوفاء”، في إشارة إلى الجزر الثلاث.

– 31 مايو/أيار 2012: قائد الحرس الثوري الإيراني يزور الجزر الثلاث باعتبارها “أراضي إستراتيجية وحساسة” لإيران. وتعتبر الزيارة الأولى للجزر على هذا المستوى العسكري الرفيع.

– 27 يونيو/حزيران 2012: الرئيس الأميركي باراك أوباما يصرح بدعمه الإمارات في قضية الجزر الثلاث، ويدعو إلى “حل سلمي” للنزاع.

– 10 أكتوبر/تشرين الأول 2012: وزارة الخارجية الإيرانية تتراجع عن تصريحات للمتحدث باسمها هدد فيها بتخفيض العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات بسبب النزاع على الجزر.

– 1 ديسمبر/كانون الأول 2012: رئيس الإمارات يجدد دعوته الحكومة الإيرانية “للجلوس إلى طاولة الحوار وارتضاء التحكيم الدولي” لحل قضية الجزر.

– 2 ديسمبر/كانون الأول 2012: رئيس دولة الإمارات خليفة بن زايد يدعو -بمناسبة اليوم الوطني لبلاده- إيران للحوار وارتضاء التحكيم الدولي حلاً لقضية الجزر الثلاث “بما يرسخ الأمن والاستقرار”.

– 22 ديسمبر/كانون الأول 2012: الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي يؤكد أن “موقف المجلس من احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث واضح وثابت، إذ إنه احتلال إيراني لجزر خليجية”.

– 20 فبراير/شباط 2013: لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني تقول إن “كافة التدابير والإجراءات المطبقة بالجزر الثلاث جرت دوما على أساس مبدأ سيادة جمهورية إيران الإسلامية على أراضيها..، وما يصدر عن الإمارات في هذا الشأن تدخل في شؤوننا نرفضه بالكامل”.

– 21 فبراير/شباط 2013: البرلمان الإماراتي يندد بما تضمنه بيان مجلس الشوري الإيراني بشأن الجزر الثلاث المتنازع عليها بين البلدين، ويقول إنه “يأتي في سياق ادعاءات نرفضها”.

– 27 مايو/أيار 2013: قوات الحرس الثوري الإيراني تختتم مناورات شاملة في الخليج تحت عنوان “الدفاع المحكم” تهدف إلى “الدفاع” عن الجزر الثلاث.

الملاحق: 

ملحق بيان وزارة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الممارسات الإيرانية في جزيرة أبو موسى في 24 أغسطس 1992

أصدرت وزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من سبتمبر 1992، البيان التالي:

لقد قامت إيران في يوم الاثنين 26 صفر 1413هـ الموافق 24 أغسطس 1992 بعدم السماح لأكثر من مائة شخص بالنزول على جزيرة أبو موسى من موظفي دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن أبقتهم في عرض البحر لمدة ثلاثة أيام.

إن ما قام ويقوم به المسؤولون الإيرانيون على جزيرة أبو موسى لا يتفق مع العلاقات التي ربطت بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وينعكس سّلباً على التعاون بين البلدين في الوقت الذي ترغب فيه دولة الإمارات العربية المتحدة على إقامة علاقات حسن الجوار والتعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ودولة الإمارات العربية المتحدة ليحدوها الأمل بأن تبقى العلاقات التاريخية والودية كما عهدناها قائمة بين البلدين.

ملحق بيان دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن المحادثات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حول موضوع الجزر الثلاث

أصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة في الثامن والعشرين من سبتمبر 1992، البيان التالي:

انطلاقاً من رغبة دولة الإمارات العربية المتحدة وحرصّها على مناقشة وتسوية كافة المسائل والقضايا المتعلقة باستمرار احتلال جمهورية إيران الإسلامية لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وانتهاكاً لمذكرة التفاهم الموقعّة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1971 بشأن جزيرة أبو موسى.

فقد عقدت في مدينة أبو ظبي في الفترة من 27 ـ 28 أيلول (سبتمبر) 1992، لقاءات ثنائية بين وفد من دولة الإمارات العربية المتحدة برئاسة السفير سيف سعيد مساعد مدير إدارة شؤون مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، ووفد من جمهورية إيران الإسلامية برئاسة سعادة السفير مصطفى فوميني جائري مدير عام شؤون الخليج بوزارة خارجية إيران الإسلامية، وخلال هذا اللقاء طرح جانب دولة الإمارات العربية المتحدة على جانب جمهورية إيران الإسلامية المطالب التالية:

أولاً: إنهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

ثانياً: تأكيد التزام إيران بمذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبو موسى.

ثالثاً: عدم التدخل بأي طريقة وتحت أي ظروف وبأي مبّرر في ممارسة دولة الإمارات العربية المتحدة لولايتها الكاملة على الجزء المخصص لها في جزيرة أبو موسى بموجب مذكرة التفاهم.

رابعاً: إلغاء كافة التدابير والإجراءات التي وضعتها إيران على أجهزة الدولة في جزيرة أبو موسى وعلى مواطني الدولة وعلى المقيمين فيها من غير مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة.

خامساً: إيجاد إطار ملائم لحسّم مسألة السيادة على جزيرة أبو موسى خلال فترة زمنية محددة.

وإزاء إصّرار الجانب الإيراني على رفضه مناقشة مسألة انتهاء الاحتلال الإيراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، أو الموافقة على إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية، فقد أصبح من المتعّذر الاستمرار في مناقشة المسائل والمواضيع الأخرى في هذا الاجتماع.

وتوّد دولة الإمارات العربية المتحدة أن تشير في هذا الصدّد إلى أن السيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى كانت منذ أقدم العصور ولا تزال لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولن يغيّر الاحتلال العسكري الإيراني للجزيرتين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1971 في وضعهما القانوني، وثابت في القانون الدولي أن الاحتلال الناجم عن استخدام القوة لن يكسّب الدولة المحتّلة سيادة على الإقليم المحتّل مهما طال الزمن.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة ترى أن الجانب الإيراني يتحمّل مسؤولية عدم إحراز أي تقدم في المباحثات، ونتيجة لذلك فإن ليس أمام دولة الإمارات العربية المتحدة سوى اللجوء إلى كافة الوسائل والسّبل السلمية المتاحة لتأكيد سيادته على الجزر الثلاث.

ملحق البيان الصادر عن وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن المباحثات مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول جزيرة أبو موسى

بالنظر للأهمية التي توليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أجل حفظ وتنمية العلاقات الودية مع الدول المجاورة واستقرار الأوضاع في المنطقة، فإنه منذ أن ظهر موضوع الوافدين من غيّر مواطني الشارقة على جزيرة أبو موسى، قامت بجهود دؤوبّة وسّعت لإزالة سوء الفهم بين حاكم الشارقة والمسؤولين الإيرانيين في هذه الجزيرة.

ومن منّطق أن المنطقة بحاجة إلى الهدوء والاستقرار أكثر من أي وقت مضى وأن التفاهم وعلاقات حسن الجوار يجب أن يشكلا أساس وقاعدة العلاقات بين دول المنطقة، فقد أقدم وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على دخول المباحثات وكل أملّه بأن يقابل بنفس الروح من الطرف المقابل، ولكن للأسف بادّر وفد الإمارات العربية المتحدة في المباحثات الثنائية إلى طرح مسائل غير أساسية والتي ليس لها علاقة بالمسائل المطروحة حول جزيرة أبو موسى، حيث اسّتغل حسّن نوايا ورحابّة صدر الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأوقفّت المباحثات، مما جعل الادعاء القائل بوجود مشاكل في جزيرة أبو موسى أمراً مشكوكاً فيه.

فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتقد أن تصّرف دولة الإمارات العربية المتحدة فذ هذه القضية والإسراع في إصدار بيان بهذا الشأن، واعتبار المباحثات حول جزيرة أبو موسى أمراً لا قيمة له فهذا لن يكون لصالح العلاقات الثنائية.

وإن طرح إدعاء السيادة على أيّة أرض في المنطقة بمقدوره أن يدخّل المنطقة في سلسلة جديدة من الادعاءات والخلافات، مما سيكون له مضاعفات تضّر بأمن المنطقة وتخدم أطماع الأجانب.

وأنه في الوقت الذي تؤكد فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية على عدم تغييّر سياستها تجاه جزيرة أبو موسى كما كان الوضع في الماضي، فإنها تعلق استعدادها لمواصلة المحادثات وإزالة أي سوء فهم، وذلك على أساس احترام السيادة وعلاقات حسن الجوار وكذلك الحفاظ على هدوء وأمن المنطقة.

ملحق قمة التعاون/ جزر الإمارات

قرر المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون، لدول الخليج العربية، تكليف المجلس الوزاري، النظر في كل الوسائل السلمية المتاحة، التي تؤدي إلى إعادة الحقوق المشروعة، لدولة الإمارات العربية المتحدة، في جزرها الثلاث/ طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى/ والتي مازالت تحت احتلال جمهورية إيران الإسلامية؛ استناداً على الأسس التالية.. تأييد ودعم حق دولة الإمارات العربية المتحدة، في جزرها الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، والمحتلة من قبل جمهورية إيران الإسلامية، ورفض دول مجلس التعاون استمرار احتلال جمهورية إيران الإسلامية للجزر الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، والتابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، واستمرار التأكيد على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة الكاملة، على جزرها الثلاث، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة، واحتفاظها بكامل حقوقها فيها، وعدم الاعتراف بأي سيادة أخرى، غير سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث، ومياهها الإقليمية، وإقليمها الجوي، وجرفها القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، ورفض الادعاءات الإيرانية حول جزيرة أبو موسى، والإجراءات التي أقدمت عليها جمهورية إيران الإسلامية، وكل ما يترتب عليها، واعتبارها خطوات تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وتزيد من التوتر فيها، مما يهدد الأمن والسلم الدوليين، وتأكيد رفض دول مجلس التعاون القاطع، لاستمرار احتلال جمهورية إيران الإسلامية لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وإدانة التجاوزات والمناورات العسكرية الإيرانية، التي تجريها إيران، في جزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث المحتلة: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبوموسى، ومياهها الإقليمية، ومطالبة إيران بالكف عن إجراء هذه المناورات، التي تعتبر من الأعمال الاستفزازية، التي تهدد الأمن والاستقرار في الخليج العربي، وتشكل مصدر قلق بالغ، ولا تساعد على بناء الثقة، وتأييد كل الخطوات، التي تتخذها دولة الإمارات العربية المتحدة لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث، بالطرق السلمية انطلاقاً من مبدأ الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون، ودعوة جمهورية إيران الإسلامية إلى القبول بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية.

المصادر والمراجع

أولاً: الندوات:

  1. ندوة الخليج العربي: أسباب النزاع ومتطلبات الحل.
  2. مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي، باريس، ط 1، 1994.

ثانياً: الكتب:

  1. أحمد جلال التدمري، “الجزر العربية الثلاث ـ دراسة وثائقية”
  2. وزارة الإعلام والثقافة ـ أبو ظبي، “دولة الإمارات العربية المتحدة”، الكتاب السنوي لعام 1997.

ثالثاً: الدراسات:

  1. الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ـ الإدارة العامة للشؤون القانونية، إدارة الرأي والقضايا، “مذكرة للعرض على الأمين العام لجامعة الدول العربية بتاريخ 4/10/1992 بشأن مضيق هرمز والجزر العربية في الخليج العربي، دراسة قانونية موجزة”.
  2. دراسة عن قضية الاحتلال الإيراني لجزر طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة (واردة من اللجنة العليا للموسوعة).
  3. دراسة عن قضية جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى (واردة من اللجنة العليا للموسوعة).
  4. هيئة الاستعلامات، وزارة الإعلام المصرية، “دراسة حول الخلاف بين دولة الإمارات وإيران”، إصدار خاص، 1992.

رابعاً: المجلات:

  1. مجلة السياسة الدولية ـ مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ـ القاهرة، الأعداد التالية:
  • العدد 131   الصادر في يناير 1998.
  • العدد 133   الصادر في يوليه 1998.
  • العدد 135   الصادر في يناير 1999.
  • العدد 136   الصادر في إبريل 1999.
  1. مجلة شؤون الأوسط ـ مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق ـ لبنان، الأعداد التالية:
  • العدد 64   الصادر في أغسطس 1997.
  • العدد 68   الصادر في ديسمبر / يناير 1998.
  • العدد 73   الصادر في يونيه 1998.
  1. مجلة معلومات دولية ـ مركز المعلومات القومي الجمهورية العربية السورية ـ دمشق، الأعداد التالية:
  • العدد 56   الصادر في ربيع 1998.
  • العدد 59   الصادر في شتاء 1999.
  1. مجلة المستقبل العربي ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت، الأعداد التالية:
  • العدد 232   الصادر في يونيه 1998.
  • العدد 245   الصادر في يوليه 1999.
  1. مجلة شؤون عربية ـ الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ـ القاهرة
  • العدد 94   الصادر في يونيه 1998.

خامساً: الصحف:

  1. جريدة الأخبار ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 27/2/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 2/3/99
  1. جريدة الحياة ـ لندن
  • العدد الصادر في 3/3/99
  1. جريدة الحياة ـ لندن
  • العدد الصادر في 2/5/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 8/5/99
  • جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 12/5/99
  • جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 6/3/99
  1. جريدة الحياة ـ لندن
  • العدد الصادر في 6/3/99
  • جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 10/5/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 7/6/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 14/6/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 16/6/99
  1. جريدة الحياة ـ لندن
  • العدد الصادر في 20/6/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 25/6/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 26/6/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 6/7/99
  1. جريدة الأهالي ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 7/7/99
  1. جريدة الأهرام ـ القاهرة
  • العدد الصادر في 24/7/99