دراسات استشرافيةدراسات تاريخية

منهج المشابهة التاريخية بين الظواهر كأساس للتنبؤ بالمستقبل والإستشراف: الغزوة الصليبية والغزوة الصهيونية نموذجا

Analogy between the Crusades and Zionist Invasions :Historical Analogy Approach

اشتراك سنوي في المكتبة المميزة (اضغط على الصورة)

By: Prof. Doctor. KAMAL MM ALASTAL

إن ما دفعني لكتابة هذا الفصل، في دراسة المشابهة بين الغزوة الصليبية والغزوة الصهيونية ، هو ما قد يبدو من اعتراض البعض علي هذه المشابهة علي أساس أن التاريخ ” لا يتكرر” وأنه ” لا يعيد نفسه ” ، ألا أن أي متأمل لكلتا الغزوتين يلحظ أن هناك أوجه تشابه كبيرة بينهما ليس فقط لأنهما تشكلان غزوا أجنبيا للمنطقة والذي جاء تحت شعارات وأطروحات مختلفة . ولكن نظراً لوجود بعض أوجه الشبه العديدة بين الغزوتين ، وبالتالي نحن نعتقد أن هناك مبررات لتأمل المشابهة بين الغزوة الصليبية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني ، علي اعتبار أن كلا منهما يشكل حلقة من حلقات سلسلة الصراع الثابت بين الشرق والغرب.

1-  هناك تشابه بين الغزوتين : الصليبية والصهيونية باعتبارهما يمثلان وجوداً أجنبيا في المنطقة وغريبا عنها . حيث كل منهما ينتمي إلي الحضارة الغربية ، واعتبرت كلا منهما رأس جسر للحضارة الغربية في وجه الحضارة الآسيوية ” البربرية ” ، وبالتالي فأن هناك رسالة تمدينية Mission Civilisatrice تحملها كل منها إلي أقطار آسيا . والواقع أن هذا الاعتبار العنصري كان تسويغا مشتركا بين جميع المغامرات الأوروبية من استعمارية وامبريالية ، حتي أن ميثاق عصبة الأمم أشار علي سبيل مقدسة في ذمة المدنية” وتحت هذا الستار جاءت الغزوتان الصهيونية والصليبية من قبل ، وكذلك كافة صور الاستعمار والامبريالية في ظل الصراع بين الشرق والغرب .

2-  التشابه بين مكونات البناء الداخلي لكل من الغزوة الصليبية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني في المنطقة العربية ، هذا البناء يشتمل علي ثلاث خصائص متفاعلة ، ولقد أدت من خلال تفاعلها إلي وضع حد للغزوة الصليبية بعد حوالي قرنين من الزمان من بدايتها في الشرق العربي عام 1096م.

وقد يؤدي تفاعل تلك الخصائص – بمرور الوقت – الي وضع حد للاستعمار الاستيطاني الا حلالي الصهيوني في المنطقة العربية وفلسطين … هذه السمات الثلاث هي :

أ‌.        الصفات النوعية الخاصة التي تتميز بها الكيانات الاستيطانية الدخيلة .

ب‌.  الصفات النوعية الخاصة التي تميز الطرف العربي الداخل في الصراع معها مباشرة .

ت‌.  ثم هناك علاقة الجماعات الاستيطانية الداخلية بالعالم الخارجي (1).

  1. أنه رغم أن هناك بعض الفروق بين الغزوتين ، إلا أنها ليست شيئاً يذكر أمام أوجه الشبه المثيرة في الاتجاه العام للحركتين ( الحركة الصهيونية و الحركة الصليبية ) ، حيث أن بالإمكان الدخول في تفاصيل هذه المشابهة ومحاولة رسم بعض ملامحها :

(1) فلو عدنا الي أساس كل من الحركتين ودعاتهما يمكن أن نري أن هناك بعض الشبه بين تيودور هرتزل ( 1860-1904) Theodor Hertal باعتباره مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة والذي عمل إلي الانتقال بالفكرة الصهيونية من نطاق الفكر إلي نطاق العمل والتنظيم ، وبين البابا أربان الثاني Urban ll  (1088-1118) الذي يعتبر مؤسس الغزوة الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر والذي استطاع بجهوده المستمرة أن ينقلها من نطاق الإرهاصات الفكرية إلي نطاق العمل والحركة المنظمة بعد عام 1095 م ، والذي قام بتنظيم غزو فلسطين تحت ستار استعادة الأماكن المقدسة من أيدي المسلمين . هذا من ناحية ،

(2)  ومن ناحية أخري يمكن أن نجد أوجه شبه بين المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بال عام 1897م, وبين المؤتمر الصليبي الذي عقد في مدينة  كلير مونت  Clermont  ، جنوب باريس في فرنسا، عام 1095م . فإذا كان المؤتمر الصهيوني الأول قد خرج بمجموعة من القرارات (2) والتوصيات منها تشجيع الاستعمار اليهودي في فلسطين بطريقة منظمة ، وإيقاظ الوعي اليهودي ، وتنظيم الحركة الصهيونية واتحاد كافة الهيئات المتفرقة في كافة أنحاء العالم ، والسعي لذي كافة الحكومات للحصول علي تأييدها لأهداف الحركة الصهيونية ، فانه يمكن اعتبار المؤتمر الصليبي في كلير مونت قد خرج بقرارات منها العمل علي ” استعادة ” فلسطين نظراً للأماكن المقدسة المسيحية بها ، وكذلك عمل المؤتمر الصليبي – كما هو الحال المؤتمر الصهيوني – علي إيقاظ الحمية الدينية المسيحية وتوعيتهم لاسترداد مايزعمون  أماكنهم المقدسة من أيدي ” الكفرة ” المسلمين – حسب وصف البابا أربان الثاني-  ، كما عملت البابوية علي توحيد كافة جهود أوروبا ، وعمل البابا علي إرسال وفود لاستشارة المسيحيين وتوحيدهم (3) وتنظيم حركتهم إلي فلسطين والشرق العربي الإسلامي.

(3) كذلك يمكن أن نلاحظ أوجه الشبه بين الملك الصليبي “بالدوين الأول ( 1100-1118) ” Baldwin  أول ملك لمملكة القدس الصليبية التي تم إنشاؤها بعد استيلاء الصليبين علي بيت المقدس عام 1099م ، وبين ديفيد بن جوريون Ben Gurion   الذي تولي رئاسة أول مجلس للوزراء في إسرائيل بعد إعلانها عام 1948م.

