Print Friendly, PDF & Email
ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء التالث

المواطنة في التشريعات الحديثة والقانون الدولي
تظهر المواطنة من جانبها المواطن باعتباره مشاركا فعالاً في المجتمع السياسي، إن المواطنة مشروطة حتى الآن بالجنسية، لذلك فان المجموعة الدولية اهتمت بقضايا الدولة المستقلة مجدداً، أي تلك التي نالت استقلالها، وتلك التي كانت موضوعاً لمسيرة حل الدولة وانفصالها، وحيث تناولت مسألة منح جنسيتها للأفراد وفيما يتعلق بالحقوق الإنسانية، إن القانون الدولي لا يعارض التفريق بين المواطنين والأجانب، ولا يعتبر انه تمييز غير مبرر، بيد أن هذا الخطر من التمييز قد اتخذ بعض التوسع مما أدى إلى اهتمام القانون الدولي بموضوع منح الدولة لجنسيتها حيث تحدد الحقوق السياسية للمواطنين وإمكانية مشاركتهم في الشؤون العامة وترتبط إذن بالتنظيم الديمقراطي للدولة، تحدد المواطنة والجنسية كلتاهما صلة قانونية، بيد أن صلابة هذه الصلة متفاوتة والجنسية تتصل بارتباط الفرد بالدولة كما أكدت محكمة العدل الدولية في القرار المتعلقة بقضيةNottebohm، كما أن وظيفة الجنسية إسناد مركز موضوع حيث تنجم عنه بالنسبة للدولة سلطات والتزامات في علاقاتها مع رعاياها ونظرائها ورعايا هذه الأخيرة.
ويعترف القانون الدولي بسلطة الدولة لتحديد القواعد المتعلقة بجنسيتها بيد أن الحد من هذا الاختصاص قائم على قاعدة عدم حجية وسريان الجنسية غير النظامية دولياً، إن التطور الراهن للقانون الدولي يتركز بمصلحة المجموعة الدولية بشرط منح الجنسية في حدود حيث تؤدي إلى مخاطر تحد من عدد الأفراد الذين يمكنهم من ممارسة الحقوق السياسية في الدولة.
والواقع، إن الجنسية التي تشكل العلاقة الفعالة والحقيقة بين الفرد والدولة يبدوا أنها معيبة في معظم هذه الحالات، كما أن القانون الدولي يمكنه أن يعارض مرة واحدة: قوانين الجنسية التقييدية جداً، والتي لا تعترف بالنتيجة بالعلاقة الفعالة بين بعض الأفراد ودولتهم المقيمين فيهاـ ثم القوانين الواسعة جداً التي على العكس تخفف هذه العلاقة ولا تعترف بها كخيار منح الجنسية إن النقطة المشتركة بين هذين النموذجين من القوانين أنها لا تعتبر العلاقة الفعالة والحقيقة بين الفرد والدولة معياراً لمنح المواطنة.
إن قوانين الجنسية المعتمدة في الدول المستقلة مجدداً تحدد، من جهة الأشخاص الذين يشكلون السكان الأصليين للدولة وتطرح من جهة أخرى، الشروط التي تسمح لأشخاص آخرين بالحصول على الجنسية وبصورة غير مباشرة المواطنة.
إن الرهانات على مسائل الجنسية والمواطنة مهمة من حيث حقوق الإنسان ولاستتباب السلم والأمن الدوليين وخاصة في بعض مناطق أوربا التي تضم مختلف الأصول القومية، لذلك فان لجنة الخبراء عن الجنسية في المجلس الأوربي كانت قد كلفت بصياغة اتفاقية عن الجنسية، هذه الاتفاقية تعترف بان يبقى ضمن اختصاص الدولة تحديد مواطنيها وهذا الاختصاص يجب أن يمارس وحقاً للاتفاقيات الدولية والقانون الدولي العرفي ومبادىء القانون المعترف بها عامة في موضوع الجنسية وتفرض كمبدأ عام بان لكل شخص الحق في جنسيته، ولا يجوز تجريد احد من جنسيته تعسفاً ولا يقبل أي تمييز كما وضعت من جانب آخر بعض المبادىء المتعلقة بإسناد الجنسية وبالمصادقة على هذه الاتفاقية تتعهد الدولة بمنح الحق الكامل بالجنسية لكل طفل يكون احد والديه من رعايا الدولة والأشخاص الذين ولدوا على أرضها والا أصبحوا عديمي الجنسية، كما تتعهد الدولة بان تفتح إمكانيات التجنس للأشخاص المقيمين فيها وبصورة قانونية واعتادوا على إقليمها ولا يجوز ان تزيد مدة الاقامة المطلوبة على عشر سنوات.
المواطنون المنتمون للاقليات:
ادرجت مسألة حماية الاقليات مجدداً على جدول اعمال المنظمات الدولية العالمية والاقليمية فقد دفعت احداث يوغسلافيا السابقة انهيار الكتلة السوفيتية مسألة الاقليات الى المستوى الاول للضمير العالمي.
ان مصلحة المجموعة الدولية في موضوع الاقليات حتى التوت منذ عام 1945 وحتى 1989 بفعل التعارض بين الكتلتين الذي رسخ منظوراً ثنائي القطب لمشاكل العلاقات الدولية.
هذه المصلحة تركزت اليوم مجددا على مفهوم الاثنية بسبب عدة عوامل كاعادة اكتشاف تضامنات محلية تجاه العولمة او انبعاثات انظمة سياسية قائمة على الرابطة الاثنية- القومية وكان للمنظمات الدولية دور مهم مارسته لتقوية التقدم الذي حصل في الموضوع من قبل بعض الدول وشجعت الاخرى على تحسين قوانينها وممارساتها. ان التنظيم الراهن لحقوق الاقليات تعدد ولكنه لم يؤد الى نظام منسق وشامل لحماية الاقليات القومية في القانون الدولي.
وضع وتقنين حقوق الاقليات:
منذ الثورة الفرنسية عام1789 وحتى الحرب العالمية الاولى لم تقحم قضية الاقليات حيث (انه ليس هناك قضية اقليات قومية) اهمل حقوق الانسان والمواطن الصادر عام 1789 حقوق الاقليات ولم يهتم الا بحقوق الانسان بصورة مجردة. كل حق ناتج عن الثورة الفرنسية يقوم على مفهومين: الانسان والدولة.
ولد حق الاقليات مع عصبة الامم التي شكلت حماية حقوق الاقليات جزءاً مهماً من برنامجها وادارة معاهدات السلام في عامي 1919-1920 م للمرة الاولى في التاريخ ضمان حقوق الاقليات.
وهذه الحقوق محدودة جوهرياً بحقوق الافراد المنتمين للاقليات دون ان يجري الاعتراف السياسي بها.
ان النظام الذي اقيم بمعاهدات الاقليات ورقابة عصبة الامم تتضمن على كل حال بذرة عناصر نظام لحماية حقوق الانسان: وجود قاعدة مشتركة عليا لحقوق الدول وقانون العلاقات الدولية واعتماد مؤيد جزائي للقاعدة بإقامة رقابة ثلاثية وسياسية ودبلوماسية من قبل مجلس عصبة الأمم ورقابة قضائية من محكمة العدل الدولية الدائمة.
الفكر الإسلامي للمعاهدات كانت كما فسرتها محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية مدارس الأقليات في ألبانيا لضمان تمتع المجموعات الاجتماعية المدمجة في الدولة بإمكانية التعامل السلمي وذلك بالمحافظة على الخصائص التي تختلف فيها عن الأغلبية لبلوغ هذا الهدف يجب أن يضمن للا فراد المنتمين للأقليات مساواة كاملة مع الرعايا الآخرين للدولة وذلك بإعطائهم إمكانية المحافظة على خصائصهم الاثنية وتقاليدهم.
إن نظام حماية الأقليات الذي وضع من قبل عصبة الأمم لم يطبق بسبب انحيازها، بينما كانت القوى الكبرى غير خاضعة لنفس الالتزامات التي كانت دول أوربا الوسطى والشرقية ملتزمة بها بسبب فشل يحمل أحكام المنظمة الدولية.
وقد تمسكت الحركة التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لحماية حقوق الإنسان باعتبـارهـا حقاً فردياً يتمتـع به كــل شخص دون تمييـز شخصي مبني على العرق أو الجنس أو الدين، وأصبح مبـــدأ عدم التمييز احد المبادىء الجوهريـة لحقوقه الفرديـة ويسـمح بحمـاية ضمنيــة للأقليات.
الإطار العالمي الشامل لحقوق الأقليات:
يتشكل الإطار العالمي لحماية الأقليات من نوعين من النشاطات التي قادتها الأمم المتحدة، نشاط معياري ونشاط رقابي.
1- النشاط المعياري للأمم المتحدة:
النص الأول التحريض كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي أعلن في مادته الثانية الاعتراف بالحقوق الأساسية لكل فرد دون تمييز مبني على العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين هذا المبدأ ورد بدقة في إعلان اليونسكو حول العرق والمعتقدات العرقية الصادر عام1978 وفي إعلان القضاء على كافة أشكال التعصب والتمييز المبني على الدين أو المعتقد الصادر عام1981 ثم تسارعت النصوص بالنمو: اتفاقية منع وقمع جريمة الابادة الجماعية في سنة 1948 واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري عام1965.
أي من هذه النصوص لم يورد صراحة ذكراً للأقليات ولكن احترامها من الدول يتطلب المساواة في معاملة جميع الأفراد مهما كان دينهم أو عرقهم ويحظر إذن أن يكون للإفراد المنتمين للأقليات موضع تدابير تمييزية على أساس خصائصهم الاثنية والثقافية.
بينما يكمل العهد الدولي الحقوق المدنية والسياسية الصادرة عام1966 الحقوق المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأكد مبدأ عدم التمييز فانه يمثل العودة إلى مراعاة الأقليات في إطار حقوق الشعوب بفضل المادة 27منه التي نصت على انه لا يجوز في الدول التي يوجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية أن يحرم الأشخاص المنتمون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافاتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائرهم أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.
على الرغم من أن هذه المادة تشكل تقدما في حماية حقوق الأقليات إلا أنها تتضمن بعض النقاط السلبية لأنها أشارت فقط إلى الأقليات الموجودة أي أنها تلك المعترف بها مما يجيز لبعض الدول بان تعلن أنها ليست لديها أقليات على أراضيها، يضاف إلى ذلك أن الحقوق المعلنة ليست حقوقاً فردية باستبعاد أي حق للأقليات كونها مجموعة. وأخيرا فان المنحى السلبي للجملة يقترح مجرد التزام بالتسامح من الدولة دون التزام لاتخاذ تدابير ايجابية لتعزيز ثقافة ودين أو لغة الأقلية.
على أن تفسير المادة 27 في تطور، فقد اعترفت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام المؤرخ في 6/نيسان/1994 على المادة 27 بأنه رغم التقارير السلبية المستخدمة فان المادة 27 تعلن عن وجود حق وتتطلب أن هذا الحق لا يجوز رفضه من أي شخص كما تتطلب أيضا تدابير ايجابية يجب أن تتخذ لحماية حقوق الأشخاص المنتمين للأقليات ضد أعمال الدولة نفسها وضد أعمال الأفراد والآخرين على إقليم الدولة.
إن الحماية المضمونة بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد اكتملت مؤخراً بنص خاص اعتمد من لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة بناء على مقترح من يوغسلافيا وهو إعلان حقوق الأشخاص المنتمين للأقليات القومية أو الاثنية والدينية واللغوية الصادرة في 21/شباط/1992.
إن هذا النص ليس ذا طبيعة قسرية ضاغطة، انه نص توجيهي يتضمن قائمة من حقوق الأقليات، انه يربط حماية حقوق الأقليات بالاستقرار السياسي والاجتماعي للدول وتقوية الصداقة والتعاون بين الشعوب، لقد اكتملت الحقوق المنصوص عليها في المادة 27 من العهد الدولي بحق تشكيل جمعيات وبحق الاتصالات السلمية مع غيرها من الأقليات وخارج الحدود ويمكن أن تمارس الحقوق فردياً أو جماعياً، حتى ولو كان هذا النص هو الأول الذي لم يعالج إلا الأقليات فانه يتضمن بعض الضعف كغياب تعريف الأقلية وغياب ضمان الحقوق الجماعية وغياب آلية الرقابة الخاصة وتشكل هذه النقطة الأخيرة احد جوانب الضعف في حماية حقوق الأقليات وتتطلب أن تتوقف على نشاط رقابة الأمم المتحدة في هذا الميدان.
2- نشاط رقابة الأمم المتحدة:
هذا النوع من النشاط يتوزع إلى نوعين من الرقابة: رقابة ذات طبيعة سياسية ورقابة خبراء مستقلين على شكاوى فردية، إن أصول الرقابة السياسية تتركز جوهرياً على تسمية لجنة حقوق الإنسان لمقررين خاصين أو مجموعات عمل تكلف بمهمة موضوعية أو قطرية وتمارس ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً على سلطات الدول التي توجد فيها انتهاكات لحقوق الأقليات، المواضيع التي تناولتها هي مسألة التعصب الديني عام 1987 وموضوع الأقليات عامــة لـF.Capotorti عام 1994 أما الولايات القطرية فتتعلق برومانيا عام 1990 والعراق عام 1992، إن الهدف من المقررين العامين هو تسهيل الحوار لمحاولة إيجاد حلول منتظمة ودائمة وغالباً.
ومن ناحية أخرى، فان اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تملك صلاحية بموجب البرتوكول الاختياري للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لدراسة الشكاوى الفردية المثبتة على المادتين 26 (مبدأ عدم التمييز) و27(حقوق الأقليات) من العهد، أنها معنية بصورة خاصة سكان البلاد الأصليين والأقليات اللغوية.
القضية الأولى المهمة تعلقت بهندية من كندا وحقها في العيش في مكان محدد للتحفظ، خلصت اللجنة إلى انتهاك المادة 27 من العهد إذ أن الحق بالعيش في تحفظ لا يجوز في أن يضمن كما جاء في المادة 27 وان الشرعية لا يمكن أن تجد مجموعة إلا في التحفظ وكان يجب السماح لها بإعادة الاندماج في التحفظ نتيجة هذا القرار عمدت كندا إلى تعديل قانونها حول الهنود وإعادة الرغبة إلى التحفظ.
كان على اللجنة أن تصدر أحكاما في قضايا أخرى عن مزاعم انتهاك المادة25 من العهد التي تنص على الحق في المشاركة في القرارات المتعلقة بالأقلية، ومن جانبهم فان الفرنسيين من بروتون أرسلوا عدة حالات إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بموجب المادة27 بيد أن فرنسا عند انضمامها إلى العهد الدولي أعلنت بان المادة 27 غير قابلة للتطبيق على إقليم الجمهورية بموجب مبدأ عدم التجزئة المعلن في المادة 2 من الدستور، اعتبرت اللجنة بان هذا الإعلان معادلة للتحفظ ورفضت بالتالي شكاوى عديدة من أهالي بروتون، وخلافاً لذلك فان فرنسا قد اعترفت بحق مواطنيها المنتمين في الواقع إلى الأقلية بالمساواة وعدم التمييز لذلك فان اللجنة تمكنت من إصدار أحكام من قضايا أخرى على أساس احترام فرنسا لالتزاماتها التعاهدية وخاصة المادة 24 من العهد الدولي لضمان محاكمة عادلة.
نظريات تحديد المواطن:
اختلفت الاتجاهات في الفقه والقضاء بصدد أسس تعيين القانون الذي يحدد به المواطن، ويمكن تلخيص هذه الاتجاهات كما يلي:
1- نظرية الإرادة:
هناك اتجاه يذهب إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً لإرادة ورغبة الشخص بشرط أن تكون هذه الإرادة كاملة وصحيحة قانوناً وصريحة وغير مخالفة للنظام العام فالمواطن حسب هذا الاتجاه مسالة شخصية أساسا والنية احد عنصريه المكونين له ويجب الرجوع إلى إرادة الشخص عند تحديد موطنه، أما إذا كان التعبير عن الإرادة غير صريح فعندئذ تقوم تصرفات ووقائع خارجية مقام التعبير عنها، وقد انتقد هذا الاتجاه لان آثار المواطنة تتعلق بسيادة الدولة، كتطبيق قانون معين أو انعقاد الاختصاص لمحكمة مختصة، فلا يصح ترك تحديد ذلك لمشيئة وإرادة الشخص فضلاً عن أن الإرادة قد تكون ناقصة فلا يمكن التعبير عنها أو غير صريحة فلا يمكن إثباتها وإزاء هذه الانتقادات هجر الفقه والقضاء هذا الاتجاه في جميع الدول.
2- نظرية القانون الشخصي:
هناك اتجاه ثان يذهب إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً للقانون الشخصي الذي قد يكون هو قانون الدولة التي ينتمي إليها الشخص بجنسيته في الدول التي تجعل القانون الشخصي هو قانون الجنسية لفرنسا وقد يكون هو قانون المواطن في الدول التي تجعل القانون الشخصي هو قانون المواطن كإنكلترا.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن المواطن يترك أثارا متعلقة بسيادة الدولة كتعيين القانون واجب التطبيق والمحكمة المختصة، فلا يمكن والحالة هذه أن يترك لقانون دولة أجنبية ليحكم فيما إذا كان الشخص متوطناً في الدولة أو في الخارج، وفضلا عن ذلك يؤكد هذا الاتجاه أن المواطن عنصر في الحالة ومن ثم هو يتحدد وفقاً للقانون الذي يحكم الحالة وهو قانون دولة الشخص.
لقد انتقد هذا الاتجاه أيضا لإهماله حالة عديم الجنسية الذي لا يمكن تحديد موطنه عند التنازع لأنه لا يحمل جنسية أي دولة، خاصة في الدولة التي تعتبر القانون الشخصي هو قانون الجنسية، كما أن الأخذ بهذا الاتجاه يؤدي إلى حلقة مفرغة إذا كانت الأحوال الشخصية تخضع لقانون المواطن كما هو الحال في إنكلترا. لأنه إذا قلنا أن المواطن يتحدد بالقانون الشخصي، والقانون الشخصي هنا يكون قانون المواطن، ولمعرفة هذا القانون يجب أن تعرف أين المواطن أولا، ولمعرفة هذا المواطن لابد من معرفة القانون الذي يتحدد به أولا وهكذا دواليك.
وحتى في حالة اعتبار القانون الشخصي هو قانون الجنسية، وليكن هذا القانون الإنكليزي مثلاً فانه يحيل مسالة تحديد المواطن إلى قانون المواطن ولمعرفة المواطن يجب الرجوع إلى قانون الجنسية، وقانون الجنسية يحيلنا من جديد إلى قانون المواطن وهكذا دواليك.
وإزاء هذه الانتقادات لم يأخذ القضاء بهذا الاتجاه كثيراً، حيث هناك بعض قرارات صدرت بالاستناد إليه، ومنها قرار محكمة (جراس) المدنية عام 1926 وقرار محكمة جنيف عام1919 وقرار محكمة(جاندة) في بلجيكا عام 1920 وقرار محكمة أمستردام عام1916.
3- نظرية قانون المحكمة:
ويذهب اتجاه ثالث إلى ضرورة تحديد المواطن وفقا لقانون القاضي المعروض عليه النزاع(Tex Fort) على أساس أن المواطن عبارة عن علاقة قانونية بين شخص ودولة وان تعيينه مسألة متعلقة بتكييف هذه العلاقة والغالب في التكييف أن يخضع لقانون القاضي فعندما تثار مسألة تحديد المواطن أمام القاضي لتطبيق قاعدة من قواعد تنازع القوانين بشأنها فان تحديد المواطن حينذاك يكون بحد ذاته بمثابة تحديد لهذه القاعدة أو بمثابة عنصرا شرط في تطبيقها وهو أمر يجب أن يخضع لقانون القاضي المتعلقة بالسيادة.
برغم أن الفقه قد أيد هذا الاتجاه في فرنسا وإنكلترا وألمانيا وهولندا ولبنان إلا انه انتقد أيضا لأنه يؤدي إلى بعض النتائج غير المنطقية، وخاصة عندما يكون الشخص المراد تحديد موطنه في غير دولة القاضي.وقيل أيضا إن مسالة معرفة ما إذا كان الشخص يتوطن في بلد من البلدان، لا يمكن أن تعد من مسائل التكييف بأنه حال من الأحوال.
4- نظرية القانون الإقليمي:
ويذهب اتجاه رابع إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً للقانون الإقليمي أي قانون الإقليم الذي يدعى الشخص انه متوطن فيه باعتبار أن الجنسية والمواطن هما نقطتا الارتكاز اللتان يقوم عليها القانون الدولي الخاص فكما أن الجنسية أداة لتوزيع الأشخاص دولياً وان بيان من يتبعون الدولة ومن لا يتبعونها أمر متروك للدولة وحدها بصرف النظر عن مصالح الدول الأخرى فان حق تحديد من هو متوطن في إقليم دولة معينة يجب أن يترك لقانون تلك الدولة وبالتالي يجب أن يكون أمر تحديد المواطن خاضعاً لقانون الدولة التي يدّعي الشخص انه متوطن فيها دون قوانين سائر الدول الأخرى. ومن جهة أخرى فان الدولة لا تستطيع أن تفرض بقانونها اعتبار شخص ما متوطناً في دولة أخرى شان القاعدة في ذلك شانها في الجنسية حيث لا تستطيع الدولة أن تفرض على دولة أخرى اعتبار شخص ما تابعاً لها في الجنسية.وهناك اتجاه توفيقي يذهب إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً لقانون القاضي والقانون الإقليمي معاً، بحيث يتم تحديد المواطن بتطبيق قانون القاضي أولا لمعرفة ما إذا كان للشخص موطن في بلد القاضي أولا فإذا اتضح انه غير متوطن في بلد القاضي ترك القاضي قانونه الوطني وطبق قانون الدولة المطلوب الفصل في اعتبار الشخص متوطناً فيها فيتحدد الموطن حينذاك وفقاً لقانون تلك الدولة.
فهذا الاتجاه يوفق بين بعض من الاتجاهات السابقة ولا يتنافى مع فكرة السيادة في الوقت نفسه، لأنه يستبعد مساوىء الانطلاق من فكرة تطبيق قانون القاضي لتحديد الموطن خارج بلدة كما انه يضبط مبدأ تطبيق القانون الإقليمي ويكفل عدم إهدار سيادة قانون القاضي عندما يلزم القاضي بتطبيق قانونه الوطني أولا.
وقد أخذت بهذا الاتجاه قوانين بعض الدول وتبنته مؤتمرات دولية كمجموعة(بوستا منتي) الخاصة بالقانون الدولي الخاص بين دول أمريكا العام 1938 ويصرح القانون الدولي في كمبريدج الذي قرر سنة 1931 انه لا يمكن لشخص من الأشخاص أن يدعي بان له موطناً في دولة معينة ما لم يكن قانون هذه الدولة يعترف به.
وبدءاً يتضح أن هذا الاتجاه هو أوفق الاتجاهات لان المواطن عبارة عن رابطة بين شخص والدولة وهو بذلك يخضع للقانون العام ويتأثر بالاعتبارات السياسية ومبدأ السيادة الإقليمية مما يجب أن يتأثر به وتحديده قانون كل دولة لبيان من يعتبر متوطناً فيها ومن لا يعتبر.
خلاصة القول:
إن اثر ونفوذ الحقوق السياسية على مفهوم المواطنة يتضمن ثلاثة جوانب:
الاتجاه لتا طير شروط منح المواطنة، صياغة مبادىء تتعلق بفئة خاصة من المواطنين المنتمين للأقليات، إحداث تفريق في فئة غير المواطنين بين الأجانب المنتمين إلى المجموعات والأجانب خارج المجموعات، يؤدي أيضا إلى التساؤل عن بناء ديمقراطية متعددة الثقافات تأخذ بالاعتبار تعريفاً جديداً للأمة: امة متعددة الثقافات عائدة لوجود أقليات وأجانب والجدل الداخلي والخارجي حول الأنموذج السياسي لدولة الأمة.
كذلك يوجد ترابط معياري بين مفاهيم المواطنة والديمقراطية. إن مسائل حقوق الأقليات أو الأجانب نزعت أكثر فأكثر أسلحة النظرية السياسية الليبرالية لأنها وضعت موضع البحث النموذجي الديمقراطي الليبرالي، تفترض الديمقراطية المتعددة الثقافات مسبقا تنوعاً في الانتماءات الثقافية والأخلاقية والقيمية على إقليم الدول يتطلب البحث عن المواطنة التي يجب أن تكون متوافقة مع تعدد ولادات الأفراد، يجب التفكير إذن في مجتمع ديمقراطي لا يتطلب التطابق الحتمي مع المجموعة الثقافية والمجموعة السياسية يختلف الليبراليون وأنصار المجموعات على بناء المواطنة في هذا الإطار حيث يعتبر الليبراليون المواطنة كونها مركزاً قانونياً وان المشاركة تعود فيها إلى الخيارات الشخصية وعلى النقيض من ذلك يرى أنصار المجموعات بان المواطنة ممارسة وتعهد في المجال العام.
إن البعد الأساسي لأنموذج الديمقراطية المتعددة الثقافات هو في إدماج الاختلافات، مما يتعـــين العمــل بان يكون الدستور مكاناً للتعبير عن هذه الديمقراطية الجديدة.
وإذا كان يمكن أن تكون التطورات في الحقوق السياسية موضع جدل ونزاع كونهـــــا عنصراً لمركــــز الفـــرد الحر، فان تطـــــور القواعـد الدوليــة لم يؤد بعد إلى انسجــــــــام حقيقي في الحقـــوق المدنيــة.

الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة
لبيان الاتجاهات الحديثة لتربية المواطنة يجب التأكيد علي أنه لا يوجد اتفاق بين المجتمعات حول الأولوية التي يجب أن تعطي لأي من أهداف النظام التعليمي، هل تكون الأولوية للأهداف الإدراكية “المعرفية” التي تعنى بتعليم الأفراد المهارات والمعارف؟ أو تكون للأهداف القيمية التي تعنى بإعداد الأفراد لكي يكتسبوا المواطنة، وإيجاد مواطن يحتفظ بقيم صحيحة للمشاركة في حياة المجتمع؟ أو تكون لأهداف التنشئة الاجتماعية التي تحاول أن تجعل الأفراد أكثر توافقاً للدخول في علاقات شخصية متبادلة مع الآخرين؟.
ولو نظرنا إلى جميع النظم السياسية نجد أنها تسعى بشكل أو بآخر من أجل تحقيق درجة قصوى من الانسجام السياسي بين مواطنيها، وتبرز التنشئة السياسية كموضوع رئيس يمتد من التربية الوطنية في العالم الغربي، إلى مفهوم تدريب الشخصية في النظم الاشتراكية السابقة، وإلى مفهوم التوجيه أو الإرشاد الروحي في الأنساق السياسية الكاريزمية، وفي كل الحالات تتحكم في العملية عدة متغيرات أهمها المواقف والأهداف والو لاءات تجاه السلطة السياسية.
وقد تمت الإشارة إلى أنَّ مجموعة الدول الاشتراكية قد حرصت قبل التحولات الضخمة التي بدأت في الثلث الأخير من عام 1989م على التأكيد على أن التعليم بها يستهدف خدمة النظام السياسي، فعلى سبيل المثال كان الغرض الرئيسي للنظام التعليمي في تشيكوسلوفاكيا هو الاهتمام بفكرة المدرسة السياسية لتربية الشباب على القيام بدور نشيط في بناء دولة شعبية ديمقراطية.
أما في يوغوسلافيا فهدفه تمكين الأجيال الصغيرة من المساهمة في التنمية المستمرة لقوى الإنتاج، وتقوية الروابط الاجتماعية، وتربيتهم على روح الولاء لوطنهم. ويلعب تدريس التربية الوطنية دوراً أساسياً في بث الروح الاشتراكية في هذه المجتمعات. فكان الهدف من تدريسها في رومانيا هو التأثير في أخلاقيات الشباب وإعدادهم بشكل إيجابي للاشتراك في مستقبل المجتمع الاشتراكي. وتهدف التربية الوطنية في ألمانيا الشرقية إلى تزويد الطلاب بالمعرفة التاريخية والسياسية للتعرف إلى قوانين التطور الاجتماعي. وتبقى ثمة حقيقة هامة وهي أن أمكانية النظام التعليمي ودوره في نقل القيم والمعتقدات السياسية لا تختلف من مجتمع ليبرالي ديمقراطي أو مجتمع شمولي سلطوي، إلا في جانب واحد وهو ما يطلق عليه التغذية الراجعة التي يمكن من خلالها أن يؤثر الطلاب في النظام السياسي والقيم التي يعتنقها.

I – المنطلقات النظرية لتربية المواطنة
تعد تربية المواطنة نمطاً من أنماط التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها مؤسسات تربوية رسمية أو غير رسمية. والتنشئة الاجتماعية من العمليات الأساس في حياة الإنسان، ذلك لأن مقومات شخصية الفرد إنما تتبلور من خلالها. وتكمن أهمية تلك العملية في” أنها تقوم بتحويل الفرد من مخلوق ضعيف عاجز إلى شخصية قادرة على التفاعل في المحيط الاجتماعي الذي يحتويها منضبطا بضوابطها”. كما تساعد الفرد على الانتقال من الاتكالية المطلقة والاعتماد على الآخرين والتمركز حول ألذات في المراحل الأولى من عمره إلى الاستقلالية والإيجابية والاعتماد على النفس وذلك عبر المراحل الارتقائية من عمره. وتقوم المؤسسات الاجتماعية بدور مهم في التنشئة الاجتماعية لكل مرحلة من المراحل العمرية للفرد، فالأسرة والاصدقاء و الدين مؤسسات تقوم بتزويد الفرد بجزء من مفاهيم وقيم وعادات وتقاليد ومعتقدات المجتمع.
من هنا فإن لكل مؤسسة من هذه المؤسسات أهميتها الخاصة في عملية التنشئة الاجتماعية، ولكن الأسرة تلعب أهم الأدوار وأقواها تأثيرا في حياة الأفراد، حيث إنها –أي الأسرة – تحتضن الطفل منذ بداية حياته ونعومة أظفاره، فتقوم بتشكيل سلوكه ومقومات شخصيته وتزويده بقيم ومعتقدات مجتمعه بل والأنماط السلوكية المقبولة التي تسهم كثيرا في عملية الضبط في ذلك المجتمع. وعملية التنشـئة الاجتماعية إنما تتم عن طريق تلك الأسـاليب التي تـتعامل بها الأسـرة عند تنشئـتها لأبنائها، وكذا الأسـاليب التي تتعامل بها بقية المؤسـسات الاجتماعية الأخرى مع أفراد المجتمع التي يتحدد من خلالها شكل ” الأجيال القادمة من البشر الذين يعملون على تقدم المجتمع أو تخلفه. وعليهم يتوقف نمو حضارتهم وانحسارها”.
وعليه فإن الرؤية للمنطلقات النظرية لتربية المواطنة هي ذاتها المنطلقات والنظريات التي تفسر التنشئة الاجتماعية وأساليبها. ويشمل ذلك نظرية التفاعل الرمزي (Symbolic Interaction Theory)والنظرية البنائية الوظيفية (Structural Functionalism Theory) ونظرية التبادل (Exchange Theory) ونظرية الصراع (Conflict Theory). وحتى لا ينحرف بنا البحث كثيراً في التنظير لذلك، فإنه من المناسب التركيز على أهم مؤسسات تربية المواطنة ومناقشة الصيغ التي تبرز تأثير كل منها في تربية المواطنة، وبالتالي تحديد الإطار الذي يمكن أن تتفاعل فيه تلك المؤسسات بشكل تكاملي لتحقيق ذات الهدف. وبناء عليه فسيتم دراسة دور كل من الأسرة والمسجد والمدرسة بشكل تفصيلي في تربية المواطنة ويمكن التعريج على ذكر ملامح أساس لبقية المؤسسات الأخرى.
وارتباط الإنسان بوطنه وبلده مسألة فطرية مستقرة في النفوس فالوطن مسقط الرأس ، ومقر التنشئة الاجتماعية، ومكان العرض والشرف، على أرضه يحيا الفرد ويعبد ربه ومن خيراته يعيش ومن مائه يرتوي ، ومن كرامته ينال عزته ، به يعرف ، وعنه يدافع ، والوطن نعمة من الله على الفرد والمجتمع، ومحبته، وولائه، دائرة أوسع من دائرة محبة الأسرة، والحي الواحد، وهى في الوقت ذاته أصغر من دائرة الانتماء، والمحبة، والولاء للإسلام. والانتماء للوطن إنما هو معزز للانتماء الإسلامي الذي هو الدائرة الكبرى كوطن أكبر للمسلمين. ومن إحسان الانتماء للوطن تنشئة الأفراد على المحبة والألفة والتماسك بينهم ويمكن أن يتم هذا في إطار الخلية الأولى للمجتمع وهى الأسرة التي اهتم بها الدين الإسلامي وأوضح أنه من لا خير فيه لأهله فلا خير فيه لوطنه وأن من لم يتعود القيام بواجب الانتماء – بعد الإسلام – لأبيه وأمه، فلن يرجى منه القيام به تجاه وطنه.
إن تربية المواطنة مسلك مهم من مسالك البناء، فهي تزرع في نفوس الصغار كيف أن عزتهم وكرامتهم لا يمكن أن تتحققا إلا بعزة الوطن وإعلاء شأنه، ولذلك فإنها في المؤسسات التربوية تعد عاملاً مصيرياً ترتبط به المسيرة التنموية حاضراً ومستقبلاً، فعندما يتعلم أولادنا قيمة الوطن تعلو في نفوسهم قيمتهم، فالمواطن نواة الوطن، والوطن حصاد المواطن، ومن هنا تأتي أهمية تربية المواطنة التي هي عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالواجب تجاه المجتمع، وتنمية الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، وتعريف الناشئة بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، وأنها لم تأتِ مصادفة بل ثمرة عمل دءوب وكفاح مرير، ولذا من واجبهم احترامها ومراعاتها.
ويستلزم مفهوم تربية المواطنة تنشئة الصغار والشباب وتهيئتهم للمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، وتمكينهم ليصبحوا مواطنين مدركين لمسؤولياتهم وحقوقهم وواجبا تهم، ملتزمين بالقيم الإسلامية والمبادىء الســــياسية للمجتمع والدولة، مالكين للمعارف والمهارات الأساسية اللازمة للمشاركة الفاعلة في الحياة.
ومن المؤكد أن تربية المواطنة هي حصيلة مجموعة من الجهود التي تقوم بها مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية، وأنه لا يمكن تعلمها بشكل كلي في الكتب والمقررات الدراسية، بل تعتمد بالدرجة الأولى على الممارسات والتطبيقات التي تتم داخل المدرسة أو خارجها. وتربية المواطنة عملية مستمرة، بحيث ينبغي العمل بشكل دائم على تكوين المواطن وتنمية وعيه بنظام حقوقه وواجبا ته، وترسيخ سلوكه وتطوير مستوى مشاركته في دينامكية المجتمع الذي ينتمي إليه. فالتربية على المواطنة في جوهرها تربية على المسؤولية ، إذ من المفترض أن تجعل المواطن مسئولا كامل المسؤولية، ومشاركا بشكل فعال في مجتمعه. إن غرس وإدراج ثقافة وقيم المواطنة في المنظومة التعليمية، يتطلب أفقا زمنيا طويل الأمد حتىتؤتي أكلها وتنضج ثمارها، وهي في جميع الحالات في حاجة إلى التكامل والتواصل المستمر مع مؤسسات المجتمع الأخرى. كما أن أهداف تربية المواطنة لا تتحقق بمجرد تسطيرها وإدراجها في الوثائق الرسمية، بل إن تحقيق الأهداف يتطلب ترجمتها إلى إجراءات عملية وتضمينها المناهج والكتب الدراسية، ومناهج إعداد رجال التربية وتهيئة المجتمع المدرسي لإدراك تلك الأهداف.
II– الدراسات السابقة
تحظى قضية المواطنة في التعليم باهتمام كبير من جانب االاكاديميين و مراكز البحوث. وفي هذا السياق عقد مؤتمر المواطنة في التعليم بجمهورية مصر العربية, والذي ركز على دور المؤسسة التعليمية في دعم ثقافة المواطنة. وتناول المؤتمر مفهوم المواطنة في التعليم من ناحية إجرائية في محاولة لتحديد الحقوق والواجبات، مع عرض لدور المعلم والإدارة و المدرسية في تدعيم ثقافة المواطنة وزرع المواطنة الحقيقية في نفوس التلاميذ. كما تناول المؤتمر ازدواجية التعليم وما لها من آثار إيجابية وسلبية في تحقيق وتعميق مفهوم المواطنة, وتم تحديد صور هذه الازدواجيات في عدة محاور هي: ازدواجية التعليم الحكومي والتعليم الخاص بنوعيه الاستثماري والأجنبي, ازدواجية التعليم الفني والتعليم العام, ازدواجية تعليم البنات وتعليم البنين, ازدواجية الأميين والمتعلمين, ازدواجية التعليم الديني والتعليم المدني. كما ناقش المؤتمرون دور المناهج التربوية في تدعيم ثقافة المواطنة, وذلك من خلال تحليل الواقع الموجود بالمناهج, التي يدرسها التلاميذ في المدرسة.
ويؤكد ابن الشيخ (1421هـ) على ركنين أساسين تميزت بها المملكة العربية السعودية على الأخص (على مستوى الدولة والمواطن) وهما الولاء الديني للإسلام، وولاء المواطن للسلطة. كما يوضح أبرز الأسس للنظام الأساسي للحكم باعتباره المنظم لعلاقة الحاكم بالمحكوم والمواطن بالوطن، ويتجه نحو الوطن الصغير للإنسان وهو (الأسرة) مخصصاً الفصل الرابع من كتابه للحديث عن رسالة المواطن نحو أسرته من تربية للأبناء وعشرة صالحة للزوجة وقبل هذا بر بالوالدين. ويختتم الكاتب كتابه ببيان أبرز الحلول للمشكلات التي تواجه المواطنة الصالحة وذلك عبر تفعيل دور الأسرة وتكويناتها الأساسية إضافة لدور المسجد و المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام نحو ترسيخ المبادئ الوطنية والتصدي للعوائق التي تعترضها.
وقام المنوفي (1991م) بدراسة توصل من خلالها إلى أن التنشئة المدرسية ترمي إلى اكتساب الطفل هويته الوطنية؛ فالمقررات التي يدرسها ترتبط بالوطن أرضاً، وتاريخاً، وبشراً، وتستثير لديه مشاعر الزهو بالانتساب إليه. ويشير متولي (1416هـ) إلى أن المرحلة الثانوية تعد دعامة مهمة لمساعدة التلاميذ على تفهمهم لذلتهم وتنمية قدراتهم إلى أقصي حد ممكن، وأن هذه المرحلة فعالة في تنمية المهارات اللازمة للمواطنة الناضجة بأبعادها المختلفة.
وتفيد دراسة حديثة أن المدارس أحرزت أفضل النتائج في تربية المواطنة عندما تم تدريس محتوى ومهارات المواطنة ضمن جو الفصول الدراسية المفتوحة لمناقشة قضايا المواطنة والتركيز على أهمية العمل الوطني، و تشجيع التكامل بين المدارس ومؤسسات المجتمع. وكانت هذه النتيجة من ضمن النتائج التي توصلت إليها دراسة مقارنة حول التربية الوطنية في ثمان وعشرين دولة شارك فيها تسعون ألف طالب ممن تقع أعمارهم في حدود أربعة عشر سنة وتم اختبارهم في المحتوى المعرفي والمهاري للتربية الوطنية كما تم التعرف على آرائهم حول مفاهيم المواطنة ومواقفهم تجاه المؤسسات الحكومية والمدنية. (Torney-Purta, 2002
ووفقاً لبيستك (1423هـ) فقد أظهرت دراسة أولية أجريت في 12 مدرسة بريطانية تدرس بها التربية الوطنية، أن لتعليم التلاميذ كيف يكونون مواطنين صالحين أثرا أكبر وأعمق بكثير من مجرد إشباعهم بالإحساس بالمسؤولية. كما كشفت الدراسة عن العلاقة بين «مشاركةالطالب» في عملية اتخاذ القرار ونمو ثقته بنفسه وزيادة رغبته وإقباله علي التعلم.
وبمقارنة هذه المدارس بالمدارس المماثلة، وجد أن درجات طلبة شهادة الثانوية العامة جاءت أعلى من المتوقع، وذلك لأن التربية الوطنية لا تعني إشراك الطلاب في عملية اتخاذ القرارات فحسب، لكنها تولِّد لديهم الإحساس بالاستقلال والمسؤولية وثقة الآخرين بهم أيضا.
ويشير نعيمي وآخرون ((1998 في دراسة بعنوان تربية المواطنة: ما الذي يجعل التلاميذ يقبلون على تعلمها إلى أن هناك عمليات معرفية ينبغي للمربين التركيز عليها عند تعليم التربية الوطنية وكانت هذه الدراسة تحليلا لواقع المدارس الأمريكية الثانوية و ما الذي يتعلمه الطلاب عن حكومتهم وعن السياسة وآليات تعلمهم. وقد طور المؤلفون نموذجا يرونه مناسبا لتعليم التربية الوطنية بشكل فاعل. وحاولوا تحديد ما يعرفه التلاميذ فيما يتعلق بتربية المواطنة ووجدوا تفاوتا كبيرا بينهم في المعرفة الوطنية تبعا لبعض المتغيرات مثل الجنس, والعرق, نوع المدرسة, وخصائص أخرى مرتبطة بالمنزل والمدرسة و الفرد. لقد اثبت المؤلفون أن التعليم يمكن أن يسهم بفاعلية في تعلم المفاهيم الوطنية وتربية المواطنة.
وتناقش أندولينا وآخرون (2002) نتائج دراسة ضخمة أجريت على المجتمع الأمريكي للتعرف على العلاقة بين تربية المواطنة و السلوك السياسي مع شئ من التركيز على فئة الشباب. ويشيرون إلى أنه في بدايات هذه المرحلة من الدراسة تم الاستماع إلى قضايا الشباب التي يهتمون بها وتصوراتهم المرتبطة بالمشاركات الوطنية. كما تضمنت الدراسة تفصيل الصعوبات التي تواجه مشاركة الشباب في الخدمة الوطنية.
ويشير كامبل (2003) في دراسة عن تأثير نظام التعليم الكندي في تربية المواطنة.إلى انه لم يثبت لديه أن التعليم الكندي أسهم سلبا في تربية المواطنة بل أن النتائج تؤكد أن هناك مجموعة من القيم و الممارسات و التوجهات التي تثري علاقة الفرد بوطنه يتم تعلمها في المدرسة.
ويؤكد فينكل(2000) أن الحكومة الأمريكية تعول كثيرا على برامج تربية المواطنة لأنها تقوم بتعليم قيم الديموقراطية واحترام المكتسبات الوطنية وتعزيز الانتماء والتماسك الوطني. وهذا ما يجعلها تنفق عشرات الملايين من الدولارات سنويا على تلك البرامج. ويضيف فينكل إلى أنه ثبت لديه من دراسة ميدانية على بعض الدول النامية أن تعليم الديموقراطية في المدارس يسهم بدلالة إحصائية إيجابية في احترام الرأي الآخر وفي التعايش مع الآخرين وتحملهم مما له الأثر الملموس في مفاهيم تربية المواطنة.

ويشير بيستك (1423هـ) أن التربية الوطنية صارت تدرَّس بجميع المدارس في بريطانيا كجزء من منهج التعليم القومي، لكن غرس المعنى الحقيقي للمواطنة لا يتم إلا بتضافر جهود المدرسة والأسرة، وبقية مؤسسات المجتمع. ويضيف مستشهداً بمقابلات أجراها مع بعض المعلمين والمديرين إلى أن أحدهم يقول “نحن نحاول تشجيع التلاميذ على المشاركة في عملية اتخاذ القرار بالمدرسة، لكي يدركوا منذ الصغر أهمية تحمل مسؤولية أنفسهم، بالإضافة إلى مراعاة الآخرين، وعندما تراهم الآن في اجتماعات مجلس الطلبة فإنك ترى أمامك نموذجا صالحاً للمواطنين .” و هذه المبادرة الجديدة التي قامت بها الحكومة البريطانية قد تختلف من مكان لآخر في كافة أنحاء البلاد، لكنها تهدف بشكل موسع إلى مساعدة التلاميذ على التفهم الكامل لوا جباتهم ومسؤولياتهم.

وفي دراسة أخرى قام لوسيتو (2003) بالتعرف إلى أثر مناهج التربية الوطنية في نظام التعليم الإيطالي ومدى الكفاءة النوعية لمشاركة الطلاب في النشاطات والفعاليات الوطنية مما يحقق أهداف التربية على المواطنة. ويشير لوسيتو إلى أنه ينظر للتربية الوطنية على أنها هدف أساس من أهداف نظام التعليم الإيطالي, ولذا فهي تؤكد على مفاهيم ومنطلقات سياسية وطنية تحث على المحافظة على الدستور واحترام حقوق الوطن والتعريف بحقوق المواطنين. وقد حظيت مناهج التربية الوطنية بعدة مراجعات وإصلاحات بهدف إدخال مفاهيم وقيم جديدة من مثل التعليم من أجل السلام, التعايش مع الآخرين, احترام الأقليات, التربية البيئية….الخ. وفي مجال مشاركة الطالب في النشاطات المنهجية وغير المنهجية المرتبطة بتربية المواطنة، أشار الباحث إلى أن طلاب المرحلة الثانوية يمارسون أنشطة تنمي لديهم العمل التطوعي والمشاركة الديموقراطية في انتخابات المدرسة. وهم يعقدون اللقاءات التنظيمية ولجان الانتخابات التي يختارون من خلالها ممثلهم في اللجان الرئيسة في المدرسة. وتسهم المناهج الدراسية في تأصيل هذه الأنشطة والتشجيع عليها. ولكن لوسيتو يخلص من دراسته إلى التأكيد على وجود فجوة بين المناهج المخطط لها وبين الواقع الفعلي لتنفيذها في المدارس وهذه الفجوة تشمل ممارسات المعلمين وعدم القدرة على تحقيق الأهداف التعليمية التي بنيت عليها تلك المناهج. كما أن الوقت الذي يمضيه المعلم في تدريس تلك المقررات أقل من الوقت المحدد لها في الخطة. وهناك أسباب أخري تعود لدمج مفاهيم التربية الوطنية بالمواد الاجتماعية الأخرى كالتاريخ إذ يطغى تدريسه على تدريس التربية الوطنية. وختاما فقد أكد الباحث على أن دراسته التي قاس فيها مدى استيعاب الطلاب لمفاهيم التربية الوطنية توصلت إلى نقص أساسي في ذلك.

وفي تقرير حديث جداً (ديسمبر,2004) صدر عن منظمي حملة الرسالة الوطنية للمدارس الأمريكية (Campaign for the Civic Mission of Schools) بعنوان: (من الفصل الدراسي إلى المواطنين: المواقف الأمريكية تجاه التربية الوطنية) يشير إلى أنه بالرغم من اعتقاد غالبية الشعب الأمريكي بأن التربية الوطنية قادرة على تعليم الطلاب الديموقراطية وأسس الحياة المدنية إلا أن هناك من يرى أن المدارس لا تحقق رسالتها الوطنية ولا تؤدي دورها المطلوب بشكل كاف في إعداد المواطن الصالح الذي يشارك ويتفاعل مع قضايا مجتمعه مما يجعله عاجزاً عن ممارسة واجبا ته الوطنية. ومن هنا فإن التقرير ينادي إلى أن تتولى المؤسسات التعليمية مسؤولية النهوض بالتربية الوطنية حتى تحقق ما أنيط بها من توقعات على المستوى الشعبي والوطني و الرسمي.
أما قالستون (Galston, 2001) فيرى أن تربية المواطنة في المجتمع الأمريكي بدأت تعود للسطح بعد غياب طويل. إذ إن الوعي السياسي لخريج الجامعة في الوقت الحاضر لا يساوي ما كان عليه خريج الثانوية في الماضي أي قبل ما يزيد عن خمسين عاما. ويرى قالستون أنه لكي يتحقق التعليم الصحيح للمواطنة في المدارس لابد من شراكة حقيقية مع المجتمع المحلي يتم خلالها الإسهام في جهود المدرسة والتفاعل معها بشكل إيجابي.

وفي أسبانيا يشير نافال وآخرون (2003) إلى أن نظام التعليم الأسباني أدرك أهمية التركيز على إصلاح برامج تربية المواطنة خاصة بعد تنامي دعاوى العولمة وبعد قيام الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يمد ظلاله على الدول الأوروبية كافة بعيدا عن حواجز اللغة والثقافة. لقد انتشرت المناداة بتعليم الديموقراطية في المدارس وتفعيل دور المدرسة لإعداد المواطن الجديد في القرن الحادي والعشرين, ولن يتم كل ذلك إلا بعمل إصلاحي عميق تتم فيه مراجعة البرامج التعليمية وإجراء البحوث العلمية وصياغة السياسات التربوية وإصلاح المناهج الدراسية على أسس حديثة. وتؤكد الدراسة أن عملية إصلاح برامج تربية المواطنة ليست مسؤولية المدرسة فحسب بل هي مسؤولية الأسرة والمجتمع ووسائل الأعلام وكافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

و في دراسة مقارنة قام ستار كي (2000) بالتعرف إلى تربية المواطنة في كل من بريطانيا وفرنسا. وقد وجد أن كلا الدولتين اهتمتا أكثر بالتركيز على تربية المواطنة في أواخر التسعينات الميلادية. إلا أن نظام التعليم الإنجليزي كان يهتم بخلق مجتمع متنوع الثقافات ولكنه متوحد في وطنيته وولائه. في الوقت الذي اخذ النظام التعليمي الفرنسي على عاتقه التأكيد على الالتزام بنبذ العنصرية وبالمناداة بحقوق الإنسان ومعارضة الممارسات غير العادلة. وهذا الاختلاف في التوجه يعكس اختلاف الأيدلوجية السياسية التي انطلق منها النظامان السياسيان في بريطانيا و فرنسا. ولقد انعكس ذلك الاختلاف في نوعية برامج تربية المواطنة المقدمة في النظامين, فبينما يقوم نظام التعليم الفرنسي بالتأكيد على اندماج الأفراد في إطار النظام السياسي الجمهوري, يهدف النظام الإنجليزي لخلق مجتمع جديد و هوية وطنية جديدة. ومهما كان الاختلاف بين النظامين إلا أنهما يتفقان على توعية المواطنين بواجباتهم وحقوقهم ودفعهم للعمل الإيجابي في خدمة الوطن وتحقيق مصالحه.

III- الأساليب والطرق التدريسية للمواطنة
يتأثر تدريس التربية الوطنية والمواطنة بالغايات التربوية التي تقوم عليها، سواءً كمادة دراسية مستقلة أو متضمنة في الدراسات الاجتماعية، وقد أورد (Martorella, 1991) خمسة مجالات يمكن تدريس التربية الوطنية من خلالها:
ا. عند تدريس الدراسات الاجتماعية من أجل نقل التراث أو ثقافات الجيل الأول للجيل الذي يليه، فإن التربية الوطنية تهدف إلى نقل المعارف والمعلومات التقليدية والقيم كإطار أو هيكل لاتخاذ القرارات.
ب. عند تدريس الدراسات الاجتماعية، كالعلوم الاجتماعية، فإن التربية الوطنية تهتم بتعليم مفاهيم وتعميمات العلوم الاجتماعية لبناء قاعدة معلومات يتم تعلمها فيما بعد.
ج. عندما تدرس الدراسات الاجتماعية من أجل التفكير ألتأملي والبحث والاستقصاء، فإن التربية الوطنية تسعى إلى استخدام عمليات التفكير والحصول على المعارف والمعلومات التي يحتاج المواطن معرفتها لاتخاذ القرارات وحل المشكلات التي تواجهه.
د. عند تدريس الدراسات الاجتماعية من أجل النقد الاجتماعي، فإن التربية الوطنية تسعى إلى تنمية قدرة الطالب لاختبار ونقد وتنقيح التراث السابق أو التقليدي والوضع الاجتماعي القائم من خلال استخدام طريقة حل المشكلات.
ه. عند تدريس الاجتماعيات من أجل نمو الشخصية، فإن التربية الوطنية تهتم بتطوير ونمو المفهوم الذاتي الإيجابي وتطوير شخصية الطالب بفاعلية وإحساس قوي.
وبيّن (Grelle, & Metzger, 1996) أن الدراسات الاجتماعية تعد أفضل أداة نقل لإبراز التآلف أو التنشئة الاجتماعية(Socialization)، ولإعداد الطلاب بالبنية الاجتماعية الموجودة أو القائمة في المدرسة والمجتمع، حيث إن نقطة القوة الوحيدة في طريقة التنشئة التقليدية، حسب قو لهما، أسهمت بدور بارز في جعل الدراسات الاجتماعية تقوم بدور فعال في مهمة التربية الوطنية في المجتمع الأمريكي.
ويبين (Engle and Ochoa) قو لهما بأن التعليم الذي يركز على حقائق منعزلة أو جامدة، فإنها غالباً ما تكون غير مفيدة، بل إنها مضرة على تحصيل الطالب وتنمية قدراته الفكرية، وهناك موضوع واحد مهم في التعليم ألا وهو الحياة بكل مظاهرها.
ويؤيد (Chapin & Messick, 1989) ما أكده (Engle and Ochoa) حول ضرورة ربط ما يتعلمه الطلاب عن المواطنة في مدارسهم بمجتمعهم الذي يعيشون فيه، حيث تعد عملية ربط منهج التربية الوطنية بواقع الطلاب وحياتهم من العناصر المهمة في تطوير المواطنة وتحقيق أهدافها، وحتى يتم تحقيق ذلك فلابد من ممارسة الطلاب للأنشطة والخبرات في مجتمعهم وبيئتهم بشكل مباشر.
وقد أورد (Chapin) مجموعة من النشاطات التي يمكن أن يقوم الطلاب بها من خلال زيارة بعض الأماكن المهمة في المجتمع، وذلك لمعرفة الطلاب بها وتطوير معنى المواطنة لديهم، مثل : الشرطة لأطفال الروض، الدفاع المدني للصف الأول، البلدية للصف الثاني، المواصلات للصف الثالث، الصحة للصف الرابع، المحكمة للصف الخامس، الخدمة الاجتماعية للصف السادس، صحة البيئة للصف السابع ، المجالس الإقليمية للصف الثامن …).
كما بين (Entwistle, 1994 & Martorella, 1991) أن التربية الوطنية يتم تعلمها داخل المدرسة من خلال المنهج الرسمي للمدرسة والمنهج الخفي، حيث تقوم سياسة المدرسة وأعرافها وعاداتها وأنشطتها وأحكامها ونماذجها بدور بارز في اكتساب الاتجاهات والمعلومات التي لها علاقة بالتربية الوطنية، وهنا يبرز دور المنهج الخفي. أما داخل حجرة الصف ، فإن (مادة) التربية الوطنية (Civic Education)، كما يوضح ذلك (Oppenhiem & Tomey, 1974) ، لا تقف عند نقل المعارف (Knowledge) للطلاب ، ولكنها تهدف إلى غرس الاتجاهات والقيم المشتركة، مثل مبدأ المسؤولية السياسية والتسامح والعدالة الاجتماعية، واحترام المسئولين أو السلطات المسئولة ، ويتم استخدام جانب المحتوى المعرفي أو ألإدراكي في المنهج لإلقاء الضوء على الإيديولوجيات والمبادئ الأساسية للمجتمع، الأحكام أو القوانين الأساسية.

1- دور الأسرة في تربية المواطنة 
تقوم الأسرة بدور هام في عملية التنشئة الاجتماعية وبالتالي في تربية المواطنة، وذلك لكونها المحيط الأول الذي ينشأ فيه الطفل ويقضي فيه معظم وقته إن لم يكن كله في أشهره الأولى، فعن طريق الأسرة يبدأ الطفل التعرف على ذاته الاجتماعية، ومنها ينطلق إلى إشباع حاجاته العضوية والاجتماعية عن طريق التفاعل الاجتماعي داخل الأسرة مع أفرادها وأول هذا التفاعل يكون مع الأم وخاصة في أشهره الأولى من ولادته حيث تجده دائم الالتصاق بها تعطيه الدفء والحب والحنان، ومنها يبدأ تكوين علاقاته الاجتماعية داخل نطاق الأسرة مع إخوانه وأخواته، وهنا تحدث عملية التنشئة الاجتماعية للطفل. وفي الأسرة يكون كل من الأب والأم العاملين الرئيسـين في مسألة تنشئة الابن وتشريه القيم المهمة في حياته. وتعتمد التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة على عدة عوامل مثل المستوى التعليمي للأبوين والمسـتوى الاقـتصادي والاجـتماعي، وجميع هذه العوامل تؤثر تأثيراً معـيناً في فاعلـية التنـشئة الاجتماعية إن إيجاباً أو سلباً.

كما تعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية التي تعنى بالتماسك الاجتماعي لكونها مصدرا لتكوين الشخصية والانتماء والهوية الإنسانية والوطنية ومفرز المثل السلوكية والتكيف مع المجتمع من خلال الدور الذي تقوم به في تربية الناشئة. فالوطن بكافة أركانه ومؤسساته وبرامجه المنصبة نحو خلق الإنسان المسئول في المجتمع وتكوين البيئة الملائمة لرقي المواطنين لن يصل إلى مرامه المنشود إلا إذا ابتدأ سريان نفس هذه الروح ونفس هذه التوجهات نحو الأهداف ذاتها من داخل الأسرة. فدورها هو الأساس الذي تقوم على ركائزه برامج مؤسسات الوطن.

ومن أهم مسئوليات الأسرة إعداد الفرد ولاسيما الناشئة نفسياً وجسمياً وعاطفياً واجتماعياً، وذلك بواسطة تغذيته بالأسس السليمة للحياة والعمل في المجتمع وتزويده بالمهارات والمواقف الأساسية التي يحتاجها، للتفاعل مع متطلبات ومحددات الثقافة المجتمعية. وبذلك يستطيع الفرد أن يتعايش في مجتمعه عن طريق كسب الاحترام الاجتماعي له ولإمكانياته. ومن هنا يبدأ في الانتماء إلى بيئته الأوسع وإلى مجتمعه ووطنه من خلال الترابط بين ما اكتسبه في بيئته الأولى وهي الأسرة وبين المكنونات المجتمعية لهويته الدينية والثقافية والاجتماعية المرتبطة بوطنه. ومن ثم يبدأ في التكيف السلس والسهل مع مسئولياته الوطنية.
ولا يصح للأسرة الاتكال على المدرسة أو على المؤسسات التربوية الأخرى لتوجيه الأبناء وتعويدهم على مقومات المواطنة الصالحة. ومهما يكن أفراد الأسرة منغمسين في أعمالهم وانشغالاتهم، إلا أن ذلك لا يسقط عن كاهلهم تخصيص الوقت الكافي لتنشئة الأبناء التنشئة الصالحة. وعندما يكون لدينا مجتمع تتكامل فيه مسئوليات الأسرة مع المسئوليات التربوية للمؤسسات التعليمية، وتشترك فيه الأسرة مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى في أخذ زمام المسئولية في هذا المجال نستطيع بذلك أن نضع الخطوات الصحيحة على درب بناء وطن متقدم وزاهر يعيش ويسعد فيه كل مواطن.

ومن أهم المجالات التي ينبغي للأسرة التركيز عليها لتعزيز تربية المواطنة الصالحة في أطفالها يشير شكيب (2002م) إلى ما يلي:
1- ربط الطفل بدينه، وتنشئته على التمسك بالقيم الإسلامية، والربط بينها وبين هويته الوطنية، وتوعيته بالمخزون الإسلامي في ثقافة الوطن باعتباره مكونا أساسيا له.
2- تأصيل حب الوطن والانتماء له في نفوس الناشئة في وقت مبكر، ويتم ذلك بتعزيز الشعور بشرف الانتماء للوطن، والعمل من أجل رقيه وتقدمه، والدعوة إلى إعداد النفس للعمل من أجل خدمة الوطن ودفع الضرر عنه، والحفاظ على مكتسباته، والمشاركة الفاعلة في خطط تنميته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
3- تعويد الطفل على الطهارة الأخلاقية وصيانة النفس والأهل والوطن من كل الأمراض الاجتماعية والأخلاقية الذميمة، وحثه على التحلي بأخلاقيات المسلم الواعي بأمور دينه ودنياه.
4- تعزيز الثقافة الوطنية بنقل المفاهيم الوطنية للطفل، وبث الوعي فيه بتاريخ و طنه وإنجازاته، وتثقيفه بالأهمية الجغرافية والاقتصادية للوطن.
5- العمل على إدراك الطفل للمعاني التي يرمز لها “العلم”، والنشيد الوطني، ولاحترام قادة وولاة أمر الوطن.
6- تعويد الطفل على احترام الأنظمة التي تنظم شئون الوطن وتحافظ على حقوق المواطنين وتسير شؤونهم. وتنشئة الطفل على حب التقييد بالنظام والعمل به.
7- تهذيب سلوك وأخلاق الطفل، وتربيته على حب الآخرين والإحسان لهم، وعلى الأخوة بين المواطنين، وحب السعي من أجل قضاء حاجات المواطنين لوجه الله تعالى والعمل من أجل متابعة مصالحهم وحل مشاكلهم ما أمكن ذلك.
8- تعويد الطفل على حب العمل المشترك، وحب الإنفاق على المحتاجين، وحب التفاهم والتعاون والتكافل والألفة بين كافة المستويات الاقتصادية في الوطن.
9- تعزيز حب الوحدة الوطنية في نفس الناشئة، وحب كل فئات المجتمع بمختلف انتماءاتهم، والابتعاد عن كل الإفرازات الفئوية والعرقية والطائفية الممقوتة، مع التأكيد على الفرق بين الاختلاف المذهبي المحمود وبين التعصب الطائفي المذموم.
10- نشر حب المناسبات الوطنية الهادفة والمشاركة فيها والتفاعل معها، والمشاركة في نشاطات المؤسسات الأهلية وإسهاماتها في خدمة المجتمع بالمشاركة في المهرجانات الوطنية التي تدل على تعاون المجتمع،سواء الثقافية أو الفلاحية والتجارية أو الفنية أو السياسية كأسبوع الشجرة وأسبوع المرور، وأسبوع العناية بالمساجد وغيرها كثير.
11- تعزيز حب التعاون مع أجهزة الدولة على الخير والصلاح، مع التأكيد على الابتعاد عن كل ما يخالف الأنظمة من سلوكيات غير وطنية، ومفاسد إدارية ومالية ومقارعتها والسعي للقضاء عليها.
12- تعزيز حب الدفاع عن الوطن ضد كل معتد عليه، والدفاع عنه بالقلم واللسان والسلاح.
13- العطف على المواطنين الضعفاء والمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. وغرس روح المبادرة للأعمال الخيرية.
14- غرس حب العمل التطوعي، وحب الانخراط في المؤسسات الأهلية الخادمة للوطن.

ومن الوسائل المعينة للوالدين لتحقيق ما سبق أشار شكيب (2002م) لما يلي:
1- اغتنام كل فرصة للحديث المباشر مع الأبناء حول مقومات المواطنة الصالحة.
2- ترديد الأناشيد التي تدعو إلى فعل الخيرات والسعي لخدمة الوطن.
3- تزويد مكتبة المنزل بكتب وأدبيات وأشرطة صوتية تحتوي على المفاهيم المعززة للمواطنة الصالحة.
4- المشاركة مع الأبناء في رسم صور حول منجزات الوطن، ولصقها على جدران غرفهم.
5- قص القصص المحفزة عن حب الوطن والموجهة لشخصية الطفل باتجاه المواطنة الصالحة.
6- التعريف بالوطن تاريخه وجغرافيته وبيان أهميته العالمية.
7- التعريف بصروح الوطن بأخذ الأبناء في جولات تشمل المواقع التاريخية والتراثية والمتاحف في البلاد، مع سرد قصة كل موقع منها.
8- تنشئة الأبناء على العادات الإيجابية للمواطن المخلص لوطنه واحترام قواعد وأنظمة الأمن، والسلامة، والمرور، وأن يبينوا لهم بالأمثلة والشواهد المقربة إلى عقولهم بأن هذه الأنظمة والقوانين إنما وضعت للحفاظ على مصالحنا وحقوقنا ولتسيير شؤوننا الحياتية.
9- تعريف الأبناء والأحفاد بالرموز الدينية والوطنية الذين طالما خدموا الوطن في الماضي في المجالات العلمية والدينية والاجتماعية وغيرها.
10- إشراك الأبناء في الزيارات الاجتماعية التي يقوم بها الوالدان لأفراد المجتمع بجميع فئاته، وتعويدهم على مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم.

2- دور المسجد في تربية المواطنة
يعد المسجد مقراً للصلاة التي هي ركن من أركان الدين الإسلامي. وفي المسجد يتربى الفرد على القيم وأنماط السلوك السوي، فضلاً عن تعزيز المعاني الروحية التي تربط الفرد بخالقه وتؤصل فيه حقيقة خلقه ورسالته في الحياة. والوطن جزءٌ من أرض ممتدة تشكِّل بالنسبة إلى المسلم مسجداً، فلقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم : ” وجُعِلتْ ليَ الأرض مسجدا ًوطهورا ً، فأيُّما رجلٌ مِنْ أمتي أدركته الصلاة فليصل “.
وحب الوطن أمر مشروع جاء القرآن الكريم والسنة المطهرة لتؤصله وتحدد معالمه وأسسه التي توافق الطبيعة البشرية، ولسنا هنا بصدد الحديث عن مناقشة الأدلة التي تدل على ذلك ولكننا نؤكد على أن حب الوطن يستلزم القيام بحقوقه وتربية الأبناء على ذلك في كافة المؤسسات التربوية والاجتماعية، والتي من أهمها المسجد. فالوطن الذي تحبه النفوس وتهتز القلوب شوقاً لذكراه، والوطن الذي أعطانا الحب والخير، وفيه تعلمنا وعبدنا ربنا يطلب منا أن نعطيه حتى نحافظ عليه وعلى استمرارية عطائه لأجيالنا القادمة.
وينبغي للمسجد أن يؤصل في نفوس أبناء المجتمع الافتخار بوطنهم، والدفاع عنه، والشعور العارم بفضله، والحرص على سلامته واحترام مقدراته. ولذا كان على خطب الجمعة مثلاً أن تؤكد على حقوق الوطن وأن تغرس في أبنائه القيام بواجبهم تجاهه بأمانة وإخلاص وتكاتف وتناصح بينهم. وأن يعمل كل منهم حسب مجاله وتخصصه فيما أسند إليه من مهام وما طلب إليه من أعمال، فكل مواطن هو في الحقيقة جندي من جنود الوطن.
ومن حقوق الوطن التي يجب على المسجد التأكيد عليها الدفاع عنه وأن هذا يعد جهاداً في سبيل الله. والدفاع عن الوطن لا يعني حمل السلاح والمواجهة العسكرية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل معه كل إسهام يخدم الوطن، ويترتب عليه صلاح في الدين والدنيا. وحب الوطن الذي تتحقق فيه ممارسة العقيدة لابد أن يجعل أفراده يستميتون في سبيل حمايته والدفاع عنه والسعي خلف ولاة أمره لرد كل كائد أو حاسد وإلا كان الحب حباً فارغاً لا يؤثر في السلوك.
ومن هنا يتضح أن هناك اتفاقاً عاماً بين المختصين على أن تحقيق المواطنة الصالحة يمثل الهدف الرئيس للنظام التربوي في كل الدول، مما أدى بها للاهتمام بالتربية الوطنية، ولكن هذا الاهتمام يتفاوت من دولة إلى أخرى. وعلى ضوء ذلك يجب التأكيد على دور المدرسة في تنمية المواطنة الصالحة والفعالة ويتمثل ذلك في تنمية الديمقراطية باستخدام التربية والتأكيد على طرق التدريس المختلفة داخل الحياة المدرسية لتنمية المواطنة .

3 – دور المدرسة ضمن الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة
المدرسة وحدة اجتماعية لها جوها الخاص الذي يساعد بدرجة كبيرة على تشكيل إحساس الطالب بالفاعلية الشخصية، وفي تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعي القائم. فهي تلعب دوراً حيوياً في عملية التنشئة السياسية خاصة أنها تمثل الخبرة الأولى المباشرة للطالب خارج نطاق الأسرة، وذلك من عدة زوايا، فهي تتولى غرس القيم والاتجاهات السياسية التي يبتغيها النظام السياسي بصورة مقصودة من خلال المناهج والكتب الدراسية والأنشطة المختلفة التي ينخرط فيها الطلاب، وليس بصورة تلقائية كما هو الحال في الأسرة أو المؤسسات الأخرى. كما أن المدرسة تؤثر في نوع الاتجاهات والقيم السياسية التي يؤمن بها الفرد، وذلك من خلال علاقة الأستاذ بالطالب، ومن خلال أداء الأستاذ لعمله، ومن خلال التنظيمات الإدارية:
1. نوعية الأساتذة :
عندما يكون الأستاذ متمكناً من مادته الدراسية متعمقاً فيها، فإنه يكتسب قدراً كبيراً من احترام الطلاب، وبالتالي يسهل عليه التأثير عليهم فكرياً، فإذا أضاف إلى ذلك معاملة يظهر فيها إيمانه بتوجهات النظام السياسي القائم وتحمساً له، فإن طريقه يصبح سهلاً لغرس قيم هذا النظام في قلوب الطلاب والعكس صحيح.
2. العلاقة بين الأستاذ والطالب :
تختلف العلاقة في الفصل الدراسي بين الأستاذ والطالب من أستاذ إلى آخر ومن بيئة مدرسية إلى أخرى، فقد تكون العلاقة ذات طبيعة سلطوية لا تسمح للطالب أن يناقش الآراء والأفكار التي يطرحها الأستاذ وقد يتجاوز ذلك إلى استخدام أساليب الاستبداد والقهر، أو يكون الأستاذ ذا طبيعة ديمقراطية يتعامل مع الطلاب بنوع من الحرية لتركهم يعبرون عن آرائهم وأفكارهم من خلال نقاش مفيد مما يساعد على نمو شخصياتهم وزيادة ثقتهم بأنفسهم، ولهذا الأسلوب أو ذاك تأثيره المؤكد على اتجاهات الطلاب سواء بالسلب أو الإيجاب.
3. التنظيمات الإداريــة:
لكل إدارة مدرسية أسلوب وتنظيمات معينة تدير بها المدرسة، ويتوقف نمو الإحساس لدى الطالب بالاقتدار الذاتي والانتماء الاجتماعي على إمكانية انضمامه إلى هذه التنظيمات والمساهمة في شؤون المدرسة، والحد الذي تسمح به لانسياب الآراء في معظم الاتجاهات.
ومن هنا يتضح تأثير طبيعة النظام المدرسي على الطلاب، ففي نظام يعتمد على الحفظ والترديد، ويعد نتائج الامتحانات المؤشر الوحيد لتقويم الطلاب، تبرز النزعات الفردية وتتفشى ظاهرة الغش والمنافسة السلبية، بينما تختفي مثل هذه النزعات في نظام تعلم يقوم على القراءة والإطلاع الحر ويغرس قيم الابتكار والجماعية والتعاون.
وقد أشار (القحطاني، 1418هـ) إلى البيئة المدرسية بأن لها تأثيراً مباشراً في تحقيق ما تهدف إليه التربية الوطنية، حيث إن تركيبة ونوعية الحياة داخل المدرسة تؤثر في الطالب أكثر من عمل المنهج الرسمي بمواده ومحتوياته المقررة، كما يعتقد بعض التربويين الذين يرون إمكانية تحسين أو تطوير التربية الوطنية من خلال المنهج الخفي، أي النظم والقواعد السائدة داخل المدرسة، فممارسة الطلاب لمسئولية تعليم أنفسهم، وحل الخلافات والمشكلات التي تواجههم في مدرستهم سوف تجعلهم يتعلمون كيف يعملون بمسئولية في مجتمعاتهم بينما تعتقد مجموعة أخرى من التربويين أنه يلزم الطالب الالتحاق بالمدرسة، ليتم الحكم على قدراته وكفايته عن طريق المنهج الرسمي حتى يمكنه القيام بدور المواطن البالغ المسئول في مجتمعه مستقبلاً.
وهناك عدد من المبررات التي تجعل للمدرسة دوراً في التربية الوطنية، ويمكن إيجازها فيما يلي:
1 – أن المدرسة تمثل بنية اجتماعية ووسطاً ثقافياً له تقاليده وأهدافه وفلسفته وقوانينه التي وضعت لتتماشى وتتفق مع ثقافة وأهداف وفلسفة المجتمع الكبير والتي هي جزء منه، تتفاعل فيه ومعه، وتؤثر فيه وتتأثر به بهدف تحقيق أهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
2 – أن المقررات الدراسية إلزامية يدرسها كافة التلاميذ، ولذلك تعتبر أداة هامة لتحقيق التواصل الفكري والتماسك الاجتماعي في المجتمع.
3 – تعد المدرسة من المؤسسات الرسمية التي توظفها السلطة السياسية في سبيل نشر القيم العليا التي تبتغيها لدى الطلاب .
4 – احتوائها للفرد فترة زمنية طويلة سواء أكان ذلك بالنسبة لليوم الدراسي أم بالنسبة للعام الدراسي أو بالنسبة لعمر المتعلم، فتؤثر فيه وتعدل من سلوكه، إضافة إلى إكسابه المعلومات المختلفة التي تساعده في حياته.
وتبلغ المدرسة أقصى درجات الفاعلية في التربية الوطنية إذا كان هناك تطابق بين مناهجها النظرية وبرامجها التطبيقية، ولكن حينما يوجد تناقض يصبح تأثير المدرسة في هذا المجال ضعيفاً. ومثال ذلك أن تتضمن مقررات التربية الوطنية والتاريخ قيماً مثل الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر، بينما تنطوي معاملة المعلمين للطلاب على كل شيء عدا الكرامة والمساواة. إذ يجب أن تتحول المدرسة إلى مجتمع حقيقي يمارس فيه النشء الحياة الاجتماعية الصحيحة، ويمارس فيها المسئولية والاستقلال والتعاون وإنكار ألذات، وأن يجد في ممارسة هذه الصفات ما يشجعه على التمسك بها في المستقبل ، وإذا ما تحولت مدارسنا إلى الفاعلية المطلوبة فإن ذلك سيؤدي إلى تنمية مواطنة فعالة.

4 – التربية الوطنية من أجل السلام والتعايش السلمي
السلام هدف إنساني وغاية نبيلة تسعى الإنسانية لتحقيقها على امتداد تاريخها الحضاري، وقد ازدادت الدعوة للسلام والعمل على إرساء دعائمه وتعميمه في العصر الحديث بعد الحرب العالمية الثانية وقيام هيئة الأمم المتحدة كأداة تفاهم تجمع شعوب العالم حول هذا الهدف ، ويعتبر الاهتمام بالسلام ضمن المواطنة من الاتجاهات الحديثة وتبقى ثمة حقيقة هامة وهي أن السلام من الإسلام. وقد أرساه الإسلام في تشريعاته ، ولقد بدأ الاهتمام بدراسات السلام كميدان أكاديمي في الجامعات العالمية منذ الخمسينات، وكان التركيز في البداية على السلام في مواجهة العنف المباشر، كما هو الحال في الاعتداء والتعذيب والاضطهاد والحروب، ليتطور فيما بعد إلى تناول العنف غير المباشر، أي ما يعانيه الناس نتيجة للنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤدي إلى الموت أو الانتقاص من آدمية الإنسان وانتهاك حقوقه مثل : التمييز العنصري والتعرض للجوع وإنكار حقوق الإنسان.
والتربية دعوة للحياة، والحياة في جوهرها هي السلام مع ألذات ومع الآخرين ومع البيئة المادية، ومن هنا فإن التربية من أجل السلام تتراوح في مداها من السلام بين الدول والشعوب إلى الأفراد داخل الأسرة أو الجماعة وأخيراً إلى الإنسان نفسه.
والسلام مطلب إنساني بدو نه يعيش الإنسان في فزع وخوف يفقده اتزانه ويجعله يتعامل مع من حوله على أساس أنهم أعداء ويفقده صداقة الناس واحترامهم، والإنسان اجتماعي بطبعه فإذا فشل في التكيف، فإنه يفقد سلامه الاجتماعي ويشعر بالعزلة والتقوقع حول ألذات . والسلام مطلب اقتصادي لأن الخلافات تؤثر على قدرات الفرد الإنتاجية، تؤدي لتدني دخله وضعف إمكانياته الاقتصادية، والسلام العادل لا يكون على حساب مصالح الآخرين وإنما يحمي مصالح الفرد ليسعى في اتجاه التعاون والتنسيق مع الآخرين بهدف بناء اقتصاد متين، وعموماً فإن السلام كمطلب اقتصادي للفرد يؤثر ويتأثر بالسلام كمطلب اقتصادي وطني، فمستوى الرفاهية الذي قد يتمتع بها الفرد قد يعود بالدرجة الأولى للمستوى الاقتصادي للدولة التي يحمل هويتها.
وهناك عدد من الأساليب التي يمكن من خلالها تعويد الطالب على التعايش والتعاون مع جيرانه المحليين والدوليين، منها :
1 – وضع الطالب في مواقف تفاعلية حقيقية يدرك من خلالها أهمية الانتماء لوطنه.
2 – ربط الطالب بفكرة أن المجتمعات الإنسانية كلها جاءت من نسل واحد، وهو آدم عليه السلام. وأن الإسلام دعا إلى تكريم الإنسان مهما كان جنسه أو عرقه أو لونه أو دينه قال تعالى: ¼ولقد كرمنا بني آدم وحملنهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (الإسراء: 69).
3 – ربط الطالب بفكرة أن الكرة الأرضية أرض مشتركة لجميع البشر مهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم وأديانهم.
4 – تعريف الطالب بأننا نعيش في عالم تحكمه مجموعة من المثل والقيم والأهداف والمبادئ الدولية المشتركة “ميثاق الأمم المتحدة”.
5 – إلقاء الضوء على بعض النجاح الذي تحقق في مجال التعاون الدولي “الصحة، العلوم، التعليم، الاقتصاد” .
6 – إبراز الدور الهائل لوسائل الاتصال والمعاهدات التجارية والتشريعات الاقتصادية في إقامة علاقة قوية بين الدول.
وتوجد طريقتان أساسيتان لتعليم المواطنة، هما:
أولاً: إعداد المواطن الصالح: هذه الطريقة كانت واسعة الانتشار ومازالت سائدة في المناطق التي تولي التقاليد أهمية كبيرة، وتعطي تركيزاً لسيطرة المعرفة من أجل خلق الولاء للقيم التقليدية، ولا تشجع التحليل النقدي ولا تحتاج إلى إيضاح القيم.
ثانياً : المسؤولية النقدية : تعتمد هذه الطريقة على تركيز التربية الاجتماعية على الاستعلام وحل المشكلات، وتضع الكثير من الاعتبار للتحليل التركيبي وتحليل القيم، وتتضمن تعليمات عن العملية الدستورية وقيم النظام السياسي، والاختلاف بين الطريقتين هو في نوعية الافتراضات التي تضعها كل منهم، وإذا كان تعليم السلام يختص أساساً بالتغيير فإن الطريقة الثانية تكون أكثر اتساقاً مع أهدافه .
وتشير “شارب” إلى خمسة أنواع لتعليم مفاهيم السلام وهي:
1 – تعليم السلام عن طريق التأكيد على القوة : هذه الطريقة تؤيدها الحكومات والقوات المسلحة، ويقوم هذا المبدأ على أساس أن الحفاظ على السلام يتم عن طريق الإبقاء على تعزيز قوة الجيش لتحقيق التفوق العسكري .
2 – تعليم السلام عن طريق التوسط في الصراعات وحسمها : يقوم هذا النوع على تحليل الصراعات بين الأفراد والمجتمعات وحلها دون استخدام العنف، ولكن الخطورة في استخدام هذا النوع تكمن في احتمال ظهور عدم المساواة لعدم توازن القوى .
3 – تعليم السلام عن طريق تحقيق السلام الشخصي : يؤكد هذا النوع بشكل أساسي على الحاجة الشخصية للتعاطف والتسامح والتعاون .
4 – تعليم السلام كجزء من النظام العالمي: يأخذ هذا النوع في اعتباره الحاجة إلى الاعتراف بأن العنف غير “التكويني” هو العقبة الرئيسية في سبيل السلام، ويحتاج هذا النوع إلى تحليل تفصيلي للتغير الشخصي والتغير الاجتماعي.
5 – تعليم السلام عن طريق إلغاء علاقات القوة: ينظر هذا النوع إلى قيم الناس كما لو كانت هي نفسها نتيجة لبعض المتغيرات البنيوية. ولذلك فإن التأكيد يكون على زيادة الوعي بالعنف البنيوي والتعاطف مع كفاح الجماعات المضطهدة .

ثالثاً: المنهج التربوي الوطني وتربية السلام
أهم مسؤوليات المنهج التربوي التي يجب القيام بها في مجال تربية السلام، أن يؤكد على عدم وجود تعارض بين الوطنية والإنسانية، فيكسب الطلاب مقومات الانتماء للوطن متمثلاً في الولاء للأسرة والمجتمع المحلي بمصالحه ومؤسساته، والمجتمع الوطني بمنظماته وهيئاته، ويكمل ذلك بالانتماء العالمي، وتنمية مسؤولية التلاميذ وتربيتهم بما يحقق البعد الإنساني الذي يقوم عليه المجتمع الدولي . ولذلك ينبغي أن يتضمن المنهج التربوي عدداً من الموضوعات التي عن طريقها يمكن تحقيق أهداف تربية السلام وصنع الإنسان الدولي على أن يتم تنفيذها عن طريق التدريب والممارسة في مواقف إجرائية حياتية تتم داخل المدرسة وخارجها، ومن أبرز الجوانب التي يجب أن يتضمنها المنهج :
1 – الخبرات الإنسانية بمعناها الواسع، مع مراعاة أن تبدأ دراستها مبكراً في رياض الأطفال والسنوات الأولى للمرحلة الابتدائية وتمتد للمرحلة الثانوية .
2 – بعض المشكلات الدولية وأسبابها، ويتطرق للمجتمعات والحضارات والنشاطات الإنسانية للأخذ بيد التلميذ نحو عالم اليوم والمستقبل .
3 – خصائص الناس من حيث تشابههم واختلافهم واهتمامهم بالآخرين، ليتعلم التلميذ أهمية احترام الناس مهما كانت تبايناتهم المعيشية والاقتصادية، ومهما كانت الفروق الفكرية والأيديولوجية بينهم.
4 – تطوير فلسفة عالمية للحياة تؤكد على القيم الإنسانية الدولية .
5 – تربية المتعلم على التعايش السلمي، لكي يستطيع التأثير في قرارات السلم والحرب، وفي تحديد الأهداف السياسية .
6 – تربية المتعلم على الحياة في مجتمع يقوم على التسامح والقيم السامية، ويرفض التعصب العرقي والديني والعقائدي.
7 – إكساب المتعلمين ما يسهم في تحقيق الأهداف التي تؤكد على قيم السلام كأسلوب حياة للتعامل مع بعضهم ومع الآخرين .
8 – إكساب المتعلم مقومات التنشئة التي تسهم في جعله يؤمن بوطنه القومي وبوطنه العالمي الإنساني، مما يحقق في المتعلم، “سلوكاَ فاعلاً ومتغيراً إزاء المشكلات، مهارات حل المشكلات، اهتمام بالمشاعر والحقائق على قدم المساواة، ممارسة النشاطات التربوية المحلية والعالمية” .
وأخيراً إذا كانت المدرسة عاملاً مهماً في القضاء على التناقض ألقيمي والصراع الثقافي بين أفراد الأمة الواحدة، فإنها يمكن أن تلعب مثل هذا الدور على المستوى العالمي، لتسهم في التعاون والسلام العالمي، وإذا كانت المدرسة ذات أهمية للعب هذا الدور في الظروف العادية، فإن دورها يزداد أهمية خلال فترات التحولات الاجتماعية والتغير الثقافي حيث تنتقل المجتمعات من أوضاع اجتماعية مرتبطة بفكر وقيم وعوامل ضبط معينة إلى قيم وفكر وعوامل ضبط جديدة تحتاج إلى الفرز للانتقاء والاختيار من خلال الممارسة، والتربية المدرسية هي وسيلة ذلك كله.

5 – التربية الوطنية من أجل الديمقراطية “الشورى”
لقد تبين أنه خلال التطور الحضاري وتغير الظروف السياسية أصبحت الديمقراطية ذات معاني كثيرة، فقد عرفها بعضهم بأنها عقيدة سياسية تستوجب سيادة الشعب في نظام يقوم على احترام حرية المواطنين والمساواة بينهم دون تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة، أو أنها نظام اجتماعي يؤكد على قيمة الفرد وكرامته على أساس المشاركة في إدارة شئون المجتمع، أو أنها مبدأ إنساني ينادي بإلغاء الامتيازات الطبقية الموروثة ويطالب بأن يكون الشعب مصدر السلطة السياسية، أو أنها نظام سياسي يمارس الشعب من خلاله حقه في الحكم عن طريق انتخابات دورية لممثليه.
والديمقراطية بمعناها العام: طريقة للحياة يستطيع كل فرد أن يتمتع بتكافؤ الفرص عندما يشارك في الحياة الاجتماعية.
ومعناها الضيق : الفرصة التي يتيحها المجتمع لأفراده للمشاركة بحرية في اتخاذ القرارات بنواحي الحياة المختلفة.
ويعد مبدأ الشورى أحد الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة الإسلامية، وهو الإطار الفلسفي الذي ينبغي لها إتباعه كأساس لبناء نظامها السياسي، لأنه المنهج الإلهي الذي أمر به القرآن الكريم للحاكم والمحكوم ولأمة الإسلام سواء أكانوا جماعة أم دولة، قال تعالى : “¼والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” الشورى : 38.
ولا تعد الشورى فرعاً من فروع الدين الإسلامي، ولكنها أصل من أصوله، والخطوة الأولى في طريق أولوية السلطة الربانية للعباد بصفتهم مواطنين كاملي الحقوق. ويعرف أحدهم الشورى بأنها “استطلاع رأي ذوي الخبرة للتوصل إلى أقرب الأمور للحق”. ويعرفها أخر بأنها “استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور المتعلقة بها “. وهناك قيود للشورى يجب الالتزام بها، الأول : لا تتم الشورى في مسائل ورد فيها نص من الكتاب أو السنة، الثاني : لا تتوصل الشورى إلى نتائج تخالف نصاً ورد في الكتاب والسنة، مما يمنع الأخذ بها، أما ماعدا ذلك فإنه مجال للشورى.
وإذا نظرنا إلى الديمقراطية كاتجاه عالمي، نجد أن مظاهر الديمقراطية تختلف من الحكومة النيابية كما في الولايات المتحدة إلى ديمقراطية المشاركة الشعبية كما في سويسرا، وقد شهدت الديمقراطية كنظام للحكم وأسلوب للعمل خلال الفترة الماضية انتصارات متلاحقة في الفكر السياسي والاجتماعي لدى معظم الشعوب، فأغلب دول العالم اليوم “61%” هي دول ديمقراطية، مقارنة بكونها كانت تمثل أقلية “42%” منذ عقد واحد فقط، وهذا التغير الأساسي حدث بطبيعة الحال في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق.
والمعايير التي تستخدم لتصنيف الدول على أنها ديمقراطية هي “الانتخابات الحرة، وحكم الأغلبية” وهذه معايير وصفية بحتة، فالديمقراطية أكثر من مجرد صيغة معينة للحكم، حيث تمثل حالة نموذجية من المشاركة الشعبية، ولهذا يمكننا أن نتحدث عن دول أكثر أو أقل ديمقراطية، وهناك معياران لتقويم ديمقراطية ما، هما: مدى المشاركة الشعبية، ونوعيتها.
وإذا نظرنا إلى العلاقة بين الديمقراطية والتربية نجد أن التربية عملية اجتماعية تقوم على تشكيل الفرد وإكسابه الصفات الاجتماعية التي تجعله يتكيف مع ثقافة المجتمع وأيديولوجيته. وإذا كان الفرد أساس المجتمع الديمقراطي، فإن تشكيله ديمقراطياً يكون هدفاً للتربية، ولا يتأتى ذلك إلا إذا اتخذت التربية من الفرد محوراً للعملية التربوية، ومن المبادئ والقيم الديمقراطية أسلوباً لها، ومن تقدم المجتمع هدفاً لها. والحكم على التربية كقوة اجتماعية إيجابية يتطلب قياس مخرجات النظم والحياة الاجتماعية السائدة، لمعرفة مدى اشتراك الأفراد في المصالح العامة، والحرية التي يتمتعون بها .
ولا ينظر للديمقراطية كنظام حكم فقط، بل أيضاً كطريقة حياة تعد الإنسان قيمة في حد ذاته، فهو أداة التنمية وغايتها، ترفض القيود التي تقف أمام إطلاق طاقاته وتفتح قدراته، لتلتقي مع العمل التربوي على نفس الهدف، ولهذا كلما توفر المناخ الديمقراطي ازدهر العمل التربوي ومن ناحية أخرى تعد العملية التربوية الوسيلة الأساسية لتحويل المفاهيم الفلسفية الديمقراطية إلى قيم سلوكية يمارسها الإنسان ويدافع عنها .
والسؤال المطروح الآن ما هي طرق التربية الديمقراطية ؟ للإجابة عن هأهمها:ال نجد أن هناك عدة طرق للتربية الديمقراطية من أهمها :
1 – المدخل المجتمعي : يعتمد هذا المدخل على إشراك جميع الطلاب والأساتذة في صنع وفرض القواعد والسياسات الخاصة بحياة الطلاب وبالنظام ككل، ويتم تأسيس ذلك من خلال ديمقراطية المشاركة المباشرة “شخص واحد، صوت واحد”، ويميز هذا المدخل أنه يشرك جميع الطلاب في تحمل المسؤولية من خلال تحديد المعايير المشتركة وإدراك معنى الجماعة، ويتفهم الطلاب نموذج الديمقراطية من خلال ثلاث مراحل :
أ ) أن يشعر كل طالب بأنه حر في التعبير عما في ذهنه والدفاع عن مصالحه الخاصة.
ب) أن يعتاد الطلاب على الاستماع للآخرين، واحترامهم، والاهتمام بما يقولون، والتفكير فيما هو أصلح للأغلبية.
ج) أن يعتاد الطلاب على الحوار المفتوح مع الاهتمام بوجهة نظر الأقليات والجماعة ككل .
2 – مدخل مجالس الطلاب : يقوم هذا المدخل على ديمقراطية نيابية تضمن لمجموعة مختارة من الطلاب الدخول في خبرة من الحوار العلني، ويؤخذ على هذا المدخل أنه يقصر العملية على عدد محدود من الطلاب الذين يفوزون في الانتخابات، وهم غالباً أولئك الطلاب الملتزمون بالمدرسة الذين نمت لديهم نسبياً مهارات اجتماعية، وليس الطلاب المغتربين الذين يحتاجون بشدة للفوائد التي توفرها المشاركة الديمقراطية، ويلجأ إلى هذا المدخل بسبب الصعوبات البنيوية التي تواجه المدخل الأول، مثل “كبر حجم المدارس، والوقت المخصص” .
3 – أنشطة المناهج الإضافية : تتخوف بعض المجتمعات من منح السلطة للطلاب، وعدم قدرتها على الوفاء بالإمكانيات الزما نية والمكانية التي يحتاج إليها التدريب على الديمقراطية في المدخل المجتمعي ومدخل مجالس الطلاب، مما يجعلها توجه اهتمامها إلى أنشطة المناهج الإضافية باعتبارها المجال المناسب للتربية الديمقراطية، لأنها تسمح بمزيد من المبادرات الطلابية وتحمل المسئولية لديهم، ومن أكثر أنشطة المناهج الإضافية دلالة على التقدم في تنمية الاتجاهات والقيم الديمقراطية هو نشاط خدمة المجتمع، حيث تشير عدد من الدراسات التي تمت على طلاب المدارس العليا في المجتمع الأمريكي، بتأثيره في التزام الطلاب على مساعدة الآخرين ومقاومة عدم المساواة الاجتماعية . وتقدم الأنشطة الرياضية كذلك فرصة للتربية الديمقراطية من خلال بناء الشخصية، ولكن الأمر يتوقف على المعلم وتركيزه على تنمية بعض الصفات مثل “الأمانة، والتعاون، والتوجيه الذاتي” أثناء اللعب . وتوجد فرص عديدة في المناهج الأخرى وأنشطتها.

6 – وثيقة المـواطنـة البيئيــة
تم تبني وثيقة “المواطنة البيئية” التي طرحها برنامج الأمم المتحدة للبيئة لدول غرب آسيا (UNEP) والذي أعلن رسمياً عنها في منتدى الجمعيات الأهلية العربية في سبتمبر 2001م.
و”المواطنة البيئية” تعني أن يكون مواطن هذا العصر واعياً بأهم القضايا البيئية ليس داخل وطنه فحسب بل عضواً نشطاً وفاعلاً في مجموعة بشرية أوسع نطاقاً، أي أن يلتزم بواجبات تجاه شعوب تعيش خارج وطنه وهو بالتالي مواطن ذو صبغة عالمية. إلى جانب تعزيز السلوكيات السليمة الواعية والمسئولة لرفع كافة التحديات التي تواجه أجيال الحاضر والمستقبل.
واثق من نفسه، متأهب لخوض التحديات ومواجهتها، مثقف وواعٍ لما يدور في مجتمعه رغم مرضه، مفعمٍ بالمحبة والحنان، مهيأ لأخذ دوره في محيطه ومجتمعه.
أهداف الوثيقة:

  • إكساب المواطنين المهارات التي تساهم في الإصلاح البيئي من أجل تحقيق تنمية مستدامة.
  • وقاية البيئة من المشاريع التي تلحق الأضرار بها، والمطالبة بإثبات عدم وجود أضرار بعيدة المدى للمشاريع المقترحة.
  • الإسهام في رفع مستوى المعرفة والثقافة البيئية العامة للأفراد وتحفيزهم على المشاركة في اتخاذ القرارات ووضع الحلول المعنية بالشؤون البيئية والتنموية.
  • تبادل الخبرات بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية وبين اللجنة الخاصة ببرنامج المواطنة البيئية التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لدول غرب آسيا (UNEP).
  • تحسين السلوك البيئي المتبع في الحياة العامة.

الجوانب الأساسية للوثيقة:
ينقسم برنامج المواطنة البيئية إلى عدة أقسام تحقق التصور المتكامل المنشود لمفهوم المواطنة في وثيقة الأمم المتحدة من خلال البرامج الأساسية التالية:
البرنامج الأول:
 يهتم بالتوعية العامة عن طريق الاحتفال بالمناسبات البيئية بصورة مبتكرة والاستفادة من هذه المناسبات لنشر المفاهيم البيئية الأساسية، وهو برنامج يستهدف مختلف الشرائح الاجتماعية.
البرنامج الثاني: التواصل مع الجهات الدولية المعنية وطرح القضايا المشتركة التي لها تأثير على الوطن وعلى كوكب الأرض بشكل عام، حيث تبنّت الجمعية الحملة الوطنية لنشر مبادئ ميثاق الأرض في الاجتماع الإقليمي العربي حول ميثاق الأرض المنعقد في عمان – الأردن عام 2001م.
البرنامج الثالث: برنامج تخصصي يستهدف فئات عمريه محددة، ويجري من خلاله إعداد مناهج تفصيلية تغطي أهم المواضيع التثقيفية البيئية بمستويات مختلفة حسب الفئة العمرية المستهدفة.

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الاول

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الثاني

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الرابع