المتغيرات المعاصرة وأثرها على مفهوم المواطنة

تشير الأحداث اليومية التي يؤكدها الواقع المعاش وتنشغل بها الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية والجماهيرية إلى تحد واضح متجدد لمبدأ المواطنة ومفاهيمها في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وتتعدد هذه العوامل التي يقف خلف هذا التحدي لتشمل متغيرات فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية تبلورت في إطار القوة الواحدة في العالم ونظرتها لمن حولها وما تهدف إليه من مصالح جعلتها تروج لمفهوم جديد لمواطنة عالمية في عصر يعرف بعصر العولمة تدعمها في السعي الحثيث لتحقيق ذلك القوة السياسية والعسكرية التي تحت يدها، ومن أهم هذه المتغيرات التي تعد دواعي أساسية لانبعاث هذا المفهوم الجديد للمواطنة والذي سمي (المواطنة عديدة الأبعاد) ما يلي :
1) إن عولمة الأسواق تؤدي إلى توحيد المقاييس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلاقات الثقافية بين المجتمعات .
2) إن النمو في صناعة الاتصالات العالمية سوف يزيد من تأثير اللغة الإنجليزية في الحياة اليومية لشعوب العالم .
3) الاختلاف الثقافي سوف يصبح النقطة المركزية للسياسات القومية والدولية.
4) ألهويات الدينية والأخلاقية سوف تزداد بشكل مثير بما يؤثر في مركزية السلطة في العالم .
5) في عالم تتزايد فيه إزالة الحدود فإن التعاون بين الأمم يجب أن يلعب دوراً أكبر ويتولى وظائف ومهام الأمة.
6) إن مستوى التوتر الناشئ عن التنافس للنمو الاقتصادي من جهة والمسؤوليات الأخلاقية والبيئية من جهة أخرى سوف تزداد بشكل ملحوظ .
7) إن التطور العلمي وكذلك القوة النووية تزداد بشكل مستمر كمصدر هام للطاقة رغم خطورتها البيئية .
8) إن تقنية المعلومات ستشجع الاتصال وستسهم في توحد الإفهام عبر الثقافات والأمم والتأثير على الخصوصيات .
9) الصراع داخل الجماعات ( الأخلاقي – الديني – الإقليمي ) سوف يزداد بشكل ملحوظ داخل الأمم وفيما بينها.
10) إن تأثير ( التطرف والإرهاب ) من خلال أنظمة سياسية – طوائف – حركات – تيارات – سوف يتصاعد بشكل قلق.
11) تأثير الإعلام العالمي في السلوك الإنساني سوف يزداد بشكل مثير .
12) إن إحساس الناس بالمجتمع والمسؤولية الاجتماعية سوف ينحسر بشكل ملحوظ .
13) تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم وتفجر العنف بل والإبادة الدموية ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها أيديولوجيا الحداثة من بلدان العالم الثالث بل أيضاً في قلب العالم الغربي أو على يد قواه الكبرى ، بدءاً من الإبادة الصربية للمسلمين ، و انتهاء بالإبادة الأمريكية للعراقيين وللأفغان ومروراً بالإبادة المستمرة للفلسطينيين .
14) بروز فكرة ” العولمة ” التي تأسست على التوسع الرأسمالي العابر للحدود وثورة الاتصالات والتكنولوجيات من ناحية أخرى ، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية ، وكلها مستويات شهدت تحولات نوعية .
15) إن نمو الاتجاهات الأصولية المسيحية واليمينية المتطرفة في البلدان التي مثلت مهد التجربة الليبرالية قد أدى إلى مراجعة المفهوم والتأكيد على محوريته لمواجهة هذه الأفكار وآثارها في الواقع السياسي والاجتماعي الغربي المعقد مع وجود أقليات عرقية ودينية منها العرب والمسلمون ، هذا فضلاً عن وصول الفردية – كفكرة مثالية لتحقيقه حرية وكرامة الفرد- إلى منعطف خطير في الواقع الليبرالي ، بعد أن أدى التطرف في ممارستها وعكوف الأفراد عن ذو اتهم ومصالحهم الضيقة إلى تهديد التضامن الذي يمثل أساس وقاعدة أي مجتمع سياسي ، وتراجع الاهتمام بالشأن العام لصالح الشأن الخاص ، وتنامي ما يسميه البعض ” موت السياسة ” وبروز سياسات الحياة اليومية.
16) إن الكثير من الأزمات والتوترات الرابضة على أرض بعض البلدان العربية هي في المحصلة النهائية من جراء تغييب مفهوم المواطنة والإعلاء من شأن عناوين خاصة على حساب الإطار الوطني العام. وعبر هذا المنهج الذي غيب أو ألغى المواطنة لصالح ولاءات خاصة وعبر متواليات وتأثيراته التي فاقت التصورات وزادت من الاحتقان السياسي وأدت إلى هشاشة الاستقرار الاجتماعي في بعض الدول قد أفضت إلى خلق جزر اجتماعية معزولة عن بعضها البعض لا يجمعها إلا الاسم والعنوان العام ، والنتيجة الطبيعية عديد من المشكلات التي تحرص الأنظمة السياسية حالياً على مواجهتها من خلال دراسة آفاق تفعيل مبدأ المواطنة .
ويمثل ذلك تحدياً داخلياً في المجتمعات العربية ومنها المملكة العربية السعودية حيث أدى تداخل حدود الانتماءات الفكرية والثقافية مع أبعاد المواطنة إلى تكوين شكل هلامي في المفاهيم والممارسات وانعكست على الحقوق والواجبات ، خاصة في ظل التعدد الذي يصل إلى حد التناقض بين رؤى وتيارات الفكر السياسي والاجتماعي حيال المواطنة والتي أخذت شكل الإقصاء أو التنكر من جهة والتهميش والتغييب من جهة أخرى ، إذ شهد تطور الفكر السياسي العربي على مدى القرن الفائت بروز عدة اتجاهات تقاسمت القنا عات الشعبية ، واختزلت ممارساتها في رفع شعارات دون تأصيل للمفهوم وتجذ يره في بنية الوعي وإكساب آليات تحققه على أرض الواقع مما أدى بحق إلى هدر في الطاقات الوطنية وتدني الإفادة منها .
وإذا كانت المتغيرات العالمية المعاصرة تلقي بتبعات ومسؤوليات جديدة على المواطنة تضاف إلى خللها وتشوهها في بنية الوعي العربي وما يترتب عليها من ممارسات وانشقاقات ، وإذا كان تقدم وسائل الاتصال والبث في العصر الحاضر أدى إلى نوع من الانفتاح غير المسبوق الذي يؤدي في مجال الفكر والمفاهيم السياسية والثقافية إلى اختلاط في الأوراق وخلل في الرؤية والاختيارات ، واختطاف أمام بريق الشعارات وخاصة لدى فئة الشباب وما يسمى خصوصيات ثقافة هذه الفئة في علم نفس الاجتماع من حب كل جديد ورغبة في التغيير وتأكيد ألذات ، والاستقلالية – والصراع مع ثقافة الكبار .
1-المواطنة هي الوعاء الحقوقي للتسامح

ظهر مفهوم التسامح كنتاج لعصر النهضة والتنوير اللذين سادا في أوروبا في القرن السابع عشر، على أنقاض حكم الإقطاع المتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية؛ وكان هذا الحكم لا يؤمن بالعلم والمعرفة والتعددية، بل كان يفرض مفهوماً قيمياً واحداً وشاملاً؛ لذلك كانت سمة تلك المرحلة هي الصراعات التي تتخذ الطابع الإثني، والمنطقي، والجغرافي، والمدني، رغم أن جوهر تلك الصراعات طبقي واقتصادي أساساً.
أما رموز عصر التنوير أمثال هو بز، ولوك، وروسو، ومونتسكيو… الخ فقد طرحوا مفهوماً آخر يقوم على العقد الاجتماعي ما بين المواطنين والحكم، وعلى آلية ديمقراطية تحكم العلاقة بين أطراف المجتمع وبين المواطنين أنفسهم بالاستناد إلى القانون؛ وعليه فقد ساد مفهوم المواطنة، حيث تحول المواطن إلى ذات حقوقية وكينونة مستقلة، بعد أن كانت القبيلة أو العشيرة أو الوحدة العضوية هي ذلك الإطار، الذي ترتبط علاقاته بالآخرين بناءً على موازين القوى ومنطق القوة أصلاً.
ومع ظهور قوانين حقوق الإنسان ومنها وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية وغيرها، وانتشار تلك المواثيق في المستوي الكوني، وبخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، وكذلك العهدين الحقوقيين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك السياسي والمدني، اللذين صدرا عن الأمم المتحدة عام 1966، أصبحت هناك قيم ومفاهيم ومعانٍ جديدة تستند إلى منطق المواطنة، وعدم التمييز والمساواة في كل التعاملات المجتمعية في نفس الدولة أو على الصعيد العالمي؛ فهناك حقوق للبشر أينما تواجدوا تنظمها تلك المواثيق وتستند إلى التعامل بالتساوي مع أبناء البشر، وبغض النظر عن الدين، أو العرق، أو اللغة، أو الجنس، أو الأصل الاجتماعي…. الخ.
وهذا ما أكدته الكثير من الدساتير في البلدان المحلية عندما أكدت أن الجميع أمام القانون سواء، فقد أصبح القانون هو الناظم في العلاقة ما بين المواطنين المتساوين الأحرار، وأبعدت بذلك منطق توازنات القوى أو محاولة أخذ القانون باليد، التي كانت سائدة بالاستناد إلى وجود البنى العشائرية والقبلية، فأصبح الذي يخالف القانون يجازى أمام القضاء الذي يفترض به النزاهة والعدالة والاستقلالية بغض النظر عن موقعه الوظيفي، أو مكانته الاجتماعية، أو أصوله الطبقية.
وأصبحت هناك أجهزة للدولة مثل “الشرطة والجيش” تقوم وظيفتها الأساسية على حماية المواطن وأمن واستقرار وسيادة البلاد “الوطن” أيضا؛ ومثل تلك الأدوات “الشرطة والجيش” تكون في خدمة الدولة، والوطن، والمواطن؛ وذلك بغض النظر عن طبيعة الحزب السياسي الذي يحكم الدولة؛ فالمواطن لا يخضع لهذا الحزب الذي يتربع على سدة الحكم اليوم لأنه سيتغير غداً عن طريق مبدأ الانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة، في إطار التعددية الحزبية والسياسية التي أخذت مكانها بدلاً من التعددية القبلية والعشائرية، بوصف الأحزاب السياسية تعبيراً راقياً عن قوى اجتماعية فاعلة في المجتمع ولكن بلغة سياسية؛ وهكذا وجد المواطن نفسه، بوصفه ذاتاً حقوقية مستقلة، يرتبط بعلاقة قانونية وتبادلية بينه وبين الدولة تضمن حقوقه وتفرض عليه واجبات، مستنداً إلى مضمون الحماية من أجهزة الدولة ومن القانون؛ فهو ليس بحاجة إلى الانضواء في بنى قبلية أو عشائرية للاحتماء الذاتي، والحفاظ على أمنه الشخصي، بل من خلال القضاء والقانون والشرطة وغيرها من الأجهزة التي من الضروري أن تفترض الأمن للجميع.
ورغم أن المواطنة جاءت نتاجاً تحولياً اجتماعياً واقتصادياً أساساً في إطار تفكك البنى القبلية والعشائرية وسيادة المواطن كوحدة اقتصادية وحقوقية مستقلة، إلا أن ذلك النتاج تعزز من خلال منطق سيادة القانون وأجهزة حفظ الأمن الذاتي والأمن العام في الوطن؛ وبالتالي لم ينبر أحد للتفكير بأدوات للحماية الذاتية، بل انبرى الجميع للتفكير بالانخراط بأدوات تعبر عن مصلحة جمعية عن طريق الانضواء في حزب سياسي أو نقابة مهنية أو منظمة أهلية، يمارس بها المواطن دوره وفاعليته ونشاطه ومشاركته في الحياة الاجتماعية الوطنية العامة على قدم المساواة مع الآخرين، وما يميزه هو فاعلية دوره في تقدم المجتمع وليس أصله العرقي، أو الاجتماعي، أو الطبقي، أو جنسه أياً كان ذكراً أم أنثى.

وعليه فقد أصبحت المواطنة هي الآلية للحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية، والجنسوية، على قاعدة مبدأي عدم التميز والمساواة، وأصبح من غير الغريب أن تجد مجتمعاً متعدد الأعراق والأصول كفئة موحدة وفق منظومة من البنى القانونية، والمفاهيم الاجتماعية والقيمية التي تشترط عدم التميز والمساواة في الحقوق والواجبات. وقد أدى هذا إلى إنهاء مفهوم العنصرية الذي أصبح مفهوماً مثيراً للاشمئزاز للإنسان، وتعزز ذلك عبر كفاح الشعوب ضد أنظمة الاستعمار من أجل إزالة نظام التمييز العنصري كما حصل في كفاح شعب جنوب إفريقيا، وكذلك عبر حركة الحقوق المدنية والتي عبر عنها مار تن لوثركنج في الولايات المتحدة الأمريكية، تلك الحركة التي أفضت إلى إلغاء كل القوانين العنصرية بحق السود الذين كان يتم التعامل معهم بوصفهم كائنات إنسانية من الدرجة الثانية أو الثالثة.
كما تم إلغاء العديد من القوانين والإجراءات التمييزية بحق النساء، وأصبحنا نجد أن الكثير من النساء يتبوأن مراكز قيادية في الكثير من الأحزاب أو النقابات، أو يصبحن أعضاء برلمان، أو حتى رؤساء دول؛ واستطاعت الحركة النسوية العالمية تحقيق إنجازات رائعة على هذا الصعيد، كما حققت فئات اجتماعية كانت محرومة ومقهورة كثيراً من الإنجازات على صعيد حقوقها ومنها الحركة العمالية على سبيل المثال؛ وقد تعزز ذلك عن طريق المواثيق الدولية الكثيرة التي ضمنت حقوق العمال. ومؤخراً انتصر الزعيم “لولا” في البرازيل وهو قائد عمالي ونقابي سابق وأصبح رئيساً للدولة البرازيلية.

لقد تحققت الإنجازات الواردة أعلاه بفضل مفهوم المواطنة، ومنطق القانون، وسيادته على قاعدة عدم التميز والمساواة؛ ولكنني أريد أن أشير في هذا السياق إلى أن مبدأ التسامح مبني أساساً على الحقوق، أي حقوق البشر جميعاً والشعوب أيضا؛ وكما هو الحال في الحديث عن الحرية التي تنتهي عند الاعتداء على حرية الآخرين وأنه لا يمكن اعتبار أي شعب حر إذا استغل شعباً آخر، ينطبق هذا أيضاً على مبدأ التسامح؛ فالشعوب وحدها لها الحق الثابت وغير القابل للتصرف في تقرير المصير، وهو حق كفلته المواثيق والقوانين الدولية، وعليه فلا تسامح مع المعتدي الاستعماري الغازي الذي يريد قهر حرية الشعوب والسيطرة على مقدراتها، ونهب تلك المقدرات.
وكذلك لا يوجد تسامح عند اعتداء دولة على دولة أخرى أيضاً، فالتسامح ينتهى في هذه اللحظة، ويصبح المطلوب هو قيام الشعب أو الدولة المستهدفة بالكفاح المشروع والعادل ضد الاحتلال والغزو الاستعماري؛ كما أنه بعد جلاء الاحتلال عن البلاد التي كانت محتلة يجب عدم استخدام منطق التسامح، عبر غض النظر عن التعويض الذي يجب أن يدفعه الاحتلال، أو القوة الاستعمارية، لقاء الدمار والخراب الذي لحق بالوطن المحتل؛ وذلك لأن العلاقة ما بين الدول ينظمها القانون الدولي، وأن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب وحقوقه في تقرير المصير أيضا مبادئ غير قابلة للتصرف كفلها القانون الدولي.
من الممكن، إذن، أن يتم البدء بتفعيل مفهوم التسامح عند قيام الدولة المعتدية وبعد الانسحاب بتقديم التعويضات اللازمة والاعتذار؛ ومن الممكن في هذه اللحظة أن يقوم الشعب الذي خضع للاحتلال، ويبدأ بفتح صفحة جديدة من العلاقة مع الطرف المعتدي سابقاً؛ إن التسامح قيمة إنسانية وأخلاقية عليا تفترض المساواة بين أعضاء الجنس البشري وبين المواطنين في دولة ما، ويعني بلغة بسيطة عدم القيام بالثأر، أو أخذ القانون باليد، أو الاعتداء على شخص آخر يختلف بالرأي أو المعتقد، أو من جنس آخر، أو من عرق أو دين آخر، أو عدم القيام بالاعتداء على دولة ضعيفة فالمواطنون أمام القانون سواء، كما أن الدول متساوية في الحقوق أمام القانون الدولي.
إن هذا المنطق المدني والقانوني لا يطبق بالضرورة في الواقع، فالعالم والمنظمات والمؤسسات الدولية تخضع للطرف المهيمن والمسيطر اقتصادياً وعسكريا؛ ً وكذلك الحال في مجتمع ما، فإن الحكم كثيراً ما يكون لصالح الطبقة الاقتصادية الأكثر نفوذاً وسيطرة.
غير أنه في الحالتين يجب الاستمرار بتبني مفهوم التسامح المبنى على الحقوق والحريات، ويجب الاستمرار في الكفاح الذي يفترض أن يكون شرعياً وعادلاً من أجل تعديل تلك الموازين على قاعدة المواطنة والمساواة أمام القانون سواء أكان محلياً أم دولياً.

2-المواطنة و الديموقراطية

في واقع الأمر ليس هناك وصفة قارة للديموقراطية, كما أنه ليس لهاتعريف يمكن اختزاله في تعليمات جاهزة للتطبيق و ذلك لأن هناك أنواعا من الديموقراطية, و لأنها قبل هذا و ذاك مفهوم و واقع و نظام حكم متطور و متبدل يتغير مع الزمن و الظروف. و هذا أمر أضحى مسلما به و لم يعد يحتاج للتدليل.
فالديموقراطية نظام سياسي و اجتماعي و ثقافي مركب, لذلك فان ترويج و تكريس ثقافة الديموقراطية يعتبران أمرين حيويين و هامين للغاية. و ثقافة الديموقراطية لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في نشر تعريف لها أو وصلات اشهارية تلفزية بهذه المناسبة أو تلك. إن هذه الثقافة لا تستلزم تلقين الناس تعريفا مختزلا للديموقراطية و إنما تستوجب تعريفهم بمقوماتها الضرورية و التي بفقدانها أو غيابها تفتقد الديموقراطية مضمونها الحيوي, علاوة على أنها مقومات لا يمكنالاستغناء عنها في عملية إرساء و بناء الديموقراطية. و من أهم هذه المقومات الفصل بين السلط و استقلال القضاء و حكم الأغلبية بواسطة تمثيل برلماني و الفصل بين الحيز العام و الحيز الخاص, لأنه لا يمكن تصور أي نوع من أنواع الديموقراطية دون تلك المقومات التي تتطور هي كذلك عبر تفاعلها على الصعيد السياسي و الاجتماعي.
و لعل من أهم تلك المقومات كذلك بالنسبة لبلادنا مفهوم و فكرة و واقعالمواطنة من المنظور الديموقراطي, علما أنه ليست كل مواطنة ديموقراطية, إلا أن المواطنة الحقة هي مقدمة النظام الديموقراطي. لكن هل يجب تعميم ثقافة الديموقراطية قبل إقامة النظام الديموقراطي أم العكس؟ أيهما يجب أن يسبق الآخر, إقامة النظام الديموقراطي وتعميم مقومات الديموقراطية أم ثقافة الديموقراطية؟
إن محاولة الإجابة القاطعة على هذا السؤال من شأنها أن تدخلنا فيدوامة لا طائل وراءها, لاسيما في حالة عدم وجود إمكانية انتشار ثقافة الديموقراطية و ثقافة الحقوق سواء تعلق الأمر بعلاقة الفرد مع الدولة أو بعلاقته مع بقية الأفراد.
وهل يمكن أن تكون ممارسة ديموقراطية قبل إرساء النظامالديموقراطي؟
وهذا سؤال خلافا لسابقه, يمكن الجواب عليه بالقطع, إذ لا يمكنممارسة الديموقراطية قبل قيام نظام ديمقراطي دون تطوير و تكريس المواطنة. لأن المواطنة هي الإمكانية الوحيدة لتكريس سيادة القانون و المساواة أمامه و لممارسة الحد الأدنى من الحقوق, و من ضمن ذلك المطالبة بالحقوق.
فإذا كان المواطن يتوقع حقوقا سياسية بحكم كونه مواطن و كونه دافعالضرائب, فان الرعية لا تتوقع حقوقا سياسية و إنما التعامل بالحسنى و التسامح. لذلك تكون المواطنة هي المنطلق للمطالبة بالديموقراطية بغرض الوصول إلى السلطة و توسيع مفهوم المواطنة. لأن الديموقراطية هي في الحقيقة حكم ممثلي الأغلبية بموجب القيمالديموقراطية و على رأسها المواطنة.
إن غياب المواطنة يقوض من جدلية العلاقة القائمة بين المواطن -المجتمع المدني- الدولة الديموقراطية, علما أن الدولة في غياب المواطن تعتبر دولة لا يمكنها, حتى إن حاولت, تجسيد مفهوم و فكرة سيادة الشعب, كما أن الرعية المحكومة في غياب المواطنة لا يمكنها تجسيد مفهوم الحقوق على أرض الواقع المعاش و تساهم فيتطويرها.
ففي عصرنا الحالي تشتق جملة من حقوق الفرد من مواطنته, أي من كونه مواطنا في الدولة. و بذلك تكون الدولة الديموقراطية هي دولة المواطنين. و تظل الإشكالية القائمة في المجتمعات الحديثة العهد بالديموقراطية هي تعويد الفرد أن يتصرف كمواطن و تعويد القوى السياسية أن تتبنى فعلا و فعليا مفهوم المواطنة و المساواة أمام القانون مادامت المواطنة تعتبر وجها من وجوه السيادة.

ا) المواطنة الديمقراطية والفاعلية الاجتماعية
المواطنة كانتماء عضوي بالدولة لا تحيا أو تتفعّل دونما حاضن ديمقراطي يهبها الانتماء والاعتراف والتجذّر، فالعلاقة بين المواطنة والديمقراطية علاقة توأمة لأية تجارب تُنتجها الجماعة السياسية المكونة للدولة، كون أنَّ الديمقراطية تقوم على أساس الاعتراف بالإنسان وحقوقه الأساسية من كرامة واختيار وحرية وإرادة، وعلى أساس حق المواطن بالتعبير والمشاركة وصُنع القرار.. وهي ذاتها مقومات المواطنة الفعّالة والصالحة في ظل الانتماء للدولة الحديثة، من هنا كانت المواطنة الديمقراطية أساس الفاعلية الاجتماعية لأنها تهب شروط النهضة وركائز الفاعلية الإنسانية والوطنية.
وبالمقابل لا يمكن تصوّر نشوء أية فاعلية إنسانية أو وطنية حقيقية في ظل المواطنة الدكتاتورية،.. فالمواطنة القابعة تحت سيطرة الاستبداد والاستعباد، الفاقدة للحرية والإرادة، المحرومة من التعبير والمشاركة.. لا يمكنها أن تُبدع أو تُنتج، والفاعلية والإبداع لا يصدر عن مجتمع السادة والعبيد.. بل يصدر عن مجتمع المساواة والتكافؤ والمشاركة،.. والمواطنة الديمقراطية هي الأساس الموضوعي الواهب لإمكانيات النمو الفعّال صوب التكامل الوطني كونه يهب شروط النهضة ومقومات الفاعلية المتواصلة.
إنَّ مؤشرات الركود أو الفاعلية لأي مجتمع، إنما هي رهينة الوجود والفاعلية المجتمعية المرتبطة جوهرياً بمنظومة الرؤى والبرامج المديرة للجهد الاجتماعي العام في تشكلا ته المعرفية والسياسية والاقتصادية. فعلى ضوء الفهم والتخطيط لطبيعة المجتمع وتشخيص ركائزه وثوابته الأساسية وإدراك مناحي حر كيته ومعالم تطوّره ضمن مسارات كُليّة مُحددة.. تنتج لدينا مؤشرات النهوض والتقدم المجتمعي العام. وأي عمل يتنافى مع طبيعة المجتمع أو يجهل آليات حركته أو يعجز عن رسم معالم تطوّره أو يفشل في حل إشكاليات السلطة لديه.. سيقود لكارثة لا تزيد الواقع الاجتماعي سوى تقهقراً ورائياً في مناحي واتجاهات الحياة برمتها. من هنا يرتبط وجود وفاعلية المجتمع الإنساني والوطني بالمشروع الاجتماعي – السياسي الصالح والناهض والقادر على حفظ الوجود الاجتماعي ودفعه قُدماً نحو التطوّر. ومشروع الدكتاتورية لا يمكنه ذاتاً من إنتاج الفاعلية والتطوّر كونه يؤسّس وجوده على الاستبداد والاستعباد القاتل للروح الإنسانية والانتماء الوطني، بخلاف المشروع الديمقراطي الذي يؤسّس كيانه على الاعتراف والمشاركة والحرية والإرادة.

إنَّ المجتمع أساساً هو: الهيئة الحاصلة من اجتماع مجموعة من البشر يعيشون في بيئة واحدة ويتألف بينهم الترابط من جهة القيم والأنظمة والقوانين والتقاليد والآداب والحاجيات والأشغال والمصالح المشتركة لتنتج عنهم حياة اجتماعية.
إنَّ الحياة الاجتماعية من الأمور الفطرية المودعة في كينونة المخلوق البشري، فالإنسان اجتماعي ومدني بالخليقة، أي أنها ميزة خَلقيّة طبيعية لا تتولّد عن الاضطرار أو الاختيار أو التعاقد، فالإنسان إنسان بالقوة “أي استعداد إنساني محض” وإنما تخرج إنسانيته إلى الفعل والتحقق من خلال المجتمع.
ومع أنَّ وجود المجتمع – كوجود- يُعتبر وجوداً اعتبارياً،حيث أنَّ الموجود في الخارج هم الأفراد على سبيل التحقق، إلاّ أنَّ وجود المجتمع وجود حقيقي بالتتبع، لأنَّ الناتج من التفاعل القائم بين أفراد المجتمع إنما هو ناتج حقيقي وهو الروح أو الطبيعة الجماعية، وهذه الروح الجماعية هي في الحقيقة ناتج جديد حقيقي هي بمثابة نفس جديدة ناتجة عن النفوس الفردية الداخلة في التشكيل الاجتماعي، فالأفراد وحين انخراطهم في الهيئة الاجتماعية فإنهم يتفاعلون كموجودات حقيقية فيما بينهم من جهة الأفكار والمشاعر والأحاسيس والحاجيات والمصالح المتبادلة، وهنا فالناتج من تفاعلهم الحقيقي هذا هي الروح الجماعية أو الروح الاجتماعية التي هي وجود حقيقي بدوره، فيكون للمجتمع وجود حقيقي وإن كان اعتباريا من حيث الأصل.

إنَّ للمجتمع أصالة كما للفرد أصالة، فأصالة الفرد محققة ذاته وعلمه وعمله وثقافته.. الخ، وأصالة المجتمع محققة من الروح والشخصية والإدراك والإرادة الجماعية العامة التي يؤلفها اجتماع الأفراد وما ينتج عنهم من تفاعل، فحياة وموت ورقي وتخلف المجتمعات حقيقة واقعية، فيمكنك أن تحكم على مجتمعٍ ما بالتخلف مع أنَّ صفة التخلف لا تصدق على جميع أفراده ففيهم الواعي والمتعلم والمثقف، وهنا فحكمنا جاء على المجتمع باعتبار أنَّ له وجوداً أصيلاً إلى جانب أصالة أفراده، من هنا كان للمجتمعات سُننها التاريخية الخاصة رقياً أو انحطاطاً مجداً أو ذلةً قوةً أو ضعفاً، وأنَّ لها أجلاً ومصيراً مشتركاً واحداً،.. لذا نعي: أنَّ العلاقة بين المجتمع وفاعليته وتأريخه هي علاقة تبعية بالضرورة، فالمجتمع هو الذي يصنع قدره ومصيره، من هنا كان عليه إعداد ذاته والارتفاع بمحتواه والرقي بمضامينه ومُثله وأخلاقياته واستعداداته في القوة والمناعة والعلم والعمل لضمان خلق مجده، وبخلاف ذلك فسيكتب بيده تأريخ اندحاره ليُشطَب من سجل التأريخ الإنساني كمجتمع حي وفاعل ومؤثر.
وهنا يبرز السؤال الأهم: تُرى كيف يكسب المجتمع الحياة والفاعلية التاريخية؟ إنَّ الأمر مرهون بقدرة المجتمع على إدارة ذاته بحكمة وواقعية وتناغم وسلام.. وهي إدارة تتطلب مشروعاً سياسياً بالعمق يستطيع إنتاج دولة وسلطة قادرة على تمثيل الكل الإنساني والوطني بحيادية ونزاهة، وقادرة على خلق أنساق من الرؤى والمرتسمات على أرضية البقاء والبناء والتقدم، وهنا فالمواطنة الديمقراطية هي لبنة المشروع الاجتماعي السياسي الضامن لتمثيل الكُل الوطني المتناغم والفعّال، كونها تقوم على أساس الاعتراف والتكافؤ والمشاركة والحريات المسئولة والهادفة.

إنَّ المشروع الحضاري الديمقراطي التي تُشكّل المواطنة الفعّالة عاموده الفقري هو الضامن لإنتاج فاعلية اجتماعية تصاعدية من خلال إنتاجه للسلطة الحيادية تقف على مسافة واحدة من الكُل الوطني بعيداً عن الإقصاء والتهميش والإكراه والحجر، وهو الموفر لمقومات البناء والبقاء من خلال حله لإشكاليات السلطة والإدارة العامة للمشروع الإنساني السياسي.
من هنا كان المجتمع الديمقراطي هو ذلك المجتمع المتناغم في تشكيلاته الهادفة لإقرار المصالح العامة التي تعود على مؤسساته وأفراده بالنفع المباشر، وهو المجتمع الممتليء أصالةً وسيادةً ووعياً لذا ته وأدواره ومسؤولياته، وهو المجتمع الرافض ثقافياً ومعرفياً وعملياً لشرعية القوة والاحتكار السياسي للحياة العامة، وهو مجتمع الاختيار والقانون لا مجتمع القوة والاستبداد، إذ لا يتأسس على الغريزة والخوف بل يقوم على الحرية المُنتجة للاختيار والقانون المُنتج للنظام، لذا فالحركية والفاعلية والإبداع والتقدم نتائج موضوعية للمجتمع القائم على أساس المواطنة الديمقراطية.

3-المواطنة والثقافة الوطنية
ثمة علاقة في المضمون بين مفهومي المواطن والمواطنة. حيث إننا لا يمكن أن نحقق مواطنة بمعنى المشاركة وتحمل المسؤولية النوعية في الشؤون العامة، بدون مواطن يشعر بعمق بحقوقه وواجبا ته فيالفضاء الاجتماعي والوطني.
فلا مواطنة بدون مواطن، ولا مواطن إلا بمشاركة حقيقية في شؤون الوطن على مختلف المستويات. لذلك فإن بوابة إنجاز حقيقة المواطنة في المجالين العربي والإسلامي، هي العمل على إنجاز مفهوم المواطن الذي يحررنا على المستويين الثقافي والاجتماعي من حالة السد يم البشري الذي لا شأن له في أمور حياته الكبرى، ولا يتدخل في بناء حاضره وصياغة مستقبله.
وبدون الدخول في جدل لغوي أو سجلات أيدلوجية وسياسية حول مصطلح (المواطن) ومدى توافره في الفضاء الثقافي العربيوالإسلامي، فإننا نعتقد أن المضمون السياسي والحقوقي الذي يحتضنه هذا المفهوم، هو ذات المضامين التي يقرها الإسلام للأفراد وكل المسلمين. فالإنسان المسلم في التجربة السياسية الإسلامية بحقوقه ومكاسبه وواجبا ته ومسؤولياته هو ما نصطلح عليه اليوم مفهوم المواطن. فالمضمون والحقائق الكبرى واحدة بين هذين المفهومين.لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية تؤكد على حقوق الإنسان المسلم وضرورة صيانة حقوقه واحترام خصوصياته، وأنه على علاقة عضوية بين جميع أفراد المجتمع. فقد جاء في الحديث الشريف: (يا أيها الناس إن أباكم واحد وأمكم واحدة، كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).. وأن (المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم).. فهذه الحقوق التي تؤكد عليها النصوص الإسلامية، هي ذاتها الحقوق التي يتضمنها مفهوم المواطنة المعاصر.وبمقدار ما ينتقص من هذه يبرز الخلل السياسي والاجتماعي. فحينما يتطابق المثال والواقع على هذا الصعيد، يكون الاستقرار السياسي الحقيقي، وتنتهي كل موجبات الاهتزاز والانحراف. أما حينما يتفا رق الواقع مع المثال وتتسع الفجوة بينها، فإنه بمقدار هذه الفجوة، تبرز المشكلات وتتضخم التوترات والمآزق. من هنا فإن الاستقرار السياسي والأمن الشامل، لا يتحققان على الصعيد الواقعي، إلا بحصول المواطن على كل حقوقه، وبإمكانه الفعلي في ممارسة دوره الكامل في الحياة العامة. فحيثما كانت هناك ديمقراطية حقيقية ومشاركة سياسية نوعية، كان هناك الأمن والاستقرار. وبغياب الديمقراطية والمشاركة السياسية، تغيب الكثير من العوامل التي تساهم بشكل مباشر في الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي.. وعليه فإن الإصلاح السياسي المتواصل، الذي يطرد معوقات التقدم ويزيل كابح التطور ويحفز جميع شرائح المجتمع للمشاركة الفعالة، هو الضمان الحقيقي للأمن والاستقرار.
واستقرار المجتمعات المتعددة الأيدلوجيات والثقافات، لا يتحقق إلا من خلال مواطنة متساوية، تسمح للجميع وبدون استثناء المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية والعامة. لذلك فإن مفهوم المواطنة لا يخص أو لا يتوجه فقط إلى الأقلية في مقابل الأكثرية، بل هو يستوعب الجميع، فهو يحافظ على حقوق الأقلية والأكثرية في نطاق مفهوم المواطنة الجامعة.وذلك لأن المواطنة في أحد تجلياتها تعني: المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن المعطيات الدينية أو المذهبية أو القبلية أو العرقية. فكل مواطن له كامل الحقوق وعليه كل الواجبات.
وعلى ضوء هذا بإمكاننا القول: إن المواطنة بقيمها وحقوقها، وواجباتها ومسؤولياتها، هي الحجر الأساس لتطوير النظام السياسي وصيانةحقوق الإنسان وتجديد الحياة السياسية والثقافية وتنمية مقومات السلم الاجتماعي وعوامله وتعزيز الوحدة الداخلية. والمواطنة وفق هذا المنظور لا تبنى إلا في بيئة سياسية ديمقراطية- قانونية، تتجاوز كل أشكال الاستفراد بالسلطة والقرار أو الاستهتار بقدرات المواطنين وإمكانياتهم العقلية والعملية.
والقاعدة العريضة التي تحتضن مفهوم المواطنة في الفضاء السياسي والاجتماعي، هي قاعدة العدالة والمساواة. فكلما التزم المجتمع بهذه القيم ومتطلباتها، أدى ذلك على المستوى العملي إلى بروز حقائق إيجابية في طبيعة العلاقة التي تربط بين مكونات الوطن الواحدوتعبيراته. فمقتضى العدالة الاعتراف بوجود التعددية في الفضاء الاجتماعي والسياسي وتنظيم العلاقة بين هذه التعدديات على أسس المواطنة المتساوية.
فالمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقائق التركيبة الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع، وإنما تتعامل مع هذا الواقع منمنطلق حقائقه الثابتة، وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعددية في الفضاء الوطني. فالأمن والاستقرار والتحديث، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة متساوية مصانة بنظام وقانون يحول دون التعدي على مقتضيات المواطنة الواحدة المتساوية ومتطلباتها.
والثقافة الوطنية تتشكل في خطوطها الرئيسة وآفاقها واولوياتها من الثوابت وطبيعة التفاعل بين الثقافات التي تكون مجموع التعددياتالمتوافرة في الفضاء الوطني. وعلى هذا فإن الثقافة الوطنية هي التي تكون تعبيراً عن حالة التنوع والتعدد الموجودة في الوطن. فليست ثقافة فئة أو مجموعة، وإنما هي ثقافة الوطن بكل تنوعاته وأطيافه وتعبيراته. ويكون دور الدولة ومؤسساتها في هذا الإطار هو توفير المناخ القانوني والاجتماعي وبناء الأطر والمؤسسات القادرة على احتضان جميع التعبيرات لكي تشارك في صياغة مفهوم الثقافة الوطنية وإثراء مضامينها بقيم المجتمع والعصر. “فالمعنى البديهي لتعبير الثقافة الوطنية يأتي من كونه تعبيراً عن حقيقة واقعة بالفعل، أي عن حقيقة اجتماعية- تاريخية قائمة وشاهدة.. بمعنى أنه ما من مجتمع له خصائص المجتمع التاريخية إلا وهو ينتج ثقافته الوطنية، أي ثقافته المرتبطة والمتأثرة بمجمل خصائصه التاريخية تلك. فهذه مسألة قد لا يكون فيها خلاف لفرط وضوحها. أما الإشكاليات التي يتوقف على حلها تحديد المفهوم العلمي للثقافة الوطنية. فهي آتية من التشابك والتداخل بين جملة من العلاقات الموضوعية التي يتضمنها هذا التعبير في ما يتضمنه من الدلالات.
إن هذه العلاقات تؤلف مركباً متشابكاً معقداً، ومتنامياً أيضاً بقدر تنامي الروابط في عصرنا، بين الثقافة وسائر مجالات النشاط البشري الاجتماعي دون استثناء. وذلك بناء على أن الثقافة ليست هي بذاتهاتتحرك وتنمو وتتطور، بل بما هي نشاط اجتماعي، أي بما هي مرتبطة عضوياً وديناميكياً بكل قوى الحياة التي تنتج تاريخ نمو المجتمع وتطوره المادي والروحي.
وهذا الارتباط والتفاعل الحيوي بين الثقافة والحياة، يتواصل مع الحراك الاجتماعي والثقافي والعلمي والسياسي المتوافر خارج نطاقالوطن.
إذ إننا اليوم وفي ظل ثورة وتقنيات الإعلام والتواصل، لا يمكن أن ننفصل عن نشاط المجتمعات والأمم المنتجة لتاريخ التطور والتقدم المعاصر. لذلك فإن التفاعل الديناميكي بين الثقافة والحياة، يتجاوز حدود المجتمع الخاص ويتفاعل ويتواصل مع إنتاج الآخرين وإبداعاتهم في عالم النشاط الإنساني-الاجتماعي.وتصاب بالتصحر والضمور تلك الثقافة الوطنية التي تقبل بخيار العزلة، وتمنع عن نفسها نهر التواصل الإنساني والحضاري. فالتفاعل والحيوية اللذان تبد يهما اليوم بعض الثقافات الوطنية تجاه الثقافات الإنسانية الأخرى، هما اللذان يساهمان في حمل عناصر الحيوية والخصوبة من تجارب تلك الثقافات والمجتمعات إلى ثقافاتنا ومجتمعاتنا.
فالثقافة الوطنية المطلوبة اليوم، هي التي لا تؤسس للعزلة والخروج من حركة التاريخ، بل هي التي تؤسس للتواصل والإبداع والإنتاج. فالمطلوب هو تلك الثقافة الحية المتواصلة بحيوية مع كل التجارب والإبداعات الإنسانية.وهذا لا يتأتى على الصعيد العملي إلا بمواطنةمتساوية، تتجاوز كل عقد الانفتاح والتواصل مع المختلف والمغاير في الدائرة الواحدة. فالمواطنة بما تشكل من قيم العدالة والمساواة وسلطة القانون، هي التي توفر المناخ والبيئة المناسبين لانطلاق المجتمع الخاص بكل مكوناته للانفتاح والتواصل الفعال والرشيد مع إبداعات الحضارة ومكاسب العصر.
ومن هنا تتضح طبيعة العلاقة بين مفهومي المواطنة والثقافة الوطنية. فثراء الثقافة الوطنية مرهون إلى حد بعيد بتوافر حقائق المواطنة في الفضاء الاجتماعي. فالثقافة الوطنية تستمد حيويتها وفعاليتها الداخلية من حقائق المواطنة. كما أن الثقافة الوطنية، هي التي تمنح المواطنة المدى الحيوي الذي تتحرك فيه على المستويات كافة.
فإذا أردنا ثقافة وطنية وحدوية ومتواصلة مع العصر والحضارة، فعلينا تأسيس مفهوم المواطنة في واقعنا الاجتماعي والوطني. فالعلاقة جد عميقة بين هذين المفهومين، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال التخلي عن حقائقها ومتطلباتهما. وذلك لأن التحام مفهوم المواطنة بحقائق الثقافة الوطنية المستوعبة لكل العناصر والتعبيرات، هو الذي يمنحالمجتمع القدرة على التميز ومواجهة تحديات اللحظة التاريخية.. فالعلاقة بين مفهوم المواطنة ومفهوم الثقافة الوطنية، هي علاقة مشاركة إبداعية في خلق فضاء وطني جديد متجدد، يتجنب العزلة والانكفاء، ويحارب التعصب والشوفينية، ويؤسس للاندماج والوحدة على قاعدة الديمقراطية واحترام التعدد وصيانة حقوق الإنسان.

4-المواطنة والوحدة الوطنية
لقد اعتاد معظم المسئولون العرب، النظر دائما إلى الأقليات القومية والدينية والطائفية ليس باعتبار أفرادها مواطنين كاملي الأهلية في الحقوق وفي المشاركة في بناء الأمة، بل باعتبارهم أقل شأنا من غيرهم من المواطنين الآخرين. ولذلك كانوا، في أحسن الأحوال، يضعون لهم نسبا وحصصا تتناسب مع حجم تمثيلهم في عدد السكان. وفي الغالب كان يجري تجاهل هذه الأقليات ويغض الطرف عن استحقاقاتها.
وقد شاءت حقائق الجغرافيا والتاريخ أن يضم وطننا العربي، في معظم أقطاره أقليات تأخذ طابعا عرقيا في مكان واثنيا في مكان آخر، ودينيا في هذا القطر وطائفيا في القطر الآخر. وكان بالإمكان أن يكون ذلك مصدر إثراء وإخصاب للثقافة العربية، وأن يجعل من أمتنا واحة خضراء تزهو بكل الألوان. كما كان من شأن ذلك أن يجعل أمتنا متميزة في عطائها وإبداعاتها. إلا أنه نتيجة للحيف والجور وغياب الحقوق التي عانت منها تلك الأقليات فقد حدث خلل في العلاقة بينها وبين الأوطان التي تنتمي إليها.
وفي ظل هذا الخلل الفادح، نمت وتضاعفت صبوات تلك الأقليات للإنعتاق ولتثبيت هويتها الثقافية والقومية والدينية. وقد وجد بين القوى الخارجية التي تضمر الشر بالأمة العربية، قديما وحديثا، من هو على استعداد لاستثمار وجود تلك الصبوات ونوازع الإنعتاق، فأخذوا في تغذيتها، وقدموا الدعم المالي والسياسي وأحيانا العسكري وشجعوا تلك الأقليات على القيام بمحاولات انفصالية عن الوطن الأم، في بعض الأقطار العربية. وحتى لا يكون الكلام إغراقا في العموميات، نذكر بالمحاولات الجارية في شمال العراق وجنوب السودان، ومحاولات بعث لهويات مندثرة كالبربرية والفرعونية والفينيقية..
إن التهديدات والاعتداءات الجارية الآن بحق أمتنا، وفي المقدمة منها حرب الإبادة المستمرة التي تجري بحق الشعب الفلسطيني واللبناني، والعدوان اليومي على العراق، والتقارير التي تصدر من دوائر غربية مشبوهة، في واشنطن ولندن حول مشاريع خبيثة تستهدف إعادة تشكيل الخارطة السياسية للوطن العربي بشكل دراماتيكي وغير مسبوق منذ توقيع اتفاقية سايكس بيكو في نهاية الحرب العالمية الأولى، التي قسم بموجبها المشرق العربي حصصا بين البريطانيين والفرنسيين، ووضعت بلاد الشام تحت الانتداب البريطاني، مقدمة لتنفيذ المشروع الصهيوني في اغتصاب فلسطين، تجعلنا نطرح موضوع الوحدة الوطنية من جديد بشكل صريح، وبجرأة ترقى إلى حجم التحديات المصيرية التي تواجه منطقتنا، وفي المقدمة منها بلادنا العزيزة. فلم يعد مقبولا أبدا دس الرؤوس في الرمال، والتظاهر بأن الأمور تجري على ما يرام. كما لم يعد مقبولا التعويل على علاقات “استراتيجية” ثبت وهنها، بعد حوادث سبتمبر 2001، التي لم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل، مع عدو لا تتوانى ماكينة أعلامه وأجهزته العسكرية والإستخباراتية عن التهديد جهارا بحقدها وعدائها ونواياها الشريرة بحق ثقافاتنا وهويتنا ومعتقداتنا وحتى طريقة حياتنا.
لا بد في هذه المرحلة العصيبة والحاسمة من تاريخ أمتنا أن يصار إلى تسمية الأشياء بمسمياتها، وأن نكاشف شعوبنا بحقيقة الأخطار المحدقة بأمننا. فأمتنا أمام خطر حقيقي داهم. والشهور، بل ربما الأيام القادمة حبلى بالأعاصير والبراكين. ومن رأفة الخالق عز وجل بنا أن أعداءنا لم يأتونا غدرا، وإن لم يتورعوا عن الطعن من الخلف. بل جاهروا بعدائهم ونواياهم بحقنا. ولم يتركوا لنا عذرا لكي نتلكأ عن التهيؤ لمتطلبات المرحلة القادمة، والتي يأتي في المقدمة منها البحث عن عوامل القوة والوحدة والتماسك والصمود بين أبناء المجتمع الواحد، من أجل تفويت الفرصة على الذين يضمرون الشر لهذا الوطن وأهله. واستنفار روح الانتماء والهوية واستحضار المحفز من التاريخ ومختلف مقاومات الأمة وحيلها الدفاعية في نفس كل فرد. وصولا إلى الارتقاء بمفهوم الوحدة الوطنية إلى مستوى الانصهار والتوحد.
وفي كل الأحوال فإنه يجب أن لا يغيب عن الذهن أن تحقيق الوحدة الوطنية ليس تجميعا لكم مهمل وراكد، لا ينتج عنه أي فعل إيجابي، بل هو انصهار حقيقي وتفاعل خلاق ومبدع بين إخوة تجمعهم رابطة الانتماء إلى بلد ولغة ودين وهوية وقضية وآمال مشتركة، تجعل من وحدتهم سدا منيعا عصيا على الاختراق.
ومن المؤكد أن ترسيخ الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد يتطلب أولا التسليم بمفهوم المواطنة، بما يعنيه هذا المفهوم في المجتمعات المدنية المتحضرة، تتحقق فيه المساواة بين البشر، وينال فيه الفرد موقعه الاجتماعي ووظيفته عن طريق كفاءته وقدراته ونزاهته، وليس عن طريق موقعه في السلم ألمناطقي والعشائري والطائفي. لا بد من تأسيس مفهوم جديد للمواطنة يقوم على أساس استكمال بناء مؤسسات المجتمع المدني، والاعتراف بأهمية دور الفرد، واحترام الرأي والرأي الآخر. وأن يصار إلى ترسيخ قيم التسامح والتكافؤ والتكافل بين الجميع.
لسنا بحاجة إلى أن يذكرنا أحد من خارجنا بأهمية النظر في إعادة صياغة مناهجنا وتجديد هياكلنا وطريقة تفكيرنا بما يتناسب مع المرحلة التاريخية التي نعيشها. فذلك قانون حياتي وحتمي، عمل به أجدادنا من قبل، وجسدوه من خلال تجديد مناهجهم الفكرية والسياسية. وتمكنوا به أن يشيدوا واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخي الإنساني. ولم يكن صدفة أن يحتوي الكتاب الخالد، القرآن الكريم على ناسخ ومنسوخ، وأن يسن الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه تشريعات جديدة تمس المؤلفة قلوبهم وتجدد التشريعات القائمة فيما يتعلق بإقامة الحدود. وبالقدر الذي تطورت فيه دولة الخلافة واتسعت حدودها وانضمت أقوام جديدة لها بالقدر الذي نشطت وتجددت فيه حركة الفكر والأدب والفلسفة، مؤدية إلى بروز مذاهب فلسفية وفقهية جديدة.. وكان أن نتج عن ذلك تطور من الغنوص إلى العرفان ومن ثم إلى بروز علم الكلام، ودخول الفلسفة إلى السجال الذي قاده العلماء دفاعا عن الإسلام.
وقد شمل التجديد شؤون الأدب والفكر، فأصبحت هناك خصوصيات للفكر والأدب في صدر الإسلام وأخرى بالعصر الأموي وثالثة بالعصر العباسي وهكذا.. وشملت حركة التجديد مذاهب الفقه والأدب ومختلف الأنشطة الاجتماعية، مؤدية إلى تطور في حركة العلوم، وتأسيس لعلوم جديدة في الجبر والفيزياء والكيمياء والفلك.
وهكذا فإننا حين ندعو إلى حركة تجديد شاملة في مفاهيمنا، تشمل مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية فإننا لا نعمل ذلك تحت ضغط من أحد، بل نتجانس مع نواميس الكون وقوانين التطور. مستلهمين ذلك من مورثنا الخالد وسيرة أجدادنا العظام، وجوهر رسالة ديننا الحنيف إقتداء بالقول المأثور “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا”.
5-الوحدة الوطنية كيف نفهمها ؟

كثيرة هي المجالس التي أحضرها وأستمع فيها إلى أصوات كثيرة حولالوحدة الوطنية وأهمية المحافظة عليها خاصة في ظل التهديدات الكثيرة التي ظللنا نسمعها بين آونة وأخرى فالكل يريد أن يطمئن على وحدة ترابه الوطني وعلى قوة التلاحم بين أبناء المجتمع الواحد لأن الكل يدرك أن العدوان الخارجي يحسن استغلال الخلافات الداخلية والمتناقضات بين أبناء المجتمع.
هذا الشعور هو الذي جعل كثيراً من المثقفين يواصلون الحديث عن موضوع الوحدة الوطنية وتلمس الجوانب التي تدفع في اتجاه تقوية هذه الوحدة… أما أنا فقد كنت أحرص على الاستماع أكثر من حرصي على الكلام، كنت أريد معرفة كيف يفكر القوم وكنت في الوقت نفسه أردد: هل يمكن أن يتحقق شيء مما يقولون حول هذه الوحدة؟؟ أحد الزملاء أصر على أن أتحدث عن هذه القضية وأن أخرج عن صمتي الطويل وسألني، كيف نفهم الوحدة الوطنية؟!.
قلت له: قبل أن أدخل في صلب الموضوع يجب أن ندرك أن أعداء الأمة لا يفرقون بين مسلم وآخر فالمسلمون كلهم لديهم سواء، انظروا إلى إيران الشيعية وإلى سوريا السنية وإلى العراق التي تضم مذاهبمختلفة كل هؤلاء في ميزان واحد عند أعداء أمتنا، هؤلاء الأعداء عندما يقذفون قنابلهم على بلادنا العربية لن يفرقوا بين مذهب وآخر بل ولا بين دين وآخر ومن هنا وجب على الجميع أن يدركوا أنهم جميعا في سفينة واحدة فإن وضعوا أيديهم في أيدي البعض نجوا جميعاً إلا هلكوا جميعاً.
الأمر الآخر: أن من حكمة الله سبحانه أن قضى بجعل الناس مختلفين: مختلفون في أشكالهم ولغاتهم وأديانهم ولو شاء لجعلهم أمة واحدةمتساوين في كل شيء لكن حكمته التي لا نعلمها شاءت أمراً آخر ومن هنا وجب علينا أن نتقبل هذا الاختلاف وأن نتعايش معه لا سيما نحن أبناء الوطن الواحد… هذا التعايش يمكن تحقيقه في إطار الوحدة الوطنية، إذا ما عرف كل فرد في المجتمع أن حقه مصان وأن أحداً لا يستطيع التعدي على هذا الحق كائنا من كان… هذا الشعور يدفع كل فرد للارتباط الوثيق بوطنه ويدفعه للدفاع عنه بنفسه وماله وكل ما يملك… ويوم أن ينتفي هذا الشعور سنجد أن كل فرد يشعر بالظلم لا يفكر إلا في نفسه وفي كيفية دفع الظلم عنه ولا يفكر في وطنه وحمايته.
كثير منا يرددون قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وابنه، هذه الحادثة الرائعة التي جعلت قبطيا يسافر من مصر إلى المدينة لرفع مظلمته للخليفة وضد ابن أمير مصر آنذاك داهية العرب عمرو بن العاص… هل تظنون أن هذا القبطي لو لم يكن متأكدا من أنه سيحصل على حقه هل كان سيسافر كل هذه المسافة ويتحمل كل تلك المشاق؟؟ وينصفه عمر ويأمره بضرب ابن الأكرمين – بعد أن استدعاه من مصر مع والده – وبعد أن يقتص القبطي لنفسه يطلب منه عمر أن يضرب عمرو بن العاص معللا هذا الطلب بأن ابنه ما كان ليقوى على ظلم الآخرين لولا أنه متحصن بمكانة والده، هل رأيتم كيف تصنع العدالة، وهل تتوقعون ألا يخلص هذا القبطي لوطنه مع أنه لا يدينبالإسلام؟ كثير من الناس دخلوا الإسلام بسبب مواقف مشابهة لأن الناس – كل الناس – يعشقون العدالة ويتغنون بها، والذي قال إن العدالة أساس الملك لم يكن مغاليا في هذا القول بل هو محق فيه كل الحق فلا يمكن أن تستقيم حياة الناس بدون العدل… وأفهم من الوحدة الوطنية أن إعطاء الآخرين – كل الآخرين – حريتهم الفكرية أمر لا مناص منهأعرف أن هناك فرقا بين الحرية الفكرية وبين الفوضى وأعرف أن هناك فرقا ما بين الحجر على الأفكار وبين إطلاق هذه الأفكار على سجيتها، الحرية الفكرية كانت سمة بارزة من سمات مجتمعنا المسلم في أزهى عصوره كان مجتمعنا لا يضيق بآراء الآخرين بل يستوعبهاويحتويها ويرحب بها، كنا نقرأ أن كل أصحاب الديانات والمذاهب المتنوعة كانوا يجتمعون معا ويتناقشون ويتحدثون في قضاياهم الفكرية ثم يفترقون لم يكن بعضهم يضيق بالآخر ولم يكن بعضهم يكمم أفواه الآخرين، انظروا إلى تراثنا الضخم وتنوعه لتعرفوا كيف كان أجدادنا يحترمون الحرية الفكرية ويحترمون خصوصية الآخرين هذا الواقع هو الذي جعل جوستاف لوبون يقول: “إن العرب أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين… لقد كان اليهود والنصارى يتلاقون في تلك البلاد تحت ظلال الأمن والحرية “وإذا كان الإسلام لم يجبر أحدا على الدخول فيه وترك للناس حرية عبادتهم أفلا يسعه أن يترك للآخرين حرية معتقداتهم؟ انظروا إلى المعاهدات التي عقدها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أو خلفاؤه من بعده وانظروا كم هي رائعة… لقد تحدثوا بصراحة عن حريات الآخرين الدينية وأقروهم على دياناتهم وكنائسهم وكل ما يمت لفكرهم بصلة…
أفهم أن الوحدة الوطنية تقتضي منا أن نتحاور وأن يحترم بعضنا بعضا ولنا في ديننا وما فعله أسلافنا أسوة حسنة، فهذا قرأننا يقول: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن” وهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عندما سئل عن الخوارج – وكانوا يقاتلونه – أكفرهم؟؟ قال: بل من الكفر فروا قال تعالى: “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم”. بالحوار الهادف الهادئ يقترب بعضنا من البعض الآخر وبغيره تكثر المحن وتزيد الفرقة والبغضاء.
إن علماء المسلمين قد يمهم وحديثهم أكدوا على أن إعطاء الآخرين كامل حقوقهم إنما هو جزء لا يتجزأ من الإسلام، انظروا ماذا يقول أبو الأعلى المودودي رحمه الله، يقول: “يكون لغير المسلمين في الدولة الإسلامية حق الدخول في جميع الوظائف الحكومية إلا المناصبالرئيسية المحدودة ولا ينبغي أن يعاملوا بشيء من العصبية وسيكون للأهلية والكفاءة مقياس واحد للمسلم وغير المسلم وينتخب أهل الكفاءة من بين الطائفتين بلا تمييز بينهم من أية جهة “فإذا كان هذا القول جائزا في حق غير المسلمين فكيف بالمسلمين وهل يجوز بعد هذا أن نميز بين مسلم وآخر، ثم هل الكفاءة هي المقياس الذي نحتكم إليه عندالاستعانة بالمواطنين في الوظائف؟ إن من المعروف أن غير المسلمين شغلوا وظائف عديدة في الدولة الإسلامية ابتداء من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم من جاء بعده من الخلفاء ومعروف كذلك أن عمر بن الخطاب عين قضاة من غير المسلمين ليقضوا لأبناء دينهم كما أن كثيراً من أصحاب المذاهب أفتى بجواز الاستعانة بغير المسلمين فيالوظائف التي فيها مصلحة للمسلمين.
أقول: إذا كان كل هذا يجوز في حق غير المسلم فكيف سيكون شعور المسلم تجاه وطنه إذا رأى أنه لا يعطى حقه المشروع؟! إن من بديهيات المحافظة على وحدتنا الوطنية ألا يفضل شخص على آخر دون وجه حق وينبغي أن يتكاتف أبناء المجتمع الواحد على تحقيق مثل هذه العدالة كباراً وصغاراً، إن التهاون في مثل هذه المسألة سيكون كارثة حقيقية تصيب جميع أبناء الوطن دون استثناء. وإن متطلباتالوحدة الوطنية أن نقر بأخطائنا وأن نعمل سريعاً على تلافيها، المكابرة لا توصلنا إلى طريق آمن، كما أن التراخي في تحقيقها هو الآخر يجب أن نسعى معاً وبقوة على سرعة إزالته.
هكذا أفهم الوحدة الوطنية وهكذا أتمنى أن أراها فهل من أحد يشاطرني هذا الفهم؟؟.
6-هل للطائفي حقوق المواطنة ؟

هل الطائفي يقدم ولاءه وانتماءه للوطن؟… وبالنتيجة هل يمكن أن يدافع الطائفي عن حدود وطن لا تربطه به صلة الولاء أو الانتماء لأسباب الاختلاف الطائفي؟… وهل يمكن المحافظة على أمن وسلامة واستقرار الوطن من ممارسات الطائفيين؟… وتبعاً لكل ذلك، هل يستحق الطائفي حقوق المواطنة؟. للإجابة على هذه التساؤلات يجب التعرف على حقائق وثوابت حول الطائفية والطائفيين.
في الأصل إن الطائفية هي نقيض التساوي والمساواة في الحقوق والواجبات، لذلك اعتبرت الطائفية نقيضاً للوطنية. وأي تحديد أو تعريف آخر للطائفية يعد نوعاً من أنواع تجاهل العارف لما هو معروف، حيث أن كل المتحدثين عن الطائفية والممارسين لها على علم ومعرفة تامة بهذا التعريف. خلال العقود الخمسة الأخيرة أثبتت أحداث عالمية وإقليمية مختلفة إن الطائفية لم تعد نتاجاً لقصور أساسي في السياسات الداخلية لأي بلد، حيث يمكن حل مختلف جوانب القصور داخلياً وعلى المستوى الوطني عندما تنتفي المظاهر الطائفية في المجتمع ويتصرف أبناء الوطن الواحد تصرف المواطنين في وطنهمالحقيقي ويؤمنون أمنه وسلامته.
لذلك ثبت أن الطائفية في العقود الأخيرة هي نتاج لسياسات إقليمية ودولية تهدف إلى إلغاء الانتماء الوطني من خلال خلق ثقافة الانتماءوالولاء للمذهب والطائفة الدينية، بما تحمله هذه الثقافة من مفاهيم القدسية والروحانية المولّدة للعصبية والتطرف عندما يتم إدماجها بقضايا سياسية ومادية. فالطائفية في عرف هذه السياسات الدولية هي النواة التي يتم زرعها ليحصدوا دولاً ضعيفة وعاجزة تسعى فيها الطوائف لتقاسم الحصص وتوزيع الخيرات والمغانم فيما بينهم، كما هو حاصل اليوم في العراق والسودان والجزائر ولبنان وغيرها… وكما هو مخطط له ويعمل به في الخليج بشكل عام… لأن الانتماء الوطني، الواحد والمتساوي عند الجميع، لا يمكن أن يبرر أي نوع من أنواع الاستيلاء والتقاسم… لذلك تعد الطائفية عَرَضاً مرضياً، ولا علاقة لها بمبادئ الأديان أو الأخلاق… بل باقتسام الحصص والمغانم. ويخطئ من يعتقد بأنه يمكن المحافظة على الحد الأدنى من الأمن في الوطن، بإبقاء الممارسة الطائفية ضمن الإطار السياسي، أي بالحفاظ دون أن تتنقل تلك الطائفية إلى الإطار الاجتماعي، أي دون أن تنتقل إلى صعيد العلاقات الشخصية بين المواطنين، فتبقى علاقات الصداقة والزيارة والتعليم والانتقال والبيع والشراء وغير ذلك، دون أن يحمل كل شخص جهازا للإنذار المبكر لكي يستدل به إلى طائفة الشخص الآخر الذي يتعامل معه… لان استمرار الأمن، في ظل المجتمع الطائفي، لا يعود إلى القانون في هذه الحالة، بل إلى نوع من توازن القوى بين الطوائف أو إلى التسويات والصفقات السياسية، من مقاعد نيابية ووزارية وسواها… فإذا اختل توازن القوى لسبب ما، أو برز على الأرض واقع جديد يتنافى مع التسويات والصفقات المعقودة والتي لا يمكن أن تدوم إلى الأبد، كونها قائمة على سلسلة من الترقيعات لا على حلول جذرية، تبدأ الطائفية بالظهور بوجهها القبيح، مرة أخرى كعَرَض لمرض لا علاقة له بمبادئ الأديان والطوائف، فتبدأ المشاحنات التي تصل إلى درجة الحروب الأهلية كما حدث ويحدث في بعض تلك الدول التي ذكرناها.
إلى هنا، يمكن الإجابة على أسئلة المقدمة وهي، إن الطائفي لا يمكن أن يقدم ولاءه وانتماءه للوطن… ولا يمكن أن يدافع عن حدود وطن لا تربطه به صلة الولاء أو الانتماء لأسباب الاختلاف الطائفي، ولا يمكن لمن يمارس الطائفية أن يحافظ على أمن وسلامة واستقرار الوطن… وتبعاً لكل ذلك… لا يستحق الطائفي حقوق المواطنة.

7-المواطنة… بين مثاليات الجماعة وأساطير الليبرالية

تُعَدُّ “المواطنة” أحد المفاهيم الرئيسية في الفكر الليبرالي منذ تبلوره في القرن السابع عشر كنسق للأفكار والقيم، ثم تطبيقه في الواقع الغربي في المجالين الاقتصادي والسياسي في القرنين التاليين، وما ترتب على ذلك من آثار على الترتيبات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في القرن العشرين ثم مطلع قرننا هذا.
وإذا كانت الليبرالية عند نشأتها قد دارت حول فكرة الحرية الفردية والعقلانية وتقوية مركز الفرد في مجتمع سياسي قام على قواعد عصر النهضة على أبنية اجتماعية حاضنة وقوية، فإن مفهوم المواطنة قد تطور وتحوّر عبر مسيرة الليبرالية ليتركز حول خيارات الفرد المطلقة وهواه كمرجع للخيارات الحياتية والسياسة اليومية في دوائر العمل، والمجتمع المدني، والمجال العام، ووقت الفراغ، وليصبح “المفهوم المفتاح” الذي لا يمكن فهم الليبرالية وجوهرها دون الإحاطة بأبعاده المختلفة وتطوراته الحادثة المستجدة، حيث يستبطن تصورات الفرد، والجماعة، والرابطة السياسية، ووظيفة الدولة، والعلاقات الإنسانية، والقيم والأخلاق.
ا) عودة المواطنة
وقد شهد هذا المفهوم تغيرات عديدة في مضمونه واستخدامه ودلالته، فلم يعد فقط يصف العلاقة بين الفرد والدولة في شقها السياسي القانوني كما ساد سابقاً، بل تدل القراءة في الأدبيات والدراسات السياسية الحديثة على عودة الاهتمام بمفهوم “المواطنة” في حقل النظرية السياسية بعد أن طغى الاهتمام بدراسة مفهوم “الدولة” مع نهاية الثمانينيات، ويرجع ذلك لعدة عوامل، أبرزها الأزمة التي تتعرض لها فكرة الدولة القومية التي مثلت ركيزة الفكر الليبرالي لفترة طويلة؛ وذلك نتيجة عدة تحولات شهدتها نهاية القرن العشرين:
أولها: تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم، وتفجر العنف بل والإبادة الدموية، ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها عقيدة الحداثة من بلدان العالم الثالث بل أيضاً في قلب العالم الغربي أو على يد قواه الكبرى، بدءاً من الإبادة النازية لجماعات من اليهود، ومروراً بالإبادة النووية في هيروشيما، ومؤخراً الإبادة الصربية للمسلمين، والإبادة الأمريكية للعراقيين وللأفغان، والإبادة الجارية للفلسطينيين واللبنانيين.
وثانيها: بروز فكرة “العولمة” التي تأسست على التوسع الرأسمالي العابر للحدود وثورة الاتصالات والتكنولوجيات من ناحية أخرى، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية، وكلها مستويات شهدت تحولاً نوعياً.
وعلى صعيد آخر فإن نمو الاتجاهات الأصولية المسيحية واليمينية المتطرفة في البلدان التي مثلت مهد التجربة الليبرالية قد أدى إلى مراجعة المفهوم والتأكيد على محور يته لمواجهة هذه الأفكار وآثارها في الواقع السياسي والاجتماعي الغربي المعقد مع وجود أقليات عرقية ودينية منها العرب والمسلمون، هذا فضلاً عن وصول الفردية كفكرة مثالية لتحقيق حرية وكرامة الفرد إلى منعطف خطير في الواقع الليبرالي، بعد أن أدى التطرف في ممارستها وعكوف الأفراد على ذو اتهم ومصالحهم الضيقة إلى تهديد التضامن الاجتماعي الذي يمثل أساس وقاعدة أي مجتمع سياسي، وتراجع الاهتمام بالشأن العام لصالح الشأن الخاص، وتنامي ما يسميه البعض “موت السياسة” وبروز “سياسات الحياة اليومية”.
ب) نهاية التاريخ
والإشكالية التي تهم العقل العربي والمسلم في هذا الصدد هي أن الفكر الليبرالي لم يؤدِّ إلى تأسيس تجارب ديمقراطية في العالم الغربي فقط، بل يطرح نفسه الآن وبشكل شبه منفرد كبديل للواقع السياسي والفكري في دول العالم الثالث التي تشهد تحولاً نحو الديمقراطية، كما في أطروحة “نهاية التاريخ” وإعلان انتصار الليبرالية النهائي لباحث مثل فوكوياما، أو كطرف متماسك ومتجانس ومتقدم في مقابل حضارات أخرى (أو أدنى) في أطروحة مثل “صراع الحضارات” لهنتنجتون. فخيار المواطنة صار مثالية تروج لها الرأسمالية الليبرالية في الدول غير الغربية، ويتم تقديمها كحل لمشكلات الجنوب “على طريق التقدم” يرتهن بتحول الرابطة السياسية داخل مجتمعاتها من رابطة تراحمية عضوية أو قرابة – ريفية أو قَبَلية- إلى رابطة تعاقدية علمانية و”مدنية” للمواطنة؛ لذا فإن فهم دلالات “المواطنة” كرابطة تزعم أنها تجبّ روابط الدين والعرقية والأيدلوجية لَهُو أمر يحتاج مزيد تأمل وتقص، وتحريرا وتقويما، واختبارا في الواقع التاريخي بين النجاح والإخفاق.
ج) من المواطن الرشيد إلى المواطن المستهلك
لقد أدت التطورات السالفة الذكر التي شهدتها الساحة الدولية في العقود الأخيرة إلى تركيز بعض الدراسات على ظواهر وأحداث كان لها أكبر الأثر في تغيير مفهوم المواطنة ليشمل أبعادًا جديدة . فكتابات النظرية السياسية الليبرالية الأولى التي كان مفهوم العقلانية والرشد فيها مرتبطًا بالقيم المثالية والفلسفية ما لبثت أن تناولت مفهوم المنفعة بمعنى ذاتي/ نفسي ثم بمعنى اقتصادي/ مادي، وربطت في مجملها بين المفاهيم النظرية السياسية والرؤى الاقتصادية وهو ما أسماه البعض بالتحول من الديمقراطية الليبرالية إلى الليبرالية الديمقراطية بتقديم الاقتصادي على السياسي وغلبة المادية على الفكر الليبرالي. وما لبث الاقتصاد الليبرالي أن تحول من ليبرالية كلاسيكية تتحفظ على تدخل الدولة لليبرالية جديدة تؤكد على تدخل الدولة من أجل تحقيق الرفاهة في مجالات الأمن الاجتماعي. وهكذا صارت رابطة “المواطنة” منافع وحقوقا مادية محددة يطالب بها المواطن في مجالات الصحة والتعليم تهبط بالحقوق العامة السياسية لتفاصيل منافع مادية مباشرة، أي تم التركيز على الحقوق وليس الواجبات. ومن ناحية أخرى كان هذا يعني مزيدا من سلطة الدولة في الوقت الذي كانت تحولات الاتصال والعولمة ترشحها فيه للتآكل والذبول، فاستردت دورها في التوزيع السلطوي للقيم -المادية والمعنوية- وما لبثت أن بدلت هذا الدور شكلا في ظل تنامي الحديث عن الإدارة السياسية عبر الحديث عن الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني ورجال الأعمال، رغم أن سلطتها لا تقارن بالطرفين الآخرين، ونفوذها يخترقها على شتى المستويات.
وعبر تفاعل هذه المعطيات تحول مفهوم المواطنة لدلالات نفعية وذاتية فر دانية أعمق، كما صار مؤسساً على واقع معقد لا يثمر نتائجه المثالية الأصلية المنشودة بسبب وجود الدولة الطاغي، رغم تحول هذا الوجود نوعياً وتغير وجهه وتجلياته بما أوحى للبعض بضعفها أو تراجع دورها لصالح آليات السوق العالمي، وهو ظن غير دقيق.
هذا التناقض توازى أيضاً مع بروز تيارين متعارضين:
أولهما: واقعي، يرتبط بالتأكيد المتنامي على المصلحة المباشرة (الآن وهنا) ويهمش المثاليات الكبرى والمنافع الجماعية والمؤجلة (التي انبنت عليها نهضة الرأسمالية الأولى).
ثانيهما: تنويري، يتمثل في مناداة بعض الكتابات بإدخال البعد الأخلاقي في النظرية الاقتصادية، أي تجاوز الاقتراب الاقتصادي المادي النفعي لفهم السلوك الإنساني وتفسيره والتنبؤ به، واستعادة الأبعاد الإنسانية/ الاجتماعية/ الأخلاقية في النظرية والتحليل الاقتصادي، وهو ما يستلزم ربط مفهوم المواطنة عند تحليله بالأسئلة الكلية في الفكر الليبرالي، وأبرزها تصورات الفرد وتعريف السياسة وما يترتب على ذلك من تصور لطبيعة المجتمع السياسي. كذلك فإنه على الرغم من تناول العديد من الكتابات الليبرالية المعاصرة للتغيرات التي تتعرض لها المجتمعات الليبرالية في المجالات الاقتصادية والتقنية واستخدام مصطلحات جديدة تصف المجتمع والدولة في الواقع الليبرالي، مثل “مجتمع ما بعد الصناعة” أو “الدولة المتسعة” أو “الرأسمالية في شكلها الأخير” واختلاف مفهوم “القوة” في ظل التطور التكنولوجي والاتصالي وما لذلك من انعكاس على مفهوم السيادة -فإن الباحث نادراً ما يجد دراسة تقدم رؤية بانو رامية للتحول الذي تم وتفسره بدلاً من أن تكتفي بوصفه وحسب. ولعل من أبرز الكتابات باللغة العربية الرائدة في هذا الاتجاه كتابات الاقتصادي المصري الفقيد الراحل أ.د. رمزي زكي.
د) مساحات جديدة ومسافات فكرية واسعة
مع تنامي عولمة الرأسمالية وهيمنة الرؤى الليبرالية الجديدة لم يعد ما نحن بصدد ه عند الحديث عن المواطَنَة هو المفهوم البسيط، ولا بقي السؤال هو: مواطنة أم لا مواطنة؟ على غرار : نهضة أم تخلف؟ حضارة أم ضد الحضارة؟ (أسئلة اللحظة التاريخية الأمريكية الراهنة). الواقع أكثر تعقيداً من ذلك وهذه التصورات مضللة.. ومضلّة.
أي مواطنة؟ هذا هو سؤال اللحظة الوجودية الإنسانية الحقيقي: مواطنة تنويرية تحترم الفرد وتؤسس مجتمعاً يكتسب وجوده الجمعي من تجاوزه لقوى الطبيعة وتصوره الإنساني للإنسان، أم مواطنة رأسمالية مدنية ما بعد حداثية؟
مواطنة قانونية شكلية متساوية ذات بعد واحد، أم مواطنة مركبة عادلة اجتماعية ديمقراطية ثقافية في ظل مشروع حضاري إنساني؟
مواطنة تتحدث عن الحرية والمساواة والجسد السياسي والعدل والشورى، أم مواطنة تتحدث عن اختزال القيم السياسية في حرية الجسد وتفكيك المجتمع لصالح نوع ضد نوع أو ثقافة ضد ثقافة ونفي التجاوز في الإنسان والتاريخ، وإعلاء سياسات الجسد واللذة على الجسد السياسي والخير العام والقيمة الإنسانية؟
مواطنة في أي سياق مكاني؟ مواطنة التنوير والليبرالية في المدن الاجتماعية ذات الطابع الثقافي والمسافات الإنسانية، أم مواطنة المدن الرأسمالية العالمية السرطانية المعادية للمجتمع والقائمة على “التجمع” الذي يحسب حسابات الاقتصاد وتدويله قبل حسابات الهوية والجماعة والثقافة؟
ثم أخيراً، مواطنة التدافع من أجل الغايات الإنسانية والنفع العام والسعي في دروب التطور الاجتماعي التاريخي، أم مواطنة اللحظة المتخيلة في تفاعل الشبكة الاتصالية الفردي التي تعيد تشكيل الوعي بالذات والهويات والأنا والآخر والـ”نحن”، وتعيد تشكيل مفاهيم الزمن والمكان بدون محتوى اجتماعي تفاعلي كما عرفته البشرية، وتعيد تشكيل حدود الخاص والعام وتهدد مفهوم المواطنة في كل تصوراته السابقة؟
هذه هي الأسئلة وتلك مساحات الاجتهاد والجهاد.
8- المواطنة والفضاء السياسي
المواطنة لا تنجز إلا في ظل نظام سياسي ديمقراطي – تعددي، يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامته ويوفر ضرورات العيش الكريم. ولا يكتمل مفهوم المواطنة إلا في دولة الإنسان المدنية التي تمارس الحياد الإيجابي تجاه قنا عات ومعتقدات وأيديولوجيات مواطنيها
ثمة علاقة عميقة وجوهرية، بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة. وذلك لأن الكثير من مضامين المواطنة على الصعيدين الذاتي والموضوعي، هو بحاجة إلى فضاء سياسي جديد، يأخذ على عاتقه تحريك الساحة بقواها ومكوناتها المتعددة باتجاه القبض على المفردات والعناصر الضرورية لهذا المفهوم.
فالمواطنة كمبدأ ومرجعية دستورية وسياسية، لا تلغي عملية التدافع والتنافس في الفضاء الاجتماعي، تضبطها بضوابط الوطن ووحدته القائمة على احترام التنوع وليس على نفيه، والساعية بوسائل قانونية وسلمية للإفادة من هذا التنوع في تمتين قاعدة الوحدة الوطنية. بحيث يشعر الجميع بأن مستقبلهم مرهون بها، وأنها لا تشكل نفيا لخصوصياتهم، وإنما مجال للتعبير عنها بوسائل منسجمة وناموس الاختلاف وآفاق العصر ومكتسبات الحضارة. ولا يكتمل مفهوم المواطنة على الصعيد الواقعي، إلا بنشوء دولة الإنسان. تلك الدولة المدنية التي تمارس الحياد الايجابي تجاه قنا عات ومعتقدات وأيدلوجيات مواطنيها. بمعنى أن لا تمارس الإقصاء والتهميش والتمييز تجاه مواطن بسبب معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. كما أنها لا تمنح الحظوة لمواطن بفضل معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. فهي مؤسسة جامعة لكل المواطنين، وهي تمثل في المحصلة الأخيرة مجموع إرادات المواطنين.
لذلك فإن مفهوم المواطنة لا ينجز في ظل أنظمة شمولية – استبدادية، لأن هذه الأنظمة ببنيتها الضيقة والخاصة، تحول مؤسسة الدولة إلى مزرعة خاصة، تمارس الإقصاء والتهميش، كما تمنح الامتيازات بمبررات دون مفهوم الوطن والمواطنة.
فالدولة المدنية التي تحترم الإنسان وتصون كرامته، وتمنحه حرياته الأساسية، هي الحقيقة الموضوعية الوحيدة، التي تبلور مفهوم المواطنة، وتخرجه من إطاره النظري المجرد إلى حقيقة سياسية ومجتمعية راسخة وثابتة. فدولة الإكراه والاستبداد وممارسة القمع والتعسف، تجهض مفهوم المواطنة وتخرجه من مضامينه السياسية المتجهة صوب الموازنة الفذة بين ضرورات النظام والسلطة ومتطلبات الكرامة والديمقراطية. وكل الشعارات والمشروعات ذات الطابع التقدمي التي تحملها بعض السلط والدول، تبقى مجردة وفي دائرة الاستهلاك الإعلامي والسياسي بدون المواطنة التي تمارس حقوقها غير منقوصة وتلتزم بواجباتها دون مواربة. وعليه فإن مراعاة مصالح المواطنين والعمل على ضمان حقوقهم واحترام حرياتهم وصيانة كرامتهم، هو الذي يضمن الاستقرار السياسي، ويطور مستوى التفاهم والانسجام بين السلطة والمجتمع وتتبلور الإرادة الوطنية صوب القضايا الكبرى للوطن والأمة.
لذلك فإن المواطنة وفق هذا المنظور، هي قوام الحياة السياسية الفاعلة والسليمة. وحينما تجرد الحياة السياسية من مقتضيات ومتطلبات المواطنة، تتحول إلى حياة مليئة بالنزاعات والانقسامات وتكريس مضامين التخلف والانحطاط المجتمعي.
وذلك لأن المنابر الإعلامية ووسائط الثقافة في المجتمع، تشترك في عملية تفتيت مضمون المواطنة، عن طريق نشر ثقافة الكراهية والدعوة إلى المفاصلة والقطيعة مع بعض شرائح المجتمع. فينتشر التمزيق، وتتعاظم مظاهر التهميش وأشكال التمييز، وتهدد الوحدة الوطنية في أهم مقوماتها ومرتكزاتها ألا وهي المواطن. حيث أن تسميم المناخ الوطني العام، بثقافة التمييز والكراهية، ودعوات المفاصلة والتحريض الطائفي والقومي، تقلص إمكانية الاستقرار، وتحول دون توفر متطلبات الوحدة الوطنية. فالدولة التسلطية بصرف النظر عن أيدلوجيتها والشعارات التي ترفعها، هي التي تجوف مفهوم المواطنة وتفرغه من مضامينه السياسية والمجتمعية. لذلك هناك علاقة وطيدة بين مفهومي الدولة المدنية والمواطنة. إذ لا دولة مدنية بدون مواطنة كاملة تمارس كل حقوقها وتقدم بكل واجباتها الوطنية. كما أنه لا مواطنة مستديمة بدون دولة مدنية تسن القوانين التي تحمي قانون المواطنة ومتطلباته، وترفقه بالمزيد من الآفاق وأدوات الفعالية المجتمعية. فلا يمكن أن تتحقق مواطنة في ظل دولة تسلطية – استبدادية، لأن هذه الدولة ببنيتها القمعية، تلغي دور المواطن في عملية البناء وتسيير أمور الوطن. كما أنه لا يمكن أن ينجز مفهوم الدولة المدنية في مجالنا الإسلامي، بدون احترام مفهوم المواطنة وتوفير كل مستلزماته الذاتية والموضوعية.
فالعلاقة جد وطيدة بين مفهومي المواطنة والدولة المدنية، إذ كل مفهوم يستند على الآخر لاستمراره وتحذره في المحيط الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال يتطلب «تسريع الاتجاه نحو الديمقراطية الحقيقية والتعددية الفعلية والتنمية الشاملة في الدولة وبالدولة إن أمكن، جنباً إلى جنب، محو الأميات المتكاثرة، وتحرير الأبنية الثقافية السائدة من عقد الأتباع والتقليد، وتثو ير الوعي الاجتماعي. بما يؤكد معاني الحراك والمغايرة وحق الاختلاف، وتدعيم أسس المجتمع المدني بما يؤكد مفهوم المواطنة بكل لوازمه الحديثة وشروطه الإنسانية التي لا تفارق حرية الرأي والاجتهاد وحق الخطأ في الوقت نفسه ، وبالتالي هناك منظومة متكاملة من القيم والمبادئ، التي تكرس مفهوم المواطنة في الواقع الاجتماعي. ومن هذه المنظومة الديمقراطية والحوار والتسامح وحقوق الإنسان وحرية التعبير والانتماء. فكلها قيم ضرورية لإرساء مضامين المواطنة. أي أن توفر هذه القيم، هو الذي يؤدي إلى إنجاز مفهوم المواطنة. وبمقدار غياب هذه القيم أو بعضها، بذات المقدار يتم انتهاك مفهوم المواطنة.
وهذا يدفعنا إلى القول: إن المواطنة لا تنجز إلا في ظل نظام سياسي ديمقراطي – تعددي، يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامته ويوفر ضرورات العيش الكريم. وعليه فإن الاستقرار السياسي والمجتمعي في المجالين العربي والإسلامي بحاجة إلى توفر العناصر التالية:
1- المواطنة التي تمارس دورها في الشأن العام بدون خوف أو تردد.
2- مؤسسات المجتمع المدني، التي تأخذ على عاتقها استيعاب طاقات المجتمع وتبلور كفاءاته وقدراته، وتساهم في معالجة المشكلات التي يمر بها المجتمع.
3- الدولة المدنية التي تجسد إرادة المواطنين جميعا، ولا تميز بين المواطنين لدواعي ومبررات ليست قانونية وإنسانية. فهي دولة جامعة وحاضنة لكل المواطنين وتدافع عنهم، وتعمل على توفير ضرورات معيشتهم وحياتهم. فالأوضاع العربية والإسلامية، بدون هذه العناصر، تعيش التقهقر والمزيد من التراجع والانهيار على الأصعدة كافة. لذلك فإن الجهود العربية والإسلامية اليوم، ينبغي أن تتجه إلى توفير كل مستلزمات تجسيد هذه القيم والوقائع في المجالين العربي والإسلامي.
ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن غياب مبدأ المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية عن واقعنا العربي والإسلامي، ينذر بتطورات كارثية على المستويات كافة. ولا خيار أمام النخب السياسية السائدة، إذا أرادت الاستقرار لأوطانها، إلا الانخراط في مشروع الإصلاحات السياسية والوطنية، المتجهة صوب إرساء دعائم المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية الملتحمة في خياراتها الاستراتيجية مع خيارات مجتمعها، والساعية نحو إزالة كل رواسب الدولة التسلطية من واقعها ومؤسساتها وهياكلها المختلفة. وحده الإصلاح السياسي الحقيقي، هو الذي يوقف الكوارث القادمة وعلى كافة الأصعدة.
9- التربية المدنية و المواطنة الجيدة

مع انتشار الاهتمام بالديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، صار الحديث حول التربية المدنية يأخذ الأولوية كأساس لهذا الانتشار ليس في المفهوم فقط وإنما على المستوى السلوكي اليومي لأفراد المجتمع وخاصة الناشئين المنخرطين في المدارس لأنهم اللبنة الأساسية لبناء مجتمع صحي.
وما نقصد بالتربية المدنية هو ذلك النشاط الذي يعتمد على المشاركة الفاعلة بين المدربين والمتدربين من جهة ، وبين المتدربين أنفسهم من جهة أخرى، حول أحداث ومشاكل وأنشطة مجتمعهم والسياسة العامة لحكوماتهم خارج وداخل المدرسة والتي لها علاقة بحقوق وواجبات المواطن باتجاه تطوير مواطنتهم وانتمائهم من خلال غرس قيم وسلوك حقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح والقبول بالآخر ونبذ العنف وصيانة كرامة الإنسان والتعود على المشاركة ، والعمل الجماعي والتواصل ، والعدل ، والحق، والجمال في إطار حقوق وواجبات المواطن
فأنشطة التربية المدنية هي نقيض ما هو متبع من تلقين حيث أنها تقوم على تشجيع روح المبادرة والإبداع الحر. وهي ليست مفاهيم وقيم ومكونات جامدة وإنما هي طريقة ونهج تعتمد على الممارسة والنقد الحر وهي بهذا تكون من أولويات الاحتياجات للدول ذات الديمقراطية الناشئة.
ومفهوم التربية المدنية يعني المواطنة الجيدة ، وهذا المفهوم يهتم بخلق مواطن منفتح على الحضارات ، متفاعل مع الأحداث المحيطة به محليا ودوليا، يحترم جميع الآراء ، ومبادئ حقوق الإنسان ، يعمل على غرس التسامح والسلوك المدني وإرساء دعائم الديمقراطية ، يعزز قدرة المدربين والمتدربين على المبادرة ، والفعل على المواطنة الجيدة وتحمل المسئولية، كما يعزز العلاقات بين المواطنين من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى ، ويهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد مواطنين مساهمين ومسئولين وفاعلين في النظام والعملية الديمقراطية بمفهومها الشامل.
والحديث عن مجتمع مدني يعتمد الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمكن تحقيقه إلا إذا ارتبطت المدرسة ارتباطا وثيقا بمنهجها التعليمي وأنشطتها وطريقة التعليم فيها بما يحقق إنشاء هذا المجتمع المدني وتطويره .
1) الأهداف العامة لبرنامج التربية المدنية

  • المساهمة في تطوير مناهج التربية والتعليم.
  • تدريب المعلمين والطلبة على مبادئ المواطنة والديمقراطية .
  • المساهمة في تطوير الوعي بين التربويين وصناع السياسة التربوية .
  • تنمية العلاقة مع وسائل الاعلا م .
  • نشر المفاهيم حول المواطنة والديمقراطية .
  • القيام بأبحاث ودراسات حول التربية المدنية .

2)- أهداف الدورة التدريبية للمعلمين

  • تقييم محتوى وأسلوب ومنهجية التعليم من خلال مبادئ ومفاهيم أسس الديمقراطية.
  • تحليل الدروس الفردية وأسلوب تطبيقها خلال التعلم في الصف .
  • تطبيق أسس الديمقراطية في الصف .

3)- أهم المواضيع التي سيتلقى المتدربين

  • مفهوم التربية المدنية ومشروع المواطنة .
  • نقاش خصائص المواطن الفاعل.
  • السياسة العامة مفهومها وآليات عملها.
  • عرض خطوات مشروع المواطنة .
  • نقاش وعمل المجموعات لاستخلاص أهم المشكلات .
  • تحديد المشكلة وأولويتها.
  • مصادر الحصول على المعلومات.
  • خصائص الطلبة النمائية والمعرفية.

10- الوطنية في ظل العالمية
إن التعارف والتفاعل الحضاري هو سنة هذا الكون ” لتعارفوا”. وإذا كانت المعرفة على المستوى الشخصي تنمِّي في الإنسان عدداً من المواهب والأفكار والقدرات المختلفة، فإن ذلك يصح على المستوى المجتمعي والدولي.
وإذا كان بعضهم ينادي بأنه ليس من الملائم الآن السعي إلى الانغلاق في الوقت الذي تتجه فيه الدول نحو الانفتاح على بعضها، فهذا من حيث المبدأ صحيح..، لكنه من حيث الواقع يحتاج إلى تقدير الانفتاح ومر حليته ومستواه ومتطلباته وآثاره. كل ذلك من أجل اغتنام إيجابياته “فرصه” وتجنب سلبياته “مخاطره” .والدعوة إلى الانفتاح العالمي لا تعني القفز على الواقع المحلي..، فالتفكير في العالمية يحتاج إلى معرفة واقعنا وقدراتنا وإمكانياتنا المحلية.
وفي هذا السياق فمن الجميل أن يكون الإنسان عالمي التفكير محلي التصرف كما هي مقولة ( فكِّر عالمياً وتصرف محلياً) ” فلا انفتاح يجلب ما لا قبل لك به ولا انغلاق يحرمك مما لابد لك منه”.
وفي شأن الحركة العالمية المعاصرة التي تعرف بالعولمة، تعرض عدد من الدراسات إلى مظاهر للعولمة تتأثر بها مختلف جوانب حياتنا.
فالعولمة السياسية تعني – كما يعرض الباحثون – إطلاق الحريات والمشاركة السياسية وتعميق معنى الديمقراطية. والعولمة الثقافية تؤكد على انتزاع معنى الخصوصية إلى رحاب الثقافة العالمية بأدبياتها المختلفة سواءً في محيط الأفكار وصناعتها أو في تناولاتها.
والعولمة التقنية والإعلامية تتضح من خلال ما يعيشه العالم في ثورة الاتصالات وتبادل الصور والمعلومات حية على الهواء في مختلف بلاد العالم حيث سهولة الحصول على المعلومة والمشاهدة والخبر.
والعولمة الاقتصادية تعني فسح الفضاء العالمي لحركة الاقتصاد وتبادل الموارد والمصالح وتهميش العوائق التي تحول أو تعوق هذه الحركة..حتى سلطة الدولة.
ويشير القصيبي (2002) إلى أنه حتى عهد قريب كانت أي دولة تستطيع الاحتماء خلف سيادتها عما يدور في العالم من متغيرات لا تروق لها..فتصادر الكتاب الذي لا يعجبها وتشوش على الإذاعات التي تزعجها..إلا أن السيادة لم تعد تلك القلعة الحصينة “الآن” كما كانت من قبل..إذ تفرض المنظمات الدولية قواعد ومناهج للسلوك لا تستطيع أي دولة الخروج عنها!!.
وكل هذه الأشكال – وغيرها – من مظاهر العولمة تدفع إلى خلق عولمة “قيمية” تتدافع وتساعد مختلف الظروف لتكريسها وتربيتها في الأجيال لتنتج كما هو “مطلوب” سياسة بلا حدود، وثقافة بلا حدود، واقتصاداً بلا حدود وأخيراً – كمحصلة – “إنساناً بلا حدود” …إنساناً عالمياً يتناسب ويتفاعل والظاهرة العالمية “العولمة”.
إن هذه الحقائق والمظاهر المذكورة، مركزية جداً لا لفهم الظاهرة العالمية ومرتكزاتها فحسب،بل لفهم الأدوار المنوط بها أولاً ولتشخيص الوساطة التي تتم بين مكوناتها – الشركات والمؤسسات العالمية – لتشكيل عالمية المستقبل ثانياً.
ومن هنا فالتعامل “الواضح معها” يحتاج إلى تصور “واضح لها” يعمد إلى فهم آلياتها وجوانب أثرها وتأثيرها.
وحينما يقف المجتمع “المحلي” على تصور واضح لطبيعة الظاهرة يمكن أن يتعامل معها بمستوياته المختلفة تعاملاً متزناً وبناءً. ومن هنا فالاندماج أو الانعزال، كخيارين لا ثالث لهما لا يعكس بالضرورة الخيار الأمثل للمرحلة التي نعيشها،…ذلك أنه يمكن استخدام كلٍّ من التوجهين في “الساحة والمساحة المناسبة” وفق المنظومة الثقافية المكونة للمجتمع ومسلماته.
ومن أجل أن نربط بين الكيفية التي يجب أن تتعامل معها ذاتنا (أي شخصيتنا الوطنية) مع غيرنا يتأكد النظر إلى أمرين مهمين هما:
أولاً: أن نعرِّف ذاتنا ومن نحن مشخصين هذا المعنى في مقابل العلاقة مع الآخر.
ثانياً: العلاقة مع الآخر في سياق الحركة الحضارية المعاصرة.
وإذا كان جوهر حقيقتنا هو أننا متعبدون لله ومستخلفون لعمارة الأرض فإن هذه الحقيقة تفرض علينا منطلقات “ثابتة” لا يمكن الحياد عنها مهما اختلف الزمان والمكان. ومن هنا فالذي يحمل هذه الحقيقة أنّى وُجد فإنه مطالب بتجسيدها دون خلل أو خجل. وإذا كان بإمكان الإنسان أن يغيّر من ( هَويته بالفتح) أي بطاقة تعريفه أو جنسيته لظروف زمنية أو مكانية فإن (هُويته) بالضم أي عقيدته لا تقبل ذلك إلا إذا غير الإنسان حقيقته. وهنا نجد التكامل بين ما هو وطني بحت ( أي جنسيته) وبين ما هو ديني ( أي معتقده). إذ مهما اختلف الزمان والمكان لأي ظرف كان فإن الإنسان الصالح هو مقصد الإسلام.
وإذا ما تحدثنا عن هذا “الثابت” الذي نحتاج إلى تقريره وتعميقه في النفس والمجتمع فمن المهم التأكيد على أننا نحمل:
هُـوية = بيـّنـة، ثابتـة، وحركـية
وبينة أي واضحة المعالم لا لبس فيها ولا غموض عقيدة وشريعة. وثابتة إذ ترتكز على معالم وأحكام سماوية لا تقبل تشويه الإنسان في أي زمان ومكان. وحركية، إذ لا تقبل الجمود فهي هوية فاعلة ومتفاعلة مع الزمان والمكان عطاءً واكتساباً.
وهذه الصورة من البيان والوضوح لا تترك مجالاً للخلط ولا للشك ولا للذوبان، ولو أن فيها من القابلية لأحد هذه المعاني لانتهت منذ قرون.
ومما تفرضه علينا ميزات هذه الهوية في هذا العصر الذي نعيشه أنها مع الثبات تتطلب التثبت فلا تستعجل بالرفض لعدم الألفة، ولا تنساق منبهرة دون روية.
وقد كان لهذه العقيدة الموحدة أثر بالغ في مسيرة التاريخ العربي الحافل بأحداث كان لها أثر كبير في لملمة شعت قبائل متناثرة في محيط الجزيرة العربية انعكس بالتأكيد على روح أخوية وطنية ينتمي إليها شعوب العالم العربي. ومما يعزز من تعميق معنى الهوية الوطنية للعرب انتماؤهم لتاريخ واضح صنعوه بأيديهم ودمائهم، ولم يصنعه له غيرهمكل ذلك تحت مظلة شريعة الإسلام التي كان لها الأثر الكبير في تحقيق هذه الوحدة.
وعلى ذلك يمكن القول بأن مكونات الوطنية للمجتمع العربي تتمثل في:
أولاً: وحدة العقيدة، حيث يدين المجتمع العربي بالإسلام.. ويشكل هذا الدين الرابطة المهيمنة على مختلف أنظمة المجتمع وتوجهاته. ولذلك فالرابطة الدينية – في تقديرنا- تعد اللاعب الأكبر في تحقيق الاستقرار والتآلف الوطني. ولعل التاريخ في سابقه ولاحقه يؤكد مدى العمق الذي لعبه ويلعبه الدين في مسيرة الوحدة الوطنية في العالم العربي.
ثانياًوحدة التاريخ، حيث يتميز المجتمع العربي بانتمائه لتاريخ واحد أسهم جميع أبنائه في صناعته، ويقف خلف صناعة هذا التاريخ وتوحيده مؤسس الكيان العربي الحديث الجامعة العربية.
ثالثاًوحدة الثقافة واللغة، وهنا فلا يعيش المجتمع العربي إشكالية أقليات عرقية تنتمي إلى بناءات ثقافية مختلفة، بل يتميز المجتمع بوحدة ثقافية ولغة واحدة أسهمت وتسهم في تجانس المجتمع العربي وترابطه.
كل هذه المكونات (الإرث المشترك) تنتظم جميعاً لتصوغ شخصية الإنسان العربي مشكِّلة شخصيته الوطنية التي هي جزء من هويته العقائدية.. والتي إن اشتركت مع غيره من المسلمين في المكون العقائدي فهي تتميز بخصوصية الموطن الذي تأوي إليه أفئدة المسلمين في أقطار الأرض خمس مرات يومياً مما يزيد هذه الشخصية عبءَ تحمل هذه الخصوصية الفريدة للوطن العربي.
ولذلك فجوانب تعزيز هذه المنظومة المشتركة تحتاج منا إلى تأكيد في المادة الإعلامية والمناهج الدراسية والكتابات والمحاضرات الثقافية بل والتربية الأسرية.
والنتيجة التي نحتاج إلى أن نتوقف ملياً عندها أمام هذا العالم سريع المتغيرات أننا ونحن نعيش هذه المرحلة التاريخية تحديداً نحتاج إلى وعي بقيمنا وذواتنا وما يدور حولنا لأن ذلك كله ينعكس على دورنا ومستقبلنا المبني- شرطاً- على اتساق داخلي أكبر على مختلف المستويات لكي نعمل جميعاً وفق أهدافنا وأولياتنا، وبالتالي يمكن أن نتعالى سوياً على التحديات خارجية كانت أم داخلية. ولن يكون ذلك متاحاً إلا بالشعور بالساحة المشتركة لمكونات المجتمع وعناصره سواءً أكانت مادية أو معنوية.
إن تشكيل الفكر الوطني لا يتم بمنأى عن أثر المتغيرات العالمية المتنوعة وتأثيرها. وبالتالي فالأخذ بالاعتبار للبعد العالمي ومدى تأثيره بل وتكييفه ما أمكن ليخدم التوجهات المحلية هو محكّ دقيق وحساس لا للنجاح فقط في الحفاظ على الوطنية بل في تنمية معنى الفعل فيها والتفاعل معها بما يخدم المصالح العليا للوطن ،ذلك أن التقصير في هذا المنحى يهيئ النفس للاستجابة والاختراق من قبل صناع التوجهات الأجنبية.
وإذا كان عدد من الباحثين يخشون من أن التباطؤ في الانفتاح يشكل عائقاً سلبيا خشية تخطّي العولمة دولنا وبالتالي نحتاج إلى خطوات أكثر سرعة للحاق بها، فإن التأنّي “المدروس” أولى من التسرّع “المهووس”. وإذا كانت حدّة الضغوط وقوتها وأثرها وتأثيرها من قبل المؤسسات والشركات العالمية تختلف باختلاف مدى القوة ومستواها لأي بلد فإن التكامل العربي سوف يعكس وجها آخر في تكييف المدخلات وكفاءة المخرجات وبالتالي أصبح مشروع التكامل ضرورة لا خياراً في هذه المرحلة، هذا من ناحية إنعاش القوة على المستوى الثقافي الفكري أو الاقتصادي في مقابل التأثيرات العالمية المتنوعة. ولأجل تجسيد هذا المعنى على المستوى العربي فإن عدداً من الدراسات تؤكد على أهمية الآتي:
أ- بناء القدرات العلمية وتطوير البحث وتشجيع الإبداع وتوظيفه ليخدم مجال الثقافة والصناعة والزراعة وأوجه الحياة المختلفة.
ب- تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك، وإعطاء التعاون العربي/العربي الأولوية على غيره.
ج- قيام منطقة عربية كبرى للتجارة الحرة.
د- منح المشروعات العربية المشتركة تسهيلات وميزاً تفضيلية.
هـ- تنسيق الجهود وتفعيلها للارتقاء إلى مرحلة السوق العربية المشتركة.
وإذا كانت أوربا قد نجحت في تحقيق وحدتها الاقتصادية فإن العرب يملكون أرضية أكثر تقارباً وسهولة لتحقيق ما هو أكبر من ذلك حيث يجمعهم الآتي:
– وحدة الأصل والمنشأ
– اللغة الواحدة
– التاريخ المشترك
– الاتصال الجغرافي
– الوحدة الثقافية
– الدين الإسلامي
وكل هذه المعاني والآليات لها أثرها الفاعل في تعزيز الثقة في القدرات الذاتية والتي تنعكس حتماً على قوة وقدرة هوية الوطن ومواطنيه وتنميته وتطويره. ذلك أن المنطق يقول إن المنفعة المشتركة تخلق فعلاً مشتركاً، وأين نحن من هذا ” معشر العرب”.
وعملية تكامل الدول هنا خصوصاً العربية والإسلامية وتشجيع التكثلات فيما بينها يعين على تشكل قوة سياسية واقتصادية – وثقافية – أكبر في مواجهة هذه التحديات ، ومن ثم تتغير لغة الخطاب والتعامل – من قبل الشركات أو دولها- من لغة “القوة” إلى لغة “الموازنة”.
هذا لا يعني بالضرورة أننا من أنصار التنفير أو التبشير بالعولمة لكننا نحاول من خلال طرحنا – وذلك الهدف كله- استقراء ما يمكن أن يفيد واقعنا محليا وعربيا بل وعالمياً على السواء في ضوء الهوية التي ندين بها وهي في الأصل أساس وجودنا ومنطلقه.
وحينما تختلف الرؤى – وبشدة أحياناً – حول ما يمكن أن يفيد وما يمكن أن يضر!! في مسيرة التنمية الشاملة يتأكد هنا تحرير موضع الخلاف، والقراءة العلمية الموضوعية للوقوف على الحقيقية ما أمكن!.
ومن أجل توضيح وتجسيد هذه الإشكالية نقول في تحرير التجارة –على سبيل المثال – هناك من يعتقد بأنها سوف تزيد من حدة فقر الدول “الفقيرة” في الوقت الذي تزيد من غنى الدول “الغنية”. في حين أن آخرين يرون بأن تحرير التجارة سوف يساعد على مواجهة حالات الركود والكساد الاقتصادي وتزيد من الرفاهية الاقتصادية لدول العالم “المتقدم” منها و” النامي” على حدٍّ سواء.
ومن هنا فالاتجاه إلى النظرة التحليلية “التفصيلية” فيما يفيد، وما لا يفيد ونسبة أو نسبية كل منها وأثره المعتمدة على البرهان والتجربة، هو الأجدر بالنظر والتأمل والمتابعة… ذلك أن الخيارات التقليدية (مع أو ضد) هي هروب من أو تقصير في بذل الجهد للوصول إلى الحقائق التفصيلية (وذلك ما يفرضه واقعنا المعاش).. ولإيضاح هذا المسلك “المهم” في الأخذ والرد، نعرض إلى دراسة البنك الدولي تحت عنوان “الدولة في عالم متغير” حيث تؤكد الدراسة بأن التنمية التي بنيت على سيطرة الدولة قد فشلت، كما فشلت أيضاً التنمية التي ينقطع فيها دور الدولة (1998). ومن هنا يبرز تساؤلنا واستفهامنا ومسلكنا الذي نريد إتباعه،…إلى أيّ حدّ يمكن أن يكون تدخل الدولة فعالاً ومفيداً والعكس؟..وذلك يصح في شؤون المجتمع المختلفة.
ويثبت التاريخ بأن الحكومة الجيدة ليست من قبيل الترف سواءً في الاقتصاد أو الثقافة أو الفكر.. ويشير باحثون بأن الدولة ضرورة حيوية ذلك أنه بدون دولة فعالة يتعذر تحقيق التنمية المستدامة في جوانبها المختلفة. ومن هنا فالمناداة بتهميش دور الدولة فيما يبدو لا يخدم كلاً من مصلحة العمل الخاص والعام – والعكس صحيح – الذي ينعكس على مصلحة المجتمع وتنميته وتطويره والحفاظ على هويته.
وعلى كل الأحوال فإن عدداً من الكتاب يرون بأن دور الدولة – وإن قلّ – فلن ينتهي أبداً. ويؤكد أحمد عبد الرحمن (1998) بأن الشعور القوي والوطني يتضحا لدى الصينيين واليا بانيين الذين يتوجسون بأن أمريكا تريد أن تمنع بروزهم كقوى عظمى، ولذلك فأكثر الكتب مبيعات عندهم هي الكتب التي تقول “لا” للأمريكيين. وهنا يمكن وصف أنصار زوال الوطنية وحدود الدولة الفعلية بأنهم حتميين أكثر مما ينبغي.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا،أن طبيعة تكوين الدولة وتشريعاتها وبناءها الثقافي والاجتماعي يلعب دوراً كبيراً في معدل الانتماء لها قوة وضعفا.ً وبالتالي فتعميم آثار العولمة وكأنها قوانين تصح على كل مجتمع و دولة يثير كثيراً من التساؤلات والشكوك.
ولكي تلعب الدولة دوراً متزناً مع الواقع المعاش يرى عبد الجبار(2000) بأنه لابد من تحقيق شرطين أساسيين هما:
أولاً: أن يتناسب دور الدولة مع قدراتها.
وثانياً: رفع قدرات الدولة بتنشيط مؤسساتها العامة.
وعلى هذا فإن الوظيفة الأولى للدولة هي القيام بالمهام الآتية:
(أ) تطبيق القانون على أساس قوي.
(ب) تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي.
(جـ) الاستثمار في الخدمات الاجتماعية الأساسية والبنية التحتية.
(د) حماية الفئات ضعيفة الإمكانيات.
(هـ)حماية البيئة.
كما يأتي ضمن هذا الإطار اعتماد الدولة الجاد من خلال أنظمة واضحة لقضايا التعيينات والترقيات الوظيفية المعتمدة على الكفاءة والشهادة والخبرة والتقويم المستمر.
ولعل ابرز ما يمكن أن تقف خلفه الدولة لتعزيز فكر الوطنية وممارسة المواطنة في المجتمع ” تحقيق مبدأ المساواة بين المواطنين”.. والمراد هنا كما يشير النبهان (1988) تلك المساواة التي تتضمن الآتي:
1- المساواة في المنافع الاجتماعية: بمعنى التمتع بالحقوق وعدم التفاوت فيها.
2- المساواة أمام القضاء: فالجميع متساوون في نظر القضاء تحت سيادة الشريعة.
3- المساواة أمام القانون: فلا امتياز لحسب ولا نسب أمام أنظمة الدولة.
4- المساواة في تولي الوظائف العامة: فكل مواطن يستطيع تولي أي وظيفة حسب مؤهلاته وقدراته.
5- المساواة في التكاليف المادية: والمعنى أنه كما أن للمواطن حقوقا محفوظة فعليه من الواجبات المادية التي يدفعها للدولة نظير خدمات يتمتع بها كغيره من المواطنين تحقيقاً لمبدأ ” الغنم بالغرم”.
ومع كل هذا ” فاستشعار “الكل” – فرد، مجتمع، دولة – لمسئولياته، وتوظيف “الكل” كل حسب قدراته وإمكانياته لخلق مواطنة فاعلة ولتحقيق تنمية شاملة ومستدامة هو الطريق العلمي والحضاري لتحقيق التكامل المطلوب ودفع العملية الوطنية كما هي العالمية..إذ تسير (آلياً) دونما حاجة إلى سياسات ضاغطة تجبرها على ذلك”..
نخلص مما سبق طرحه بأن الحركة العالمية (العولمة) والمحلية (الوطنية) بحاجة إلى أن يعي كلٌَ منها الآخر، ذلك أن محاولة إلغاء الخصوصيات وتطلعات المجتمعات لن تفلح في استدامة مفهوم حركة التفاعل الحضاري.
وإذا ما أريد من الظاهرة العالمية أو التفاعل الحضاري(تحت آلية العولمة) إقصاء أو إلغاء الآخر أياً كان -نحن أو هم- ففي ذلك مخالفة لسنة الحياة الجارية وبذلك تعطيل لمعنى التفاعل الحياتي الذي نقصده ونتبناه.

11- المستخلص العلمي والعملي للمواطنة والوطنيـة :

إلى هنا نستخلص عدداً من التوصيات العلمية والعملية التي يمكن أن تلعب دوراً فاعلاً في تعزيز الوطنية وتنميتها.. نجملها في عدد من الأفكار العلمية والتوصيات العملية.
Iالمستخلص العلمي :
أولاً: إن عدم القدرة على إعطاء معنى “للانتماء” وعدم وجود إطار قيم ينتظم من خلاله المجتمع يفرز حالة من التشتت والتفلت المرضي. ولذلك ففقدان القواعد المشتركة لعيش حياة مشتركة تنتج مجتمعاً محلياً تائهاً تتآكل فيه الثقة وتزداد فيه فيروسات أهواء الفردية والاستبدادية والانعزالية… وذلك ما يقوض معنى “المواطنة” الحقة.. بل إن النتيجة المتوقعة كما يراها قراء الاجتماع الإنساني لهذا الواقع المتردي هي انشغال الناس وخصوصاً شبابهم بالسعي اليائس بحثاً عن معنى للانتماء تنتهي بهم – أحياناً – للخضوع إلى أشكال من العصبيات والتطرفات الموغلة في الغرابة. وإلى ذلك كله فإن لغة المواجهة يجب ألاَ تغيب عن حساب المسئولين وذوي المبادئ بأن الغفلة عن حمل هموم الناس تفرز متناقضات سلوكية واجتماعية وتفرز – مثلها بالضبط – المطالبة بتقديس الحرية الذاتية غير المتزنة.. وبين هذا وذاك تضيع ” لغة المصلحة الوطنية “.
ثانياً: أننا ونحن نعيش هذه المرحلة التاريخية تحديداً نحتاج إلى وعي بقيمنا ودواتنا وما يدور حولنا لأن ذلك كله ينعكس على فكرنا ودورنا ومستقبلنا المبني- شرطاً- على اتساق داخلي أكبر على مختلف المستويات لكي نعمل جميعاً وفق أهدافنا وأولويتنا، وبالتالي يمكن أن نتعالى سوياً على التحديات خارجية كانت أو داخلية. ولن يكون ذلك متاحاً إلا بالشعور بالساحة المشتركة لمكونات المجتمع كله.
والمعنى هنا أن نتأكد بأن ما نقوم به على مستويات مسؤولياتنا يتسق ويخدم المعاني والأدوار التي نتطلع لها سويا وعلى رأسها تحميل المسؤولية أهلها (جانب الأمانة) وتهيئة البيئة العلمية/العملية(جانب الأداء).
ثالثاً: نود القول بان أي جهد من مجتمعنا على أي مستوى كان إذا لم يعط من الصلاحيات والإمكانيات ويهيأ له من القدرات ما يمكنه من أداء دوره وبتميز فإن ذلك/وفي ذلك مدخل لغيرنا علينا بأننا قوم لا نحسن القيادة ولا الريادة وبالتالي فغيرنا أحق بها منا!. ونحن بهذا نجني على وطنيتنا بأيدينا!..ولذلك ” يجب أن نستوعب القيم والأهداف التي تربطنا فيما بيننا وتجعلنا مختلفين عن غيرنا.. وعلينا أن نتجاوز الوهم بأننا “يجب” أن نسير على الطريقة الأوروبية”. فكلٌ له أولويته وحساباته وكلٌ له خصوصياته. كما يجب أن نتجاوز حياة التقليدية في التفكير والأداء والإنتاج.
رابعاً: إن أخطر ما يمكن أن يواجه أنظمتنا التربوية، الاستجابة- اضطراراً أو اختياراً- لطروحات الناقدين/الناقمين أو حتى التقليديين.. فالحركة العالمية تحدث فجوة كبيرة بين قطاعات المجتمع،حيث تنمو وتتطور القطاعات المتصلة بالصناعة والمال والاتصال بينما تظل القطاعات الأخرى كالتربية والتعليم والصحة وغيرها مما تتبنى الدولة إدارته عديمة أو بطيئة السير للحاق بالقطاعات التي تدار من خلال الشركات الكبيرة، وهنا تتضح الفجوة بين القطاعات المدارة محلياً وعالمياً. وهذا الواقع المتباطئ والمتكاسل يجعل من قيمنا التربوية وأساليبنا التعليمية موضع تساؤل ونقد مما يعيق تبنيها من قبل أجيال المجتمع. وكنتيجة لتباطؤ وتكاسل قيمنا التربوية ينشأ هناك صراع وخلط بين متطلبات “الوطنية” واحتياجات ” العالمية” فتضيع أو تضَّيع الأولى من أجل اللحاق بالأخرى.
خامساً: إن من إشكاليات الحركة العالمية المعاصرة أنها يمكن أن تبعثر أو تغيِّب الهوية والشخصية الوطنية المحلية، وتعيد تشكيلها من جديد في إطار شخصية ليس لها انتماءات وطنية وثقافية وبالتالي انصهارها في ثقافة الغالب التي يديرها ويريدها “اللاعبون الجدد” في الساحة العالمية. وإذا ما أردنا حماية خصوصياتنا الثقافية فأولى بنا – كما تذكر فهمية شرف الدين – ” أن نتحصن في إمكانيات اقتصادية موجودة لدينا، أو مواقف سياسية ضرورية لنا، تسمح بتجذير هوية ثقافية معبرة عن طموحاتنا “. ومما يجدر التأكيد عليه هنا “أن التأثير ومداه لا يعتمد في الأصل على قوة المؤثر بقدر ما يعتمد على استعداد المتأثر”.
سادساً: العصر الذي نعيشه يؤكد أهمية تبني برامج ومراكز ومواد ومشروعات عملية وعلمية وفكرية تنمي في حس الناشئة معنى الوطنية والمشاركة الشعبية والشخصية الحضارية الفاعلة التي ينتمي إليها.
سابعاً: إن تقليل المظاهر والظواهر المشتركة بين الناس يعني بأن هناك دفعاً محموماً لهم نحو الوحدانية المنعزلة. ولذا قد يجني المجتمع بمختلف مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية على نبض حياته.. حينما يغفل تكوين قنوات نابضة بالتكاتف والتضامن الاجتماعي بين أفراده .. لأن عدم وجود بيئة مشتركة يتداول الناس فيها ما يعمق معنى الجماعية بينهم يعنى قصرهم ودفعهم إلى الفردية والانعزالية.. مما يعكر صفو معنى المواطنة والوطنية.
ومن هنا فدفع الجميع للإحساس بالضمير المشترك القائم على القيم المتبادلة في العدل والمشاركة وتكافؤ الفرص.. كل ذلك يعمق من دفع ودفق الدم إلى مكونات المجتمع بأسره لتنبض بالحياة.. ومن هنا كان على الرجال والنساء ذوي المبادئ أن يتحركوا في كل جانب وعلى كل صعيد لبث الروح الجماعية وبناء الهم الاجتماعي لدى/بين الناس واستعادة الاستقامة المفقودة في عطاء وأدوار الأنظمة والمؤسسات التربوية والنظامية والخدمية لتؤدي دورها بنزاهة وبروح وطنية حضارية لا “مصلحة ضيقة فردية”.
و أن تكون مواطناً يعني أن تكون مرتبطاً اجتماعياً بتراثك وتاريخك وثقافتك ووطنك.
وإشعار الآخرين بالمواطنة واستشعارها يحدده “أنه لا يجوز لأي شخص أن يطمح في أن يكون أكثر من مواطن، وألا يرضى على أي شخص أن يكون أقل من ذلك ” (لنكولن) بأي أسلوب كان. ومجتمع غني بالمواطنة يعني أنه قوي في تضامنه يتعهد فيه الناس برعاية مؤسساتهم وقيمهم وأخلاقهم التي يقوم بها مجتمعهم وتتميز. وتلك هي الوطنية /المواطنة الحـقـة.
II المستخلص العملي:
لا يمكن استثناء أي مؤسسة رسمية كانت أو غير رسمية من تعميق وتربية معنى الوطنية.. لكن أدوار هذه المؤسسات تختلف من حيث الوظيفة والأهمية التي تؤديها نظراً لطبيعة المسؤولية التي تمارسها هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن ممارسة المواطنة وتنميتها لا يمكن أن يكتب لها الدوام والاستمرار ما لم يكن هناك تكامل وتضافر وتنسيق بين جهات المجتمع المختلفة..، بحيث إن القيم المطروحة -على سبيل المثال – في المناهج التعليمية يجب أن تدعمها القيم المطروحة في الإعلام كما أن الممارسات الوطنية المطلوبة على المستوى الاجتماعي تحتاج إلى قنوات لتفعيل معناها من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة رعاية الشباب والشؤون البلدية والقروية .وهكذا. .. كل ذلك من أجل أن تسير العملية والمسؤولية الوطنية مدعومة من كل جانب.
ومما يمكن التوصية به وعليه لتربية وتنمية معنى المواطنة والوطنية عملياً الآتي:
1- لما كانت الأسرة هي أهم مؤسسة اجتماعية يمكن من خلالها تربية معنى المواطنة، لكن الملاحظ جوانب من القصور أو التقصير في أداء هذه المهمة، فإن المسؤولية الاجتماعية تستدعي تبني تفعيل الأداء التربوي ومهاراته للأسرة. ذلك أن الآباء أو الأمهات قد لا يملكون أحياناً من المهارات ما يعينهم على أداء رسالتهم ، وبالتالي يمكن لوزارة الشؤون الاجتماعية مثلاً تبني فكرة / مؤسسة ( إدارة الرعاية الأسرية ) لا تختص فقط بذوي الظروف الخاصة بل تعمل من خلالها على تنمية الحس التربوي لكل أسرة ومعالجة القصور في الأداء التربوي من خلال عقد دورات ، وزيارات وحلول مشكلات وغيرها من الأدوات التي تنمي المسؤولية الأسرية وهذا بدوره سوف ينعكس إيجابياً على تربية المواطنة في أجيال المجتمع.
2- الوقت الذي يقضيه الشاب/الشابة في مؤسسته التربوية التعليمية يُعدّ الأكثر أهمية حيث يتفرغ لما يقارب ست ساعات يومياً يتلقى من عدد من المعلمين/المعلمات كمية من المعلومات المتنوعة تحتاج لأن نعلم كم هي النسبة التي يتربى أو تربي من خلالها معنى المواطنة والأخلاق والانضباط في ذاته. هذا التساؤل المهم لا يمكن أن يجيب عليه إلا من يقوم بهذه المسؤولية ومن هنا نحتاج إلى تقييم الآتي :
(1) المادة الدراسية ومدى طرحها للمفهوم القيمي وتركيزها على المسؤولية الأخلاقية والوطنية.
(2) الأنشطة اللامنهجية ومدى تفعليها للحس الوطني والأخلاقي.
(3) الأداء الوظيفي للإدارة والمعلمين ومدى تجاوبه وتمثيله وأداءه للرسالة التعليمية والتربوية في تنمية الحس الوطني والأخلاقي.
وإلى جانب هذه الاستفهامات المهمة تحتاج المؤسسات التربوية والتعليمية إلى :
( أ ) عدم تركيز الانتباه في القاعات و الأنشطة على الطلبة/الطالبات الموهوبين وأصحاب المهارات فقط حيث إن تهميش الكم الأكبر من طلاب وطالبات المدارس سواء في التقدير أو المشاركة في الأنشطة أو الرحلات أو غيرها من الأدوات المتوقع أداؤها داخل البيئة المدرسية يعزز من البرود في الانتماء للمؤسسة التربوية وبالتالي للمفهوم الأكبر الذي يحتوي الجميع ( الوطن ).
وهنا نوصي بأهمية استيعاب أكبر شريحة ممكنة من الطلاب والطالبات في الأداء والتعامل داخل قاعة الدرس وخارجها. وهناك من الوسائل والأدوات والمهارات التي يحتاجها معلم المدرسة في ضبط القاعة المدرسية وتفعيل الأداء فيها نوصي وزارة التربية والتعليم وإدارتها بنشرها وتشجيع الدورات فيها.
( ب ) يَنشَدُّ في العادة انتباه البيئة التعليمية المدرسية إلى شريحتين هما : أصحاب المواهب ، وأصحاب المشكلات ، ومع افتراض وجود رعاية مناسبة لهاتين الشريحتين فإن الشريحة الأكبر ” فئة الوسط ” لا تلقى من الرعاية والانتباه ما يمكنها من أداء دورها من جهة ، ومن حمايتها من التوجهات السلبية من جهة أخرى، وهنا ندعو إلى إعطاء هذه الفئة جانباً من الرعاية التي تستحقها وفي تقديرنا أن جانب الإرشاد الطلابي من خلال تدريبنا الميداني للطلاب ومشاركتنا واستفساراتنا لم يعط من جهة حظه من التقدير ولم يقم بمهامه من جهة أخرى ، لأسباب من أهمها :
· إغراق المرشد الطلابي بمهام ليست من اختصاصه.
· عدم تقدير أهمية الإرشاد وتولية مهمة الإرشاد الطلابي إلى أساتذة غير متخصصين.
· عدم قيام المرشد الطلابي بمسؤولياته تجاه مهنته.
· ضعف إمكانيات البيئة المدرسية للقيام بمهام الإرشاد و أنشطته.
( ج ) تبني تعليم مهارات التفكير وأدبياته وآلياته لتنمية وتعزيز مستوى الفهم والإدراك والمشاركة لدى طلاب المراحل التعليمية المختلفة.
3- بين بيئة الأسرة وبيئة التربية والتعليم تأتي مسؤولية البيئة الاجتماعية التي تتسنَّم هرم مسؤوليات وزارة الشؤون الاجتماعية حيث الحاجة إلى تكامل مسؤوليات التربية والرعاية الاجتماعية من خلال إيجاد قنوات ومؤسسات أو مراكز للأحياء لتقوم بأدوار تتكامل مع سابقتها من خلال :-
– شغل أوقات فراغ أبناء وبنات الحي.
– تنمية التكافل الاجتماعي.
– تنمية حس المشاركة الاجتماعية.
– القيام على حاجات الحي المختلفة وتلبية خدماته.
وكل هذه الأدوار وممارساتها تنمي معنى الانتماء الاجتماعي للوطن. ذلك أن شعور الجميع بأداء دور معين تجاه الحي، المجتمع، الوطن يعزز من معنى الوطنية وتنميتها.
4- للمؤسسة الإعلامية بمختلف وسائلها أهمية بالغة في تعزيز وحماية الهوية الوطنية. والإعلام ليس فقط أغنية أو مسرحية للوطن ، بل هو معالجة فكرية أيضاً وحضور وتفاعل ومناقشة صريحة وجريئة لمشكلات الوطن.
ومما نحتاجه من إعلامنا بوسائله مختلفة الآتي:
أ‌- برامج جديدة موجهة للشباب وعلى وجه أخص تناقش معهم همومهم وتطلعاتهم، وتستضيف دورياً شرائح مختلفة منهم من خلال جولات إعلامية لمختلف مناطق الوطن، كل ذلك من أجل تعزيز الانتماء للوطن وتنمية الحس الوطني.
ب‌- تكثيف المهرجانات الوطنية التي تتبناها وزارة الثقافة والإعلام، أو تتعاون مع مؤسسات المجتمع المختلفة في نقلها حية للجمهور من خلال أجهزتها وإدارتها المختلفة.
ت‌- المواطن العربي في مختلف أرجاء الوطن يحتاج لأن يسمع صوته من خلال الإعلام وهنا نقترح أن يقوم الإعلام المرئي بتهيئة مادة إعلامية تكون بمثابة ” منبر وطني ” دونما كلفة أو تعقيدات يترك للمواطن البسيط أن يعبّر من خلاله عن كل ما يريده ومن ثم يستمع كل مسئول معني إلى هموم المواطنين لتشكل هذه الأداة الإعلامية قناة تواصل مباشر بين الوطن والمواطنين.
ث‌- تفعيل معنى الرقابة والمسؤولية على كل ما يخلّ بثقافة المجتمع وأمنه سواء في الفكر أو السلوك خصوصاً تلك المادة التي يمكن أن يتداو لها الناس مسموعة أو مقروءة أو مرئية ، وتشكيل هيئة رقابة فاعلة من إعلاميين وشرعيين واجتماعيين لتقوم بهذه المسؤولية.
5- وعلى مستوى المؤسسة السياسية يحتاج المجتمع إلى صناعة وتفعيل معنى الوطنية وتفعيله إلى العمل على مستويين :
الأول: في مفهوم التعزيز.
والثاني: في مفهوم الحماية.
ومما يمكن التوجيه به لتحقيق المعنيين الآتي:
أ‌. تبني مفهوم التنمية الشاملة والمستدامة لكل أرجاء الوطن فلا يهمش مكان على حساب أو لحساب آخر.
ب‌. دعم الفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع لأن الحاجة عادة ما تؤثر في السلوك وبالتالي فوجود مؤسسات تلبي حاجة الناس في الإقراض أو التوظيف وسد العجز وغيرها هي عوامل من شأنها أن تعزز من جهة وتحمي معنى المواطنة وتحمي من جهة أخرى المواطن من الانحراف.
ج‌. التأكيد على تعليم القيم ودراستها في كل مراحل التعليم خصوصاً قيم العمل، والمشاركة الاجتماعية، وقيمة الأداء والإنجاز.
د‌. تشكيل هيئة وطنية فاعلة لحماية (( الهوية الوطنية )). وإذا كان لدينا من الهيئات ما تختص بالسياحة، وبحقوق الإنسان، وبحماية الحياة الفطرية، فإن ” حماية الهوية الوطنية ” في تقديرنا يعد اليوم أكثر أهمية خصوصاً في عالم يعج بالمتغيرات المفيدة والمخيفة في آن واحد.

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الاول

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الثاني

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء التالث