المسح العام للسياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال يقضي بنتيجة مهمة أن البلاد ظلت مجرد زبون مهم بنسب متفاوتة للقوى الدولية المختلفة، كمزود بالنفط في مقابل الحصول على الحاجات الوطنية في الشؤون التجارية والاقتصادية والدفاعية، التي تمنح وفق شروط معينة، بشكل لا تؤدي إلى أي تطور في شروط القوة الوطنية (اللينة والصلبة). النتيجة النهائية هي بقاء البلاد مجرد زبون بدل من شريك إستراتيجي.

انعكست هذه النتيجة بجلاء في أن معظم الرؤساء الذين زاروا الجزائر في حدود علمي، وقّعوا عقودا كبيرة مع الجزائر للحصول على حقوق التنقيب عن النفط والغاز، أو مشاريع اقتصادية أو عسكرية أخرى، تدفع الجزائر ثمنها؛ ومن ثم تكون الأرباح في اتجاه واحد، بتعبير أنصار نظرية التبعية، تنتقل الأرباح من المحيط إلى دول القلب، يمكن استثنينا حالة واحدة التي حمل فيها الزائر أمولا للاستثمار في الجزائر وهو الرئيس التركي طيب رجب أردوغان.

المفارقة السياسية المثيرة للتساؤل، أن عددا من القوى العظمى زادت اهتمامها بالقارة الإفريقية، زار رؤساء الولايات المتحدة (كلينتون، اوباما)، فرنسا، الصين، الهند دولا إفريقية وقدموا مشاريع ضخمة للاستثمار فيها، لكن دون أن يعرّج أحدهم على الجزائر بهدف الاستثمار فيها؛ آخرها زيارة الرئيس الصيني إلى إفريقيا والإمارات العربية، واستثمر 17 مليار دولار في جنوب إفريقيا وحدها.

بعيدا عن منطق المؤامرة، يمكن القول أن عوامل استمرار وتغذية التبعية الزبونية في السياسة الخارجية هي داخلية أكثر منها خارجية، والتي ترجع أساسا إلى وجود مناخ وشروط الاستثمار داخل البلاد غير مشجعة للمستثمرين، أفرادا، شركات، أو دولا، لنقل استثماراتهم إلى الجزائر؛ مما يعني الحاجة الملحة لمراجعة قوانين الاستثمار، الملكية، المعايير الموضوعية لجلب الاستثمار وكل العوامل المعززة لمقاربة الشراكة بدل الزبونية.

الحقيقة أن بيئة الاستثمار مزرية إلى درجة أنها لا تخيف فقط المستثمرين الأجانب وإنما الجزائريين أنفسهم الذين يأخذون قروضا من البنوك ويحوّلونها إلى العملة الأجنبية ويهربونها إلى الخارج، وهو الشرخ النازف بغزارة في جسم الاقتصاد الوطني؛ ولو أعلنت الهيئات الوصية عن الأرقام الحقيقية حول تهريب العملة الأجنبية، لبينت أن ما يهرّب سنويا يقارب ميزانية الحكومة نفسها. لا يعني هذا الدعوة إلى تعزيز إجراءات الرقابة والقيود على حركة التداول بالعملات الأجنبية، لأنها مقاربة فاشلة، وإنما لابد من التساؤل عن الأسباب العميقة التي تجعل الناس يهرّبون العملة الأجنبية، وحتى الأجانب الذين يعقدون صفقات مع الحكومة، يعمدون إلى نقل أرباحهم خارج البلاد؛ بالطبع الإجابة الأولية والمختصرة أن ليس هناك ثقة في الاقتصاد الوطني، والمال جبان يهرب من البيئات المخيفة.

حتى مشكلة المخدرات الأخيرة التي أطاحت في الظاهر بالكثير من الرؤوس المهمة في النظام السياسي وخارجه، لم يتم إدارتها بطريقة مناسبة؛ مع الاتفاق أن المخدرات في حد ذاتها احد مصادر التهديد التي تواجه الأمة، لكن الحرب ضدها عملية مستمرة ويجب عدم تركها تتفاقم كما تم تصويره إعلاميا. في نفس الوقت، تم تصوير المشكلة على أنها قضية أخلاقية وأمنية، ولكن لم يتم حساب عواقبها الاقتصادية المستقبلية، إنها في الحقيقة كانت حقنة إضافية ودفعة أخرى لتعزيز عمليات تهريب الأموال إلى الخارج؛ لأن أي رجل أعمال جزائري سوف يقرأ حسابه بأن هناك احتمال أن يحدث له مثل ما حدث لكمال البوشي ويتم تصفية كل ممتلكاته أو وضعها تحت الرقابة القضائية، وبالتالي يجب العمل بكل الطرق لتهريبها إلى خارج البلاد.

لا ينكر أحد أن البلاد في العشرين سنة الماضية حققت الكثير من الإنجازات المهمة في البنية التحتية، الاستقرار الأمني، المنشآت الكبرى، وتحسين الحياة الاجتماعية للمواطنين، لكن في نفس الوقت كان يمكن إنجاز الكثير من هذه المشاريع الكبرى بواسطة الشراكة الإستراتيجية بدل من الاعتماد على موارد الدولة في تمويلها، كما أن القطاع الخاص لحد الآن مازال عاجزا عن المساهمة في الدخل الوطني وتقليص مشكلة البطالة مقابل الأموال التي تلقاها من البنوك الوطنية.

الأسئلة الجوهرية التي يجب أن تطرح بجدية، ما الذي أغرى الرئيس الصيني لاستثمار 17 مليار دولار في جنوب إفريقيا وليس في الجزائر مثلا؟ ولماذا الجزائر مهمة فقط للآخرين بسبب أنها دولة نفطية يستطيع الآخرون أن يستفيدوا منها في الحصول على عقود التنقيب، تسويق، استهلاك النفط والغاز، وشراء بضائعهم بأموال النفط؟ ولماذا لا يكون الآخرون مهمون للجزائر في تحديث الاقتصاد، الحصول على التكنولوجيا، زيادة الدخل الوطني، وأشياء أخرى؟ تكمن الإجابة عن هذه الأسئلة وأخرى، في ضرورة بحث وتطوير مقاربة راديكالية تنقل البلاد من مجرد زبون إلى شريك إستراتيجي؛ عبر مجموعة من القوانين، الإجراءات، المعايير والسياسات التي تخلق الثقة نحو بيئة الاستثمار الوطني، وتغري الشركات والدول والأفراد لنقل أموالهم إلى داخل البلاد وليس خارجها. يجب التذكير أن عناصر مناخ الاستثمار لا تختزل في الأمن –على أهميته-، لأن البلاد مستقرة في العشرين سنة الماضية، إلا أن النتائج كانت عكسية، الأموال تهرب من البلاد ولا تأتي إليها.

بقلم عامر مصباح – جامعة الجزائر 3

 

Print Friendly, PDF & Email