دراسات اقتصادية

من العالم الواقعي..إلي العالم الإفتراضي!

إن العالم يشهد اليوم طفرة نوعية من المتغيرات الصاعدة و الواعدة علي مستوي تكنولوجيات المعلومات و الإتصالات الرقمية. إذ لا مجال في عالمنا هذا لرسم الحدود بين الدول بحيث أصبح الجميع في عالم معولم إلكترونيا و شبكة الإتصال تشمل الجميع بإتصالات في ثواني معدودة و كأن الجميع في غرفة صغيرة. فمع بداية التسعينات بدأت أولي هذه العمليات الإتصالاتية الرقمية و إستغلال الإنترنت كشبكة معلوماتية عالمية إلي أن بلغت هذه التقنيات ذروة إبداعاتها لتخلق لنفسها عالم جديد شبيه بفضاء خيالي.

إن هذه التطورات في الإقتصاد الرقمي أصبحت تشمل مؤخرا العديد من المجالات و القطاعات الحيوية في الإقتصاديات الوطنية للدول أو حتي علي مستوي الإقتصاد العالمي لتكون العمود الفقري للإقتصاد العصري. فهذه المتغيرات سمحت للعلماء و الباحثين بتطوير أساليب عملهم و معاملاتهم اليومية بحيث شمل العالم الإفتراضي قطاع الصحة فأحدث بالنتيجة آخر صيحة و هي العمليات الجراحية الإلكترونية التي تدار في قاعات عمليات تضم أطباء من مختلف دول العالم و ذلك عبر إتصالات بالأقمار الصناعية و بشبكة الإنترنت.

أما قطاع التعليم فهو يعد من أبرز القطاعات التي إستفادت بشكل كبير من العالم السيبراني خاصة في مجال البحوث العلمية و تطوير نمط التدريس عبر إستعمال القاعات الإفتراضية عن بعد. بالإضافة لذلك إستعمال الشبكات الإلكترونية التي تضم جميع القواعد العلمية و المكتبات الرقمية. و من أبرز ما شهده قطاع التعليم مؤخرا بعدما أن كان منعزلا ضمن المنظومة العمومية ليتنقل بعد ذلك إلي منظومة الخصخصة حيث برزت العديد و العديد من المدارس و المعاهد و الجامعات الخاصة التي أغلبها تعزز مكانة التطبيقات الإلكترونية في مناهجها العلمية. فنذكر هنا الحدث البارز عالميا خلال السنوات الأخيرة و هي بروز المدارس و المعاهد و الجامعات الإفتراضية التي تصنف ضمن مجال التعليم الرقمي الحديث. و قد تمثل هذا التطور العلمي في خلق فضاء رقمي جديد يشمل التدريس عن بعد خاصة في الدول الأوروبية و نذكر هنا بالتحديد فرنسا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية و دول الخليج.

فالمتصفح اليومي علي شبكة الإنترنت أو الباحث عن وظيفة في مجال التعليم يجد اليوم العديد من عروض التدريس عن بعد. كذلك ظاهرة التحول الرهيب و السريع في أدوات عمل الأساتذة التي كانت تقتصر في السابق علي الطباشير و اللوحة التقليدية لتتحول بعد ذلك إلي اللوحة الكتابية بالأقلام ثم حديثا بروز اللوحة الإلكترونية و أحدثها مؤخرا إستعمال تقنيات الإتصال عن بعد عبر القاعات الإفتراضية وذلك بإستعمال اللوحة الإلكترونية علي شبكة الإنترنت في أقسام تعليمية تشمل الأساتذة و التلاميذ عبر الفيديوهات المباشرة عن بعد.

أما قطاع التجارة فهو أيضا كان من أكبر المستفيدين من تطور التقنيات المعلوماتية الحديثة بحيث تحولت المبادلات التجارية في العالم من التجارة التقليدية إلي التجارة الإلكترونية. فأبرز دليل علي ذلك هو بروز العديد من مواقع البيع بالجملة و لعل أشهرها موقع علي بابا الصيني بحيث المستورد أصبح اليوم ليس في حاجة للسفر قصد جلب منتجات بطريقة معقدة. إذ أصبحت عمليات المبادلات التجارية العصرية تدار مباشرة عبر الإنترنت و بإتصالات عن بعد من أجل الشراء بالجملة و الإستخلاص و الشحن. بالإضافة إلي ذلك نذكر عملاق المتاجر الإلكترونية سوق أمازون الإلكتروني الأمريكي الذي يحظي بإقبال مكثف من بيع و شراء مع تزايد ظهور فرص العمل عن بعد عبر البيع بالعمولة المعروفة بالأفليت. أما بخصوص المتاجر الإلكترونية الخاصة بالأشخاص فهي أيضا أصبحت تحظي بإقبال متزايد من قبل الباعة للمنتجات العالمية و الحرفاء الإفتراضيين.

كذلك مجال التسويق الإلكتروني فهو أيضا أصبح يستغل الإنترنت كمنصات دعاية إشهارية للترويج و عرض المنتجات قصد جلب أقصي عدد ممكن من الحرفاء المستهدفين. بالتالي أصبح التسويق الإلكتروني يحقق مردودية عالية ذات جودة فعالة و ناجعة في بيع منتجات الشركات علي الصعيد العالمي. كما كانت أيضا لوسائل التواصل الإجتماعي أهمية كبري في التسويق و الترويج نظرا لتزايد عدد المستخدمين لهذه المنصات الإفتراضية و التي أصبحت تضم الملايين من المتصفحين يوميا في مختلف دول العالم. أما البريد الإلكتروني فهو يعد من أبرز وسائل التواصل الحديثة التي حلت مكان الرسائل البريدية التقليدية بحيث أصبحت المعلومة تتداول و تصل في ثواني قليلة جدا. كذلك علي الصعيد السياسي ساهمت وسائل التواصل الإجتماعي و التقنيات المعلوماتية الحديثة علي بعض المنصات الإلكترونية مثل الفيديوهات و الفيسبوك و التويتر في الإطاحة بأغلب رؤساء الدول العربية في فترة ما يسمي بالربيع العربي. بالتالي ساهمت هذه الوسائل الإتصالاتية في تسهيل عمليات التحركات الإحتجاجية و التظاهرات العمالية و لعل أحدثها تلك التي يشهدها السودان اليوم و تحركات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا بحيث تدل هذه الأحداث العالمية بشكل ملحوظ علي مدي فعالية تكنولوجيات المعلومات و الإتصالات الحديثة بحيث تحول العالم من الواقعي الطبيعي إلي الإفتراضي الإلكتروني.

فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock