إن الحديث عن الانتفاضة المسلحة أو عن ما بات يُعرف تاريخيا بـ “هجومات الشمال القسنطيني20آوت1955 ” يستدعى إلى الذهن كمًّا هائلا من المعلومات والتفاصيل والأسئلة، لكن الأمر الذي يُلفت الانتباه دائما ويفرضُ نفسه في هذا الصدد هو الطابع الشعبي للثورة الذي تجسَّد في هذه الهجومات غير المسبوقة في تاريخ الثورات ، مما يجعلنا إزاء ظاهرة ثورية متفردة وليس فقط أمام حدث من أحداث الثورة، فأن تكون هناك مواجهات بين الثوار وقوات العدو فهذا أمر قد يحدث في يوميات هذه الثورة أو تلك أما أن يقوم مجموعة من الثوار بإمكانيات جد متواضعة بقيادة جماعات واسعة من الجماهير المسحوقة تحت وطأة النظام الكولونيالي إلى الهجوم وفي وضح النهار على مختلف المؤسسات والهيئآت المدنية والعسكرية الموجودة في كثير من مدن وقرى المنطقة الثانية والتي ترمز لعظمة وهيمنة الدولة الاستعمارية،وقوة مؤسساتها فتلك خاصية من خصائص التميز والعظمة الثورية التي انفردت بها هجومات الشمال القسنطيني والتي لايكفي لهذا السبب اعتبارها مجرد محطة من محطات الثورة لأنها كانت أكثر من ذلك فهي تحول نوعي على كافة الأصعدة العسكرية والسيكولوجية والسياسية،إنها بمثابة الانطلاقة الثانية للثورة الجزائرية كما لاحظ البعض.

  وإذا كان من المعروف لدينا أن القائد يوسف زيغود هو صاحب هذه الفكرة أو المشروع الثوري الفريد ، فإن السؤال هو : ماهي العناصر أو المعطيات التي قد يكون يوسف زيغود استمد منها فكرة هذه الهجومات المظفرة ؟ حسب بعض الشهادات التاريخية فإن معركة وادي بوكركر التي وقعت يوم 16 جانفي 1955 بأعالي  السمندو مركز قيادة المنطقة الثانية والتي انتهت باستشهاد القائد مراد ديدوش وعدد من المجاهدين قد تكون هي الواقعة المادية أو الحدث الرئيس أو المباشر الذي ساهم في بلورة فكرة الهجومات الشاملة في ذهن القائد يوسف زيغود،فقبل الاشتباك مع العدو يُقال أن يوسف زيغود طلب من مراد ديدوش تجنب المواجهة مع العدو حتى لا ينتقم من الأهالي في المنطقة ، فكان رد القائد مراد ديدوش : ” إذا انتقم العدو من أهالي المنطقة بعد المعركة فهذا سيكون اعترافا منه بالثورة ” وبالفعل تم خوض المعركة وسقط مراد ديدوش شهيدا وتعرض أهالي المنطقة إلى انتقام العدو، لكن معركة وادي بوكركر كانت لها أصداء واسعة وسط الجماهير، وهو تطور لم يكن ليغيب عن ذهن القائد يوسف زيغود.

 معركة وادي بوكركر إذا هي الحدث الأساسي التي انبثقت منه فكرة هذه الهجومات في ذهن القائد يوسف زيغود، لكن وجود الفكرة وتبلورها وحده لا يكفي إذ أن أعظم الأفكار وأكثرها تفردا وإبداعا ستبقى مجرد خواطر ذهنية إذا لم تجد من يعمل على تجسيدها، ومن هنا نقف على جانب آخر من جوانب العظمة في شخصية يوسف زيغود، وهي القدرة على القيادة وعلى إقناع الثوار بأهمية هذه الهجومات وضروتها لمستقبل الثورة التي كانت تواجه وضعا خطيرا – يهدد بخنقها في المهد- وإمكانية نجاحها في إحداث النتائج المرجوة داخليا وخارجيا،ولذلك وفي اللَّحظة التي تمَّ فيها وضع الفكرة موضع التطبيق يوم 20 أوت 1955 لم يعد بإمكان التاريخ أن يعود إلى الوراء، ولم يعد من الممكن لأسطورة الجزائر التي لا تتجزأ من فرنسا أن تأمل في الاستمرار والعيش أكثر مما عاشت ، لقد فهم جاك سوستال الحاكم العام للجزائر وقتها هذه التطورات جيدا، لذلك وردا على من اقترح عليه القيام ببعض المبادرات لتفويت الفرصة على مزيد من الانتشار لصالح جبهة التحرير الوطني ، قال : ” فات الأوان، لقد انتهي كل شئ ” فهجوم الجزائريين على مراكز الجندرمة والبريد ومزارع الكولون، ومقرات البلديات وحرق المؤسسات الاقتصادية الاستعمارية واستهداف الخونة وبعض السياسيين الذين كانوا لايزالون يراهنون على النظام الكولونيالي كان رسالة واضحة ومكتوبة بالدم بدل الحبر، وقد فهم النظام الكولونيالي الرسالة جيدا لذلك كان القمع وحشيا وبلا رحمة إلى درجة أن المؤرخ الأمريكي ماتيو كونلي في دراسة له يذكر أن الإنتقام الذي قام به الجيش الفرنسي والمليشيات الداعمة له قد خلفت عشرين ألف ضحية في صفوف الجزائريين، لكن وبكل تأكيد فإن الأصداء كانت كبيرة ويمكن الإشارة إلى ما صرح به ونستون تشرشل على إثر هذه الهجومات : ” إن التحدي الذي أظهره الجزائريون أخيرا قد بين للفرنسيين أنه سيكون امتحانهم الأكبر، ورأي الشخصي هو أن تعيد فرنسا احتلال كل من المغرب وتونس ” ! القائد يوسف زيغود نفسه وقبل انطلاق العمليات بقليل كان قد قال لرفاقه : ” بأنَّه سيتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الهجومات ، شارحا لهم أنها آخر فرصة في المواجهة مع النظام الكولونيالي البشع، فإما أن ننجح ، وإما أن نكون قد قمنا بمغامرة فاشلة، وبرهنا على أننا غير قادرين على قيادة هذا الشعب إلى الاستقلال ” ومن هنا تجسَّدت عبقرية الصمود فكرا وميدانا، فقد أظهرت هجومات الشمال القسنطيني أن الجماهير حتى وهي ترزأ تحت أسوأ الظروف يمكن لها أن تساهم في صنع التاريخ إذا ما توفر لها مشروع واضح يعطيها رؤية مقنعة عن وجود البديل وإمكانية السير إليه فضلا عن وجود القيادة المناسبة التي تحظى بالثقة والولاء العميق.

ولأهمية النتائج التي ترتبت عن هجومات الشمال القسنطيني، فقد كان يوم 20 أوت من سنة 1956 هو التاريخ الذي تم التواضع عليه لعقد مؤتمر الصومام التاريخي والذي كان على الصعيد التنظيمي والسياسي بمثابة التأسيس السابق لأوانه للدولة الجزائرية، ولم يكتفِ مؤتمر الصومام بتزكية هجومات الشمال القسنطيني والإشادة بآثارها الإيجابية على مسيرة الثورة ، ووضع بذلك حدا للجدل بشأنها وما أعتبره البعض بمثابة مغامرة تسببت في الكثير من الخسائر والآلام للشعب نتيجة حملات القمع والانتقام التي تجاوزت في هولها كل الحدود، بل لقد اعتمد مؤتمر الصومام العديد من أساليب التنظيم الشعبي التي أثبتت فعاليتها في المنطقة الثانية، ولعله من المفيد أن نؤكد هنا على أن كلا من هجومات الشمال القسنطيني ومؤتمر الصومام قد أكدا بوضوح رائع على فكرة الوحدة المغاربية ومكانتها المركزية في التفكير الثوري لقادة نوفمبر وفي التقاليد السياسية الجزائرية بوجه عام.

 فمن المشهور والمسلم به اليوم أن من أهم الأهداف الخارجية المتوخاة من هجومات الشمال القسنطيني هو الإعلان عن التضامن مع الشعب المغربي في الذكرى الثانية لنفي الملك الراحل محمد الخامس،وكذا محاولة التضامن بالدم مع الثوار المغاربة الذين كانوا يقاتلون العدو في وادي زم وخريبكة، فالبعد المغاربي بكل حمولته السياسية والوجدانية والثورية لم يكن غائبا عن فكر القادة وهو يخططون لضرب العدو في مدن وقرى الشمال القسنطيني، أما في مؤتمر الصومام فإن مسألة التفكير في البناء المغاربي المشترك قد احتلت مساحة هامة في وثائق المؤتمر وما تمخَّض عنها من خطط للعمل والتحرك على مختلف المستويات،فالقادة العظام ممن حَضَرُوا وحَضَّرُوا هذا المؤتمر أمثال محمد العربي بن مهيدي، وعبان رمضان، ويوسف زيغود، وعمر أوعمران كانوا متشبعين بفكرة الوحدة المغاربية وكانوا كثوريين ملتزمين بما جاء في بيان أول نوفمبر الذي جعل من بين الأهداف الأساسية للثورة تحقيق وحدة الشمال الإفريقي، ولذلك فإننا اليوم عندما نقرأ أرضية الصومام لانجد فقط تأكيدا متكررا على أهمية الوحدة المغاربية وضرورتها بل ونجد خطوات مرسومة وخطط عملية من شأنها أن تساعد على الشروع في التطبيق الميداني لمشروع البناء المغاربي المشترك وصولا إلى وحدة مغاربية كاملة، ولا يتسع المجال لإعطاء الأمثلة لكن كل قراءة شاملة لأرضية الصومام ستقود صاحبها إلى حقيقة أن الوحدة المغاربية ليست قضية هامشية أو محطة عارضة في ميثاق الصومام بل يُمكن القول عندما نتعمَّقُ في التحليل أن مؤتمر الصومام كان إلى جانب بيان أول نوفمبر1954 ومؤتمر طنجة (أفريل1958) أكبر انتصار للفكرة المغاربية منذ سقوط دولة الموحدين العتيدة، لكن ما يثير الحزن والدهشة أن شرائح واسعة من الجزائريين ومنهم الكثير من الشباب لا يعرفون أصلا أن ميثاق الصومام قد دعا بحرارة استثنائية إلى الاضطلاع بوحدة الشمال الإفريقي ! فمن هو المسؤول عن تغييبِ هذا المشروع الوحدوي العظيم عن نظرِ الأجيال المغاربية الصاعدة ؟

وأعتقد أن الفرصة مناسبة هنا لنتوقف عند التصريح الذي أدلى به القائد يوسف زيغود عقب انتهاء أشغال مؤتمر الصومام ، إذ قال لبعض رفافه : ” الاستقلال قادم لا محالة لكن الثورة انتهت ” ! فالبعض يُردد هذا القول ويستخلصون منه نتائج غريبة دون فهم لسياقاته التاريخية وأبعاده الاستشرافية ، لكن كيف نفهم بحق كلام القائد زيغود يوسف ؟ لكي نقف على الأبعاد الفكرية والثورية لهذا التصريح ، علينا أن نعرف أن كل ثورة تمر بمراحل ثلاث ، وهي، مرحلة ما قبل الثورة ( الحركة الوطنية ) ومرحلة الثورة نفسها ( من أول نوفمبر1954إلى 05 جويلية 1962) ومرحلة ما بعد الثورة ( من استرجاع الاستقلال إلى اليوم ) فالقائد يوسف زيغود عندما أدلى بهذا التصريح كان يريد أن يقول أن الثورة الجزائرية ستنجح حتما في تحطيم النظام الكولونيالي واسترداد السيادة الوطنية ( الاستقلال قادم لا محالة ) ولكن الجزائر المستقلة ستواجه صعوباتٍ عظيمة لمواصلة مشروعها الثوري في إطار دولة الاستقلال ( الثورة انتهت ) وعلى ضوء التطورات التاريخية التي عاشتها الجزائر بعد مؤتمر الصومام إلى اليوم ، نستطيع أن نفهم إلى أي مدى امتاز القائد الشهيد يوسف زيغود بالقدرة على الاستشراف وتحليل معطيات وسياقات الواقع الثوري، من أين استمد زيغود هذه القدرة ؟ كل من يقرأ ويدرس سيرة هذا القائد يمكنه أن يعرف الجواب، ولذلك فإن القائد يوسف زيغود من خلال تصريحه المذكور كان بصدد تقديم رؤية إستشرافية تحذيرية، كقائد ثوري ذي بصيرة استثنائية، ولم يكن بصدد إدانة مؤتمر الصومام وقراراته كما يُروج البعض.

ومن الأهمية بمكان هنا أن أُلفت نظر القارئ إلى أن تقديم صورة وافية عن الانتفاضة المسلحة للشمال القسنطيني ومؤتمر الصومام يتطلبُ بحثا وافيا وموسعا، لكن ما أردته في هذا المقال هو التوقف اللَّحظي عند بعض الأفكار والخلاصات المرتبطة بهذين الحدثين التاريخيين المجيدين لا أكثر.

وأختم هذا الحديث بالتذكير بأهمية أن تعمل الجزائر اليوم بجدية وإيمان وتصميم على إعادة بعث سينما الثورة التي كانت في سنوات ماضية إحدى مفاخر المشهد الثقافي والفني في الجزائر وإحدى المكونات الأساسية في ” القوة الناعمة ” الجزائرية قبل أن تذهب ضحية للتخريب والتدمير المنهجي، إن السينما الثورية في حالة نجاحنا في إعادة بنائها في الواقع الجزائري ستساهم في إحياء وترسيخ مآثر الثورة ونقلها بحرارة وصدقية إلى ذاكرة الأجيال الصاعدة، لنتصور مثلا ونحن نحتفل بالذكرى المزدوجة لهجومات الشمال القسنطيني ومؤتمر الصومام أن دور السينما في الجزائر بصدد عرض فيلم عن هذه الهجومات ، أو عن مؤتمر الصومام وما يرتبط به من أحداث وتطورات كم سيكون التأثير كبيرا وعميقا في النفوس أفرادا وجماعات، وبعبارة موجزة فإنه دون بنائنا لسينما ثورية لن نستطيع أن نحفظ وننقل رسالة الثورة للأجيال الجزائرية الصاعدة وللعالم من حولنا.

فوزي حساينية – متصرف مستشار بقطاع الثقافة وعضو بمؤسسة العقيد يوسف زيغود التاريخية