(4) ثم ألا يمكن أن نلاحظ أوجه الشبه الكبيرة بين مغامري كل من الحركتين الصليبية والصهيونية : ألا يمكن تشبيه موسي ديان بأمير الكرك الصليبي ” رينالدرة شانتون ” غازي القوافل الإسلامية وناقض المعاهدات التي عقدت بين الصليبيين والمسلمين ، ذلك أنه في عام 1181 قام أمير الكرك ” رينالد ” بمهاجمة قافلة إسلامية متجهة نحو مكة ، وكذلك قام الأمير  الصليبي أمير الكرك رينالد مرة أخري بانتهاك الهدنة بين الصليبين والمسلمين عام 1187 حيث هاجم الأمير رينالد قافلة تجارية بين القاهرة ودمشق ولقد أدي ذلك إلي إعلان الجهاد ، الذي توج بمعركة حطين من نفس العام (4)

(5) كذلك من المعروف لدينا أن الغزوة الإسرائيلية الصهيونية تميزت بانتهاك كافة معاهدات الهدنة التي عقدتها مع البلاد العربية ، حيث أنه من المعروف أن إسرائيل وقعت عددا من معاهدات الهدنة مع الدول العربية بعد حرب عام 1948 . كذلك هناك تشابه بين الانتهاكات الصليبية والانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقيات الهدنة مع الجانب العربي .

(6) . حتى أن هناك تشابها في كلتا الغزوتين بوجود نداءات وشعارات مرفوعة .

   فنلاحظ  أن هناك تشابها كبيرا بين نداء البابا أربان الثاني والذي ردده الحاضرون في المؤتمر الصليبي في كليرمونت عام 1095 م حث قال : أن الغزوة الصليبية ترجع إلي مشيئة الله .. فردد الحاضرون صائحين :

” الله يريد ذلك … أنها مشيئة الله “

( Dieu le vent. Dieux le volt)(5)

يمكن تشبيه هذا النداء بالنداء الذي اشتقت منه جمعية بيلو Bilu الصهيونية التي تأسست في خاركوف في روسيا القيصرية عام 1882م حيث اشتقت اسمها من الأحرف الأولي للنداء الآتي :

” O house of Jacob come yee and let us go “

” يا آل يعقوب .. تعالوا .. هيا نذهب ” (6)

(7) كذلك فان كلتا الغزوتين اتخذت لها شعارا خاصا بها : حيث اتخذت الغزوة الصليبية ممثلة في مملكة بين المقدس ” الصليب ” شعارا لها حيث أخذ الفرنجة يعلقون الصليب علي الكتف الأيمن أو علي الكتفين وهو صليب من قماش أحمر ” crux”

أما الغزوة الصهيونية ممثلة في الدولة العبرية فقد اتخذت مما يسمى ” نجمة ” داود شعارا لها حيث ترسم هذه النجمة علي العلم الإسرائيلي، كما كان الحال في الصليب الذي كان يرسم علي أعلام الصليبيين ، وكذلك ترسم نجمة داود السداسية علي الأسلحة وفرق القوات المسلحة في كافة فروعها البرية والبحرية والجوية في الكيان الإسرائيلي أيضا كان الصليب يرسم علي ملابس وأسلحة وكافة الفرق الصليبية التي شاركت في غزو المشرق العربي الإسلامي تحت شعار خدمة الصليب .

(8) أضف إلي ذلك أن الذين ينظرون بتأمل إلي خريطة الدويلات والقواعد والإمارات الصليبية التي أقيمت في أواخر القرن الحادي عشر وخاصة مملكة القدس الصليبية التي أقيمت في قلب المشرق العربي في فلسطين والتي كانت عبارة عن جسم غريب ودولة عازلة Buffer State  ومعزولة فانه يمكن أن نري أوجه الشبه المثيرة للدهشة بينها وبين خريطة إسرائيل وخاصة وفقا لقرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة في 29/11/1947م أن التشابه بين خريطة إسرائيل وخريطة مملكة القدس الصليبية هو تشابه كبير جدا ، سواء من حيث الموقع بالنسبة لتقسيم العالم العربي عن طريق دق اسفين في المنطقة بعزل أوصال الوطن العربي وبفصل مشرقه عن مغربه ، ووما قد يثير الدهشة أن خريطة مملكة القدس الصليبية والتي نشأت عام 1099م قد أقيمت قبل حوالي ثمانية قرون ونصف في قلب الوطن العربي قبل أن تظهر إسرائيل إلي الوجود بل قبل أن تظهر الفكرة الصهيونية ذاتها بقرون عديدة.

( أنظر أوجه الشبه بين الخريطتين ).

(9) . أضف إلي مما سبق أن هناك أوجه شبه كبيرة في طريقة كل من الغزوتين في غزو المنطقة حيث نلاحظ أن كلا منهما قد سلك طريق البحر (7) حيث بدأ الصليبيون في غزو الشرق عن طريق الغزو البحري وليس البري.

وفي البداية احتل الصليبيون رقعة ضيقة من الأراضي تقع علي شاطئ البحر المتوسط في الساحل الشامي ، اشتملت في البداية علي سهل ساحلي رملي ، تتناثر فيه الأراضي الصالحة للزراعة وتقع ضمن هذا الشريط الساحلي معظم موانئ البحر المتوسط حي استولي الصليبيون علي موانئ اللاذقية وطرابلس وبيرون وصيدا وصور وعكا .

حيث أن الواقع أن الأراضي التي استولي عليها الصليبيون – باستثناء امارة الرها (8) – تلاصق ساحل البحر المتوسط وترتكز في اتصالها بأوروبا الغربية علي المواصلات البحرية بينما لا يتجاوز عرضها بين البحر المتوسط والمرتفعات شرقا خمسين ميلا (9). كذلك فان المتأمل للحركة الصهيونية يستطيع أن يلحظ كيف كانت في بدايتها غزوا بحريا قام بالتسلل إلي الأراضي العربية في فلسطين ، ولقد اعتمدت الغزوة الصهيونية الحديثة علي المواصلات البحرية في اتصالها بالعالم الخارجي أضف إلي ذلك أن الكيان الصهيوني يقع ضمن مسافة لا تتجاوز خمسين ميلا بين البحر والمرتفعات وهذا وجه شبه كبير في سلوك الحركتين .

(10) الا أن مما يزيد أوجه الشبه بين الحركتين أن كلا منها أقامت رأس جسر علي الشاطئ Beach Head وقامت بتحصينه ضد الأراضي المحيطة وأقامت الحصون والقلاع وذلك من خلال التعزيزات البحرية ، وفي البداية وقفت كل من الحركتين موقفاً دفاعيا أزاء خصومهما (10) ثم بدأت كلا من الحركتين تتوسعان علي حساب الأراضي المجاورة .

(11) . أن الذي يتأمل الامارات الصليبية والقواعد والحصون التي أقاموها في المناطق التي قاموا بالاستيلاء عليها يمكن أن يلاحظ التشابه بينهما وبين المستعمرات الصهيونية التي كانت محصنة وتعتبر ثابتة مزودة بكافة وسائط الدفاع . حيث نلاحظ أن الكيبوتس(11) والموشاف (12) هما الشكلان الرئيسيان العامان للحركة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين المحتلة وهي قرى محصنة جدا تشبه في ذلك الامارات الصليبية ذات القلاع والحصون فهي تشبه الكيبوتزات والموشافيم عند الاسرائيليين في الوقت الراهن (13).

(12). كذلك فإن هناك قاسما مشتركا بين الحركتين في الصفة العنصرية للحركتين . فالعنصرية الصليبية كانت واضحة تماما من خلال الممارسات التي قامت بها تلك الحركة .

     فمن ناحية كانت هناك مشكلة التفرقة بين المسيحيين الغربيين والذين يتبعون الكنيسة الكاثوليكية والمسيحيين الشرقيين الذين يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية .

     هذه التفرقة بين المسيحيين نجدها أيضا بين اليهود أنفسهم في إسرائيل حيث أن أحد مستويات التفرقة العنصرية في إسرائيل هو التفرقة بين اليهود من أصل غربي أو ما يعرفون الإشكنازيم واليهود من أصل شرقي والذين يعرفون بالاسفارديم (14).

    ومن ناحية أخرى فأن العنصرية الصليبية كانت واضحة في تعاملها مع السكان الأصليين ( أصحاب الأراضي )

(13)  فقد قام الصليبيون بممارسات القتل الجماعي وعمليات الافناء للعرب المسلمين في المناطق التي استولوا عليها ، ففي عام 1099م عندما حاصر الصليبيون مدينة القدس وبعد اشتداد هذا الحصار عرض الصليبيون علي أمراء المدينة من المسلمين تسليم المدينة مقابل عدم تعرض الصليبيين لهم واعطائهم الأمان وعدم المساس بحرمات السكان الا أن الصليبيين نقضوا وعدهم هذا وقاموا بعملية قتل وتقتيل شملت جميع العرب المسلمين- وحتى المسيحيين-  الذين كانوا في المدينة المقدسة .

(14) – ونجد أنه عندما سلم المسلمون مدينة غرناطة التي كانت تمثل آخر معاقلهم في شبه الجزيرة الايبيرية ، طبقا لوعد من الأفرنج بعدم المساس بهم ، ألا أن الصليبيين الأوروبيين نقضوا هذا الوعد وقاموا بذبح من بقي من المسلمين في المدينة بعد أن تم الاتفاق بين أبو عبدالله الصغير أمير المسلمين في أسبانيا والملكة إيزابيلا أميرة الإفرنج .

(15) – ومثال آخر نسوقه عن العنصرية الصليبية ضد المسلمين حيث أنه بعدما فتح المسلمون مدينة طليطلة  Toleda في القرن الثامن الميلادي عام 712 ميلادية ، والتي ظلت من معاقل الحرب القونية لفترة طويلة من الزمن . ألا أن الملك الاسباني الصليبي ” أذفونس السادس ” قام بحصارها ثم استولي عليها صلحا من ابن ذي النون حاكم المدينة المسلم ، وقد اشترط المسلمون تسليم المدينة أن يبقي مسجدهم الكبير فيها بحوزتهم ، وقد قبل ” أذفونس ” هذا الشرط ولكن نقض عهده هذا بعد سنة ، وقام بهدم المسجد الاسلامي وبني مكانه كنيسة تسمي اليوم ” كنيسة العذراء ” وهي تعتبر في الدرجة الأولي من كنائس العالم ، وكذلك من الكنائس التي حل محل أحد الجوامع في طليطلة ” كنيسة سانتو كريستو دولالوز ” أي كنيسة ” النور ” بالعربية ، وكان المسجد الذي أقيمت مكانه هذه الكنيسة قد بني عام 370 هـ (15).

  (16) ومن الجانب الصهيوني فان العنصرية إزاء السكان تبدو واضحة في كافة المجالات ، سواء بالشعور إزاءهم بالتفرقة أو سواء من خلال ممارسات القمع والمذابح التي قاموا بها ضد العرب في فلسطين ويكفي أن نذكر مذبحة دير ياسين في 9 أبريل 1948 حيث انطلقت عصابات الصهاينة وعلي رأسها الإرهابي العريق في الإجرام مناحيم بيجين فقاموا بانتهاك حرمات النساء وأجهزوا عليهن وعلي أطفالهن وعلي الرجال جميعاً .

أضف إلي ذلك أن عنصرية الصهاينة ظهرت في العديد من الأمثلة الأخرى مثل مذبحة ” قبية” في 14 أكتوبر 1953 ، أو مذبحة كفر قاسم عام 1956 .. الخ .

وماثلا ذلك في تدمير للمدن العربية علي ضفاف قناة السويس . فالممارسات العنيفة ذات الصفة العنصرية ميزت كلا من الغزوتين الصليبية والصهيونية (16) . أضف إلي ذلك أن الصهاينة قاموا بعنصريتهم الدينية بهدم العديد من المساجد الإسلامية في الأراضي المحتلة ، وحرقوا المسجد الأقصى في القدس ويحاولون هدمه من خلال أعمال الحفريات لإقامة ما يسمونه هيكل سليمان مكانه ، أضف إلي أن العنصرية الدينية الصهيونية تظهر في استباحة الصهاينة للحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل .

وغير ذلك هناك عشرات الأمثلة للعنصرية الصهيونية سوف نعرض لها في الصفحات القادمة .

