محمد عبدالرحمن عريف
نعم كان الرئيس الراحل أنور السادات مولعًا برواية قصة حياته للعالم، فقد حكاها عشرات المرات وفى كل مرة كان يضيف وقائع ويحذف أخرى لكى يزيد من أهمية دوره وزعامته، والطريف في الأمر أن الرئيس السادات على كثرة ما روى من قصص عن حياته سواء عبر أحاديث صحفية وتليفزيونية أو عبر كتب ومذكرات لم يأت أبدًا بوثيقة واحدة تثبت صحة رواياته حتى أصدر عام 1978 مذكراته النهائية فى كتاب باسم (البحث عن الذات) صاغه له كلا من الدكتور رشاد رشدي والصحفي أنيس منصور، صدرت هذه المذكرات عام 1978، والرئيس السادات فى ذروة سلطانه وقد أصبح نجمًا عالميًا من وجهة نظر الغرب بعد قيامه بزيارة إسرائيل واتخاذه لقرار السلام المنفرد مع العدو التاريخي لمصر والعرب، بما يجعل تلك المذكرات كلمته النهائية في ما رواه من أحداث سواء اتفقنا أو اختلفنا معه ومع رؤيته للأحداث التاريخية، فالكتاب في النهاية يحمل أسمه كسيرته الذاتية المعتمدة.
فى هذا الكتاب رسم السادات لنفسه صورة أسطورية كشخصية حكيمة نبيلة متدينة دقيقة التفكير وهاجم فيه بضراوة شخصية سلفه عبد الناصر وصوره كشخص حقود متهور وعصبي وصور عهده كمصيبة ضربت مصر، وقال أنه ترك له مصر بلدًا ممزقًا بالفتن والأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية،كما هاجم عبد الحكيم عامر ووصفه بالجهل والشللية وإدمان الأخطاء والانسياق وراء معاونيه، وبالنسبة لحسنين هيكل فلم يذكر السادات أسمه طيلة صفحات الكتاب من شدة ضيقه منه وقام بتسميته (المستشار الصحفي للرئيس عبد الناصر) وألصق به تهم الحقد على العائلات الكبيرة وفبركة البيانات واستغلال قربه من عبد الناصر فى تكوين مركز قوى، ووصف رجال عبد الناصر من مجموعة مايو شركاؤه في الحكم بالعمالة للسوفيت والديكتاتورية والقمع والتجسس على الناس. وهاجم اللواء محمد نجيب والفريق محمد فوزي والفريق محمد صادق الذى سانده في انقلاب مايو 1971، وأتهم الفريق سعد الدين الشاذلي بانهيار الأعصاب والتسبب في الثغرة.
لقد بلغت الأمور ذروتها عندما حكى السادات عن أسباب عدم عمله بمجلة روز اليوسف أثناء فترة فصله من الجيش قبل الثورة وبررها بأن المجلة لم تكن تحتمل كاتبين كبيرين مثله هو وإحسان عبد القدوس، وكذلك عدم عمله بمجلة الهلال لنفس السبب وهو وجود كاتبين كبيرين مثله ومثل الأستاذ كامل الشناوي. وأنصب معظم غضبه على الاتحاد السوفيتي الذى أتهمه بمحاولة إذلال مصر والسيطرة عليها وغزوها بالفكر الشيوعى.
هكذا لم يسلم أحد من اتهامات السادات إلا صديقه الملك فيصل حيث يعترف السادات بصداقته له حتى في ذروة الخلافات المصرية السعودية أثناء حرب اليمن التي كان أنور السادات خلالها هو المسئول عن ملف السعودية واليمن ومقاومة النشاط السعودي المضاد لمصر حتى قام أحرار السعودية بإبلاغ الرئيس عبد الناصر باتصالات السادات المريبة بكمال ادهم مدير المخابرات السعودية فأنهى الرئيس عبد الناصر مسئولية السادات عن هذا الملف. ومن الغريب أن علاقات السادات بالسعوديين عادت بشكل ملفت للنظر عقب وفاة الرئيس عبد الناصر بزيارات مدير المخابرات السعودية كمال أدهم المتكررة لمصر ولقاءاته بالسادات، كما يشيد السادات بصديقه وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر وصديقه شاه إيران محمد رضا بهلوى.
هكذا قال الرئيس السادات كلمته وترك لنا كتاب (البحث عن الذات).. فجأة قرر أنيس منصور صديق السادات وجليسه أن يصدر كتابًا تحت أسم (من أوراق السادات) جمع فيه سلسلة من الحكايات رواها له الرئيس السادات حتى عام 1977، كما ورد في الكتاب، ويبدو اختيار السادات لأنيس منصور بالذات كجليس دائم له ومعبر عن أفكاره وكاتب لمذكراته ذو دلالة عن كيفية تفكير الراحل، فأنيس منصور أشتهر منذ بداية عمله بالصحافة بالكتابة عن تحضير الأرواح وقراءة الفنجان، والمخلوقات الفضائية التي هبطت من السماء وبنت لنا الأهرامات ثم عادت إلى السماء مرة أخرى، ولعنة الفراعنة والوجودية والرحلات ولم يعرف عنه أي اهتمامات سياسية غير مدح عبد الناصر وحركة يوليو فكان من أشد المؤيدين للحركة ولعبد الناصر وقد دبج مقالات عديدة في الإشادة بعبد الناصر وحكمته وزعامته المتفردة، كما كان وثيق الصلة بشقيقه شوقى عبد الناصر.
لقد ظل أنيس منصور يرثي عبد الناصر عقب وفاته ولمدة عام كامل بعدها حتى سبتمبر 1971، ويبدو ذلك الأمر في حاجة إلى طبيب نفسي خاصة في ظل انقلاب أنيس اللاحق على عبد الناصر وعهده، فالزعيم رحل ورجاله في السجون والثورة تم الانقضاض عليها فما داعي أنيس إلى النفاق إلا إذا كان مازال يتحسس اتجاه الرياح القادمة حتى يتبعها، وبعدما أطمأن أنيس إلى بداية الحملات الظالمة لتشويه عبد الناصر وعهده ورجاله وإثر اختيار السادات له كمعبر عن أفكاره شارك في حملة الهجوم على عبد الناصر وعهده بنشاط فائق ووجه لعبد الناصر أبشع وأقذر التهم في مقالاته، ثم جمع معظم تلك النفايات في كتاب سماه (عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا)، وبين كل حين وأخر يقوم بتوجيه شتائم جديدة لعبد الناصر بدون سبب وكأنه مصاب بحساسية جمال عبد الناصر فكلما تذكر اسمه انتابته الحكة والتي لا تهدأ إلا بعد أن يسبه.
فهم أنيس جيدًا شخصية السادات ونرجسيته وحبه للعظمة فلعب دورًا خطيرًا في تضخيم العقد النفسية لدى السادات. وكان أول من شبهه بالأنبياء فمرة يشبهه بالنبي نوح، وتارة بالنبي موسى وأخرى بالمهدي المنتظر، وتوضح لنا مقالاته حقيقته، فقد كان من أشد الصحفيين دفاعًا عن مشروع بيع هضبة الأهرام المشبوه لمجموعة من اللصوص والأفاقين الأجانب لإقامة مشروعات سياحية على الهضبة الأثرية بعقد امتياز مدته 99 سنة وصور غضب الشعب على تلك الجريمة التاريخية بالفجيعة الوطنية.
يقول أنيس: (رأيت شخصية يهودية مخلصة تقول للرئيس السادات: لو قبلت قدميك الآن فسوف يكون ذلك أعمق صلاة.. فقد أنقذت شعبى من الدمار). ص48 من كتاب رسائل أنيس منصور. وفي ص 96 من كتاب (رسائل أنيس منصور) يذكر منصور أن الرئيس الإسرائيلى سأل وفداً من مجلس الشوري المصرى: أين أنيس منصور؟. ثم قال الرئيس الإسرائيلى عنه: (يوم يكتب التاريخ ستعرفون ما هو الدور الهام الذى قام به أنيس منصور لتحقيق السلام بين مصر وإسرائيل).
بقراءة مقالات أنيس منصور نجد أنه لم يهاجم إسرائيل وقادتها مطلقًا بينما ينصب هجومه على عبد الناصر والفلسطينيين والعرب عامة، وعندما ظهرت شركات توظيف الأموال الإسلامية في مصر كان أنيس منصور من أشد المؤيدين لها ودبج المقالات في الإشادة بها وعمل مستشارًا إعلاميًا لعدد منها، وعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الاسرائيلى كتب يقول (ما يجري من مقاومة بالأراضي المحتلة يتم تحت تهديد من منظمة التحرير الفلسطينية) للتهوين من شأن الانتفاضة والإيحاء بكونها تتم تحت ضغط من الخارج وليست نابعة من مأساة الشعب الفلسطيني.
أوراق السادات بيد أنيس منصور
يقول أنيس في مقدمة كتاب (من أوراق السادات) أن كتابه تفريغ لجلسات طويلة مع الرئيس السادات يحكي الرئيس الراحل فيها قصة حياته، وإن كان تركيزها الأساسي على العلاقات المصرية السوفيتية في عهدي الرئيسين عبد الناصر والسادات، وأول ما يخطر على بال القارئ أن الكتاب يحوي مذكرات جديدة للرئيس الراحل كانت في حوزة الأستاذ أنيس ولكن يتضح لنا أن تلك المذكرات نشرت من قبل على صفحات مجلة أكتوبر التي أنشأها السادات وقام بتعيين أنيس رئيسًا لتحريرها.
كان السادات يأمل أن تنافس مجلة أكتوبر مجلة الحوادث اللبنانية التي كانت تحظى بشعبية واسعة في العالم العربي ولكن أنيس فشل في مهمته رغم الإمكانيات الضخمة التي وفرها له الرئيس الراحل ونجح أنيس بمهارة لا يحسد عليها أن يهوي بتوزيع المجلة التي لم تستطع أن تنافس حتى مجلة ميكي في مصر.
يقول أنيس في المقدمة التي وضعها للكتاب (لم يلجأ الرئيس السادات إلى ورقة أو كتاب ينقل منه بعض ذكرياته أو خواطره أو يراجع ما جاء فيها من تواريخ) تبدو هذه العبارة شديدة الصدق خاصة عندما تتعلق بالرئيس السادات الذي كان معروفًا عنه كراهيته للقراءة وللأوراق والوثائق، وحبه للحكايات التي كل شهودها وأبطالها أموات، وإن كان هذا يعطينا فكرة عن قيمة الكتاب كحكاوي وقصص بلا دليل تمثل وجهة نظر الرئيس الراحل.
كتب أنيس على الغلاف الأخير للكتاب (نجد في هذه الأوراق رصدًا دقيقًا لأحداث ثورة يوليو سنة بسنة وكشفًا لأسرار ثورة مايو وتوثيقًا تاريخيًا لمعركة أكتوبر باليوم والساعة والدقيقة).. هكذا كما يوحى لنا الأستاذ أنيس سوف نجد في تلك الأوراق تاريخ مصر لمدة تزيد عن 20 سنة وسوف نكتشف معا زيف كل تلك الكلمات بل أن أخطاء التواريخ لا تعد في ذلك الكتاب ومنها أن مبادرة روجرز كانت قبل أخر زيارة لعبد الناصر للاتحاد السوفيتى بينما هي تمت أثناء زيارة عبد الناصر الأخيرة، وأن كوسيجين زار مصر يوم الثغرة 16 أكتوبر 1973 بينما وقعت الثغرة مساء يوم 14 أكتوبر 1973، وأن الانفصال تم يوم 26 سبتمبر 1961 بينما هو تم يوم 28 سبتمبر 1961، ويقول السادات أنه في أغسطس 1967 كانت قد مرت على معرفته بعبد الناصر 19 عامًا بينما هو يعرفه منذ عام 1938 أي منذ 29 عامًا، وفي صفحة 243 من الكتاب صورة للسادات بالملابس العسكرية يعبر أحد الجسور من غرب القناة إلى سيناء وحوله قادة القوات المسلحة وأمامه المصورين والتعليق المكتوب عليها (الرئيس السادات مع القوات المسلحة لحظة العبور) بينما الثابت تاريخيًا أن حرب أكتوبر لم يتم تصويرها لدواعى السرية، وأن المشاهد والأفلام التي تذاع عنها هي تصوير لمناورة تمت عام 1974، وكانت طبق الأصل من معارك العبور عام 1973، كما أن الرئيس السادات لم يزر سيناء أثناء الحرب ولم يكن مطلوبًا منه ذلك.
قراءة (أوراق السادات)
السادات هو المتحدث الأوحد على صفحات الكتاب فهو الذي يروي لنا الأحداث منذ بداية الكتاب وحتى نهايته، وهذه أول نقاط التشابه بين هذا الكتاب وكتاب الرئيس السادات (البحث عن الذات)، وبينما فصول كتاب (البحث عن الذات) مرتبة تاريخيًا من الأقدم فالأحدث، فإن فصول هذا الكتاب غير مرتبة تاريخيًا، يلفت النظر في هذا الكتاب أنه يتخذ موقفًا أفضل نسبيًا من شخصية الرئيس عبد الناصر مقارنة بكتاب البحث عن الذات، وإن لم يذكر كل الحقيقة، فالسادات يصف سلفه الرئيس عبد الناصر بالطيبة والهدوء والذكاء الشديد والقدرة على التخطيط والدهاء السياسي، ويعترف أنه قائد ثورة 23 يوليو وزعيم الضباط الأحرار ومفجر الثورة وعقلها المدبر وكاتب بيانها الأول مع عبد الحكيم عامر، وأنه رجل إذا قال فعل وإذا وعد فأنه يفي بالوعد وأنه لم يكن أبدًا شيوعيًا، كما يذكر بعض أعمال عبد الناصر مثل تأميم القناة وإعادة بناء الجيش بعد النكسة وحرب الاستنزاف، ولكن كل ذلك ليس صحوة ضمير من السادات بل لكى يصور عبد الناصر كضحية لتعنت وغدر السوفيت وليتهم السوفيت بقتل عبد الناصر وتحطيم معنوياته،
في فصل من الكتاب عنوانه (التصنيف اللعين) يعاود السادات هجومه على عبد الناصر ويمدح الملك فيصل ويروي وقائع مختلقة عن إحساس عبد الناصر بالهزيمة المعنوية بعد موقف الملك فيصل من مصر بعد النكسة في مؤتمر القمة بالخرطوم في أغسطس 1967، ولكن الحقائق التاريخية تروي أن مؤتمر القمة بالخرطوم عقب النكسة كان بمثابة عودة الروح لعبد الناصر الذي تم استقباله من الشعب السوداني بصورة أسطورية لا توصف خاصة أنها كانت أول زيارة له لقطر عربي بعد الهزيمة وهذه الزيارة التاريخية مسجلة في جريدة مصر الناطقة لمن يرغب في رؤيتها، وكانت حفاوة عشرات الألوف من أبناء السودان بعبد الناصر هي السبب الذي جعل استقباله الحدث الأول إعلاميًا في العالم وقتها وقد نشرت كل الصحف العالمية في صفحاتها الأولى تغطية للاستقبال وصور التفاف الشعب السوداني حول عبد الناصر، ونشرت مجلة (نيوزويك) الأمريكية على غلافها صورة لعبد الناصر محاطًا بعشرات الآلاف من أبناء الشعب السودانى وكتبت تحتها (المجد للمهزوم هذه أول مرة في التاريخ يتم فيها استقبال قائد مهزوم بأكاليل الغار كالفاتحين والمنتصرين)، وعندما مر موكب الملك فيصل خلف موكب الرئيس عبد الناصر هتفت له الجماهير السودانية (وراء جمال يا فيصل)، وفي هذا المؤتمر تم تكريس المقاومة ورفض العدوان وخرج المؤتمر باللاءات الثلاثة الشهيرة (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض).
خلافات السادات
يقول السادات عن السيدين علي صبري وضياء الدين داوود بالنص في صفحة 144 من الكتاب (فقد رفضت دعوتهما إلى بيتي حرصًا على نظافة بيتي وأي مقعد يجلس أي منهما عليه) ووصف الشيخ المحلاوي بالكلب ووصف العقيد القذافي بالجنون ووصف العرب بالأقزام على رؤوس الأشهاد.
عن خلافاته مع الفريق صادق وزير الحربية الذي سانده في انقلابه عام 1971 يهاجمه الرئيس بضراوة هو ومعاونيه ويصفهم بالإهمال والجهل العسكري وأن الفريق صادق جندي خائف من القتال وكاذب ولا يستطيع القتال وأرتكب جريمة لا يمكن غفرانها وأن السادات يتمنى محاكمته ليعرف الناس أبعاد جرمه والكارثة التي كاد الفريق صادق يتسبب فيها لمصر بتأخيره المعركة مع إسرائيل بينما تقول وقائع التاريخ أن السادات في يوم 26 مايو 1972 أقال وزير الحربية الفريق محمد صادق ومساعده وقائد البحرية وقائد المنطقة العسكرية المركزية ومدير المخابرات وطردهم جميعًا من مناصبهم عقب تفجر الخلاف بين السادات وهؤلاء القادة قبلها بيومين في اجتماع مجلس الأمن القومي، عقب عرض الرئيس لأفكاره بخصوص شن حرب محدودة تجعلنا نكسب عشرة ملليمترات على الضفة الشرقية لقناة السويس، يبدأ بعدها عملية التفاوض السياسي وعندما رفض القادة تلك الأفكار واحتدت المناقشة بينهم وبين الرئيس، أنهى الرئيس الاجتماع غاضبًا وقرر طردهم من مناصبهم وهكذا تحول اختلاف الرؤى بين الرئيس ووزير حربيته إلى جهل وإهمال وتأمر كعادة السادات في أي اختلاف في وجهات النظر معه.
الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان أثناء حرب أكتوبر 1973
بخصوص الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان أثناء حرب أكتوبر 1973، فالرئيس الراحل يتهمه بالانهيار النفسى أثناء المعركة وبالتسبب في حدوث الثغرة وأنه طالبه بانسحاب كامل للقوات المصرية من سيناء للتصدي الثغرة والبحث عن حل سياسي لمنع حدوث كارثة للقوات المسلحة وكل تلك الاتهامات تم تكذيبها من جميع قادة حرب أكتوبر وعلى رأسهم المشير الجمسي الذي نفى انهيار الشاذلي ونفى مطالبته بالانسحاب الكامل من سيناء ونفى تسببه في الثغرة، بل أتهم السادات بها ضمنًا عندما قال أن العمل السياسي خذل العمل العسكري في حرب أكتوبر، ويروي السادات تفاصيل الخطة العسكرية التي أمر الفريق الشاذلي بتنفيذها لتدمير القوات الإسرائيلية في الثغرة والتي لم ينفذها الشاذلي، بينما الوقائع التاريخية تثبت أن القادة العسكريين المصريين قاموا بوضع خطة عسكرية سميت (الخطة شامل) لتصفية الثغرة وإبادة القوات الإسرائيلية الموجودة بها، حتى يزيلوا ما اعتبروه إهانة للعسكرية المصرية وتضحياتها في المعركة، بسبب حصار الجيش الثالث المصرى، ومما دعم خطتهم وصول إمدادات عسكرية جديدة لمصر من الاتحاد السوفيتي والعرب تكفي لنجاح الخطة، ولكن السادات طلب منهم الانتظار ورفض التصديق على تنفيذ الخطة، الطريف أن الرئيس السادات الذي يقول أنه رسم خطة عسكرية محكمة لتصفية الثغرة أجهضها الشاذلي يقول في صفحة 480 في كتاب (من أوراق السادات) أنه بعد عودته للجيش طلب منه عبد الناصر دخول امتحانات الترقي وأنه فشل في الإجابة على أسئلة الامتحان ويعترف السادات أنه لولا تدخل عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في تبديل ورقة إجابته بورقة أخرى صائبة لرسب في الامتحان لأنه كان غائبًا عن الجيش لمدة ستة شهور ولا يتابع تطورات سلاح الإشارة الذي كان ضابطًا به فكيف نقرأ هذا الاعتراف بفشله في امتحان للترقى في سلاح الإشارة ثم نصدق قصة وضعه خطة عسكرية محكمة لتصفية الثغرة.
المشير أحمد إسماعيل
يشيد السادات بالفريق أحمد إسماعيل ويصفه بالذكاء والدقة ويعترف أنه أختاره لمنصبه وهو يعلم بإصابته بمرض السرطان وأن الأطباء أخبروه أن حالة الفريق أحمد إسماعيل لا تؤهله لتحمل أعباء الحرب، كما أن الكورتيزون الذي يتعاطاه كعلاج يؤثر على قراراته ويجعله غير قادر على التفكير السليم،كما يقول أنه كان يعلم بخلافاته الحادة مع الفريق سعد الدين الشاذلي.
يبدو هذا الكلام شديد الغرابة فإذا كان السادات يعلم كل ذلك عن حالة الفريق أحمد إسماعيل فلماذا تركه يقود القوات المسلحة في حرب 1973؟، تأتي الإجابة عن كل تلك التساؤلات فى مذكرات الفريق الشاذلى الذي يحلل أسباب اختيار السادات للفريق أحمد إسماعيل بالذات.
يقول الفريق الشاذلى أن أسباب هذا الاختيار هي كراهية أحمد إسماعيل الشديدة للرئيس عبد الناصر الذي طرده من منصبه كرئيس للأركان أثناء حرب الاستنزاف عام 1969 بسبب نجاح هجومين إسرائيليين في فترة ولايته (ستة أشهر فقط)، ولولاء أحمد إسماعيل المطلق للرئيس السادات الذي أعاده للجيش بعد طرده منه ثم عينه رئيسًا لجهاز المخابرات العامة ثم وزيرًا للحربية، ويتهم الفريق الشاذلي الفريق أحمد إسماعيل بضعف شخصيته العسكرية وأنه يفضل تلقي الأوامر وتنفيذها بدلًا من إصدارها، وهو ما أستغله السادات لفرض أفكاره على سير المعركة العسكرية عام 1973، ويضيف الفريق الشاذلى أن علم السادات بمرض الفريق أحمد إسماعيل كان دافعًا له لتعيينه ليضمن السيطرة عليه، كما أن السادات كان يعلم بالخلافات الشخصية الحادة بين الشاذلي وأحمد إسماعيل لذا قام بتعيينهما معًا ليضمن عدم اتفاق القوات المسلحة ضده.
بينما يبدو السادات عنيفًا ودائم السباب لمن أعتبرهم خصومه السياسيين سواء قبل انقلابه أو بعد انقلابه، وشديد النقمة على الاتحاد السوفيتي الذي حاربت مصر بأسلحته كل حروبها، وشديد التباهي بقراره طرد الخبراء السوفيت من مصر في يوليو 1972 الذي أتخذه منفردًا وبدون التشاور مع أحد غير الفريق صادق وزير الحربية المصري وقتها وفاجأ به الجميع، وهو يتصور أن الأمريكيين سوف يكونوا سعداء، إلى درجة تدفعهم إلى الاستجابة لأي شئ يطلبه، وهو ما لم يحدث كما نعرف، يقول وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر عن القرار في مذكراته (لماذا لم يقل لنا السادات ما كان ينوي فعله؟ ربما لو أبلغنا مسبقًا لكنا قدمنا له شيئًا في المقابل؟ في السياسة كما في كل شئ أخر، فأن لا أحد مستعد لدفع ثمن لشئ حصل عليه بالفعل)، الغريب أن الدكتور محمود فوزي وزير خارجية مصر ورئيس وزرائها الأسبق يروي في مذكراته أنه كان هناك تفاهم بين عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي تيتو على إن اتخاذ مصر لخطوة مثل إخراج السوفيت من المنطقة لن تمررها مصر إلا بمقابل إجبار الولايات المتحدة لإسرائيل على الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة في إطار حل شامل للصراع العربي الاسرائيلي، لأن غرض عبد الناصر الحقيقى من وجود الخبراء السوفيت كان رفع مستوى المواجهة من المستوى الأقليمي بين العرب وإسرائيل إلى المستوى العالمى بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، وهكذا نجد السادات قد قدم بقراره هذا هدية مجانية للولايات المتحدة الأمريكية.
السادات في “البحث عن الذات”
هي مذكرات شخصية مكتوبة بيد السادات، وفيها يروي طفولته في قرية ميت أبو كوم والأيام الصعبة التي قضاها في زنزانة 54، ومشاركته في تنظيم الضباط الأحرار ومصر تحت حكم عبدالناصر، وما عانته من حروب استمرت من 56 حتى 67، وكيف واجه الشعب المحنة مع الرئيس ثم تولى أنور السادات زمام الحكم، واختار نهجًا جديدًا للحرب والسلام معا.
أنا أنور السادات فلاح نشأ وتربى على ضفاف النيل حيث شهد الإنسان مولد الزمان، أهدي هذا الكتاب إلى القارئ في كل مكان. إنها قصة حياتي التي هي في نفس الوقت قصة حياة مصر منذ 1918 هكذا شاء القدر. فقد واكبت أحداث حياتي الأحداث التي عاشتها مصر في تلك الفترة من تاريخها، ولذلك فأنا أروي القصة كاملة لا كرئيس لجمهورية مصر العربية، بل كمصري ارتبطت حياته بحياة مصر ارتباطًا عضويًا منذ بدايتي وإلى الآن.
في مكتبه برئاسة الجمهورية، جلس محمد أنور السادات، نائب الرئيس، يستعيد مجريات الأحداث في مصر، منذ العدوان الثلاثى 1956، وحتى صدور دستور 1964. وفيما تبدو أنها محاولة لتنظيم أفكاره المضطربة، قرر «السادات» تحويلها إلى نقاط مكتوبة. ثلاث محطات رئيسة توقف أمامها «السادات»، أثناء تلك الفترة، فدوّنها مصحوبة بخواطره على ورقة تحمل شعار «رئاسة الجمهورية العربية المتحدة»: «الإنذار الثلاثى 1956». «الشعب فى 9 و10 يونيو»، يقصد المظاهرات الشعبية الرافضة لتنحى عبدالناصر. وأخيراً «صيف 1964 وتسليم المسؤولية». تنتهي المساحة الصالحة للكتابة في الورقة، فيسحب نائب الرئيس ورقة أخرى.
يحرص على ترقيم الصفحات بما يوحي بأهمية التسلسل، وأن ما سيكتبه في الورقة الثانية مبني على ما جاء في الأولى. لكنه، وبطريقة كاشفة لطبيعة شخصيته غير الاعتيادية، يغير أسلوبه في التفكير، ويستحضر من الذاكرة اقتباسات أدبية بدلًا من الأحداث السياسية. تذهب ذاكرة «السادات» إلى فرنسا، إحدى دول العدوان الثلاثي، ليقتبس من الروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك، مؤسس مدرسة الواقعية في الأدب الأوروبي، جملة «القوة لا تلغي الحق.. ولكن الحق لا يبقى بغير القوة». وتطير الذاكرة بعد ذلك إلى الدولة الثانية في العدوان، إنجلترا، ولكنه يبتعد عن ضيق صدر «الواقعية» إلى سعة خيال المسرح، ويقتبس من جورج برنارد شو قوله: «التقدم مستحيل بلا تغيير، والذين لا يغيرون أفكارهم لا يستطيعون تغيير أي شيء آخر». ويتأمل نائب الرئيس الجملتين، ثم يتساءل: «القلق.. لماذا؟ والخوف.. لماذا؟».
جاء مرور نحو تسع سنوات على هذا التساؤل الفلسفي ليكون كفيلًا بتغيير شكل الورق الذي يستخدمه «السادات»، والمحتوى المكتوب فيه، تغييرًا جوهريًا. على مستوى الشكل حلت كلمة «الرئيس» محل «رئاسة الجمهورية العربية المتحدة»، وختم الجمهورية المستخدم في عهد الرئيس الأول محمد نجيب، بدلًا من نسر الجمهورية العربية. أما المحتوى فتحول من محاولة لفهم أحداث سياسية وأفكار مرتبطة بها، إلى ملامح خطة حرب حقيقية، لكن على طريقته الخاصة.
بحنكة سياسية يدوّن السادات أفكاره العسكرية باختصار، فيعجز عن تفسيرها سواه، ويُصاب المطلع عليها بالارتباك، فعلى سبيل المثال يعنون «السادات» إحدى أوراقه بـ«المحاور الرئيسية»، ويعدد تلك المحاور: «إنزال بحري وبارشوت في المنطقة قبل وفي نفس الوقت الغواصات»، و«دوريات لأهداف رئيسية محدودة (مزدوج)»، و«دوريات لمهمات مواقع المدفعية البعيدة والصواريخ في العمق»، و«المحور الجنوبي بخلاف القوات الخاصة».
عشرات الصفحات يدون عليها «السادات» ملامح خطته العسكرية، والتزامًا بطريقته «غير الاعتيادية» في التفكير، يستحضر من الذاكرة اقتباسات تاريخية تخدم أفكاره. تتجه الذاكرة غربًا أيضًا هذه المرة، لكنها لا تعود بجمل أدبية، وإنما برأي للقائد البريطاني، برنارد مونتجمري، قائد قوات الحلفاء الذي هزم قوات المحور في شمال أفريقيا: «النزول على أوسع مواجهة ممكنة، لإمكان التحرك بحرية للمعارك الأرضية وتجنب الزحام (قرار مونتجمري قبل الغزو)».
من التداعى الحر للأفكار المتناثرة إلى الكتابة المنظمة، تكشف لنا أوراق قائد أكتوبر أن تحليل أسباب النكسة والتفكير في مقومات النصر تصدر قائمة أولوياته، لدرجة أنه قرر أن يكتب مذكراته «عن الفترة من 8 يوليو 1967 إلى 27 يوليو 1970» لتكون «عبرة لنا وللأجيال من بعدنا»، كما برر في مقدمة تلك المذكرات. ويقترح «السادات» في مذكراته خطتين لإعادة بناء الجيش، الأولى قصيرة من عنصر واحد وهي «إعادة الروح المعنوية للقوات»، والثانية طويلة تعتمد على الأخذ بالأسلوب الروسي، «أي أن تبدأ الدراسة العسكرية في سن مبكرة جدًا، حيث تتكون أحلام الفتى، وتكون احترافًا، فالعدو سواء أمريكا أو إنجلترا أو إسرائيل باق أمامنا في المستقبل، فلابد أن يكون الجيش على أعلى درجة من الوعي الذي يغرس في سن مبكرة سواء كان عسكريًا أو سياسيًا لنوجد المقاتل المحترف الشرس».
يرى «السادات» أن تطبيق تلك الخطة يتطلب «الارتباط مع الاتحاد السوفيتي بالتدريج أو حسبما تقتضيه الظروف الدولية» ولكنه يصر على وضع أسس صريحة وواضحة لهذا الارتباط «حتى لو وصل الأمر إلى إعطاء قواعد له، ولكنني أفضل اندماجًا من غير قواعد بين قواتنا وقواته بمعنى أنه في حالة حدوث معارك لابد أن نكون في الوضع الذي يكون فيه ضمن قواتنا المسلحة المدرعة والطيران بالذات أفراد سوفيتيون». ويشدد على ضرورة وضع خطط مشتركة مع الجانب السوفيتي «حتى نستفيد من التقدم التكنولوجى الذي يجعلنا في الصورة الحقيقية، فالمؤكد أن إسرائيل تحصل على كافة ما تريد من معلومات عن طريق أمريكا وطائراتها للتجسس ووسائلها التكنولوجية الحديثة كلها».
ينتقل «السادات» في مذكراته من خطط التعامل مع الجيش إلى التعامل مع الشعب، وهنا يظهر تاريخ 9 يونيو مرة أخرى؛ حيث يقترح «أن تُستغل التعبئة الشعبية التي لم نصل إلى مثلها في يوم من الأيام حتى في أوج انتصاراتنا والتي بلغت القمة في السبع عشرة ساعة التي انقضت بين إعلان الرئيس تنحيه ثم عودته».
يستنتج «السادات» من أحداث السبع عشرة ساعة «أن الثلاثة أجهزة الرئيسية منعزلة عن الشعب ولا تعرف حقيقته، لأن الصورة التى كانت موجودة هي أن العمال متذمرون والفلاحين متذمرون والموظفين، وكل الشعب في الوقت الذي خرج فيه العمال والفلاحون وصغار الموظفين- وكل الشعب فى صلابة رهيبة- يتحدى العدوان ويتحدى التسليم، ويطالب بكل إيمان وإصرار بالتضحية أيا كانت وراء الرئيس في الوقت الذى كنا فيه في أحلك ساعات الهزيمة».
يخرج من هذا الاستنتاج بأنه «لابد من إعادة التنظيم فوراً وقبل أن يفتر حماس الشعب أو تبدأ التساؤلات والإشاعات». ومن أجل إعادة التنظيم يقترح السادات في مذكراته روشتة عمل تقوم على «تحديد عدو الشعب لكي تظل الجماهير معبأة، وفي كل العالم لا تعبّأ الشعوب إلا ضد عدو خارجى حتى في أمريكا التي تفعل حكومتها ما تريد تحت اسم مقاومة الشيوعية، عدونا بصراحة محدد أمريكا وبريطانيا وعميلتهما إسرائيل».
بعد عرض سريع للأحداث منذ 8 يوليو 1967، أظهر تطبيق عناصر كثيرة من روشتة للإصلاح يكتب «السادات»: «اليوم وفي يوليو 1970 تحسّ إسرائيل بما كنا نحسّ به في 1967 مع فارق طبعًا ولكن في بساطة هم يخافون ونحن نزداد كل يوم أملًا وثقة وتصميما وهم في طريق مسدود».
يبقى أنه رغم أنك تحمل كتابًا يسرد أدق تفاصيل واحد من أهم الرجال الذين حكموا دولة قوية مثل مصر وفي فترة كانت مشحونة بحروب من كل اتجاه مع السوفييت والصهاينة والأمريكان، مع ذلك تجدها مذكرات كتبت بلغة حميمية جدًا من الرئيس المواطن لقلب المواطن. دون أي تجميل لأي حقائق، حتى وهو يسرد طفولته المتقشفة وأيام سجنه القاسية، وحتى وهو يقارن بين نهجه ونهج عبد الناصر، تجده يتحدث بمنتهى الأريحية ودون مجاملة أو تحامل. لكن وسط هذا الانسياب لن يكون خفيًا عليك أنك تتعرف على شخص محنك في سياسة الحروب رغم طبيعته المسالمة، فتجده مثلًا وهو يحكي ببساطة كيف تعمد نشر أخبار وهمية قبل حرب 73 عن الاستعدادات للحرب أكثر من مرة، وفي كل مرة يعود ويتراجع عن قراره مما جعل إسرائيل تتكبد خسائر فادحة اعترفت بها إدارتها فيما بعد.
العجيب أن نفس الرجل الذي يحدثك عن الحرب وأهدافها وضروريتها ستجده في فصول أخرى يشرح عملية السلام حينما يحين وقتها ويشرح أسبابه خلف ذهابه للكنيست بنفسه، وهو في ذلك نجا من فخ التناقض، لأنه يشرح الأمور دومًا من وجهات استراتيجية ويضع الفعل حينما يتطلب الأمر إيجاده، ولا يهتم حتى لو كان بمفرده. ولم يكن جنرالًا في الحروب فقط، وإنما في حياته العادية أيضًا كان رجلا يلتزم بمبادئه الخاصة، فكان يواجه أي تهمة تنسب له بردود كلها فطنة وشجاعة، وكانت قاعدته التي التزم بها حتى آخر أيام حياته، أنه غير مطالب أبدًا بتقديم أي مبررات عن تصرفاته.
من الأجزاء اللطيفة في الكتاب حكيه عن سياسة عبدالناصر والفرق بينها وبين طريقته، فتجده يشرح بشكل صريح كيف قرر أن يخلي المعتقلات والسجون وأن يترك متسعًا للناس كي ينفسوا قليلًا عن دواخلهم، ورغم اختلاف أفكاره عن الزعيم الذي سبقه إلا أنه لا يتطاول عليه أبدًا، بل يشرح الأسباب والظروف التي أحاطت بكل منهما. ولم يكتشف السادات اختلاف منهجه مع عبدالناصر بعد توليه الرئاسة، بل اختلفا كثيرًا (حسبما يذكر الكتاب) منذ كانا في تنظيم الضباط الأحرار، وطبعًا حينما صار عبدالناصر رئيسًا لمصر. لكن ما يوضحه السادات في الكتاب أنه كان دائمًا يعتبر آراءه مجرد وجهات نظر، يمكن الأخذ بها أو تركها كما هي.
لغة الكتاب السلسة المنمقة غير المغالية في أي تركيبات أو استعارات لغوية، تجعلك متيقنًا من أنك تقرأ مذكرات حقيقية لمواطن طبيعي مثلي ومثلك، الأمر الذي يجعلك تصدق بسهولة كل كلمة تقرأها وتتعجب بعد الانتهاء منه كيف اطلعت على مثل هذه الأمور الموغلة في السرية والدقة دون أن تشعر بأنك مقبل على كتاب ثقيل. لأنه من الصعب أن تعثر على كتاب لأيقونة سياسية كانت حياتها مشحونة بكل هذه الأحداث وفي نفس الوقت يكون الكتاب ممتعًا، فما يحدث عادة أن الراوي يتصور أن كل ما رآه وعاصره جدير بأن يُسرد ويقرأه أحدهم، وقد أدرك هذه النقطة المفصلية السادات، ومن الأكيد أنه استعان في تحرير كتابه بأناس لهم باع طويل في التحرير وإعادة الصياغة. والحق أن هذا انعكس بشكل في غاية التأثير داخل صفحات الكتاب.
مقتطفات من البحث عن الذات (قصة حياتي)
أعود إلى القصة.. في يوم 16 أكتوبر أرسلت رئيس الأركان الجنرال سعد الشاذلي للتعامل مع الثغرة وكان من السهل جداً التعامل معها في ذلك اليوم فقد كان السباق فيها للزمن.. ولو أنه نفذ ما طلبته منه أنا والفريق أحمد إسماعيل وفي التوقيت الذي حدته له فأحاط شاطئ البحيرة المرة بسد يسجنهم داخلها ويوقفهم في مكانهم لأصبح من السهل القضاء عليهم وكان في إمكانه أن ينتهي من العمليه كلها بعد وصوله بساعات لكنه أضاع الليله بأكملها في جمع المعلومات وإنشاء قيادة له ينافس بها قيادة غريمه الجنرال إسماعيل وكانت قوات الصاعقة قد تقدمت إلى الدفرسور ووصلت فعلاً إلى نقطة النزول وإعترف الإسرائيليون بشراسة قتال قوات الصاعقة والقوات الخاصة.. ولكن الشاذلي أعطاهم الأمر بالإنسحاب إلى أن يجمع المعلومات وكانت النتيجة أن توسع اليهود في الثغرة. وفي يوم 19 أكتوبر عاد الشاذلي منهاراً وقال لابد أن نسحب قواتنا في شرق القناه لأن الغرب مهدد.. وكان هذا –لو تم– هو ما يريده الإسرائيليون.. فطلب مني أحمد إسماعيل في منتصف ليلة 19/20 أكتوبر أن أذهب إلى القيادة حتى أتخذ قراراً مهماً بوصفي القائد الأعلى للقوات المسلحة.. ذهبت إلى القيادة وإستعرضت الموقف فوجدت أن لنا خمس فرق كاملة في شرق القناة وعندنا 1200 دبابة في الشرق أيضاً أما في الغرب فعندنا فرقة مدرعة تواجه قوات إسرائيل وفي القاهرة فرقة يمكن سحبها – هذا غير الحرس الجمهوري الخاص بي والذي أدخلته الحرب وقاتل قتالاً مجيداً وعاد كاملاً بكل دباباته. بعدما إتضح الموقف لي جمعت القادة كلهم وكان معي الفريق أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المسلحة الفريق الجمسي مدير العمليات والفريق حسني مبارك والفريق محمد علي فهمي قائد سلاح الصواريخ وكانوا جميعاً من رأيي وهو أنه لم يحدث شئ يستدعي القلق.. فأعطيت الأمر الذي أعتبره أهم من قرار 6 أكتوبر – بأن لا ينسحب جندي واحد ولا بندقية واحدة ولا أي شئ على الإطلاق من شرق القناه وأنه علينا أن نتعامل مع الغرب حسب الأوضاع الموجوده ثو بدأت أثصل بنفسي مع الفرقة المدرعة وفي الغرب وكان يقودها ضابط إسمه قابيل وهو بطل من أبطال أكتوبر وقلت له ثبت الإسرائيلين ولا تجعلهم يتمكنوا من التوسع وإياك أن تشتبك معهم إلى أن تصلك الإمدادات. وفي هذه الليلة أعطيت تعليماتي لأحمد إسماعيل بعزل الشاذلي من رئاسة الأركان على أن لا يعلن هذا القرار على القوات حتى لا يحدث رد فعل عندنا أو عند الإسرائيلين.. وفي نفس الليلة إستدعيت الجمسي وعينته رئيساً للأركان.
يبقى أنه جاء مرفق بالمذكرات ملحق صور بالأبيض والأسود للقطات عادية من حياة السادات مع عائلته بملابس المنزل ومع فلاحين قريته ببذلته المتواضعة. وصور أخرى تبرز الجانب العسكري من شخصيته وسط الجنود وقادة الجيش. والفصل الأخير من الكتاب يشمل خطابات بخط يد السادات للسوفييت ولرجال الجيش المصري. كما يحتوي على النص الكامل لكلمته التي ألقاها في الكنيست يوم 20 نوفمبر 1977. ونُشر الكتاب باللغات الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والبرتغالية، والسويدية، والإيطالية، والعبرية، والفنلدية، والدنماركية، والإسبانية، واليابانية. كما نُشرت أجزاء منه في الصحف والمجلات التالية: -الأهرام -مجلة تايم الأمريكية -بانوراما الإيطالية -لاريبوبليكا الإيطالية -الإوبزرفر البريطانية -نادي الكتاب (كتاب الشهر) بأمريكا -بوك ديجست بأمريكا -مجلة دير شبيجل الألمانية. صدر الكتاب عام 1978 عن المكتب المصري الحديث في 455 صفحة من القطع المتوسط، مزود بملحق صور بالأبيض والأسود للقطات هامة من حياة الرئيس السادات سواء الشخصية أو المهنية.
النهاية
فوق مقبره السادات رفعت لافتة تحمل كلمات (عاش من اجل المبادئ واستشهد في سبيل السلام). ويبقى أن خيار السادات بتسليم كل مفاتيح الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة دفعت مصر ثمنه ومازالت تدفعه حتى الآن من انهيار دورها الأقليمي ومكانتها الدولية وتبعية اقتصادها وسوء أحوال شعبها ومن محاربة الصهيونية إلى الاعتراف بالاغتصاب الصهيوني لفلسطين ثم العلاقات الخاصة مع إسرائيل ومن الانحياز للطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى الانحياز لرجال الأعمال والسماسرة ومن الاستقلال الاقتصادي الكامل والتخطيط الشامل للتنمية إلى التبعية الاقتصادية وربط الاقتصاد المصري بالاحتكارات الرأسمالية العالمية ومن محاولة اللحاق بركب العلم وتنمية البحث العلمي إلى تخريب التعليم وإهمال البحث العلمي، ومن قيادة العالم العربي والعالم الثالث بمواقفها المؤيدة لحقوق الضعفاء والمعادية للاستعمار إلى دولة تدور في فلك السياسة الأمريكية، وخيار السلام ثبت أنه أكذوبة قايض فيها السادات استقلال إرادة مصر بسيناء منزوعة السلاح وقبل السادات معاهدة سلام بشروط سبق ورفضها عبد الناصر وهو مهزوم.
روى السادات تلك الحكايات لأنيس منصور وهو في ذروة قوته وكمبرر للقطيعة مع السوفيت والانحياز للولايات المتحدة الأمريكية وهي مرهونة بوقتها وكان يجب على الأستاذ أنيس إلا ينشرها حفاظًا على صورة الرئيس الراحل لأن أي قراءة موضوعية لتلك المذكرات يثبت مدى خطأ اجتهاداته السياسية وهو أمر كان يجب ألا يفوت الأستاذ أنيس منصور الذي لم يرحم حتى صديقه وصاحب الفضل عليه الرئيس السادات فوضع أسمه فوق أوراقه كما تعود أن يترجم الكتب ويضع أسمه فوقها، وحتى الآن يبدو غير مفهومًا سبب نشر تلك الأوراق إلا إذا كان الأستاذ أنيس يرغب في تصفية حساباته مع من بقي حيًا من خصوم السادات، وحتى لو كان هذا غرضه فقد فشل في اختيار سلاحه وأساء للسادات أكثر مما أساء لخصومه، وأثبت وجهة نظر خصوم الرئيس الراحل فيه كسياسى مغامر تحليلاته واجتهاداته كلها خاطئة وعصره كله يبدو كخطأ تاريخى مازالت مصر تدفع ثمنه.
رحل السادات وحضر الجنازه 18 رئيسًا و5 امراء كلهم من اوروبا وامريكا بينهم 5 رؤساء امريكان منهم (كارتر وفورد ونيكسون وميتران ودستان) وأمير الدانمارك والأمير تشارلز ورؤساء ايطاليا والمانيا وايرلندا وليبريا ورئيس وزراء هولندا واصدقائه بيجين وشارون ويوسف بورج من اسرائيل، وايضًا فرح ديبا ارمله شاه ايران وابنه رضا بهلوى سارت الجنازه وسط اجراءات امنيه مشدده وتم دفنه فى النصب التذكارى للجندى المجهول.