من الأيديلوجيا إلى الخطاب: دراسة في المقاربة ما بعد البنيوية لمفهوم الخطاب السياسي

المؤلف أسعد صالح الشملان* معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، الرياض.

مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – القاهرة، المقالة 7، المجلد 21، العدد 2 – الرقم المسلسل للعدد 83، الربيع 2020، الصفحة 155-178 .

تأتي هذه الدراسة انطلاقا من الإهتمام بمتابعة مستجدات البحث في علم السياسة، وتتناول بالشرح والتحليل صياغة جديدة لمفهوم الخطاب السياسي دفعت بها “مدرسة أسکس لتحليل الخطاب السياسي” ضمن مقاربة مستجدة ترمي إلى اختطاط أفق جديد للتحليل السياسي يتغذى على التطورات المنهجية المعاصرة، ولاسيما المنظور ما بعد البنيوي. ويوضح البحث أن الاهتمام بتطوير مفهوم الخطاب يأتى على خلفية الحاجة لتجاوز مفهوم الأيديلوجيا وقدراته التحليلية المتضائلة لاسيما عند تناول الحرکات السياسية الجماهيرية. وتهتم الدراسة  بالإستقصاء والحفر المعرفي في الخلفيات والتطورات النظرية والفلسفية القابعة خلف بعض الصياغات المفاهيمية التي تحفل بها نظرية تحليل الخطاب السياسي، متوخية في ذلک ما يساعد المهتم بهذه الوجهة في التحليل السياسي على تيسير مواصلة استيعابه لهذه المقاربة التحليلية.

مقدمـــة

من المعروف أن حقل التحلیل السیاسیلایتطور بفعل اکتشاف وقائع جدیدة لم تکن معروفة من قبل،وإنما من خلال ابتکار مفاهیم تحلیلیة واجتراح مقاربات نقدیة جدیدة لمواجهة الاستعصاءات القائمة فی فهم الظاهرة السیاسیة والحاجة إلى تسلیط الضوء علیها بصورة مختلفة عن السائد. فتاریخ التحلیل السیاسی الحدیث هو فی المقام الأول تاریخ المقاربات المختلفة والنظریات المتنافسة على سبل تحلیل الظاهرة السیاسیة. وفی هذا المجال فإن تطور التحلیل السیاسی یختلف – على سبیل المثال- بصورة واضحة عن تاریخ علم الجغرافیا. ولذلک احتل الاهتمام بصیاغة المفاهیم التحلیلیة والحرص على الدقة المنهجیة عند تناولها مکانا بارزا فی حقل التحلیل السیاسی. وضاعف من هذا الحرص أن المشکلة الأساسیة التی تعانی منها المفاهیم الأساسیة المستخدمة فیه – کما هو الشأن فی العلوم الإنسانیة عامة- تتمثل فی تباین مدلولاتها وتنوع استعمالاتها.

تبرز مفردة الخطاب Discourse کواحدة من أکثر المفردات المفتاحیة شیوعا الیوم فی التألیف السیاسی بعد انتشارها فی المقاربات الأدبیة والاجتماعیة والثقافیة. وفیما یخص التألیف الفکری والسیاسی العربی المعاصر کان للمفکر المغربی الراحل محمد عابد الجابری الإسهام الأکبر من خلال کتابه “الخطاب العربی المعاصر” فی جعل مفردة “الخطاب” تستقطب حضورا مرکزیا فی التناول العربی العام للقضایا السیاسیة والفکریة. استعمل الجابری الخطاب کمفهوم ابستمولوجی جامع لمجمل توجهات الفکر العربی منذ عصر النهضة تأثرا ببروز هذا النوع فی صیاغة مفهوم الخطاب فی حقل فلسفة العلوم والنقد البنیوی للمارکسیة التقلیدیة وما صاحبها من مفاهیم مثل القطیعة الإبستمولوجیة، و”القراءة التشخیصیة”(الجابری، 1985: 8-12). ولاشک أن ذلک کان محاولة تجدیدیة لأدوات التحلیل السیاسی العربی تستحق الإشادة رغم تقادمها من منظور التحلیل السیاسی المعاصر. ما یهمنا أن مصطلح الخطاب سرعان ما تسرب إلى التداول العام بصورة أضفت الغموض والالتباس على دلالته وأدت إلى التعمیة على حدود توظیفه فی مجال التحلیل السیاسی. ولعل السبب الرئیس فی هذا الالتباس ینبع من عدم الاهتمام بالإلمام بالحاجة النقدیة التی دفعت إلى اجتراحه، الأمر الذی یبرز الحاجة إلى توضیح الخلفیات المنهجیة التی تکمن وراء بروزه کأداة تحلیلیة فی المجال السیاسی.

نطاق البحث :

لیس همنا فی هذه الدراسة الوقوف على الاستعمالات النظریة الواسعة والمختلفة لمصطلح “الخطاب” کما تبرز فی حقول أکادیمیة شتى. فلقد تجاوزت مفردة الخطاب فی توظیفاتها حقول النقد الألسنی والأدبی والثقافی لتشمل،من ضمن تخصصات أخرى، الأنثروبولوجیا وعلم الاجتماع، واتخذت معان متباینة حتى داخل هذه الحقول ذاتها مما یجعل من الاستحالة المنهجیة ردها جمیعا إلى مفهوم عام یحدها حدا مجردا، أو تعریف جامع مانع یضبط توظیفاتها. ویؤکد ذلک ما ذهب إلیه باحث مرموق من أن “نظریة الخطاب هی عبارة عن مصطلح عام generic term ومظلة واسعة تغطی أنواع مختلفة ومتضاربة من نظریات الخطاب. وبالتالی فإنه من الغامض وغیر الکافی القول أننا نطبق “نظریة الخطاب” عند الشروع فی البحث، وإنما من الضروری تخصیص أی نظریة لتحلیل الخطاب یتم توظیفها”.  (Jørgensen, 2010: 172)

سوف ینصب ترکیزنا فی هذا البحث على توضیح معالم مفهوم الخطاب وأبعاده کما طورته “مدرسة أسکس لتحلیل الخطاب السیاسی” Essex School of Political Discourse Analysis  باعتبارها مدرسة تحلیلیة رائدة ذات نفوذ مستمر فی حقل التحلیل السیاسی تمکنت من بلورة صیاغة أصیلة ومرکبة لمفهوم الخطاب السیاسی، ودفعت به کأداة رئیسة تجلت أهمیتها فی اسهامات نظریة وإمبیریقیة نافذة (Townshend, 2003). ونرى أن السعی لتجاوز الانسدادات النظریة التی وصل لها المفهوم التقلیدی للأیدیولوجیا فی التحلیل السیاسی المعاصر یشکل المدخل الأکثر فائدة فی استیعاب أهمیة مفهوم الخطاب السیاسی کما اجترحته “مدرسة أسکس”، الأمر الذی سنعرض له بشیئ من التفصیل.  وبشیئ من الإختصار- نفصله لاحقا-  یمکن القول أن مقاربة ” مدرسة أسکس” تنحدر من التنظیر ما بعد الحداثی وتسعى  إلى اجتراح منهج متجاوز للجوهرانیة فی التحلیل السیاسی. ولاشک أن تناول الإنتاج النظری والإمبریقی لهذه المقاربة الصاعدة یتطلب مساحة أوسع بکثیر من المتاح فی هذا الحیز.وبالتالی سوف ترکز معالجتنا الراهنة  على الهیکل العام لنظریةالخطاب السیاسی وتقاسیمها الرئیسة کما ترتسم فی “مدرسة أسکس”، متخذة مسارا تنقیبیا عن دعائمها وأسسها النظریة.ولا بد من الإشارة أن أحدى الصعوبات التی تواجه مثل هذه الدراسة أننا ازاء ابتکار نظری یحمل لغته ومفرداتهالخاصة، مثله فی ذلک مثل أی جهد ریادی فی مجال التحلیل السیاسی، ویتطلب بالتالی من المتلقی الانفتاح على هذه اللغة ومفرداتها. ویعاظم من اهتمامنا فی هذا المسعى غیاب دراسات منهجیة فی علم السیاسة بالعربیة لهذه المقاربة رغم أن صیاغتها لمفهوم الخطاب السیاسی، والأدوات التحلیلیة المرتبطة به، لا تفترض تلازما ضروریا بین البنیة العامة للمفهوم وبین محتوى تاریخی أو إجتماعی بعینه مثل المجتمعات الصناعیة المتقدمة، بل هی أقرب ما تکون إلى “عدة تحلیلیة” یمکن عن طریق التفاعل الخلاق- المستوعب للخلفیات النظریة- ولیس التطبیق المیکانیکی، الاستفادة منها فی استیعاب سیاقات مختلفة.

نقد مفهوم الأیدیولوجیا:

لم تبزغ نظریة “مدرسة أسکس” لمفهوم الخطاب السیاسی فجأة ومن الفراغ، وإنما جاءت کحصیلة لاستیعاب إبداعی لمسارات وتطورات نظریة فی حقول علمیة عدة، وتولیفها بصورة خلاقة لإنتاج مفهوم جدید للخطاب. ونرى أن السیاق الأکثر فائدة فی الإضاءة على الخلفیات المنهجیة لمفهوم الخطاب کما ارتسم فی مقاربة “مدرسة أسکس” خاصة، والتحلیل السیاسی المعاصر عامة، یتمثل فی الانسدادات التی وصل لها مفهوم الأیدیلوجیا کأداة رئیسة فی حقل التحلیل السیاسی، خصوصا فی التنظیر المارکسی.

من المعروف أن الأیدیلوجیا لفظ حدیث حظی برواج کبیر فی القرن التاسع عشر للتعبیر عن “علم” جدید هدفه تفسیر مصدر الأفکار السیاسیة و الاجتماعیة عن طریق محاولة ارجاعها إلى  عواملها الإجتماعیة.  ولکن سرعان ما اتخذ مصطلح الأیدیلوجیا معنیین منفصلین لا یزال تأثیرهما حاضرا. ینصرف المعنى الأول لمصطلح أیدیلوجیا إلى ما یمکن وصفه بالمعنى السوسیولوجی المحاید حیث یشیر إلى “مجموعة الأفکار والتصورات والقیم التی یحملها عامة الناس حول المجتمع”. (سبیلا،32:1992) و تفرع من هذه الصیاغة تناولا أکثر شیوعا فی التحلیل السیاسی تشیر بموجبه الأیدیلوجیا إلى الأفکار والقیم و التصورات  التی تحملها جماعة معینة أو  هیئة سیاسیة کالحزب أو الدولة عن المجتمع والتاریخ (العروی، 1988: 42). من الواضح أن هذه الصیاغة تحمل معهاثنائیات تقوم على الفصل الماهیوی essentialist فی مقاربة تشکیل الهویات السیاسیة بین الفکر والممارسة، أوضح النقد المعاصر للجوهرانیة – کما سنأتی لاحقا- عدم نجاعته المنهجیة.

أما المعنى الثانی لمفهوم الأیدیلوجیا فقد ارتبط بالنظریة المارکسیة وهو ینصرف إلى المقابلة بین الحقیقة والوهم، والنظر إلى الأیدیلوجیا على أنها نتاج مجتمع طبقی تعمل فیه کأداة سیاسیة لخدمة المصالح المادیة لطبقة اقتصادیة- اجتماعیة (عادل ضاهر،2018:461). ومن المعروف أن کارل مارکس (1818-1882) هو من وضع الإطار العام الذی تطور داخله مفهوم الأیدیلوجیا کأداة تحلیلیة داخل النظریة المارکسیة وکان له نفوذ ملموس خارجها. ولعل مرد هذا النفوذ الواسع لمقاربة مارکس لمفهوم الأیدیلوجیا ما أشار إلیه محمد سبیلا من أن تناوله للمفهوم اجتمع فیه “المنظور النشوئی (الأصل الاجتماعی للأفکار) بالمنظور الوظیفی (وظیفة الأفکار فی التضلیل وتسویغ الوضع القائم وخدمة سلطة المستغلین) وبالمنظور البنیوی (الأیدیولوجیا باعتبارها بنیة صغرى ضمن البنیة الفوقیة التی هی انعکاس للبنیة التحتیة) وبالمنظور التعریفی الماهوی (الأیدیولوجیا کأفکار وتمثلات مزیفة للواقع)”. (سبیلا ص31-32). وفی المحصلة، کما ذکر العروی، فإن “مارکس هو الذی أعطى لکلمة “إیدیولوجیا” الأهمیة التی تکتسبها الیوم فی کل میادین البحث.” (عبدالله العروی، 1988: 29)

وعند التدقیق فی مفهومالأیدیلوجیا المنحدر من مارکس، من زاویة نظر التحلیل السیاسی لتکوین الهویات السیاسیة التی تهمنا فی هذا البحث، یمکن تلمس ثلاثة افتراضات أساسیة نستطیع إجمالها کالتالی: أ) یتمثل جوهر العمل السیاسی فی الدفاع عن مصالح طبقیة، و یقوم به فاعلون سیاسیون مدفوعین بإنتمائهم الطبقی؛ ب) تحمل کل طبقة اقتصادیة-اجتماعیة أیدیولوجیتها الخاصة؛ ج) یعبر کل عنصر أیدیولوجی بالضرورة عن انتماء طبقی.  (Mouffe, 1979: 188) وبالتالی -حسب التقلید المارکسی- فإن العناصر الأیدیولوجیة مهما زعمت لنفسها العمومیة، تظل مرتبطة بمرجعیتها الطبقیة الخاصة، وهذا یعنی أن اشتراک فاعلین سیاسیین من طبقة فی إیدیولوجیة طبقة أخرى، هو بمثابة  وقوعهم فی شرک “الوعی الزائف” الذی یعمیهم عن مصالحهم “الموضوعیة” ویبعدهم عن ما ینبغی أن یکون علیه وعیهم السیاسی المطابق لطبیعة انتمائهم الطبقی.

واجه هذا التصور الاختزالی لمفهوم الأیدولوجیا نقدا ومراجعة من داخل الإطار المارکسی ذاته منتجا توجهات جدیدة قطعت مع التناول التقلیدی له باتجاه مقاربات تجدیدیة نافذة مثل تلک التی دشنها المفکر الإیطالی “أنتونیو غرامشی” Antonio Gramsci (1891(1937- بتأکیده من خلال مفهوم “الهیمنة” أن الفکروالممارسة لیسا مستویین منفصلین، و إنما جزء من کل علائقی تقصر النظریة الانعکاسیة التی تسم المارکسیة التقلیدیة عن الإحاطة به.  وفکرته عن” الکتلة التاریخیة” حیث الفاعل السیاسی یجسد إرادة جماعیة هی محصلة لعملیة دمج سیاسی لقوى وعناصر مختلفة یجمعها رؤیة لا یمکن اختزالها لموقع اجتماعی بعینه أو اعتبارها (بصورة قبلیة) تعبیرا عن طبقة أو شریحة اجتماعیة دون غیرها .(Laclau & Mouffe, 2001:67-68) وطور المفکر الفرنسی لوی ألتوسیر (1918-1990) Louis Althusser إسهامات غرامشی فی نقد النظریة التقلیدیة للإیدیولوجیا من خلال مفهومه عن “الممارسة الأیدیلوجیة” التی أکدت على الأبعاد المادیة والمؤسسیة للإیدیولوجیا، “بمعنى أنها لیست فقط مجموعة أفکار أو قیم أو تمثلات أو رموز، بل إن کل هذه الأشکال التعبیریة تتشخص فی مؤسسات تتولاها بالاعداد و التعهد وتتولى أمر تشذیبها وتوزیعها على نظام اجتماعی واسع “(سبیلا،1992: 69). ولکن على الرغم من أهمیة هذه الإسهامات النوعیة، إلا أنها، کما یشیر لاکلاو وموف، بقیت فی إطارها الأوسع حبیسة للنظرة الاختزالیة (reductionist) التی أحاطت بالمفهوم فی النظریة المارکسیة وقوامها النظر للأیدیلوجیا باعتبارها جزء من البنیة الفوقیة للمجتمع محکومة فی المقام الأخیر من حیث طبیعتها وفعالیتها ببنیة أساسیة تمثل المناط الرئیسی للتغییر السیاسی البنیوی. (Laclau & Mouffe, 2001: 69).

وعلى نطاق منهجی أوسع، تعرض مفهوم الأیدیلوجیا إلى نقد متزاید لأسسه الإبستمولوجیة ونجاعته التحلیلیة، وأکد الحاجة إلى تجاوزه. فلقد أخذ هذا النقد المتعاظم على مفهوم الأیدیولوجیا حمولته المیتافیزیقیة القائمة على فکرة المقابلة بین الحقیقة والوهم، وحمولته الوضعانیة القائمة على المقابلة بین العلم والأیدیلوجیا. ویمکن تلمس هذا النقد الواسع والتحفظ الإبستمولوجی عند مفکرین من مشارب مختلفة مثل عبدالله العروی الذی لم یتردد فی ختام دراسة مهمةحملت عنوان “مفهوم الأیدیلوجیا” بالنصح بالاستغناء عنه (العروی، 1988: 127)،  ومیشیل فوکو الذی قدم تحفظات أساسیة على النجاعة المنهجیة للمفهوم. ولقد أجمل فوکو بصورة فعالة النقد المنهجی الذی انصب على مفهوم الأیدیلوجیا بقوله:

یبدو لی أن مصطلح الإیدیولوجیا یصعب استعماله لثلاثة أسباب: السبب الأول هو أن الأیدیولوجیا، شئنا أم أبینا، هی دوما فی حالة تعارض ضمنی مع شیئ سیکون هو الحقیقة. والحال أنی أعتقد أن المشکل لیس هو الفصل بین ما ینتمی إلى العلم وإلى الحقیقة، فی خطاب ما، وبین ما قد یتعلق بشیئ آخر، بل المشکل هو أن نرى کیف تنتج تاریخیا بعض تأثیرات الحقیقة داخل خطابات لیست لا صحیحة ولا خاطئة فی حد ذاتها. والعائق الثانی هو أن مصطلح الإیدیولوجیا یحیل ضرورة على ما یبدو إلى شیئ هو بمثابة الذات. وثالثا: الإیدیولوجیا فی موقع ثانوی إلى شیئ یتعین أن یشتغل بالنسبة لها على أنه بنیة تحتیة أو محدد اقتصادی، مادی…الخ. من خلال هذه الأسباب الثلاثة یبدو لی أن الإیدیولوجیا مدلول لا یمکن استعماله بدون احتیاط. (فوکو، ص38)

  ما یهمنا هو التأکید على أن النقد الجذری لمفهوم الأیدیلوجیا وما بلغه من انسدادات نظریة کأداة تحلیلیة، والسعی نحو صیاغة مفهوم بدیل یتجاوز قدراته التحلیلیة المتضائلة خصوصا عند تناول الحرکات السیاسیة الجماهیریة، کان له تأثیر بالغ فی حقل التحلیل السیاسی، وشکل فی حالة “مدرسة أسکس”، حافزا على بلورة جدیدة لمفهوم الخطاب السیاسی کإزاحة لمفهوم الأیدولوجیا.