(17) . أن هناك أوجه شبه بين الحركتين حيث واجهت كل منها مشكلة وجود للاجئين الذين طردوا خارج الحدود :

حيث أدت الغزوة الصليبية – وخاصة مملكة بيت المقدس – إلي تشريد جميع من كان في المدينة ممن نجا من القتل منهم ، وكذلك فعل الصليبيون هذا في كل إمارة أقاموها مما ولد مشكلة وجود لاجئين خارج الحدود طردوا من ديارهم . أيضا نفس الشيء بالنسبة لإسرائيل هناك تشابه كبير بينها وبين الحركة الصليبية في هذا المجال حيث تم تشريد ما يزيد علي مليون عربي (17) فلسطيني إلي خارج أراضيهم بعد حرب 1948 وكذلك طرد الآلاف بعد عام 1967 من الأراضي الفلسطينية إلي الأراضي العربية المجاورة وكذلك بعد عام 1967 وجدت مشكلة تهجير سكان المدن والقرى الحدودية العربية بسبب العدوان الصهيوني حيث ولدت مشكلة مهجرين في البلاد العربية بالإضافة إلي مهاجري فلسطين . فعلي سبيل المثال بلغ عدد مهجري مدن قناة السويس الثلاث – السويس والإسماعيلية وبور سعيد وحدها – بعد عام 1967م 845 ألف مهجر (18) بخلاف مهاجري سيناء . أضف إلي ذلك هجرة معظم سكان الهضبة السورية والقرى الحدودية السورية الي العمق السوري .

(18)  أن هناك أوجه شبه بين المبدأ الذي قاتلت من أجله كل من الحركة الصليبية والحركة الصهيونية.

    فالحركة الصليبية كانت تقاتل من أجل ما أسماه قادة الغزوة الصليبية ” بخلاص البلاد المسيحية أو النصرانية ” ، وأيضا كان قتال الغزوة الصليبية ليس من أجل فئة مسيحية معينة ، وإنما كان الصليبيون يحاربون من أجل ما أسموه ” خلاص مسيحيي  العالم أجمع ” وبالتالي اشترك في الحرب الصليبية كافة فئات المجتمع المسيحي الأوروبي من أمراء إلي إقطاعيين إلي عامة الشعب البسيط ، كذلك شارك فيها متطوعون من كافة أنحاء الأراضي الأوروبية المسيحية .

        كذلك فان الحركة الصهيونية قاتلت من أجل إقامة وطن قومي ودولة يهودية عبرية صهيونية ، وكانت الحركة الصهيونية في ممارساتها تنطلق من مبدأ ” خلاص ” اليهود المشتتين في الدياسبورا Diaspora–الشتات-، ومن ثم فهي تدعو اليهود لأن ينالوا خلاصهم ” بالعودة ” إلي فلسطين أرض الميعاد ، وللمدينة المقدسة ، بيت المقدس ، وبالتالي فانه من الواجب علي كل يهودي لكي ينال الخلاص أن يعود ويعيش في أرض اسرائيل وأن هذا الواجب عبارة عن التزام يعلو أي التزام آخر ، فالتلمود والديانة اليهودية تفرض علي كل يهودي فرضا مقدسا هو العودة إلي أرض الآباء ، وبالتالي فان هناك علاقة ارتباط بين صهيون ، إسرائيل ، التوراة أي بين الأرض والشعب والدعوة ، ومن ثم فان كل يهودي في خارج إسرائيل لن يحقق مثاليته الا بعودته ألي أرض الأجداد .

    وتعلن التوراة متي يرتفع اليهودي الي مرتبة الكمال عندما يعود الي أرض الميعاد فتقول : “…..   وهكذا سوف يكون عندما تصل الي الأرض التي أعطاها الإله لك كميراث ، وتضع يدك عليها وتقيم بها …. ” (19).

     و بالتالي فان هناك تشابها في هذا الجانب بين الحركتين الصليبية والصهيونية فإذا كانت إسرائيل اليوم تحارب من أجل ما تسميه خلاص  اليهود في الشتات ، فان الحركة الصليبية قاتلت من أجل ما أسمته بخلاص المسيحيين في العالم أجمع (20).

(19)  من ناحية أخرى فإننا إذا انتقلنا إلي الناحية الاقتصادية وبالذات الاعتماد علي المساعدات الخارجية ، نلاحظ أوجه الشبه بين الحركتين الصليبية والصهيونية .

     فبالنسبة للحركة الصليبية نجد أن مملكة القدس الصليبية التي تأسست عام 1099م اعتمدت بصورة أساسية في ميزان مدفوعاتها علي تدفق المساعدات ورءوس الأموال بصورة مستمرة من أوروبا وهذه المساعدات المسيحية للغزوة الصليبية ممثلة في مملكة بيت المقدس الصليبية أخذت أشكالا عديدة سواء أكان ذلك في صورة “هبات ” ومنح دينية وعلمانية ، وفي صورة صناديق الزكاة والإحسان  Alms Boxes  (21) ، وكذلك في صورة ضرائب علي الحج Pilgrims وخلاف ذلك من صور المساعدات والمنح المالية والعينية التي قدمتها أوروبا لمملكة القدس الصليبية والتي لم تكن تستطيع الاستمرار دون الحصول عليها .

      ففي الأوضاع الاقتصادية والتي تتضمن الاعتماد علي المساعدات الأجنبية تواجهها إسرائيل اليوم ، سواء كانت هذه المساعدات في صورة جباية للصناديق اليهودية المنتشرة في أنحاء العالم المختلفة أو في صورة هبات من مختلف الدول كالمساعدات الألمانية التي بلغت حوالي 8-10 بلايين دولار حني نهاية عام 1971 كتعويضات عن ضحايا النازية من اليهود والتي من المتوقع أن تصل الي 20 بليون دولار حتي عام 2000(22) ، وكذلك المعونات الأمريكية والتي وصلت في الفترة من عام 1948 – 1973 ما يزيد علي 9 بلايين دولار ، ووصلت خلال السنوات الفاصلة ما بين عام 1973 – 1979 حوالي 13 بليون دولار خلال ست سنوات ، كذلك تحصل إسرائيل علي ضرائب علي الحج للاماكن المقدسة .

وبالتالي فان إسرائيل رغم كل صور المعونات والهبات التي تتلقاها فان ميزانها التجاري (23) يعاني من عجز مستمر وكذلك فان هناك الميزانية العامة لإسرائيل تعاني من ازدياد للنفقات علي الواردات (24). وفي عام 2016 أقرت أدارة الرئيس الأمريكي باراك أبوباما مساعدا بحوالي 40 مليار دولار لإسرائيل خلال عشر سنوات قادمة بمعدل يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

هذا من الناحية الاقتصادية التي تتشابه الي حد كبير بين الغزوة الصليبية والغزوة الصهيونية الراهنة .

(20) . كذلك من ناحية أخرى يمكننا أن نشبه الي حد بعيد الحملات الصليبية التي جاءت  للمنطقة في صورة هجرات كبيرة بالهجرات اليهودية الي فلسطين .

     حيث نلاحظ أن هناك تشابها كبيرا بين الحملات الصليبية – والتي تخللتها حركات هجرة مستمرة – البارزة وبين الهجرات اليهودية – والتي تخللتها هجرات يهودية مستمرة – الكبرى .

     فلو جاز لنا أن نستخدم مصطلح ” هجرة ” بدلا من ” حملة ” فإننا يمكن أن نميز بين الهجرات الصليبية الكبرى الآتية الي الشرق العربي :

أولا ً – الهجرة الصليبية الأولى : 1096 – 1099 :

وهي التي دعا إليها البابا اربان الثاني في مؤتمر كليرمونت عام 1095 واستطاعت أن تؤسس أربع امارات صليبية ( مستعمرات ).

ثانياً  – الهجرة الصليبية الثانية : 1147 – 1149 :

   وهي التي بشر بها القديس برنارد من أجل استرجاع البلاد التي استولي عليها عماد الدين زنكي عام 1944 م من جوسيلبين الثاني ولكنها فشلت بعد أن سيطرت عليها المنازعات الداخلية ، وفشلت محاولات قائدي الحملة وهما لويس السابع ملك فرنسا ن وكونراد الثالث امبراطور المانيا للاستيلاء علي دمشق .

ثالثاً – الحملة الثالثة ( الهجرة الثالثة ) 1189 – 1192:

   وكان علي رأسها كل من فردريك بارباروسا إمبراطور ألمانيا وفيليب أغسطس ملك فرنسا ، وريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا وحاولت هذه الحملة استعادة القدس بعد هزيمة الصليبين في حطين عام 1187 ولكنها فشلت في تحقيق هدفها .

رابعاً – الهجرة الصليبية الرابعة :

وهي التي دعا اليها البابا انوسنت الثالث بقصد احتلال القدس ، الا أن أفرادها تحولوا إلي عصابات للنهب والسلب .

خامساً – الهجرة الصليبية الخامسة : 1218 – 1221:

وقادها يوحنا دى برين .

سادساً – الهجرة الصليبية السادسة : 1248 – 1250:

سابعاً – الهجرة الصليبية السابعة : 1229:

وكان علي رأسها الإمبراطور الألماني فردريك الثاني ، وانتهت بمعاهدة السلطان الكامل سلطان مصر والتي حصل بمقتضاها الإمبراطور علي بيت المقدس دون قتال ويرجع ذلك الي الظروف السياسية في الشرق العربي الإسلامي في ذلك الوقت التي ساعدت علي اتمام هذه الصفقة (25).

ثامناً – الحملة الصليبية الثامنة : 1250 – 1254 :

 وقادها لويس التاسع ملك فرنسا ولكنها باءت بالفشل أمام المنصورة ، حيث حاول لويس التاسع القيام بحملة أخرى الي شمال أفريقيا كانت علي تونس عام 1270 م الا أنه فشل وتوفي في تونس . وكانت حملته هذه هي آخر حملة لإنقاذ الدولة الصليبية في الشرق (26).

كذلك لو أمعنا التأمل في الهجرات اليهودية البارزة لوجدنا أن هناك تشابها في عددها تقريبا مع عدد الهجرات المسيحية الي الشرق والتي جاءت كل منها في صورة حملات مسلحة أو في صورة تسلل خلال تلك الهجرات وفي الأوقات الفاصلة بينها . حيث نلاحظ عددا من الهجرات اليهودية الكبرى حتى الآن لا زالت تتدفق علي المنطقة :

أولاً – الهجرة اليهودية الأولي : 1882 – 1903 : (27)

وكانت تضم حوالي عشرين ألف مهاجر من أوروبا الشرقية وخاصة من روسيا القيصرية وبولندا ورومانيا ، واشتملت علي أعضاء جمعية بيلو وجمعية حجي صهيون في روسيا القيصرية .

ثانياً – الهجرة اليهودية الثانية : 1904 – 1914 :

وضمت حوالي 40 ألف مهاجر قدموا من روسيا القيصرية وضمن أعضاء الحركة الصهيونية من العمال ، وهذه الهجرة تعتبر من أهم الهجرات اليهودية الي فلسطين نظرا لأهميتها الخاصة في تحليل النخبة الحاكمة في اسرائيل حيث ضمت بناة الدولة العبرية مثل موسي شاريت وجولدا مائير ودافيد بن جوريون وغيرهم (28) ولقد عملت هذه الموجة علي إنشاء بعض الأحزاب مثل  ” بو  عالى زيون ” ( عمال صهيون) وكذلك ” هابو عيل هاتسعير ” ( العامل الفتى ) كذلك نجحت في إقامة العديد من ” الكيبوتزات ” و ” الموشافيم ” وبالتالي تعتبر هذه الهجرات من أهم موجات الهجرة وسنعود لدراستها في الصفحات القادمة .

ثالثاً – الهجرة اليهودية الثالثة : 1919 – 1923:

ولقد ضمت حوالي 35 ألف مهاجر قدموا الي فلسطين من بلدان أوروبا الشرقية ولقد جاءت هذه الموجة في وقت كانت مفاوضات الصلح في باريس دائرة وكذلك ما تلاها من إصدار صك الانتداب البريطاني الذي سهل الهجرة اليهودية وفتح أبواب الهجرة اليهودية خاصة بعد صدور قانون الهجرة  immigration Ordinance في عام 1920 (29) والذي أعطي المندوب السامي البريطاني حق الإشراف وتنظيم الهجرة ، ومن المعروف أن المندوب السامي البريطاني كان هو ” هربرت صموئيل ” وهو صهيوني بريطاني شهير .

رابعاً – الهجرة اليهودية الرابعة : 1924 – 1931:

وضمت حوالي 82 ألف يهودي مهاجر وكان معظمهم من الطبقات الوسطي وشملت الهجرة دول البلقان والشرق الأوسط والاتحاد السوفيتي وبولند وقد جاءت هذه الهجرة في وقت ساءت فيه الأحوال الاقتصادية في بولندا ، وكذلك صدور قوانين في الولايات المتحدة تمنع دخول اليهود الي أراضيها .

خامساً – الهجرة اليهودية الخامسة : 1932 – 1938:

وهذه تعتبر من أكبر الهجرات اليهودية الي فلسطين حيث ضمت حوالي 217 ألف مهاجر ، مما أدي الي إصدار حكومة الانتداب البريطاني لعدة قوانين سمحت للوكالة اليهودية بموجبها بالإشراف علي اختيار المهاجرين مع إغفال تام للعرب أصحاب البلاد الأصليين .

سادساً – الهجرة اليهودية السادسة : 1939 – 1948:

وهذه المرحلة شهدت تطورات الحرب العالمية الثانية وتقدر الهجرة السرية بحوالي 85ألفا من عام 1939 الي عام 1948 ، وبالتالي يمكن تقدير الهجرة السرية والعلنية خلال هذه الفترة بحوالي 100 ألف مهاجر .

سابعاً – الهجرة اليهودية السابعة : 1948 – 1951 :

وهذه من أكبر الهجرات في تاريخ اسرائيل حيث وصل عدد المهاجرين الي 658 ألف مهاجر ، حتي أنه خلال الأربعة شهور الأولي من قيام اسرائيل وصل الي اسرائيل 33 ألف مهاجر . وكانت روافد هذه الهجرة ثلاثة علي الأقل : وهي بلدان أوروبا الشرقية وبلدان أوروبا الغربية والعالم العربي .

ثامناً – الهجرة اليهودية الثامنة : 1967 – 1973 :

ولقد زادت هذه الهجرة عقب التوسع الإسرائيلي بعد عام 1967 وهى تبلغ خلال السنوات الست ما بين 1967 – 1973 حوالي 200 ألف مهاجر وخاصة بعد فتح باب الهجرة أمام اليهود السوفيت في أوائل السبعينات (30).

        هكذا نلاحظ أن هناك تشابها بين الحملات ” الهجرات ” الصليبية والهجرات ” الحملات ” اليهودية الصهيونية الي فلسطين والمنطقة العربية .

(21) . كذلك فانه إذا كان الوجود الصليبي في المنطقة العربية في الفترة الواقعة من أواخر القرن الحادي عشر وأواخر القرن الثالث عشر الميلادي ، قد فرض فترات من الحروب ومن الهدنات فإننا نلاحظ وجود عدد من اتفاقيات الهدنة بين الطرف العربي وكلا الطرفين الصليبي والصهيوني .

ففي الفترة التي امتدت فيها الغزوة الصليبية عقدت عدة اتفاقيات للهدنة فعلي سبيل المثال :

1- عقدت اتفاقية للهدنة في مايو 1180م بين صلاح الدين الأيوبي والملك بالدوين الرابع بناء علي طلب الأخير ، ولقد تضمنت هذه الاتفاقية فقط الهدنة بين صلاح الدين وبيت المقدس وحدها ، ولقد استغل صلاح الدين الهدنة في مهاجمة الصليبيين في شمال الشام وبخاصة في إمارة طرابلس في لبنان، وفي نفس الوقت عاد الأسطول المصري الي مياه الشام في يونيو عام 1180م فهاجم ميناء طرطوس ، مما اضطر ريموند الثالث أمير طرابلس إلي عقد هدنة مشابهة مع صلاح الدين ،  ولقد أتاحت له الهدنة التي عقدها مع بين المقدس وطرابلس فرصة طيبة للاستيلاء علي حلب والموصل .

    ولقد قام المغامر رينالد – أرناط – أمير الكرك بخرق هذه الهدنة المعقودة بين صلاح الدين ومملكة بيت المقدس وذلك في صيف عام 1181 ، حيث تناسى رينالد الهدنة وقام بنهب قافلة إسلامية كبيرة متجهة من دمشق إلي مكة وسلب ثروة ضخمة (31).

2- وفي عام 1185 عقدت اتفاقية للهدنة بين صلاح الدين وبين مملكة بيت المقدس ، الا أن ” موشى ديان ” الصليبي رينالد قام  بانتهاكها مرة أخرى عام 1187م باعتدائه علي قافلة إسلامية متجهة من مصر إلى دمشق وذلك بالرغم من أن رينالد، أمير الكرك-  كان قد طلب الأمان من صلاح الدين عقب إغارته الفاشلة للاستيلاء علي ساحل الحجاز على البحر الأحمر ، وعقب الهدنة المذكورة فان القوافل الإسلامية أخذت تمر بصحراء الأردن متجهة للحجاز سواء للقيام بالحج أو بالتجارة ، وبعد هذا الانتهاك للهدنة أقسم صلاح الدين ليقتلن رينالد وفعلا نفذ قسمه في معركة حطين في 4 يونيو 1187 والتي هزم فيها الصليبيون وقتل فيها رينالد واستطاع صلاح الدين استرداد بيت المقدس في 2 أكتوبر 1187م.

3- كذلك أثناء حملة فردريك الثاني تم عقد معاهدة صلح مع السلطان الكامل الايوبي سلطان مصر عام 1229 وذلك بعد المشاكل التي واجهها الكامل من الداخل وعلى حدوده الشرقية (32).

4- كذلك تم عقد معاهدة صلح وهدنة بين ثيوبالد الرابع والصالح نجم الدين أيوب في مصر .

5- كذلك تم في عام 1949 عقد عدد من اتفاقيات الهدنة بين الدولة العبرية والبلاد العربية المحيطة بها :

    ‌أ-    حيث وقعت اتفاقية للهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 مارس 1949 م ووقعها عن الجانب اللبناني كل من المقدم توفيق سالمة والمقدم جوزيف حرب ، وعن الجانب الاسرائيلي اللفتنانت كولونيل مردخاى ماكليف ، ويهوشوع بيسلمان  وشبطاى روزين (33).

   ‌ب-   أيضا تم توقيع اتفاقية للهدنة بين المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل في 3 أبريل 1949 وهى الثالثة في الترتيب الزمني لتوقيع الاتفاقيات العربية الإسرائيلية . ووقعها عن الجانب الأردني كل من العقيد أحمد صدقي الجندي والمقدم محمد المعايطة ، وعن الجانب الإسرائيلي روبين شلوح والمقدم موشى دايان (34).

   ‌ج-   كما تم توقيع اتفاقية الهدنة بين سوريا وإسرائيل في 20 يوليو عام 1949 . ووقعها عن الحكومة السورية كل من : العقيد فوزي سلو والمقدم محمد ناصر والنقيب عفيف الزري ، وعن الحكومة الإسرائيلية كل من : اللفتنانت كولونيل موردخاى ماكليف ، ويهوشوع بيسلمان ، وشبطاى روزين (35).

    ‌د-    كما عقدت اتفاقية للهدنة بين مصر وإسرائيل في 24 فبراير عام 1949 وهى أول اتفاقيات الهدنة من حيث الترتيب الزمني . وقد وقعها عن الجانب المصري كل من : العقيد محمد إبراهيم سيف الدين ، والعقيد محمد كامل الرحماني ، وعن الحكومة الاسرائيلية : والتر آتيان ، والعقيد ييجال يادين والياس ساسون (36).

هذا نموذج لاتفاقيات الهدنة بين الحركة الصليبية والحركة الصهيونية وبين الطرف العربي .

(22). أيضا إذا أمعنا النظر في كلتا الحركتين الصليبية والصهيونية نجد أن كلتيهما تعرضت للهجرة المعاكسة وتعرضت لنقص في القوة البشرية .

فعلي الجانب الصليبي نجد أنه حدثت هجرة معاكسة وخاصة بعد أن قام أفراد الحملات الصليبية باسترداد بيت المقدس من أيدي المسلمين وبالتالي أوفوا بقسمهم وعادوا إلى غرب أوروبا مما شكل تهديدا خطيرا وكان نقص الهجرات الي المنطقة العربية وتصاعد الهجرة المعاكسة لخارجها من الأسباب القوية لانهيار مملكة بيت المقدس الصليبية (37).

ولقد دفع نقص القوة البشرية بطريرك بيت المقدس إلى توجيه نداء الي الملك البريطاني هنري الثاني في أبريل عام 1185 ناشده فيه إرسال الرجال وليس ” النقود ” حيث قال في ندائه :

” We seek a man , not money . Wellnigh every Christian region Sendeth US money, but no land Sendeth to US a prince. There fore, we ask a prince that needeth money, not money that needeth a prince”  .(38)

أضف إلي ذلك نلاحظ أن هذه المشكلة التي كانت من الأسباب المباشرة لانهيار مملكة بيت المقدس الصليبية ، تواجهها اسرائيل حيث تعاني ” مملكة ” إسرائيل من الهجرة المعاكسة للخارج وهذه المشكلة تخشي منها إسرائيل .. على أساس أن ذبول الهجرة يشكل ذبولا لإسرائيل .. وبالتالي فان توقف الهجرة يعتبر بداية النهاية لإسرائيل كما كان بالنسبة لمملكة بيت المقدس .

(23) . كذلك فان هناك أوجه شبه في الظروف والأوضاع التي سادت أثناء الغزوتين : الصليبية والصهيونية .

فقد سادت التجزئة في المنطقة العربية عشية قدوم الغزوة الصليبية وساد الضعف المنطقة ، كذلك وجد الخلاف الثابت بين المحور الفاطمي في القاهرة والمحور العباسي في بغداد أيضا كانت كلا من الخلافتين الفاطمية (الإمامة الفاطمية الشيعية في القاهرة والخلافة العباسية السنية في بغداد)  والعباسية تعاني من التهلهل  الداخلي والصراعات على السلطة والمؤتمرات .

كذلك ساد انحطاط أخلاقيات الحكم في تلك الأثناء وغير ذلك من صور التفكك والضعف (42) التى كانت عاملا هاما في نجاح الغزوة الصليبية .

وكذلك في عهد الغزوة الصهيونية الراهنة هناك : التجزئة العربية وسوء تقدير العرب لقوة أعدائهم الصهاينة الدخلاء ، وكذلك إجراء المفاوضات السرية مع العدو ، كذلك عقد معاهدات مع الدولة الدخيلة ، ثم بدء الصحوة العربية ، وبدء التلاحم العربي بعد استشعارهم للخطر بعد قيام الدولة الدخيلة واعتمادها على المساعدات والمعونات الخارجية بالمال والرجال ، ثم محاولة توحيد الصف العربي : وحدة مصر وسوريا واليمن ، وحدة مصر وسوريا والعراق ، وحدة مصر وسوريا وليبيا والسودان ، وحدة العراق وسوريا ، ثم رفض الدولة الدخيلة من قبل العرب ، يعقب ذلك سعى الدولة الدخيلة لتأمين اتصالها بالبحر الأحمر عن طريق خليج العقبة ، ورفض القاهرة ومقاومتها ، ثم حدوث تقارب مصرى سورى عند قيام عدوان من الدولة الدخيلة على إحدى القوتين ، أيضا حدوث وساطات لتدعيم وحدة الصف العربي في كلتا الحالتين ، مثل تدخل خليفة بغداد للتوفيق بين مصر والشام عام 1253 ، وأصبح احتلال القدس بعيد المنال أمام الصليبيين بعد التقارب المصري السوري ، وقبل ذلك توقيع معاهدة صلح بين السلطان الكامل الأيوبي وفردريك الثاني عام 1229 وبعد ذلك توقيع معاهدة صلح بين الرئيس السادات ومناحيم بيجين في عام 1979.

وبالإضافة إلى ذلك فان محور الخلاف الثابت بين القاهرة وبغداد وهو الذي يرجع بجذوره الي أيام الآشوريين في العراق والفراعنة في مصر(43).

(24). كذلك قام الدكتور شارل عيساوى – وهو استاذ تاريخ – بتفصيل بعض أوجه التشابه بين الغزوة الصليبية والغزوة الصهيونية ويرى أن استنتاجه لهذه التشابهات ليس وليد الصدفة بل ناتج عن تشابه في المعطيات والظروف بين الغزوتين .. ويتساءل هل يؤدى التشابه في المعطيات والظروف الي تشابه في النتائج وفق قوانين التاريخ ؟

كما يتحدث عن ثبات العوامل الجغرافية والديموجرافية  و بعض المؤثرات والعوامل التي سادت خلال الغزوتين مثال ذلك :

1- ثبات الموقع الجغرافي الذي تحتله مصر وسوريا والذي يشكل فاصلا بين البحر المتوسط في الغرب ، والمحيط الهندي في الشرق ، ويشكل هذا الموقع بالتالي فاصلا بين مراكز النشاط الاقتصادي في أوروبا الغربية وبين الشرق الأقصى.

2- ثم هناك تشابه في كلتا الحالتين – في ثبات العامل البشرى – حيث يشتمل هذا العامل في كون مصر هي مركز الثقل البشرى في المنطقة العربية .

كذلك فان مصر كانت خلال الكفاح الدامي المرير عبر القرون المتعاقبة قلب العروبة النابض بالحياة ، ومعقلها المنيع ، ومركز إمدادها بالرجال والمال والمؤن والسلاح ، ومنها دائما كانت تنطلق صيحة الجهاد الحق ضد الغزاة الصليبيين والغزاة الصهاينة ، كما تحمل شعبها العبء الأكبر من مواجهة الحملات الصليبية والصهيونية ، وكم شهد الجامع الأزهر العديد من الخطب التي كانت تلقى أمام الآلاف من أبناء الشعب العربي في مصر الذين قامت على أكتافهم مهمة الحفاظ على أرض العروبة ، واليها بلا شك يرجع الفضل الأول في تكتيل القوى العربية وإجلاء الفرنج الدخلاء :

   وفى رأيي أنه لا يمكن إغفال تاريخ مصر كقلعة للعروبة ” وأنه يجب التوقف طويلا عند الظروف التي مرت عليها في العصور الوسطى ، فان تلك الظروف هي التي وصلت بنا الى ما نحن عليه الآن ، وإذا كانت الحروب الصليبية بداية فجر النهضة في أوروبا ، فقد كانت بداية عهود الظلام علي وطننا . فلقد تحمل شعبنا وحده معظم أعباء الحروب الصليبية” (44).

(25) – كذلك فقد وجد مؤشران ثقافيان خلال العهدين الصليبي والصهيوني :

( أ ) الإسلام : وهو عامل حاسم للتلاحم الاجتماعي.

( ب ) مدينة القدس : ذات المكانة الروحية السامية نظرا لما تحتويه من مقدسات يهودية ومسيحية فضلا عن كونها قبلة المسلمين السابقة وأقدس مقدساتهم المقدسة.

– بالإضافة إلى أن هناك تشابها في سلوك الغزوتين :

أولا ً : من حيث هدف الاستيلاء على بيت المقدس والمحافظة على الوجود الصليبي والصهيوني داخلها .

ثانيـــاً : من حيث أن كلتا الغزوتين تمثلان امتدادا للصراع بين الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية.

(26). أن هناك تشابها في الدوافع التى حركت كلتا الغزوتين سواء أكانت هذه الدوافع اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية وسواء أكانت دوافع استعمارية أو توسعية أو دينية فهناك تشابه في هذه الدوافع كما سوف نرى في الصفحات التالية (45).

(27). أن كلا من الزعماء العرب والصهاينة تحدثوا عن السابقة الصليبية (46) وتحدثوا عن التشابه بينها وبين الغزوة الصليبية الحالية .

      فعلى الجانب العربي تحدث الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الأولى لحرب يونيه 1967 فقال : ” أن حرب العرب والإسرائيليين حرب طويلة قد تمتد إلى عشرات السنين وربما مئات السنين وأن اليهود في النهاية سيضطرون الى الهجرة من اسرائيل “.

  وكذلك نجد أن الفريق أمين الحافظ أثناء رئاسته للقطر السورى تحدث مرارا عن النضال طويل الأمد وعن صراع الأجيال القادمة مع الغزوة الصليبية الجديدة .

وعلى الجانب الإسرائيلي والصهيوني نجد بعض الإشارات للغزوة الصليبية ، فلقد تحدث ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي عن الغزوة الصليبية وأعرب عن قلقه من أن الزمن قد لا يعمل لصالح اسرائيل.

كذلك تحدث اسحق رابين (47) في خطاب ألقاه في سبتمبر عام 1967 بمناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لانعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال وأعرب عن قلقه من أن السابقة الصليبية قد تكررت ، وقال –  بعد أن تحدث عن أوجه الشبه بين الحركتين :- أن أكثر ما يخشاه على اسرائيل هو أن تذبل إذا أصابها جفاف في الهجرة كما حصل ذلك مع الدولة الصليبية ، وكان رابين أثناء إلقاء هذا الخطاب في ذلك الوقت رئيسا لأركان الجيش الاسرائيلى ويحمل لقب المنتصر (48).

هذا بالنسبة للاهتمام من قبل الرسميين العرب والإسرائيليين والصهاينة ، الا أنه مما يلفت الانتباه أن هناك اهتماما كبيرا في الدوائر الرسمية الإسرائيلية بالغزوة الصليبية ودراستها واستخلاص العبر منها و بالتالي دراسة الأخطاء التي وقعت فيها الحملة الصليبية لتداركها ولقد ظهر اهتمام الدولة العبرية بهذه المشابهة من خلال منح إحدى جوائز رئيس الدولة في إسرائيل عام 1969 للبروفيسور ” يشوع برافر ” أحد خبراء تاريخ الحروب الصليبية والذي أثبت ” أن السابقة التاريخية لن تتكرر” .

(28) . أما على الجانب الفكري العربي فإننا نجد أن هناك قصورا خاصا بالمشابهة التاريخية بين الغزوتين ، بل أن هناك انعداما في مثل هذه الدراسات ، وان كانت هناك بعض الدراسات التي لا تتعدى الوصف النظري دون التعمق لاستخلاص الدروس التاريخية من عملية مواجهة الغزوة الصليبية وإمكانية الاستفادة منها في عملية المواجهة مع الغزوة الصليبية .

وفي مقالة (49) انتقد أنطوان بطرس عجز الفكر العربي في هذا المجال قائلاَ: ” في حين أن العرب دعاة الحل الصليبي للقضية الفلسطينية ينتظرون سقوط إسرائيل كتفاحة ناضجة من على الشجرة غير عالمين بأن الأمثولة الصليبية تعنى مبادرة عربية ، نلاحظ أن كثيرا من مجالات النشاط الإسرائيلي متوجهة لتدارك السابقة الصليبية ، بدراستها وتحليل عناصرها ، ووضع الحلول لعناصرها وجزئياتها”.

ومن بين الدراسات – الحماسية – حول هذا الموضوع  دراسة وديع تلحوق (50) والتي لم تتعد العاطفة الى الفكر الجاد.

(29) . أننا نستطيع القول أيضا أنه إذا كانت كلتا الغزوتين قد وجدتا في المنطقة العربية ، فان هذا الوجود – واستمراره من عدمه – قد وجد نتيجة عوامل موضوعية توافره وخاصة التفكك في الجبهة العربية الإسلامية مما دفع رينيه غروسيه الى القول :

” إن هذه الكتلة الإسلامية الضخمة القادرة على محو أضعاف هؤلاء المغامرين القادمين الى آسيا بعشرين مرة ، قد سمحت لنفسها بتجزئها ، أن تتحطم أمام الانفجار الغربي ” (51).

وأخيراً وليس آخرا نرجو أن تكون قد توافرت المبررات الموضوعية للمشابهة التاريخية بين الحركة الصليبية والحركة الصهيونية سواء من العرض السابق أو من العرض القادم وما يتلوه من صفحات تكشف لنا بصورة مثيرة للدهشة أوجها عديدة للتشابه بين الحركتين تبرر قيامنا بعملية المشابهة بين الغزوتين.

(للمزيد من التفاصيل أنظر كتابنا: كمال محمد محمد الأسطل، مستقبل إسرائيل بين الإستىصال والتذويب، دراسة حول المشابهة التاريخية بين الغزوة الصليبية والغزوة الصهيونية، القاهرة، الناشر دار الموقف العربي، 1980)

(Read more)  مدخل للدراسات المستقبلية - نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى