Print Friendly, PDF & Email

عبدالرحمن إبراهيم شحاتة

هي قصة الأندلس قصة مؤلمة، ذلك أننا ندرس تاريخًا ومجدًا زاهرًا، ونحن نعلم أن هذا المجد قد انتهى وضاع وصارت الأندلس الفردوس المفقود.. إلا أنه لا مناصَ عن قراءة صفحات هذا المجد  السليب وهذا التاريخ الثري.. لنقرأ كيف تُقام الأمجاد وكيف تضيع فلئن كنا نسعى في نهضة أمتنا ورفعتها فلأن نسعى ونحنُ نعلم ونُدرك خبرة الماضي خيرٌ من أن نسعى ولا ماضي لنا ولا خبرة.

لقد اقتضت سنة الله عز وجل في الحضارات والأمم منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا بل حتى قيام الساعة أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر, فمن سنن الله عز وجل أن كانت هناك قوانين اجتماعية وإنسانية عامة, تتصل مباشرةً بضبط مسيرة الحياة الإنسانية ومسيرة الأمم والشعوب, فإذا ما التزمت الأمم والحضارات بهذه القواعد دامت وكانت في خيرٍ وسعادة وإذا حادت عنها لقيت من السقوط والإنهياروالإندثار ماهي أهلٌ له قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140].

الواقع أن الأمة الأمة الإسلامية ليست بمنأى عن هذه السنن الكونية, فقد اتهمني البعضُ بالمغالاة والميل على الغرب وأن هذا  ليس من الإنصاف وبدلًا من البكاء على اللبن المسكوب فلننظر إلى كيف صاروا وكيف صرنا وكان هذا لما تحدثت عن أحوال العالم قبل القرون التي سبقت الإسلام وكيف وصلت إلى درجة من التردي والضياع والإنحطاط والطبقية والإستبداد والإستعباد وانهيار الأخلاق؟.. ما أدى إلى زوال هذه الحضارات وبزوغ فجر حضارة جديده وأمة جديدة وكان ذلك عالم الحضارة الإسلامية, تلك التي بدأت يوم بدأ الاسلام يضيئ معالم الحياة ويغير الملامح الفكرية والسياسية والتشريعية والاجتماعية والاقتصادية للعالم كله فارتبطت بالاسلام دينًا ودولة وتاريخًا ونشأةً وتطورًا وثقافة. 

الحقيقة أنه منذ نزول الرسالة على رسول الله  ﷺ والدولة تأخذ بأسباب القيام فتقوم، ثم تحيدَ عنها فيحدث الضعف ثم السقوط. ومما لا شك فيه أن حضارات الأمم تبني بالأخلاق والقيم وأن انهيارها مرتبط بالانحلال والانحراف عن منهج الله الواحد الأحد. وهذه النظرية تطبق على المسلمين كما تطبق على غيرهم. فمثلًا لو نظرنا في  حضارة المسلمين في الأندلس سنجد أنها لم تندثر إلا لما انغمسوا في الشهوات والملذات وفي هذا يقول ابن خلدون: “إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى فيما أدى إلى ضياعه”.

لقد أدرك هذه الحقيقة أيضًا أحد كتاب النصارى واسمه “كوندي” حيث قال: “العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات”، وصدق الله العظيم القائل: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا) [الإسراء: 16].

من خلال هذه السطور نطبق هذه النظريه علي حقبه من أهم الحقب في تاريخ المسلمين قاطبةً.. المسلمون في الأندلس أو كما وصفها العالم الأمريكي جوزيف ماك كيب (مدينة المسلمين بإسبانيا)، كان من أهم عوامل سقوط بلاد الأندلس هو العامل الأخلاقي، وسقوط الأندلس بدأت معالمه ومظاهره قبل سقوط غرناطة بوقت مبكر، وذلك بعد أن قام على أنقاض الدولة الأموية بالأندلس العديد من الدويلات الإسلامية المتناحرة المتنازعة التي صورها الشاعر بقوله:

ومما يُزهدني في مُلكِ أندلسٍ أسماءُ معتمدٍ فيها ومعتضدِ

ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسدِ

ما ينبغي التنبه له أن الضعف التدريجي للمسلمين في الأندلس الذي أدى إلى خروجهم من تلك الديار لم ينشأ من فراغ كما لم يكن وليد يوم وليلة، بل كان نتيجة لعدة عوامل وأسباب يمكن إجمالها في انحراف كثير من مسلمي الأندلس عن منهج الله، مع موالاة العدو والتخلي عن الجهاد، إضافة للتفرق والتشرذم.

هنا يعتبر الضعف الأخلاقي عند المسلمين في الأندلس قبل سقوطها أحد النتائج التي تمخضت عن الانحراف عن منهج الله، وقد كان لهذا الضعف مظاهر وصور منها الأنانية وحب الذات، والتشبه بالعدو وتقليده، مع انتشار المجون والخلاعة بين المسلمين. فبعد أن قامت دولة ملوك الطوائف بعد الدولة الأموية في الأندلس تنافس أولئك على السلطة وانتشر بينهم العداء المستحكم والخصام الدائم، فالكثير منهم لا هم له إلا تحقيق مصلحته الذاتية وإشباع أنانيته ووجوده في السلطة ولو على حساب المسلمين.

لقد أدرك هذه الحقيقة الكثير من المؤرخين لهذه المرحلة منهم أبو حيان الأندلسي حيث قال: “دهرنا هذا قد غربل أهليه أشد غربلة، فسفسف أخلاقهم، وسفه أحلامهم، وخبث ضمائرهم…”.

هنا يقول المراكشى:وصار الأمر فى غـاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة، أربعة كلهم يتسمى بـأمير المؤمنين فـى رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا فى مثلها. وقال ابن حزم: “اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم وبعمارة قصور يتركونها عما قريب، عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم…”. وقال في موضع آخر عنهم: “والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم بادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنوهم من حرم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس”.

نعم للمسلمين شخصيتهم المستقلة التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظل مسلموا الأندلسي خلال القرون الثلاثة الأولى لوجودهم في الأندلس محافظين على شخصيتهم تلك التي تأصلت فيها الأخلاق والقيم النبيلة، ولكنهم بعد أن دب الضعف إليهم وعصفت بهم الفتن، وضعف الوازع الديني عند بعضهم بدأوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق والتأثر بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم.

لقد ذكر ابن الخطيب أن جند مسلمي الأندلس تشبهوا بالنصارى في زيهم وأسلحتهم ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلد النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الشركية، وهناك فئة أخرى كانت تحضر مجالسهم وتشاركهم أفراحهم من هؤلاء منذر ابن يحيى أمير سرقسطة فقد بالغ في التشبه بالنصارى وموالاتهم حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين أبنائهم.

لا شك أن لذلك أثرًا في كسر الحاجر النفسي بين المسلمين وأعدائهم، فزالت مهابة المسلمين عند النصارى حينما تخلوا عن أصالتهم وأخلاقهم الإسلامية حيث أصبحوا حقيرين في عين عدوهم وأقل من أن يهتم بهم.

كان ذلك من أعظم الأسباب أثرًا في انهيار الدولية الإسلامية في الأندلس، حيث كان شرب الخمور والاستغراق في الملذات والإكثار من الجواري والنساء كان ذلك قاسمًا مشتركًا بين كثير من ملوك الطوائف، وغرقوا في مستنقع الفواحش والرذيلة، ويبدو هذا جليًّا لكل من طالع أخبارهم، واستغل هذا الأمر بعض ا لوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان.

قال أحد شعراء تلك الفترة عن الخمر:

فجل حياتي من سكرها .. جرت مني الخمرة مجرى الدم

كان أهل تلك الفترة يتفاخرون بكثرة آلات الطرب والغناء، حيث يقولون عند فلان عودان أو ثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك. وامتد ذلك ليصل إلى حد الاستخفاف بالدين عند بعض الناس، فقد ذكر ابن حزم أن إبراهيم بن سيار النظام كبير المعتزلة في الأندلس تعلق بحب غلام نصراني فألف له كتابًا في تفضيل التلثيث على التوحيد تقربًا إليه.

يبقى في النهاية مما سبق ذكره أقول إن قصة خروجنا من الأندلس لم تكن قصة عدو قوي انتصر علينا بقدر ما كانت قصة هزيمتنا أمام أنفسنا‏.‏‏.‏ قصة ضياعنا وأكلنا بعضنا بعضًا كما تأكل الحيوانات المنقرضة بعضها بعضًا. كان الترامي في أحضان العدو ممكنًا، وكان التنازل له عن الأرض ممكنًا،‏ وكان الخلاف بين بعضهم وبعض لدرجة الاستنجاد بالعدو ممكنا.

 أجل..‏ كان كل هذا ممكنا إلا شيئًا واحدًا..‏ هو العودة إلى الإسلام الصحيح الخالي من حب السلطة واستعباد الدنيا،‏ والأمر بالاعتصام بحبل الله وحده وعدم التفرقة.. كل شيء كان ممكنا – في عرفهم – إلا هذا.‏ فما أشبه الليلة بالبارحة، فحالنا في هذه الأيام من جهة استعلاء عدونا علينا، وتمكنه منا إنما هو منا، “قل هو من عند أنفسكم”، فقد بعدنا وبعدنا جداً عن ديننا وانتشرت رذائل الأخلاق بيننا وتشبهنا بل ووالينا أعداءنا وتفرقنا، ويوم أن نعود إلى ديننا سيعود لنا عزنا “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

أعندكم نبـأ مـن أهـل أنـدلـس

فقد سرى بحديث القوم ركـبـان

كم يستغيث بنا المستضعفون

وهـم قتلى وأسرى فما يهتز إنـسـان

ماذا التقاطع في الإسلام بينـكـم

وأنتم يا عـبـاد الـلـه إخـوان

                                    “وإن عدتم عدنا”.