صیاغة مفهوم الخطاب فی مدرسة أسکس:

 دشن أرنستولاکلاو وشانتال موف فی دراسة رائدة (Laclau & Mouffe, 2001)نقطة انطلاق  بالغة الأهمیة لمقاربة جدیدة لمفهوم الخطاب فی التحلیل السیاسی المعاصر، شکلت النواة النظریة الصلبة لما بات یعرف ” مدرسة أسکس لتحلیل الخطاب السیاسی”( سیتم الإشارة لها  “مدرسة أسکس”).  وتنطلق هذه النظریة من عدم الرضا عن النماذج التفسیریة التی هیمنت على حقل التحلیل السیاسی کما تجسدها المدارس السلوکیة والبنائیة الوظیفیة والخیار العقلانی والتحلیل الطبقی للظاهرة السیاسیة، والسعی بدلا من ذلک لبناء مقاربة بدیلة عن طریق اجتراح مفهوم جدید للخطاب السیاسی تنهل من التنظیرات ما بعد البنیویة (Arditi, 2007:17) . ولقد أتبع لاکلاو (1935-2014)، الذی یعتبر رائد “مدرسة أسکس”، هذا المسعى ببحوث متعمقةانشغل فیها بتأسیس مقاربة غیر جوهرانیة، ما بعد حداثیة للسیاسة والفعل السیاسی، إرتقت به إلى مصاف کبار المفکرینالمعاصرین (جون لیشته، خمسون مفکرا أساسیا معاصرا، 2008: 387-395). وفی معرض نعیها للاکلاو، أشارت جریدة الغاردیان أن مساهماته النظریة تجاوزت فی نفوذها الدوائر الأکادیمیة إلى التأثیر الملموس على السیاسیین والناشطین، خصوصا فی أوروبا وأمریکا اللاتینیة (The Guardian, 23 May, 2014)

ومن المفید الأخذ فی الحسبان أن مفهوم الخطاب کما اجترحته “مدرسة أسکس” یقع ضمن شبکة من الابتکارات المفاهیمیة المتعاضدة التی تتقاطع فیها علوم ومقاربات متعددة مستمدة من طروحات مستجدة فی علم السیاسة والفلسفة المعاصرة واللسانیات وعلم النفس التحلیلی وغیرها. فهی مقاربة تنهض على ما أسماه العروی “التناهج” (العروی 2017: 81)، أی التعاون العضوی بین التخصصات المختلفة لانتاج مقاربة جدیدة مرکبة. ولفرز تمایزها، ینبغی التشدید أن نظریة الخطاب کما بلورتها “مدرسة أسکس” هی مقاربة فی التحلیل السیاسی. هذه العبارة جدیرة بالتسجیل لأنها تشد الانتباه إلى حقیقة أننا بصدد توجه نظری یسعى إلى بلورة إجابات على أسئلة أساسیة ما فتئت تشغل اهتمام العاملین فی مجال التحلیل السیاسی. فعلى الرغم من أننا یمکن أن نجد بعضا من أدوات هذه النظریة، موظفة بصورة تبدو مشابهة فی حقول أخرى ولاسیما النقد الأدبی والثقافی، إلا أن خصوصیة بناءها للمفهوم تنطلق من حقیقة سعیها للتصدی من خلال هذه الصیاغة لقضایا عویصة فی التحلیل السیاسی مثل العلاقة بین ما ینتمی إلى عالم الأقوالوالذهنیات وما ینتمی إلى میدان الأفعال والسلوک السیاسی وتأثیر کل منهما فی انتاج الظاهرة السیاسیة. هذه تساؤلات أساسیة ذات طبیعة نظریة لا یملک التحلیل السیاسی تجاهلها، وشکلت بالفعل تحدیات منهجیة کانت ولاتزال تشغل العاملین فیه، ویمکن تلمسها فی إشارة دیاب إلى أن العلاقة بین الممارسات السیاسیة والنشاط الفکری الأیدیولوحی “لایزال تحلیلها أو معرفتها النظریة والتطبیقیة بدائیة وغیر متقدمة من الناحیة العلمیة”(دیاب، سید قطب، 1988م: 137)

لعل نقطة البدایة فی استیعاب هذه المقاربة المستجدة تکون من خلال التشدید، منعا لسوء الفهم، أن الخطاب فی صیاغة ” مدرسة أسکس” للمفهوم لا یشیر حصرا إلى الکتابة والقول الملفوظ کما توحی به المفردة فی استعمالها المعتاد. وإنما تعتمد على فتح باب الدلالة لمصطلح الخطاب –کما سنشرح لاحقا- بما یتجاوز المعنى اللغوی الشائع إلى معنى مفاهیمی ینصرف إلى “إطار علائقی جامع یرتبط فیه بصورة عضویة عناصر لغویة وغیر لغویة”.(Laclau, 2005: 13) فمقاربتهم تعتمد على تجاوز المعنى اللغوی الشائع إلى معنى اصطلاحی هو بمثابة مجاز یقوم على تحویر خلاق catachresis یقطع مع الإحالة إلى المعنى الحرفی(Critchley et al., 2012: 265, Howarth, 2015: 100).  ففی دراستهما عن نظام الفصل العنصری فی جنوب أفریقیا والتحول الدیمقراطی الذی أعقبه بإعتبارها “خطابات” وظف دیفید هاورث وألیتا نورفا فی دراسة نافذة مفهوم الخطاب المستمد من ” مدرسة أسکس” لیشیرا به إلى إطلاق سیاسات اقتصادیة وممارسات أمنیة وإقامة مؤسسات ثقافیة  (Norval & Howarth, 2016). وتقوم الفکرة الأساسیة لهذا التحویر على أن المنطق الذی یحکم النظام اللغوی والذی کشف عنه العلم الحدیث للغة، کما دشنه عالم اللغویات السویسریة فردیناند دی سوسیور (1857-1919) والذاهب إلى أن الاختلاف بین العناصر المکونة للبنیة اللغویة، والعلاقة التی تنشأ بینها، ولیس المعنى المستقل لکل منها، هو ما ینتج دلالاتها، (کلر، 2000: ص83) هو ذات المنطق العلائقی الذی یحکم البنى الإجتماعیة والسیاسیة الدالة. فالأخیرة تحمل نفس الآلیة (mechanism) العلائقیة فی تحدید دلالاتها. ومن المعروف أن إطروحة سوسیور حملت تأثیرا بالغا على مجمل الفکر فی القرن العشرین وحتى الیوم من خلال تأکیدها على النظر إلى مسألة المعنى والهویة “من حیث بعدها العلائقی (Relational) أکثر من تشدیدها على البعد الجوهری”. (لیتشة،2008:ص13). ویمکن القول إذا ما أردنا کبدیل عن مسمى “نظریة تحلیل الخطاب السیاسی” أن نطلق على مقاربة “مدرسة أسکس”: “المقاربة العلائقیة لتکوین الهویات السیاسیة”. ولاشک أن هذه الإزاحة المتمثلة بالاسترشاد بالمنطق الذی یحکم إطار نظری فی فهم إطار نظری آخر لیست فریدة بل هی موجودة فی عدد من المقاربات فی التحلیل السیاسی. وکما یشیر هوارث نجد أن منظری مقاربة “الخیار العقلانی” قاموا بنمذجة السلوک السیاسی على نمط سلوک الشرکات التجاریة والسوق الحرة، کما أن نماذج الاتصالات فی الدراسات الإعلامیة تم توظیفها لتطویر بعض المقاربات البنیویة للسیاسة. (Howarth, 2013:2-3)

نحو تحلیل سیاسی یتجاوز اشکالیة الجوهرانیة:

تنطلق مقاربة ” مدرسة أسکس” فی صیاغتها لمفهوم الخطاب السیاسی من إطار عام یتصل بإشکالیة تجاوز الجوهرانیة، وهی إشکالیة – کما سنشرح لاحقا- مثلت أرضیة أساسیة للفکر المعاصر. ویمکن القول أن إنتاج مقاربة ” مدرسة أسکس” لمفهوم جدید للخطاب السیاسی تمثل وجها من وجوه تفاعلها النظری المتقدم مع النقد المعاصر للجوهرانیة والعمل على سحبه إلى حقل التحلیل السیاسی بعد أن أکد هذا النقد حضوره فی حقول النظر الفلسفی و النقد الأدبی والثقافی (Laclau, 2010:99). قصارى القول، انصب المسعى الرئیس لمقاربة “مدرسة أسکس” على صیاغة مفاهیم جدیدة فی حقل التحلیل السیاسی تکون مواکبة للابتکارات النظریة التی أفرزتها التطورات الفکریة والمنهجیة المعاصرة.

یستمد الموقع المرکزی الذی تعطیه ” مدرسة أسکس” لمفهوم الخطاب أهمیته من التأکید على الطابع التاریخی والمتحول لمعنى الأشیاء. وحسب لاکلاو وموف، لا یشکل هذا الأمر اکتشافا یمکن الوصول إلیه فی أی فترة تاریخیة سابقة، ولکنه مرتبط بصورة عمیقة بدینامیکیات الرأسمالیة والتکنولوجیا الحدیثة (Laclau, 2010:118). ففی المجتمعات التی اتسمت بمستوى منخفض من التطور التکنولوجی، حیث اعادة انتاج الحیاة المادیة یتم من خلال ممارسات ذات طابع تکراری، اتسمت المسارات الخطابیة التی انتظمت من خلالها الحیاة الإجتماعیة بقدر کبیر من الإستقرار. وأدى هذا الأمر إلى هیمنة الفهم بأن “معنى” الأشیاء، والذی هو بناء إجتماعی، یعود إلى الأشیاء ذاتها.

ولم یکن بالتالی غریبا أن یشکل انتفاء الوعی التاریخی وسیطرة فکرة عالم یستمد انتظامه وطبیعته من قوالب جوهریة عصیة على التحول النوعی الإطار العام للفکر التقلیدی للعالم قبل -الحدیث. أما العصر الحدیث، فإنه اتسم بالکشف المطرد عن الطابع “التاریخی” للعالم، بفعل التغیرات التکنلوجیة المتواصلة، وما یطلقه النظام الرأسمالی بدینامیکیته غیر المسبوقة من تحولات متسارعة، کان من مفاعیلها التخلخل المستمر للبنى التقلیدیة وأطرها الخطابیة وتحولاتها المستمرة. وبهذا المعنى یمکن النظر للفکر المعاصربمجمله على أنه محاولة للتعامل مع هذا الإدراک المتزاید للحاجة إلى تجاوز الإطار الجوهرانی الذی یدور فی فلکه التقلید الفلسفی العریض منذ أفلاطون وأرسطو وصولا إلى القرن العشرین وامتداداته فی العلوم الاجتماعیة والإنسانیة ومن ضمنها حقل التحلیل السیاسی. ولعل نقطة القوة الرئیسة فی مقاربة “مدرسة أسکس” تصدیها الخلاق لتبیان الأهمیة المنهجیة للتطورات الفکریة المعاصرة والبناء علیها لإثراء حقل التحلیل السیاسی کان أحد ثمراته صیاغة مفهوم جدید للخطاب السیاسی.

وکما یوضح لاکلاو فإن مفهوم الخطاب السیاسی تم تشییده بکیفیة متماسکة من مصادر نظریة ومنهجیة متعددة، أههمها “مقاربة هیدیغر للفنومنولجیا، مفهوم فیتغنشتین عن اللعبة اللغویة، وما بعد-البنیویة”، ولعل الأخیرة تملک “التأثیر الأکبر على مقاربة أسکس لتحلیل الخطاب”. . (Howarth, Norval and Stavrakakis, 2009: 10)

وإذا کان العمل على تجاوز الجوهرانیة قد شکل مسعى له حضور مرکزی فی الدراسات الفلسفیة والنظریة المعاصرة ابتداء من نیتشة، فإنه ما لبث ان انسحب إلى حقول شتى، ولاغرابة فی ذلك. فکما أوضح فوکو فإن إشکالیة الجوهرانیة تخترق العلوم الإجتماعیة و الإنسانیة برمتها(Laclau and Howarth, 2015:2-3). والمقصود بتجاوز الجوهرانیة تقویض التعارض الثنائی binary opposition الذی أقامه التفکیر الفلسفی المنحدر من أفلاطون فی تعیین هویة الأشیاء بین الجوهری والعارض، حیث یشیر جوهر Essence الشیئ إلى “مجموع الخصائص الضروریة التی تشکل هویته” (Bocock, 1987:112). إنها ماهیته التی تمثل حقیقة وجوده وجوهره، ومن ثم فهی تقابل “العرض” Contingent، أی ماهو متحول وطارئ من الصفات التی یحملها. فالجوهر هو ما قام بنفسه و تعین بماهیته وبالتالی بات یحمل صفة الضرورة فبدونه لایکون الشیئ هو ذاته، أما العرض فهو صفة ظرفیة، طارئة، سمتها الأساسیة التحول. فالقول ان وجود کینونة متعینة هو وجود عرضی یعنی “أن جوهرها لا یتضمن بالضرورة وجودها” (Laclau, 2010:19). فشروط وجودها خارجة عنها، أی أنها موجودة ولکن لیس بحکم الضرورة.

یقوم النموذج العام للجوهرانیة عند سحبه إلى نطاق التحلیل السیاسی على افتراض وجود عامل جوهری، مثل الطبیعة البشریة أوالقاعدة الاقتصادیةأو البنیة الثقافیة أو القوانین التاریخیة، یتم تثبیته کمرکز یحمل طابع الضرورة ویملک القدرة على تأطیر مجمل الواقع السیاسی والاجتماعی بصورة قبلیة a priory . ومن هذا المنطلقلم تسلم مجمل التوجهات السائدة فی حقل التحلیل السیاسی من الوقوع فی شرک الجوهرانیة essentialism. ولتوضیح هذه المسألة تشیر آنا ماری سمیث إلى أن المارکسیة التقلیدیة –على سبیل المثال- نظرت الى الطبقة بإعتبارها جوهر کل هویة سیاسیة-إجتماعیة. وعندما تکون هناک اختلافات أو تباینات بین الفاعلین المفترض انتمائهم لنفس الطبقة، لا یتم اعتبار هذه الاختلافات- القومیة، الإثنیة، الجندریة  -(Gender)وغیرها، ذات تأثیر على الجوهر الطبقی لهذه الهویات، بل، ینظر بصورة قبلیة، للطبقة على أنها تکونت بصورة خالصة بفعل موقعها البنیوی داخل نمط الإنتاج الاقتصادی (Smith, 2003: 85).

وعلاوة على ذلك، فحسب النظریة المارکسیة التقلیدیة، فإن المصالح”الموضوعیة” لفئة تنتمی إلى الطبقة العاملة هی فی نهایة المطاف متماثلة مع مصالح أی فئة أخرى تنتمی بنیویا لنفس الطبقة بصرف النظر عن الاختلافات الأخرى فیما بینها(ومن هنا جاء الشعار الشهیر للأحزاب الشیوعیة حول العالم الذی أطلقه مارکس وأنجلیز فی البیان الشیوعی: یا عمال العالم اتحدوا!).فالاختلافات غیر الطبقیة یتم النظر إلیها على أنها اختلافات عارضةcontingent   بالنسبة لجوهر   essenceالهویة المتمثل بالطبقة. وبالتالی هناک افتراض قبلیبوجود حد فاصل بین الإختلافات الطبقیة وغیر الطبقیة بصورة تجعل الجوهر الطبقی للهویة محمیا من أی تأثیرأساسیللاختلافات غیر الطبقیة.

ویمتد هذا النمط من المقاربات الجوهرانیة إلى أنماط أخرى من التحلیل والتنظیر السیاسی والإجتماعی. فعند أصحاب المدرسة النسویة التقلیدیة مثلا فیتم اعتبار الانتماء الجندری Gender جوهر الفاعل السیاسی، وهلم جرا. وکبدیل منهجی، وفی موازاة تقویضها للمقاربة الجوهرانیة للهویة السیاسیة، انتجت ” مدرسة أسکس” صیاغة بدیلة تقوم على أساس الإنتاج الخطابی للهویة. وهذه الفکرة هی بمثابة تطویر لفکرة ألتوسیر عن “الاستدعاء الأیدیولوجی” Interpellation الذی یتحول بموجبه الفرد إلى ذات أو فاعل subject . ومن المعروف أن ألتوسیر استلهم الفکرة من مفهوم فروید عن “التماهی”Identification والتی قطعت مع الافتراض الجوهرانی للهویة کمعطى طبیعی، ونظرت إلیها باعتبارها عملیة “یتمثل الشخص بواسطتها أحد مظاهر، أو خصائص أو صفات شخص آخر، ویتحول، کلیا أو جزئیا، تبعا لنموذجه”.(جان لابلانش و ج.ب. بونتالیاس، 2002:198).

 ویفضی مفهوم التماهی فی توظیف مقاربة “مدرسة أسکس” له إلى إزاحة فکرة الفاعل الأیدیلوجی الموحد واستبدالها بفکرة مراکز الفاعل subject positions حیث تتوزع شخصیة الفرد على عدد من الأدوار الإجتماعیة تنتجها تماهیات مع خطابات لیست بالضرورة مرتبطة تلقائیا مع بعضها. فلا ارتباط ضروری بین مرکز الفرد الإقتصادی أو خلفیته الإثنیة أو انتماءه الدینی الخ… من جهة، والتعبیر السیاسی الذی یستقطبه فی المجال العام من جهة أخرى. فالعلاقة بینهما تحمل صفة الارتباط الطارئ (غیر الجوهرانی)، الناتج عن فعل سیاسی یملک طابعه المستقل، حیث السیاسة تشیر إلى فعل خلاق یملک القدرة على انتاج معان وهویات جدیدة من خلال تحویر معطیات قائمة.

تندرج ضمن الاطار العام لتجاوز الجوهرانیة ثلاثة أفکار أساسیة تشکل الأرضیة النظریة فی انتاج “مدرسة أسکس” لمفهوم الخطاب السیاسی. تنصرف هذه الأفکار الأساسیة إلى: (أ) أی تشکیل أو ترتیب اجتماعی له بالضرورة معنى meaningful؛ (ب) مؤدى عملیة تحلیل الخطاب السیاسی هو تجاوز عملیة الوصف الإمبیریقی للوقائع facts إلى الکشف عن شروط إمکان ظهور هذه الوقائع؛ (ج)  الخطاب هو إطار علائقی جامع یربط بصورة عضویة عناصر لغویة وغیر لغویة (مفهوم اللعبة اللغویة). ونتناول فیما یلی بالشرح والتحلیل هذه الأفکار المرکبة.

1. أی تشکیل او ترتیب اجتماعی له بالضرورة معنى meaningful:

تنطلق مقاربة “مدرسة أسکس” فی انتاجها لمفهوم غیر جوهرانی للخطاب من التفریق الذی تقیمه ظواهریة Phenomenology هیدغر بین کینونة (being) الشیء أی معناه ودلالته وهو أمر متحول وتاریخی، وبین وجود الشیء (existence) وهو لیس کذلک (Laclau, 2010:103). وعلى مستوى أقل من التجرید یشیر التفریق الکینونة والوجود إلى التمییز بین الواقعة fact ومعناها sense. ویقع هذا التفریق فی جذر المقاربات البنائیة Constructivist approaches القائمة على التمییز بین الحقیقة المادیة والحقیقة الاجتماعیة، وشکل نقطة انطلاق لعدد من الصیاغات النظریة المستجدة ذات الحضور المتنامی فی علم السیاسة والعلاقات الدولیة. (Jorgensen, 2010:160) وفی نظریة تحلیل الخطابتجسد مؤدى هذا التفریق فی اعتبارها أن “جمیع الموجودات والأفعال تحمل معنى یسبغها علیها اندراجها فی سیاقات تاریخیة وإجتماعیة محددة”. (Howarth, Norval and Stavrakakis, 2009:2) فدلالات الأحداث و الأفعال مشروطة بسیاقات تنتظمها وتشکلها ولیست حاملة لمعان قارة فیها. الأشیاء لا تفسر نفسها بنفسها، البشر یفعلون ذلک ضمن سیاقات تاریخیة محددة.

ومعنى الأفعال لیس ثاویا داخلها إنما یتم بناؤه اجتماعیا وسیاسیا. وعلى سبیل المثال، لطالما أثارت السیاسات النیولیبرالیة فی غیر بلد اصطفافات سیاسیة قوامها التنازع فی تفسیر هذه السیاسات بین أهمیتها للصالح العام وضرورات التکیف الإقتصادی، وبین النظر لها کأدوات لخدمة المصالح الخاصة على حساب مصالح القطاع العریض من الناس. ویقدم التنازع المشهود فی بعض السیاقات على تعریف وقائع العنف بین نسبتها إلى ظواهر سیاسیة مثل الإرهاب أو النظر إلیها بإعتبارها مقاومة مشروعة مثالا آخر. وتحمل الأزمة السیاسیة الدائرة فی الولایات المتحدة حول الجدار الذی تزمع إدارة الرئیس ترمب تشییده على الحدود الأمریکیة- المکسیکیة والتی أدت إلى اغلاق جزئی للحکومة الأمریکیة أواخر العام 2018م مثالا حیا إلى ما ترمی إلیه نظریة الخطاب. فحقیقة الجدار المادیة لم ترتبط بمعنى واحد یشع منها، بلمعان متعددة ومتنازعة على ما یمثله الجدار. فهناک من رأى فیه اجراء عملی لحمایة الولایات المتحدة من الهجرة غیر المشروعة، فی مقابل من نظر إلیه بإعتباره رمزا للتنکر للقیم الدیمقراطیة الأمریکیة وتنامیا خطیرا للمشاعر العنصریة؛ فیما اعتبره آخرون علامة على العجز عن الوصول إلى حلول ناجعة لمشکلة قائمة وهدرا للموارد وهلم جرا… (Becker, 2018:1-13). هذه المعانی المتنازعة ینتظمها خطابات هی محل اهتمام نظریة تحلیل الخطاب السیاسی. ومن المهم الاستدراک أن فکرة تشکل المعنى داخل سیاق خطابی لا علاقة له البتة بفکرة الفلسفة المثالیة التی ارتبطت بإسم الفیلسوف الإنجلیزی جورج بیرکلی (1685-1753م) الذاهبة إلى عدم وجود الأشیاء خارج نطاق التمثیل الذهنی لها.

وإنما تنبثق فکرة البناء الخطابی للمعنى من رفض القول أن معانی الأشیاء تنبثق من داخلها وبصورة مستقلة عن السیاقات التی تشکلها وتظفی التفسیرات علیها. فالجدار على الحدود الأمریکیة- المکسیکیة کما فی مثالنا السابق هو حقیقة مادیة، ولکن معناه السیاسی لا ینبثق بصورة تلقائیة عن هذا الوجود المادی. من الواضح أن مقاربة “مدرسة أسکس” تقف على النقیض من التوجه الوضعانی الذی هیمن على جزء غیر یسیر من حقل التحلیل السیاسی حیث الاعتقاد بالانطلاق من الوقائع facts باعتبارها حاملة لمعان قارة. فنظریة الخطاب السیاسی تجعل من الصراع حول معنى الوقائع فی قلب العملیة التحلیلیة، وتأخذ منحى منهجیا مختلفا عن المقاربات القائمة على النقد الأیدیولوجی، فمناط تحلیلها ما وصفه فوکو بتأثیرات الحقیقةTruth effects  أی ما یعتقد الفاعلون الاجتماعیون أنه حقیقی وما یفعلونه بموجب هذا الاعتقاد بصرف النظر عن صحته الإمبریقیة. ونرى فی هذا النهج توسیع لدائرة البحث فی آلیات تکوین الهویات السیاسیة فهو یستبطن، على سبیل المثال، مقاربة جدیدة لموضوع فکرة المؤامرة لیس بإعتبارها وهما یفضحه المحلل السیاسی ولکن بإعتبار تأثیراتها الفعلیة فی تشکیل مسار الأحداث السیاسیة عند سیطرتها على تفکیر قطاع من الفاعلین السیاسیین.

2. تحلیل الخطاب السیاسی باعتباره مقاربة تتجاوز وصف الظاهرة السیاسیة إلىالکشف عن شروط إمکانها:

تتصل الفکرة الأساسیة الثانیة فی مقاربة ” مدرسة أسکس” لمفهوم الخطاب بصدورها عن المنظور المتسامی( الترانسیندنتالی) Transcendental القائم على تجاوز عملیة الوصف الإمبیریقی للوقائع إلى الکشف عن شروط امکان ظهور هذه الوقائع. ولعل مفهوم البرادیغم الذی استخدمه توماس کونلتفسیر منطق الکشف العلمی وحظی بتأثیر واسع (کون، 2007)، ومفهوم ” المنظومة” عند فوکو (أباه،1994 -119:118)  یمثل توظیفا بارزا لهذا المنظور على صعید الکشف عن الخلفیات القابعة وراء التحولات العلمیة والفکریة. فالمنهج البحثی الترانسیندنتالی، الذی یعود بجذوره إلى اطروحات کانط (1724م-1804م) حول المسبقات الذهنیة أو ما أسماه ” بنیة العقل”، ترى العملیة المعرفیة متعالیة على الحصر فی حدود وصف الوقائع facts والمعطیات، وإنما تدور تساؤلاتها المنهجیة حول ما الذی یجعل هذه المعطیات ممکنة وقابلة للتحقق. ففی حقل التحلیل السیاسی یصبح السؤال الترانسیندنتالی کما تدفع به نظریة الخطاب هو لیس ماهی الطبقات الاجتماعیة المکونة لمجتمع ما؟ والذی یفترض ان الانقسام الطبقی أمر طبیعی.

وإنما ماهی شروط امکان أن یُعرْف مجموعة من الناس أنفسهم على أنهم ینتمون لطبقة بعینها ویتصرفون سیاسیا على هذا الاساس؟ وبالتالی، وعلى سبیل المثال، إذا کانت المقاربة المارکسیة للهویات السیاسیة الجمعیة تنظر الى الطبقة الحاملة لهویتها الخاصة والتی تتضمن “مصالح موضوعیة”، إقتصادیة وسیاسیة،على اعتبار أنها من ضرورات الإنقسام الإجتماعی فی النظام الرأسمالی، فإن المقاربة التراسدنتالیة، المناهضة للجوهرانیة الثاویة فی المقاربة المارکسیة، ترشدنا إلى أن التقسیم الطبقی بالمعنى الذی أرادته النظریة المارکسیة هو أحد التقسیمات الممکنة ولکن غیر الضروریة أو الحتمیة. وهکذا بالنسبة بالنسبة للمقاربات الأخرى المنطلقة من الأولویة الجوهرانیة والأنتلوجیة للإنتماءات الإثنیة أو الطائفیة أو القومیة فی صیاغة هویات الفاعلین السیاسین مثل الهویة السیاسیة القومیة أو الطائفیة، إذ یخالها الإنطباع الجوهرانی بأنها هویة ” طبیعیة” وحتمیة لجماعة من الناس فیما یکشف النظر النقدی المتجاوز للجوهرانیة أنها لیست أکثر من أحد الممکنات التی أنتجتها صیرورة تاریخیة بشروط امکان جائزة، بالتالی فهی هویة متحولة قابلة للتغیر والنقض والاستبدال. ولکن من المهم التأکید على ان شروط الإمکان فی نظریة الخطاب لیست ثابتة بشکل مسبق و لاتاریخیة کما هو الحال فی بنیة العقل عند کانط، ولکنها خاضعة للمنافسة و الصراع السیاسی و التحولات التاریخیة. وبذلک، کما یشیر تورفنغ،  (Torfing, 2003:10) فإن شروط الإمکان بالنسبة لنظریة الخطاب تأخذ طابعا “شبه ترانسیندنتالی”، بمعنى أنها تؤدی وظیفة بنیویة رغم طبیعتها الجائزة أو التاریخیة. ویمکن التمثیل على فکرة  المفهوم شبه الترانسیندنتالی- الذی یذکر بمفهوم فوکو عن الزوج الإمبریقی/ الترانسیندنتالی کأحد خصائص الحداثة- (Foucault,1973:318-322) بالإحالة إلى وقائع امبریقیة اکتسبت القدرة على تجاوز سیاقها التاریخی الخاص وطابعها الإمبریقی لتعمل بمثابة إطار عام لتطورات مطردة لاحقة کما هو الحال مع فکرة “حقوق الإنسان” أو فکرة المساواة الحدیثة کما دشنتها الثورة الفرنسیة والتی وجد فیها توکفیل Tocqueville أفقا متحرکة للحداثة السیاسیة فی الغرب فیما أسماه “الثورة الدیمقراطیة” (Laclau & Mouffe, 2001:155).

3. مفهوم اللعبة اللغویة: 

 تستلهم ” مدرسة أسکس” النقد المعاصر للجوهرانیة فی فلسفة اللغة وتوظفه بصورة خلاقة لإنتاج مفهوم للخطاب یتجاوز التفریق الدارج فی دراسة الحرکات السیاسیة الجماعیة بین الممارسة السیاسیة و”الأیدیلوجیا” التی تحملها وهو تفریق قائم على الفصل التقلیدی بین ” الأفکار التی یحملها الناس وبین الممارسات التی یقومون بها” (Laclau, 2005:13). و فی هذا المسعى، تبنی” مدرسة أسکس” على مفهوم “اللعبة اللغویة” الذی طوره الفیلسوف النمساوی لدویغ فیتغنشتاینWittgenstein  (1889-1951)، الأمر الذی یتطلب منا الوقوف على ما ینصرف إلیه هذا المفهوم والکیفیة التی تم بها توظیفه فی بناء مفهوم الخطاب السیاسی.

انتشر مصطلح اللعبة اللغویة language game بفعل النفوذ الذی حظیت به نظریة فیتغنشتاین حول اللغة وارتبط باسمه حتى بات لا یذکر أحدهما إلا واستدعى الآخر. ومن الضروری، لرفع التباس واسع، الإشارة إلى أن مفردة “اللعبة” ذات الحضور المتنامی فی میادین کثیرة کما یشهد على ذلک شیوع عبارات مثل اللعبة الدیمقراطیة واللعبة السیاسیةواللعبة الإنتخابیة الخ… لا تحیل إلى المعنى اللغوی المعتاد لکلمة “لعبة” الموحیة بالعبث أو التسلیة أو انعدام الإنتظام، وإنما تؤشر إلى منحى منهجی حدیث یرى أن مجاز اللعبة بما یحیل له من فکرة قیام نشاط معین على قواعد عرفیة تحکمه (مثل لعبة الشطرنج) یساعدنا على مقاربة ظواهر اجتماعیة بإعتبارها محکومة بضوابط یمکن استشفافها منهجیا دون الحاجة إلى البحث عن تفسیر جوهرانی لها (Harris, 2016:xi).  فمفهوم اللعبة اللغویة عند فیتغنشتاین یشیر إلى “الکل الذی تکونه اللغة والأعمال التی تنضوی تحتها”(فتغنشتاین، 2007م: ص 124)

ولقد جاء تطویر” مدرسة أسکس” مفهوم اللعبة اللغویة وجعله حجر زاویة فی صیاغة مفهوم الخطاب السیاسی فی معرض نقدها لمفهوم فوکو عن الخطاب من زاویة عدم اتساق التمییز الذی یقیمه بین الخطابی وفوق الخطابی extra discursive. یشرح لاکلاو الأهمیة البالغة لمفهوم “اللعبة اللغویة” فی بناء مفهوم الخطاب السیاسی من خلال المثال التالی المستوحى من فتغنشتاین:

لنفترض أننی أقوم ببناء جدار مع عامل بناء. فی لحظة ما أقوم بالطلب من زمیلی بمناولتی قطعة بناء وأقوم برصها على الجدار. الفعل الأول-طلب قطعة البناء- هو لغوی؛ الفعل الثانی- اضافة قطعة بناء للحائط- هو فوق لغوی extra linguistic، ولکن هل تمت الاحاطة بحقیقة الفعلین عند رسم خط فاصل للمقابلة بینهما باعتبارهما ینتمیان إلى ماهو لغوی وغیر لغوی؟ من الواضح أن الاجابة بالنفی، لأنه على الرغم من الاختلاف بینهما بموجب هذا التفریق یظل الفعلان یشترکان فی حقیقة أنهما جزء من عملیة کلیة هی بناء الحائط. وبالتالی یبرز السؤال عن کیفیة توصیف هذه العملیة الکلیة التی بموجبها یکون کل من طلب قطعة البناء ووضعها على الحائط عبارة عن مکونات جزئیة داخلها؟ من الواضح أنه إذا کانت هذه الوحدة الکاملة تتضمن عناصر لغویة و أخرى غیر لغویة، فإنها لا تکون بذاتها إما لغویة أو فوق لغویةextra linguistic؛ ولکنها سابقة على هذا التفریق. أن هذا الإطار الجامع الذی یضم داخله بصورة مترابطة عناصر لغویة و غیر لغویة هو ما نطلق علیه بالخطاب. (Laclau, 2010:100).

وبالتالی عند تناول “الخطاب” بهذا المعنى المفاهیمی الخاص لایتم مقاربة العناصر اللغویة وغیر اللغویة على أنها فی حالة تجاور، وانما أجزاء من کل مترابط یضم عناصر لغویة وغیر لغویة. فالخطاب یشکل وحدة کلیة تتجاوز فی معناها التفریق التقلیدی بین اللغوی وغیر اللغوی (Laclau, 2010) . فعند تحلیل توجهات حزب سیاسیمعین فإننا بالضرورة سنعرض لعناصر ذات طابع لغوی مثل أدبیاته وبرامجه ولکننا أیضا فی ذات الوقت لایمکن لنا فصلها عن ممارسات وعناصر مؤسسیة غیر لغویة مثل أطره وبنیته التنظیمیة وأذرعته فی نشر هذه البرامج واستقطاب المؤیدین لأفکاره. وبالتالی لا تعود الإشارة إلى خطاب الحزب مقتصرة على أمر خطابی بالمعنى الدارج للکلمة أو “ذهنی” (Laclau & Mouffe, 2001: 90). ویضرب دیفید هوارث، أحد أبرز الممثلین الیوم لمدرسة أسکس، المثل فی الثاتشریة ( نسبة لمارغریت ثاتشر رئیسة وزراء بریطانیا 1978- 1991م) بما أحتوت علیه من أفکار وسیاسات وأفعال لما یمکن مقاربته کخطاب. فالثاتشریة لم تقتصر على مجموعة من الأفکار (الحریة، أولویة العائلة، تفوق القطاع الخاص الحزم فی تطبیق القانون) فحسب، ولکنها أدخلت مجموعة من الممارسات مثل الخصخصة والحزم فی السیاسة الخارجیة والقیادة الداخلیة القویة. کما أنها اشتملت على توجهات لاعادة صیاغة مؤسسات تتصل بالدولة البریطانیة وحزب المحافظین. هذه الممارسات التی تتضمن عناصر لغویة وغیر لغویة مترابطة معها هی ما یتخذ بکلیتها فی العملیة التحلیلیة مسمى “الخطاب الثاتشری” (Howarth, 2010:103). ویمکن أن نتلمس نفس الفکرة عند مقاربة ما یسمى “الترامبیة” (نسبة إلى دونالد ترامب) والتی ینبغی للمحلل السیاسی أخذها على أنها تشیر إل إطار واسع یربط بصورة جائزة contingent أفکار ممارسات مؤلفة منها تشکیلة خطابیة تعمل کوحدة متمایزة رغم تباین مصادر هذه الأفکار والممارسات. (Sides et al., 2018)

وصاحب صیاغة مفهوم الخطاب فی مقاربة ” مدرسة أسکس” تولید جملة من الأدوات التحلیلیة المتظافرة فی إنتاج صیاغة متکاملة له. وأهم هذه الأدوات التحلیلیة: التمفصل، نقاط الارتکاز، وعلاقات الإختلاف وعلاقات التکافؤ. وهی مفاهیم متداخلة ولکن لأغراض العرض والشرح سنتناول بشیئ من التفصیل کل منها على انفراد.

التمفصل:

تمثل فکرة التمفصلArticulation أو ما یمکن ترجمته أیضا بشیئ من التصرف ” الممارسة الرابطة”، المنتجة لمعان جدیدة من معطیات قائمة، ابتکارا نظریا مرکزیا فی صیاغة “مدرسة أسکس” لمفهوم الخطاب السیاسی. ومن الناحیة المفاهیمیة یمکن القول أن فکرة التمفصلجاءت لنقض فکرة الاستلزام المنطقی logical entailment التی سیطرت على النقد التقلیدی للأیدیلوجیات السیاسیة. فلقد انشغل النقد التقلیدی بمنطلقاته الجوهرانیة بموضوع الکشف عن ما تتسم به، فی غالب الأحیان، الأیدیلوجیات السیاسیة من عدم الاتساق المنطقی لموکوناتها، وتناقض بعض طروحاتها مع بعضها الآخر، ولکن دون  دون اهتمام هذا النقد بتحلیل قدرة هذه الأیدیلوجیات على التحول نحو حرکات جماهیریة فاعلة. ولعل الضعف التحلیلی الأبرز فی فکرة الاستلزام المنطقی عند سحبها إلى مجال دراسة الأیدیولوجیات السیاسیة أنها تغفل التماسک الداخلی لهذه الأیدیلوجیات وآلیات انتاج خطابها وقدرته على اکتساب الأتباع الذین لایشعرون أنهم یدافعون عن رؤیة متناقضة من الناحیة المنطقیة.

وینصرف فکرة التمفصل Articulation إلى “أی ممارسة تؤسس لعلاقة تربط بین عناصر مختلفة ینتج عنها تحویر فی معناها أو دلالتها نتیجة هذه الممارسة الربطیة” (Laclau & Mouffe, 2001: 105). من الواضح أن هذا التعریف مستمد من المقاربة البنیویة للعلامة اللغویة التی دشنها سوسیور والقائمة على فکرة أساسیة مؤداها اعتبار اللغة نظام من الإختلافات تکتسب المفردات فیها هویتها بصورة علائقیةrelational والتی اکتسبت تأثیرا بالغا على مجمل الفکر فی القرن العشرین وحتى الیوم  من خلال تأکیدها على أن النظر إلى مسألة المعنى والهویة یکون”من حیث بعدها العلائقی (Relational) أکثر من تشدیدها على البعد الجوهری”(لیتشة، 2008: ص13). ولکن هذه المقاربة البنیویة حملت معها امکانیة الانزلاق إلى الجوهرانیة حین سعت التوجهات البنیویة التی انبثقت منها، کما فی حالة “البنیویة الأنثروبولجیة” عند کلود لیفی – ستراوس على سبیل المثال، إلى النظر فی إمکانیة انغلاق النظام البنیوی على نفسه ما یسمح بتثبیت معنى کل عنصر تتشکل منه البنیة حتى وإن تم مقاربته علائقیا. وبالفعل، کما یشیر لاکلاو وموف “عندما تم ادخال النموذج اللسانی إلى القطاع الأوسع من العلوم الإنسانیة هیمن هذا التأثیر النظاماتی systematicity حتى أضحت البنیویة نوع جدید من الجوهرانیة یقوم على البحث عن البنیات الثاویة باعتبارها تشکل القوانین الحاکمة لأی تنوع محتمل”  (Laclau & Mouffe, 2001:113). إن ما نصفه بالمقاربة ” ما بعد -البنیویة”، والتی تعتبر نظریة الخطاب محل هذه الدراسة أحد صیاغاتها، تشکلت من خلال نقد هذا التصور المغلق للبنیة  (Gasche, 1986:144-5).

فنقطة البدایة المنهجیة للمقاربة ما بعد-البنیویة تتمثل فی القطیعة مع فکرة التشکل الکامل لمساحة بنیویة أو بنیة ثابتة الدلالة،  ولکنها تتضمن أیضا رفض العودة إلى ما قبل الدرس البنیوی الذی دشنه سوسیور وتصور معنى الوحدات اللغویة على أنها ذات معنى قابع فیها، وأن اللغة منظومة من الأسماء nomenclature التی تستمد معانیها من الإشارة إلى شیء خارجها. إن ما یمیز منهجیا المقاربة ما بعد -البنیویة هو انطلاقها من النظر إلى العلامة (وهذه تتجاوز العلامة اللغویة بالمعنى الضیق إلى کل ما حمل دلالة من علامات إجتماعیة وسیاسیة …وهلم جرا) على أنها أسم “لإنشطار یستحیل لحمه بین المدلول والدال” .(Laclau & Mouffe, 2001:113) ویحمل هذا التطور المنهجی- حسب مدرسة أسکس- أهمیة بالغة للتحلیل السیاسی فهو یدشن الأرضیة النظریة لفکرة استحالة انغلاق الدلالة السیاسیة على معنى ثابت یلحم بصورة نهائیة الصلة بین الدال والمدلول.  بل أن هذا التطور المنهجی  یفضی إلى إدراک منهجی جدیدة لحقیقة انتشار أو تکاثر “الدوال العائمة” فی الفضاء السیاسی، ویجعل ممکننا النظر إلى مناط المنافسة السیاسیة على أنها تدور حول محاولات بین قوى (خطابات) سیاسیة متنافسة أو متنازعة للتثبیت الجزئی لهذه الدوال وضمها إلى تشکیلتها الخطابیة. وکما یشیر لاکلاو فالصراعات حول تثبیت معنى دال مثل ” الدیمقراطیة”، على سبیل المثال،) من خلال ممارسات لغویة وغیر لغویة) یعتبر مرکزیا لفهم وتفسیر معنى الحیاة السیاسیة فی عالمنا المعاصر (Laclau & Howarth, 2015:28).

وفی المحصلة یبرز الخطاب السیاسی فی صیاغة “مدرسة أسکس” للمفهوم لیعبر عن بنیة مترابطة لیس بفعل الإستتباع المنطقی للعناصر المکونة له، فلا یوجد على سبیل المثال فی فکرة الوطنیة ما یستلزم بالضرورة المنطقیة فکرة اللیبرالیة، لکن خطابا وطنیا- لیبرالیا یمکن أن یربط بینهما بدلالات ستکون مختلفة لکل منهما عن تلک التی یمفصلها خطاب وطنی-إشتراکی- لیبرالی. التمفصل بالضرورة ممارسة خلاقة لأنها تنتج معانی جدیدة من معطیات قائمة. وبالتالی فمن المألوف أن نجد أن دوالا سیاسیة رئیسة مثل الوطنیة تتخذ معان متباینة حد التضاد عندما یتم مفصلتها مع عناصر أخرى فی خطاب یمینی عنها فی خطاب یساری. بکلمات أخرى، فیما تنحصر حدود ما یمکن إعتباره من منظور جوهرانی قومیا أو دیمقراطیا أو لیبرالیا أو إشتراکیا أو إسلامویا منحصرا فی تمثیل محدد للظاهرة، ولا یمکن تغییره بدون أن تفقد هذه الظاهرة هویتها أو حقیقتها، فإنه فی هذه المقاربة البدیلة، القائمة على مفهوم التمفصل بصیغته ما بعد البنیویة، یأخذ المعنى طابعا سیاقیا وتکتسب الهویات السیاسیة دلالات علائقیة، ما یجعلها من حیث المبدأ مفتوحة على صیاغات عدیدة. فلا یوجد دال أو هویة سیاسیة منغلقة على معنى ثابت ومستقر بصفة نهائیة.

وتأخذ عملیة الربط العلائقی (التمفصل) طابعها السیاسی من کونها تتم فی إطار التنازع بین خطابات متنافسة لإعطاء مضامین مختلفة لنفس الدوال. ولعل التنازع على ما تعنیه “المصلحة الوطنیة”، أو “العدالة الاجتماعیة” أو “الحریة” أو “المساواة” وغیرها من الدوال السیاسیة المفتاحیة تشکل أمثلة بارزة على الطابع السیاسی للممارسة التمفصلیة. وبما أن دلالة هذه الدوال لایمکن تثبیتها لمرة واحدة وإلى الأبد، فهذا یجعل من عملیة التمفصل بالضرورة مرحلیة وجزئیة. أما ما تظل محتفظة به من معنى یحمل أثر التمفصلات السابقة، فإنه أقرب ما یکون لما وصفه دریدا “الحد الأدنى المتبقی” minimal remainder(Smith, 2012: 106) ولیس جوهرا مستمرا یملک القدرة على تحدید هویة العنصر الخطابی بصورة مسبقة.

وتتم عملیة التمفصل من خلال نقاط ارتکاز Nodal Points ینهض علیها الخطاب السیاسی وترتبط من خلالها عناصر مختلفة لتؤلف تشکیلة دلالیة متمایزة. ویعمل هذا الترابط المتمایز الذی تحدثه نقاط الارتکاز على رسم حدود سیاسیة تفصل بین داخل الخطاب وخارجه. وبالتالی فان مقاربة ” مدرسة أسکس” للخطاب السیاسی تؤکد على الانغلاق الجزئی للهویة والتثبیت الجزئی للمعنى ولیس السیولة التامة للمعنى والهویة التی اتسمت بها بعض المقاربات ما بعد-الحداثیة. فکل خطاب سیاسی یتشکل من عناصر مثبتة داخله یسمونها لحظات moments وأخرى عائمة یتم العمل على ادخالها فیه تسمى عناصرelements. فعلى سبیل المثال عند النظر فی خطاب الإخوان المسلمین فی أربعینات القرن الماضی (Lia, 2010; Mitchell, 1993) نجد أن عددا من الدوال ذات الحضور الرئیسی فی الحقل السیاسی(الخطابی) المصری مثل الوطنیة، الدیمقراطیة، الحریة، العدالة وهلم جرا اکتسبت معان جدیدة عند مفصلتها حول نقطة الإرتکاز”الإسلام” کما أنتجه الخطاب الإخوانی. وبالتالی، فنتیجة لتدخل نقطة الإرتکاز هذه، تحولت هذه العناصر العائمة فی الحقل السیاسی المصری انذاک إلى لحظات مکونة للخطاب الإخوانی حینها ولکن بدلالات مغایرة لتلک التی تحملها هذه الدوال فی خطاب حزب الوفد على سبیل المثال. ومن المهم التأکید على أن قدرة أی خطاب على تثبیت معانی الدوال الرئیسة فی الحقل السیاسی هی قدرة جزئیة، اذ یبقى دوما فائضا من المعنى تتمکن من خلاله خطابات منافسة على انتاج معان مغایرة للدوال المرکزیة.

 تحمل المنافسة مع الخطابات الأخرى ومنازعتها فی الهیمنة على الفضاء السیاسی من خلال الممارسات التمفصلیة  articulatory practices بعدا تأسیسیا فی تشکیل هویة الخطاب وتمنحه طابعه السیاسی. ویتصل بذلک أن الخصم السیاسی (الآخر) یملک أهمیة مرکزیة فی تحلیل ” مدرسة أسکس” حیث یکتسب طابعا تکوینیا فی تشکیل الخطاب السیاسی. وتوظف مقاربة “مدرسة أسکس” فکرة دریدا عن “الخارج المکون” constitutive outside ((Staten, 1985:18لتنظیر هذا البعد التکوینی للخصم السیاسی. فالخصم السیاسی یقوم بدور مزدوج. فمن جهة یتقوم الخطاب لمجابهة الخصم بوصفه تهدیدا. ولکن، من جهة أخرى، بدون وجود هذا الخصم لا معنى للتعبئة السیاسیة التی تشکل الخطاب. ولا شک أن الخبرة السیاسیة تشیر إلى أن الاستشعار المشترک بوجود خصم واضح والإجماع على تعیینه هو بمثابة الرابطة الحیویة التی تجعل أی تکتل سیاسی یتحرک کوحدة مترابطة على الرغم من التباینات داخله. ویمکن لهذه الفکرة ان تشکل نقطة انطلاق تحلیلیة مرکزیة فی تفسیر التحولات التی یشهدها على سبیل المثال خطاب “الإسلام السیاسی” عندما یتحول فی المواجهة من الخصومة لخطاب لیبرالی إلى الخصومة مع خطاب قومی أو آخر شیوعی وان بدى أنه یستخدم ذات العناصر والمفردات.  فالفحص التحلیلی سیتوصل أن هذه المفردات تحمل دلالات مختلفة تبعا للخطاب الذی ینازعه أو یناهضه الخطاب الإسلاموی.

تصنیف الخطابات السیاسیة:

تدفع” مدرسة أسکس” بتصنیفین أساسیین للخطابات السیاسیة یقومان على آلیتین مختلفتین لتشکل وتحلیل المساحات السیاسیة. یغلب على آلیة إنتاج الصنف الأول ما یسمونه ” منطق التکافؤ” logic of equivalence، فیما یغلب على الصنف الثانی آلیة ” منطق الإختلاف” logic of difference. یشیر الصنف الأول إلى تلک الخطابات التی تتسم بها الحراکات الشعبویة والجماهیریة الواسعة حیث تهیمن علیها فکرة انقسام الساحة السیاسیة بین من تصفهم ” الشعب” فی مواجهة النخبة والوضع القائم، وتنحو فی کسب الأتباع إلى العمل على تقسیم الحقل الخطابی (الفضاء السیاسی) برمته إلى جبهتین متنازعتین. برز هذا النمط من التعبئة السیاسیةعلى الساحة الأوروبیة فی القرن التاسع عشر من خلال القسمة الأساسیة بین ” الشعب” و “النظام القدیم” التی دشنتها الثورة الفرنسیة، واکتسب حضورا کبیرا ومستمرا، بأشکال مختلفة، فی “العالم الثالث”، ویشهد الیوم من خلال الخطابات الشعبویة تنامیا متزایدا فی أوروبا. (Fukuyama, 2018) ولعل هذا النمط من الخطاب یتجسد فی حدوده القصوى فی الحرکات المهدویة millenarian movements (وأشباهها مثل داعش (حیث ینبنی على مفاصلة حادة بین “نحن” و “هم”. فلا عنصر فی منظومة التکافؤ تدخل فی علاقة سوى علاقة تضاد مع العناصر الأخرى فی المنظومة المقابلة (Laclau & Mouffe, 2001:129-30).

یتأسس الخیط الناظم لهذا  النمط من هذا الخطابات، وأبرزها الخطاب الشعبوی، من خلال إقامة علاقة تکافؤ بین جماعات ومطالب سیاسیة مختلفة هی فی الأصل مستقلة عن بعضها البعض، وتولیفها داخل الخطاب بإعتبارها متکافأة فی مناهضتها للوضع القائم (Laclau & Howarth, 2015: 69). إن فعل انشاء علاقة تکافؤ بین مطالب وهویات مختلفة واعتبارها مرتبطة مع بعضها البعض هو ما یجعل منها تولیفة جامعة، ولیس أن هذه المطالب والأهداف بطبیعتها مرتبطة ببعضها البعض أو تصب بصورة تلقائیة فی بعضها البعض. فالذی یوحدها هو أنها اکتسبت بفعل منطق التکافؤ صفة ان کلا منها بات مناظرا للآخر ومرتبطا به فی مواجهة النظام القائم. وبالتالی، فإن ما یوحد هذه المطالب والجماعات الرافعة لها لا ینبغی إدراکه على أنه شیء ملموس یشترکون فیه جمیعا و یؤسس لوحدتهم، و لکنه شیئ سلبی: مواجهتهم لعدو مشترک.

وکما أوضح لاکلاو فی دراسته النظریة عن الشعبوبیة فإن قدرة خطاب سیاسی على انشاء سلسلة من المتکافئات بین تطلعات مختلفة لکل منها رافعته الإجتماعیة وصولا بها إلى حالة المطالب الشعبیة العامة ورافعة موحدة تطلق على نفسها ” الشعب” هو الذی ینتج الوحدة الشعبیة ولیس العکس (Laclau, 2005:133). فمن خلال مفهوم منطق التکافؤ  یکشف النظر التحلیلی ما بعد-البنیوی أن الوحدة القائمة بین الجماعات المناهضة للوضع القائم عند توسع المعارضة له هی وحدة رمزیة انتجها فعل سیاسی ولیست، على سبیل المثال، نتاج معطى بنیوی سابق على تشکل الخطاب السیاسی المعبر عنها مثل الطبقة أو الأمة الخ…  وبالمقارنة نجد أن المنظور المارکسی، على سبیل المثال، یرى فی وحدة الطبقة نتیجة لقوانین حرکة القاعدة الإقتصادیة، فیما تفترض الأیدیلوجیات القومیة أن الهویة السیاسیة للأمة سابقة فی وجودها على ظهور الخطاب القومی، وتنحو نظریة الخیار العقلانی والتوجهات اللیبرالیة فی التحلیل إلى اعتبار أن الجماعات السیاسیة والمصالح التی تسعى لتحقیقها داخل النظام السیاسی سابقة فی وجودها “الموضوعی” على ظهور الخطابات التی تشکلها.

   وفی حین تتسم المساحة السیاسیة التی یسود فیها الخطابات التی یحکمها منطق التکافؤ بالتبسیط کونها تدور حول منازعة کبرى تقسمها أفقیا بین جبهتین عریضتین، فإن المساحة السیاسیة التی یسود فیها منطقالاختلاف تتسم بالتعقید وتعدد نقاط التنازع فیها. ولکن التنازع السیاسی، فی الخطابات التی یسود فیها المنطق الأخیر، یکون محصورا فی نطاق محدود لا یمتد إلى محاولة تقسیم المجتمع أفقیا إلى جبهتین متنازعتین.

وتشکل الحراکات السیاسیة التی تدور حول مطالب فئویة، مثل المطالب النقابیة بتحسین شروط العمل للأعضاء الذین تمثلهم، أو المطالب الحقوقیة لفئة من المجتمع، أمثلة على خطابات سیاسیة لاتسعى لتحقیق أهدافها من خلال العمل على بناء جبهات عریضة مناهضة للنظام القائم برمته. وعلاوة على ذلک، فإن اشتغال منطق الإختلاف یمکن تلمسه کما یشیر هوارث (Howarth, 2013: 203) فی الاستراتیجیات التی یتبعها من هم فی السلطة ومراکز القوة لتفتیت المعارضة والمطالب الموجهة لهم بطریقة لا تغیر بصورة جذریة أسس النظام نفسه. فالآلیة mechanism الرئیسة لمنطق الاختلاف تتجسد فی عملیة فک ارتباط disarticulation سلسلة المطالب والهویات المناهضة للنظام السیاسی عن بعضها البعض والتعامل المتفاوت معها عن طریق أنماط متعددة تتراوح بین قبول ببعض هذه المطالب ومأسستها داخل الوضع القائم أو حرف الترکیز عنها أو النقض المباشر لها، ولکن فی المحصلة تحویل حاملی هذه المطالب من منازعین جذریین للسلطة إلى جزء، وإن کان مختلفا، من النظام العام القائم. ولعل تجربة الأحزاب الشیوعیة فی دول أوروبا الغربیة بعد الحرب العالمیة الثانیة، أو الأحزاب الشیوعیة فی بعض البلدان العربیة من خلال إقامة ما یسمى ” الجبهات الوطنیة” فی الستینیات والسبعینیات من القرن الماضی، وکذلك ادخال الأحزاب “الإسلامیة” فی العقود الأخیرة فی النظام السیاسی لغیر بلد عربی، تشکل أمثلة قابلة للتحلیل غیر الجوهرانی من خلال منطق الإختلاف. وبتعبیر آخر یمکن القول إن اشتغال منطق الاختلاف یظهر عادة من خلال إستراتیجیات سیاسیة تقوم على الاستدخال والإدماج أو حتى الاحتواءالاستیعابی co-optation (وجمیعها قد تشتمل على تقدیم بعض الإغراءات أو التنازلات) للمطالب الموجهة للنظام السیاسی بطریقة تکسر حدتها.

کما أنه قد یتضمن انفتاحا وتعدیدا للنظام القائم بحیث یکون مفتوحا للتطلعات والمطالب الجدیدة وتجعله قادرا على الاستیعاب الناجح لقوى مختلفة عنه من خلال امتصاص مناهضتها له وصولا إلى حالة تجعلها تکف عن أن تکون فی حالة نزاع جذری معه.

الخاتمة:

عرضت هذه الدراسة للخطوط العریضة لصیاغة أصیلة لمفهوم الخطاب السیاسی دفعت بها ” مدرسة أسکس لتحلیل الخطاب السیاسی” ضمن مقاربة مستجدة تسعى لاختطاط أفق جدید للتحلیل السیاسی یتغذى على التطورات المنهجیة المعاصرة ولاسیما ما بعد البنیویة. وکان من نتائج هذه المقاربة المرکبة، ولاسیما مفهومها عن ” الخطاب”، تحریک بعض المیاه الراکدة فی حقل التحلیل السیاسی،  وخصوصا فی مجال تحلیل الهویات السیاسیة الجماعیة من حیث آلیات تشکلها وتوسعها وتحولاتها.  ولم یکن غریبا أن تستثیر هذه المقاربة الجدیدة اهتماما واسعا و نقاشا مستمرا وتطبیقات عملیة تسترشد بطروحاتها النظریة. ویمکن القول أن الساحة السیاسیة العربیة بما تشهده من تحولات کبیرة ومتسارعة فی مجال تکوین الهویات الجماعیة تمثل أرضیة مواتیة للإستفادة من هذه المقاربة وإثرائها فی آن واحد، خصوصا وأن مقاربة “مدرسة أسکس” للخطاب السیاسی لاتقدم نفسها على أنها نظریة کاملة مغلقة، ومنحصرة بالضرورة بحیز جغرافی أو سیاق سیاسی وثقافی بعینه، بل بإعتبارها عدة نظریة مفتوحة على التطویر والتعدیل المستوعب للتطورات والرهانات النظریة المعاصرة.

المراجع

محمد عابد الجابری، الخطاب العربی المعاصر (بیروت: دار الطلیعة، ط2، 1985)

عبدالله العروی، مفهوم الإیدیولوجیا) بیروت: المرکز الثقافی العربی، 1988)

عبدالله العروی، مفهوم التاریخ ج1(ط4)، (بیروت: المرکز الثقافی العربی، 2017)

لودفیک فتغنشتاین، تحقیقات فلسفیة، (بیروت: المنظمة العربیة للترجمة، 2007)

جون لیشته، خمسون مفکرا أساسیا معاصرا: من البنیویة إلى ما بعد البنیویة، (بیروت: المنظمة العریة للترجمة، 2008)

توماس س. کون، بنیة الثورات العلمیة، ترجمة حیدر حاج حسین (بیروت: المنظمة العربیة للترجمة، 2007)

جان لابلانش و ج.ب. بونتالیاس، معجم مصطلحات التحلیل (بیروت: المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع، ط4 2002)

جوناثان کلر، فردیناند دی سوسیر، مبادئ اللسانیات الحدیثة وعلم العلامات، (القاهرة: المکتبة الأکادیمیة،2000)

السید ولد أباه، التاریخ والحقیقة لدى میشیل فوکو (بیروت: دار المنتخب العربی، 1994)

عادل ضاهر، نقد الفکر السیاسی فی الغرب. ( بیروت: بیسان للنشر والتوزیع، 2018)

محمد حدیدی، الحداثة ومابعد الحداثة فی فلسفة ریتشارد رورتی. (بیروت: الدار العربیة للعلوم 2008)

محمدى حافظ دیاب، سید قطب: الخطاب والأیدیلوجیا، (بیروت: دار الطلیعة، 1988)

میشل فوکو،  نظام الخطاب، ترجمة د. محمد سبیلا (بیروت: دار التنویر، 2007)

المراجع الأجنبیة

Arditi, B. (2007). “Post-Hegemony: Politics Outside the Usual Post-Marxist Paradigm”. Contemporary Politics13(3), 205-226.

Arditi, B. (2010). “Review Essay: Populism is Hegemony is Politics? On Ernesto Laclau’s On Populist Reason”. Constellations17(3), 488-497.

Becker, Jessica, “Speaking to The Wall: Recon Conceptualizing the US-Mexico Border “Wall” from the perspective of a Realist and Constructivist Theoretical Framework in International Relations” Journal of Borderlands Studies, June, 2018, pp. 1-13

Critchley, S., and Marchart, O. (ed.) (2006). Laclau: A Critical Reader. London: Routledge.

Foucault, M. (1973). The Order of Things. New York: Vintage Books.

Fukuyama, F. (2018). Identity. New York: Farrar, Straus and Giroux.

Harris, R. (2016). Language, Saussure and Wittgenstein. London: Routledge.

Howarth, D. (2010). Discourse. Maidenhead: Open Univ. Press.

Howarth, D. (2013). Poststructuralism and After. Basingstoke: Palgrave Macmillan.

Howarth, D. (ed). (2015). Ernesto Laclau. London: Routledge.

Howarth, D., Norval, A., and Stavrakakis, Y. (2009). Discourse Theory and Political Analysis. Manchester: Manchester University Press.

Howarth, D., Torfing, J. (2005). Discourse theory in European politics. New York: Palgrave Macmillan.

Jonathan Culler. (1985). Saussure. London, Fontana/Collins.

Laclau, E. (2005). On Populist Reason. London: Verso.

Laclau, E. (2010). New Reflections on the Revolution of Our Time. London: Verso.

Laclau, E., and Mouffe, C. (2001). Hegemony and Socialist Strategy. London: Verso.

Lia, B. (2010). The Society of the Muslim Brothers in Egypt. Reading: Ithaca Press.

Martin, J. (2005). Discourse. In L. Mackenzie (Ed.) Political Concepts: A Reader and Guide. (pp.553-564). Edinburgh: Edinburgh University Press

Mitchell, R. (1993). The Society of The Muslim Brothers. New York: Oxford University Press.

Mouffe, C. (1979). Gramsci and Marxist Theory. London: Routledge & Kegan Paul.

Norval, A., and Howarth, D. (2016). South Africa in Transition. London: Palgrave Macmillan Limited.

Rorty, R. (1992). The Linguistic Turn. Chicago: Univ. of Chicago Press.

Sides, J. and Tesler, M. and Vavreck, L. (2018) Identity Crisis: The 2016 Presidential Campaign & the Battle for the Meaning of AmericaPrinceton: Princeton University Press

Smith, A. (2012). Laclau and Mouffe. Hoboken: Taylor and Francis.

Staten, H. (1985). Wittgenstein and Derrida. Oxford: B. Blackwell.

Torfing, J. (2003). New Theories of Discourse. Oxford: Blackwell.

Townsend, J. (2003). “Discourse Theory and Political Analysis: A New Paradigm from the Essex School?”. The British Journal of Politics and International Relations5(1), 129-142

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14313

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *