Print Friendly, PDF & Email

     تُشكل ظاهرة الإعلام الجديــد بكل تمظهراتها في حقل الممارسة الإعلامية عامة “بؤرة جدل واسعة”، حول مختلف انعكاساتها على كافة الصّعد المجتمعية لاسيما منها السّياسية، إذ أفرزت هذه الظاهرة في خضم التحولات التي مست البنى الاجتماعية، بيئة إتصالية جديدة اقترن ظهورها بتطور بارز خصّ تكنولوجيات الإتصال والمعلومات أدت لصياغة مفاهيم جديدة أطّرت المجتمعات من حيث تحولها إلى مجتمعات المعرفة أو مجتمعات المعلومات القائمة على الإستثمار اللاّمادي في الخدمات التي أفرزتها التكنولوجيات الإتصالية والمعلوماتية. فالحديث عن ظاهرة الإعلام الجديد يقودنا بالضرورة  للحديث عن الجيل الثاني للويب 2.0، الذي يشير إلى جملة المواقع والخدمات والتطبيقات الموجودة على الشّبكية، أتاح هذا الجيل بعض المواصفات المُحدِثة للقطيعة الممارساتية مع الإعلام التقليدي بكافة وسائله، كالتفاعلية واللاّتزامنية مكنت الأفراد باعتبارهم مستخدمين إيجابيين من حرية التحكم والاختيار في المضمونات ذات البعد الإعلامي والتواصلي.

     إن الحديث عن الإعلام الجديد، وتداخله ضمن سياقات مفاهيمة عديدة من قبيل الإعلام البديل، الإعلام الرقمي، الإعلام الشبكي، إعلام المواطن، لا يثنينا عن الخوض في أشكاله وآلياته وكذا انعكاساته على بيئة العمل الصحفي والإعلامي والممارسة الإعلامية عامة، فهذا الإعلام البديل أخذ بعض الأشكال الحديثة لم تكن مألوفة مثل مواقع التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك، تويتر، ماي سبيس، فليكر، يوتيوب، …إلخ)، انتقلت بالعالم إلى قرية صغيرة  فاتحة آفاق على أكثر من مستوى ثقافي وفكري، اجتماعي وسياسي، مُحدثة نقلة نوعية في مجال نقل واستقبال المعلومة والتعرف عن كثب على آخر المستجدات صوتا وصورة وتعليقا.

     هذه الطفرة  في مجال الإعلام الجديد، لم تكن دول العالم العربي بمنأى عن انعكاساتها      لا سيما على الصعيد السياسي، فلقد شهدت بعض من الدول العربية ( مصر، تونس، اليمن) حركات احتجاجية واسعة خاضتها شعوب تلك الدول ضد كل أشكال الديكتاتورية والأنظمة الأوليغارشية، في ذات السياق الإحتجاجي شهدت الجزائر حراكيا شعبيا سلميا، أقل ما يقال عنه أنه موجة ثانية من التحول الديموقراطي العربي، الذي يشير إلى إنتقال الدولة من حالة إلى أخرى، أو إنتقالها إلى نظام جديد مبني على أسس القانون والمواطنة التفاعلية. بداية موجة الحراك الشعبي الجزائري كانت مع 22 فيفري 2019، أين خرج الملايين من الشعب الجزائري، رافضين قطعا كل أشكال التمرير لعهدة جديدة للرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان  يعاني من المرض، كونه يمثل إهانة للشعب الجزائري برمته الذي يتوق للأفضل، وفي ظل المشاكل الإقتصادية التي تتخبط فيها البلاد بسسب اعتمادها على الريع النفطي جراء تدهور الأسعار ما أدى إلى نفاذ إحتياطي الصرف المقدر ب 200 مليار دولار، إضافة إلى قضايا الفساد التي تورط فيها النظام الحاكم، هذه التراكمات أفرزت إحتجاجا شعبيا سلميا قوبل بتعتيم إعلامي شديد من طرف جميع الوسائل الإعلامية، لم يكن للشعب وقتها بديل آخر لإسماع صوته، وتنظيم صفوفه سوى مواقع التواصل الاجتماعي، التي مثّلت أحد أدوات التغيير السياسي في الجزائر، أنيط بها لعب دور المتغير الرئيسي المُواجه للقوى السياسية الحاكمة، حيث اعتمدت الاحتجاجات الشعبية بشكل كبير على المنصات الإلكترونية، وبخاصة الشبكات الاجتماعية في التواصل الجماهيري، من خلال نقل صور الأحداث على طبيعتها وحقيقتها إلى الشعب في البلاد، حيث كان رواد مواقع التواصل الاجتماعي يتناقلون فيديوهات الحراك عبر خاصية البث المباشر  “Live”، المتوفرة على موقع الفيسبوك، إضافة إلى خاصية المشاركة التي تتيح وصول المنشورات والفيديوهات إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين، ففي خضم التعتيم الإعلامي كان لمواقع التواصل الاجتماعي الدور الكبير في هذا الحراك السلمي وذلك من خلال نجاحها في:

01_ حشد المحتجين وتنظيم الصفوف عبر كل يوم جمعة، إضافة إلى تنظيم صفوف الطلبة كل يوم ثلاثاء للخروج في مسيرات أسبوعية.

02_ ساهمت في بروز نوع من المشاركة السياسية في الشأن العام.

03_ لعبت الشبكات الاجتماعية دورا بارزا في التصدي لخطابات السلطة التخويفية الترهيبية.

04_ العديد من الحملات والهاشتاغات انتشرت عبر منصات الشبكات الاجتماعية.

     إن سلطة وسطوة الإعلام البديل كشفت زيف الخطابات الدعائية للسلطة، ومعها ممارسات التعتيم الإعلامي الممنهجة لتقويض الحراك السلمي، المُطالب بدولة القانون والمواطنة، دولة تضمن احترام صوت الشعب وصون كرامته، دولة تمأسس لحماية التنوع العرقي والحريات الفردية، فهذه الشبكات الاجتماعية  تحولت إلى صانع للرأي العام الجزائري، وموجه له ومحرّك فعّال للخوض في القضايا السياسية المصيرية، وهذا عبر ما أتاحته الترابطية والتفاعلية الشبكية للأنترنت، التي عرف الشباب  الجزائري كيف يستغلها في إسماع صوته، من خلال نشر الصور والفيديوهات والتعليق، سواء داخل الوطن، أو خارجه أين كانت تصل الصور والفيديوهات للمتظاهرين المغتربين عبر نفس الشبكات الاجتماعية، وهو مؤشر قوي على أن السلطة لم تعد تتحكم كما عهدت في قواعد اللعبة السياسية لصالحها، ولو أنها حاولت إستغلال ما يصطلح عليه  بالذباب الإلكتروني للتشويش على مطالب الشعب الواقعية.

   يبقى في الأخير الإشارة، إلى أنه بالرغم مما أتاحته هاته الشبكات الاجتماعية من قدرة على نقل الحقيقة، إلا أنها عرفت غزوا لبعض الشائعات والأخبار الكاذبة والدّعاية المغرضة، والتي سيكون لنا فيها نصيب بحثي للخوض فيها في قادم المقالات.

    بقلم  السيد حامدي ياسين باحث في الدكتوراه علوم الإعلام والإتصال جامعة سطيف 02