د.محمد عبدالرحمن عريف

  إنه ناظم كزار المولود عام 1940 في بغداد، وشغل منصب مدير الأمن العام في زمن أحمد حسن البكر، وحاول القيام بانقلاب لقتل البكر ونائبه صدام حسين في الأول من تموز/ يوليو من عام 1973، واعدم بعد فشل الانقلاب. حيث اعلن احباط مؤامرة للاطاحة بنظام الحكم في منتصف عام 1973، قادها الرجل الذي كان يتصدر مهمة أمن البلاد والنظام السياسي، ناظم كزار مدير الأمن العام الذي طالما قضى ناس تحت قبضته بتهمة التآمر والتأليب ضد السلطة الحاكمة. فما هي قصة هذا الانقلاب الفاشل؟.

  ما حدث أنه ظل الغموض يلف دوافع ناظم كزار المعروف بولائه الشديد وقسوته التي فاقت في بعض المواقف قسوة صدام حسين. فقد استشعر خطر الإقصاء من مناصبه الحزبية والحكومية فقرر أن يفتك بقادته في الحزب قبل أن يسبقوه. وتكشف سردية المسؤولين السابقين في العراق، عن حجم التآمر والدسائس التي كانت تحاك داخل الحزب الحاكم وعن القسوة التي سادت دهاليز السلطة وعلاقات المسؤولين.

وهنا شهادة طاهر توفيق العاني، عضو القيادة القطرية لحزب البعث في العراق سابقًا:

  مساء يوم الإعلان عما سمي بمؤامرة ناظم كزار يوم 30 حزيران/ يونيو 1973، اتصل بي صدام حسين نائب أمين سر القطر ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة، وطلب مني الالتحاق على الفور بقياده فرع بغداد، ونبهني أن أكون حذرًا في الطريق. فسألته ماهو الأمر؟ قال لي المهم أن تسرع في الذهاب، ويكون الجهاز الحزبي في الإنذار، ووعدني بقدومه إلى مقر قياده فرع بغداد.

  يقول العاني عندما وصلت مقر الفرع، علمت أن شرطة النجدة، وضعت في الإنذار. واتصلت بقياده الفرع والشعب، وأبلغتهم بالإنذار والالتحاق بمقراتهم فورًا، والتحق عدنان الحمداني عضو قياده الفرع بعدي، وقال إن صدام أيضًا اتصل به، وطلب منه الالتحاق بقياده الفرع. ثم بدأ وصول أعضاء قياده الفرع إلى المقر في منطقه المنصور.

  ما حدث هو أن ناظم كزار قام يوم الجمعه 30 حزيران/ يونيو، باستدراج الفريق حماد شهاب (وزير الدفاع)، والفريق سعدون غيدان (وزير الداخلية)، وعدنان شريف (عضو المكتب العسكري) وآمر فوج حرس الرئاسة، ومنذر المطلك صهر البكر، وناجي مجيد، وخطاب عمر عضو قياده فرع، في المكتب العسكري، وآخرين باستدعائهم لمشاهدة، معمل لتصنيع معدات عسكرية، وبالأخص مدفع هاون ثقيل، بالتعاون مع كادر من الفلسطينيين، والزمهم بعدم اصطحاب أو إعلام مرافقيهم وحماياتهم بالمكان المتوجهين إليه، للسرية العالية للمشروع.

  كان ناظم كزار موضع ثقة الجميع، ولا يرقى الشك إليه، وهو مناضل صادق وشجاع ونزيه، وأيضًا هو سادي من طراز فريد. وخطط لإغتيال رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر خلال هبوط طائرته في مطار المثنى ببغداد عائدًا من زيارة إلى الخارج. وتحسبًا لأي تطور محتمل أخذ مجموعة من القيادات الحزبية وكبار المسؤولين رهائن لكن تأخر هبوط الطائرة في اليوم التالي أفشل المخطط فأخذ كزار الرهائن الذين احتجزهم قبل ليلة وفر باتجاه الحدود الايرانية. وفي ظهيرة يوم السبت 1 تموز/ يوليو أحبطت المؤامرة.

  بعد فشل مؤامرة ناظم كزار، وإلقاء القبض عليه، قابله صدام وهو يبكي بشده قائلاً: لماذا يا ناظم قمت بهذا؟ فأجابه ناظم: لماذا تبكي؟ لا داعي لذلك لأنك تعلم أنك لست المقصود. وكان ناظم قوياً ومتماسكاً كعادته، إذ لم يكن يخشى الموت. وقال للمحققين معه إنه جلاد ولا ينتظروا منه إعترافاً وليسرعوا بإعدامه، وهذا ما كان فعلاً..

  بعد اعتقال ناظم جيء به إلى  القصر الجمهوري وقد شارك الملازم الأول قوات خاصة كريم الدوري أحد مرافقي الرئيس البكر آنذاك في عملية مطاردة واعتقال ناظم. وكلاهما كانا يكنيان (أبو حرب). وقد طلب ناظم الماء ليشرب فسارع برزان إبراهيم أخ صدام غير الشقيق ومرافقه، فقدم له قدحاً من الماء.

  فأثار ذلك منذر المطلك صهر البكر، وأحد الذين إعتقلهم ناظم، وحدثت مشادة كلاميه بينهما، وكان ناظم يحمل كرهاً شديداً لمنذر المطلك، ويتهمه بإيصال معلومات غير صحيحه إلى البكر، ويحرضه ضد الأجهزة الأمنيه التي يرأسها كزار. كما كان يشكو من تأثير المحسوبيات وإن كانت آنذاك في حدود ضيقة.

  يعرف عن ناظم كزار قسوته الشديدة، فبعد 17 تموز/ يوليو 1968 وردت معلومات عن شقيقه المهندس علي كزار، أن له علاقه مع تنظيم جماعه 23 شباط في سوريا، فقام بإعتقاله والتحقيق معه، وعومل بقسوة تمامًا كالآخرين من منتسبي هذا التنظيم.. وبعيد المؤامرة  صادف أن خرجت ومنذر المطلك من مجلس فاتحه في جامع بنية، فقام بالتهجم على صدام حسين، واستخدم كلمات قاسية وجارحة وقال: إنه شخص لا يعترف، ولا يخجل من الفشل، وهو السبب في ما حصل، وعليه ترك المسؤولية، وكنت أستمع اليه، ولم أعلق على كلامه، حتى توادعنا.

  في تلك الفترة، قام برزان الأخ غير الشقيق لصدام ومرافقه، بشتم البكر ومنذر المطلك أمامي، وتظاهرت بأني لم أسمعه، فكرر سبابه بإصرار، فحولت الحديث، ولم أعلق على كلامه، وقد تجنبت نقل كلام منذر أو برزان لأحد.

  قد ذكر لي الرئيس البكر في حينه، أن سبب فشل المؤامرة، هو تأخر وصوله إلى بغداد، بعد انتهاء زيارته للإتحاد السوفييتي وبولونيا، نتيجه هبوط طائرته في مطار صوفيا، للتزود بالوقود واستقبال الرئيس البلغاري (تيودور جيفكوف) له بالحفاوة والموده البالغتين، وإصراره الشديد على قيام البكر بجولةٍ حرة بالسيارات في العاصمه صوفيا، ومصيف (فارنا) للراحه، وقد امتدت الجوله لمده ساعتين، وعزا البكر التأخير للصدفه والعنايه الإلهية.

  وقد شاركت في مطاردة ناظم كزار تنظيمات حزب البعث كافة وخاصة تنظيمات الفلاحين. وعندما ضيقت عليه القوة العسكرية الخاصة المطاردة له بالطائرات السمتية توجه صوب الحدود الايرانية. وعندما اقتربت منه القوة العسكرية أطلق الرصاص على الفريق حماد شهاب وزير الدفاع والفريق سعدون غيدان وزير الداخلية وكان قد وضعهما في سيارة واحدة. فقتل حماد شهاب وتظاهر سعدون بالموت بعد أن أصيب بجرح بليغ بيده. كما قتل خطاب عمر التكريتي عضو قيادة فرع في المكتب العسكري.

  وقد أصدر الرئيس البكر أمرًا للقوة الجوية والطائرات السمتية المطاردة لرتل سيارات ناظم كزار بأن يباد الرتل ويقتل الجميع فيه في حالة اقترابه أو دخوله الأراضي الإيرانية لكي لا يقع أي منهم بيد الإيرانيين بمن فيهم وزيرًا الدفاع والداخلية وصهره وأمر فوج الحرس الجمهوري لأن العلاقات بين العراق وإيران كانت متوترة جدًا وتقع اشتباكات حدودية بين الحين والآخر.

  وعقب المحاولة الإنقلابية ظل البكر فترة غير قصيرة، يبدو مريضًا وكئيبًا وحزينًا ومهمومًا، ويتسائل بمرارة وعتب: هل هنالك ما يستوجب التامر؟! كما خيم جو الكابة والشلل أيضًا على القيادة وتنظيمات الحزب. وللتاريخ فإني لم ألاحظ لدى البكر كرهًا أو تحاملًا على عبد الخالق السامرائي… إلا أن أحمد حسين السامرائي آنذاك، ذكر لي أنه خلال مقابلته للرئيس البكر للاستئذان بالسفر إلى مقر عمله سفيرًا في مدريد بعيد فشل المؤامرة: إن البكر قال له: لماذا أهل سامراء غاضبون علينا لاعتقال عبد الخالق السامرائي.. نحن لم نغضب عندما قتل حردان التكريتي، واعتبر ذلك تقصيرًا من البعثيين في سامراء.

  قال صدام حسين إن عبد الخالق السامرائي، هو الذي كسبه للحزب، لاستقامته وصدقه وخلقه. وكان يدعى (الملا) لطيبته وتقشفه ونقاء سريرته، وتواضعه الجم، وتمسكه بمبادئ الحزب، كما كان متديناً وكانت له منزلته العالية في نفوس البعثيين، وقد اعتقل في غرفة منعزلة على سطح بناية الحياة، قرب القصر الجمهوري (كانت مقر المخابرات العامة) متهماً بالمشاركة بمؤامرة ناظم كزار، وقد نفى بشدة مشاركته فيها، ولكن يظهر أن المتآمرين اتفقوا على أن يتولى السامرائي، أمانه سر الحزب ورئاسه الجمهورية. عام 1972م مع أنه لا ذنب له إن كان ذلك صحيحاً، وذكر صدام، أنه استدعى محمد فاضل وعاتبه، وذكّره بثقته ومحبته ورعايته وحمايته له.. حتى أنه قام قبل 17 تموز/ يوليو 1968م بإخفائه لدى والدته في قرية العوجة، خشية أن يقتله جبار الكردي، لقتله أخيه، فبكى محمد فاضل، واعترف له، أنه وعبد الخالق السامرائي شاركا ناظم في المؤامرة وبعد اعتقال ناظم، لم يخف محمد فاضل تعاطفه معه، وقال إن مصير ناظم يهمني وكان أعضاء القياده القومية، من ضمنهم الدكتور الياس فرح، قد سارعوا بالقدوم من بيروت إلى بغداد، لمنع إعدام عبد الخالق، وكانوا يبكون ألماً وأسفاً عليه.

  في فترة إعتقاله، لم يكن يقابله أحد، إلا والديه، كل 6 أشهر مرة واحدة بحضور أحد منتسبي المخابرات، إلا أن ذلك لم يمنع إعدامه عام 1979 م بتهمة المشاركة في مؤامرة محمد عايش المزعومة في مسرحية مفضوحة، فقد دفع علي حسن المجيد، ليقول في الندوة الحزبية التي عقدت في قاعه الخلد وتحدث فيها محي الشمري عن مؤامرة 1979: إن المؤامرات لن تتوقف، مادام عبد الخالق حياً فصفق له بعض المنافقين، ليعدم بعد 7 سنوات من السجن الانفرادي المشدد. وهكذا فَقَدَ الحزب مثالاً أحبه البعثيون، وحببَ اليهم الحزب.

  في تلك الفترة حدث تقارب بين عبد الخالق السامرائي عضو القيادة القطرية لحزب البعث وبين محمد فاضل وناظم كزار، بعد علاقة سيئة ومتوترة، بسبب الاعتقالات التي تقوم بها المخابرات لكادر الحزب الشيوعي والتنظيمات الكردية، ودفاع واستفسار عبد الخالق المستمر عن مصيرهم.. وأخذوا يلتقون ليلًا في حديقة بناية المكتب الثقافي، الواقع على نهر دجلة، قرب القصر الجمهوري. وكان يدور همس حول هذه اللقاءات، وتجنبهم اللقاء داخل المكتب، خشية وجود جهاز تنصت فيها. كما أشيع عن قرب إبعاد ناظم كزار عن منصبه كمدير للأمن العام، وعضوية المكتب العسكري، بعد إبعاده مع محمد فاضل وعلي رضا عن مكتب العلاقات (جهاز المخابرات العامة) فقد قدم صدام حسين نائب رئيس مجلس قياده الثورة، والمشرف على مكتب العلاقات، مذكرة إلى الرئيس البكر، يقترح فيها إنهاء علاقه محمد فاضل وناظم كزار وعلي رضا، بسبب خلافهم مع سعدون شاكر، ووافق البكر على المقترح.

 قبل المؤامرة حصلت خلافات بين أعضاء المكتب العسكري، خاصه بين عدنان شريف شهاب وداوود الجنابي من جهة وناظم كزار ومحمد فاضل واحمد حسين من جهة أخرى… واستغل بعض الحزبيين أجواء المؤامرة، لاستهداف وتضفية خصومهم، وفي مقدمتهم طه الجزراوي وداوود الجنابي.. وقد انحاز أحمد حسين إلى مجموعة ناظم ومحمد فاضل، وكان يشكو من أن عدنان شريف وداوود الجنابي لا يحترمون التقاليد والعلاقات الحزبية، ويتصرفون بتعالي وفوقية، كما ذكر أحمد حسين أن صدام أيضًا بكى أمامه، ووصف الحزبيين الذين يستغلون أجواء المؤامرة بالذئاب، التي تنهش بلحم رفاقهم.

  لقد تميز ناظم كزار بقدرته العجيبة على إخفاء المشاعر والنوايا وكذلك كان صدام عندما يغضب أو يختلف مع شخص ما، فإنه يتمالك غضبه، لكنه لا ينسى، وتبقى الملاحظة تنتظر الفرصة واللحظة المناسبة، لكي تطفو على السطح؟ فقد اختلف عبد الخالق السامرائي مع الفريق حماد شهاب وزير الدفاع، في اجتماع مجلس قياده الثورة، وكان عبد الخالق قاسياً في ملاحظاته وكلماته، مما سبب استياء البكر، وغضب صدام، الذي قال لعبد الخالق لن أنسىى لك ذلك.

  لقد كانت الخلافات بين البكر وصدام ظاهرة، منذ الأيام الأولى للثورة، بل وحتى قبلها، بسبب اختلاف العقلية، ونمط التفكير، إلا أن منزلة البكر وسنه وحكمته، كانت تغطي ذلك. وأتذكر أن صدام اختلف مع البكر قبل 17 تموز/ يوليو 1968، فذهب إلى منطقه المحمودية، جنوب بغداد، وبقي فيها أيام عدة دون إعلام أحد بمكانه. فصدام كان غالبًا ما يتحدث، عن أهمية التمسك بمبادئ الحزب، وضوابط الحياة الداخليه للحزب، والعلاقات الرفاقية، وضرورة ممارسة التقاليد النضالية، ويعتبر القيادات العسكرية، من أصحاب الرتب العالية من البعثيين، أقل وعيًا واستيعابًا لفكر الحزب، وأنهم مصدر تهديد للحزب وللثورة، لذلك كان يسعى للتخلص منهم في حين كان البكر على العكس من ذلك، إذ كان شديد الحرص والتشبث بهذه القيادات العسكرية والامنية، ذات الممارسة الطويلة، والخبرة في إدارة القوات المسلحة، والمحافظة على الأمن الداخلي.

  في مقال تحت عنوان (وقفة مع مؤامرة ناظم كزار) أثار يلال الهاشمي  قضية ناظم كزار (مدير الأمن العام الأسبق) التي حدثت عام 1973 الكثير من الجدل، فقد أختلفت المصادر في تحديد طبيعة المؤامرة التي نفذها وقادها بنفسه، بين عملية تصفية الخصومات السياسية، وبين عملية أنتقام شخصية لتصفية الحسابات، ولم يغيب ظل (المتصيدين بالماء العكر) عن القضية التي ادرجوها تحت بند (نظرية المؤامرة)، ووجهوا الاتهام (كالعادة) إلى الرجل الثاني في الدولة (آنذاك) صدام حسين بالوقوف خلفها ليتخلص من الرئيس البكر ويحل محله!!.

 هل كان لـ(صدام حسين) علاقة في تلك المؤامرة؟. لو فرضنا (جدلًا) أنها مؤامرة مشتركة بين (ناظم كزار) والرجل الثاني في الدولة (نائب رئيس الجمهورية)، فعند ذلك ستبرز مجموعة من التساؤولات التي تبحث عن أجابات شافية، خصوصاً أن بعض التفاصيل أبتعدت عن المنطق كثيراً، وأهمها خطة تنفيذ العملية!!، يذكر حامد الجبوري (في لقاء تلفزيوني)، أن ناظم كزار شكل مجموعة تتقدم نحو الطائرة على أعتبار أنهم حماية، مهمتها اغتيال الرئيس البكر بعد نزوله من الطائرة، وكانت هناك مجموعة أخرى موجودة على سطح المطار مكلفة بالقضاء على المجموعة الأولى بعد تنفيذ الأغتيال، كما أن المجموعة الثانية سيتم تصفيتها بعد ذلك!!.

   لنركز على المنطقة التي سينفذ فيها الأغتيال، مكان نزول الرئيس البكر من الطائرة واجتماعه مع نائبه صدام حسين الذي سيكون على رأس المستقبلين، فلو سارت العملية كما مخطط لها، المجموعة الأولى تقوم بالتنفيذ ثم تعالجها المجموعة الثانية بالتخلص من المنفذين، فإن تلك المنطقة ستكون مكان مميت لكل الموجودين بما فيهم صدام حسين نفسه الذي سيكون قريباً من الرئيس البكر، فهل من المنطق أن يكون صدام حسين مشترك في المؤامرة ومطلع على تفاصيلها ويضع نفسه في دائرة الخطر؟!، ويمنح فرصة ذهبية للمنفذين بالتخلص منه بسهولة أذًا ما فكروا بالغدر به، فكيف سيضمن نجاته!!، حتى وإن ضمن ولاء المنفذين له وعدم غدرهم، فمن يضمن له عدم أصابته بالخطأ في خضم المعركة!!، أليست هذه طريقة معقدة يتبعها النائب في التخلص من الرئيس؟.

  ثم هناك تناقض عجيب في هذه المسألة، إذا كان بمقدرة المجموعة الثانية (المتواجدة على السطح) أن تتخلص من المجموعة المنفذة وتقضي على أفرادها، فلماذا لم يوكل لهم تنفيذ الأغتيال بدلاً من المجموعة الأولى؟!، وإذا كانت الخطة الموضوعة بهذا الشكل فلابد أن يكون الغرض من عملية تصفية المجموعات (بالشكل المذكور) محاولة لطمس معالم المؤامرة، وهذا ما قاله حامد الجبوري، حيث ذكر بالنص “تضيع المسألة”!!، وهذا يدعو للأستغراب، فكيف (تضيع المسألة) وهناك محتجزين؟!، فإن أطلق ناظم كزار سراحهم أفتضح أمره، وإن قتلهم فإن المرافقين لهم (الذين تم تسريحهم) سيبلغون عنه!!، إذن، المسألة لا تنتهي مع القضاء على المنفذين، فهناك دليل أقوى على ضلوع كزار بالمؤامرة، أليس هذا تناقض؟!.

  إن أحتجاز الرهائن يعني أن ناظم كزار كان يلعب على المكشوف، ومن يلعب على المكشوف لا يحتاج إلى إخفاء أثار المؤامرة بتصفية المنفذين، إلا إذا كانت الخطة الموضوعة تدعو إلى وضع المجموعة الأولى قرب الهدف، وهم الرئيس ونائبه، لضمان دقة التصويب أثناء التنفيذ، ثم تقوم المجموعة الثانية (الموجودة على السطح) باستهداف الموجودين (وهم المسؤولين في الدولة الذين قدموا لاستقبال الرئيس) بإطلاق نار مكثف وعشوائي مباشرة بعد أن تنفذ المجموعة الأولى عملية الأغتيال، لكي يتمكنوا من القضاء على أكبر عدد ممكن منهم قبل أن يتفرقوا، حتى وإن تم التضحية بالمجموعة الأولى (يعني يضحون بالرجلين)، وهكذا يضمن ناظم كزار التخلص من جميع رجال الدولة بضربة واحدة.

 نعم هي خطة إنقلابية وضعت باحكام، حتى اختيار الرهائن كان بشكل دقيق، بحيث ضمن السيطرة على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وزير الدفاع المسؤول عن الجيش، وزير الداخلية المسؤول عن الشرطة والقوى الأمنية، وقائد الحرس الجمهوري (وهو بطبيعة الحال منفصل عن وزارة الدفاع)، وبقية المسؤولين الذين قام باحتجازهم وأغلبهم من العسكريين، وبذلك جمد تلك القوة وشل حركتها من جانب أخر، كانت العلاقة مع إيران في ذلك الوقت متوترة جداً، وكذلك الحال مع الغرب الذي تأثر بقرار تأميم النفط، مما أدى ذلك إلى فرض حصار على بيع المنتجات النفطية، وتأجيج المتمردين الأكراد ودعمهم من قبل إيران، ليثقلوا كاهل الحكومة العراقية، إذن، لو كتب النجاح لمؤامرة ناظم كزار لكان هذا مكسباً كبيراً لأعداء العراق، وهذا ما يفرضه المنطق، أذن، ما الذي يمنع أن تكون هناك مباركة غربية للمؤامرة، ودور لشاه إيران بتوريط ناظم كزار، أليس هذا وارد، فمن يدعم المتمردين الكرد باستطاعته أن يدعم غيرهم، وإلا لماذا يتجه كزار بعد فشل محاولته الإنقلابية إلى إيران!، فهل كان متأكدًا من استقبال الشاه له، أو أنه حصل على الضمانات مسبقاً؟.

 لقد ظّلت قضية مؤامرة ناظم كزار مدير الأمن العام عضو المكتب العسكري لحزب البعث العربي الإشتراكي مسؤول فرع بغداد عام 1973م حديث المجتمع العراقي والعربي وإتهام عبد الخالق السامرائي عضو القيادتين القومية والقطرية للحزب وعضو مجلس قيادة الثورة وكذلك بعض من أعضاء قيادة الحزب منهم محمد فاضل ورفقائه وإعدامهم رمياً بالرصاص دون محاكمة أصبح حتى اليوم لُغزاً محيراً فالبعض قال أنها مؤامرة دبرها صدام حسين ضد الرئيس أحمد حسن البكر ونفذها ناظم كزار ليتخلص من عبد الخالق السامرائي الذي امتلك شعبية واسعة داخل صفوف الحزب من خلال إبتعاده عن أي مسؤولية في الدولة مكتفياً بمسؤولية المكتب الثقافي في الحزب.

   في حين أن بعضهم قال أنها مؤامرة ناظم كزار للتخلص من الرئيس البكر ونائبه صدام حسين. بتناول السلوك البشري لهؤلاء الأشخاص وتفكيرهم ونظرتهم للأمور، فيمكن القول أن معظم القادة والزعماء وخاصة من أصحاب النهج الثوري نراهم من خلال التجارب التي مروا بها ينظرون إلى الأمور وهم في أعلى السلطة بمنظار غير المنظار الذي كانوا ينظرون به وهم عندما كانوا خارج السلطة إذ بمجرد أن يجلس الحاكم على كرسي الحكم حتى ينحرف عن المبادئ التي كان ينادي بها ويبدأ بالتنكيل برفاقه واحداً إثر واحد مستخدماً أبشع أنواع القسوة والعنف ضدهم من أجل أن يبقى وحده متسلطاً على دست الحكم.

   نعم غياب الديمقراطية وإنحراف الحاكم بعد تصفية أصحاب الخبرة والكفاءة وإعتماده على أصحاب الثقة والموالاة، فقد تدحرجت رؤوس كبيرة من الحزب والدولة العراقية خاصة في أحداث المؤامرتين المزعومتين عام 1973 و1979م في الأولى ناظم كزار مدير الأمن العام وفي الثانية عبد الخالق السامرائي عضو القيادتين القومية والقطرية وبعض من رفقائه. بالحديث عن المؤامرتين المزعومتين من خلال معلومات موثقة وتصريحات لمسؤولين عاصروا تلك الفترة ومنهم لا زال على قيد الحياة ليروون ما جرى بصدق وأمانة، نحو هدف إظهار الحقيقة، كل الحقيقة للتاريخ ولكل الذين يهمهم الإطلاع على ما جرى كل هذه السنين العجاف التي مرّ بها العراق.