نتائج الثورات: بعض الاعتبارات الأولية

“On the Outcomes of Revolutions: Some Preliminary Considerations”

By: Ekkart Zimmermann

إعداد: أماني عاطف

 

نتائج الثورات: بعض الاعتبارات الأولية

إيكارت زيمرمان

جامعة ميونيخ الألمانية

نبذة عن الكاتب:

كاتب هذا المقال هو إيكارت زيمرمان Ekkart Zimmermann، ألماني الجنسية، يعمل أستاذا ورئيس قسم علم الاجتماع في جامعة دريسدن للتكنولوجيا الحديثة، ودرس منذ عام 2005 علم الاجتماع في جامعة العلوم السياسية بميونخ، كما درس الاقتصاد والقانون في برلين.

يركز زيمرمان على تحولات الأنظمة والديمقراطية، وتحليل الصراع الاجتماعي عبر البلاد، وتفاقم ظاهرة الإرهاب السياسي، وتحليل الصراع الاجتماعي عبر البلاد، وتفاقم ظاهرة الإرهاب السياسي الدولي والعنف، والقضايا المنهجية للعلوم الاجتماعية.

ترجمت العديد من أعماله إلى اللغة الانجليزية والفرنسية والإيطالية وغيرها من اللغات، وله العديد من الكتب والمقالات والمطبوعات منها كتابة عن “العنف السياسي والأزمات والثورات: نظريات وبحوث” عام 1983، ومن مقالاته “الأسباب الاقتصادية للإرهاب” عام 2006، و”العولمة والإرهاب” عام 2010.

مقدمة

نشر هذا المقال في العدد الثامن من المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية عام 1990. وتقدم هذه المقالة إطار نظري للمتغيرات الخاصة بتقييم نتائج الثورات على المدى الطويل، ويتم تقييم هذه النتائج في أربع أقسام، هي: السياسة، والاقتصاد، والمجال الاجتماعي الثقافي، وسلطة الدولة، ومن بين مجموعة المتغيرات التفسيرية الموارد والهبات الطبيعية، ومستوى التنمية الاقتصادية السابق، والهياكل الاجتماعية والاقتصادية السابقة، والمؤسسات الاقتصادية والسياسية، والمخرجات السياسة ومختلف القيود الدولية.

يمكن إعطاء صورة توضيحية واستخلاص التعميمات من خلال دراسة نتائج الثورات منذ عام 1600، حيث تتسم كل ثورة بمجموعة من النجاحات والإخفاقات، ويتم مقارنتها مع باقي الثورات للخروج بمجموعة الاعتبارات الأولية المتعلقة بنتائج الثورات.

في التحليل المقارن للثورات هناك 3 أجيال رئيسية من الباحثين، هم: (جولدستون 1980، عمل بنشاط كبير لإضافة رؤية قيمة لهذا الحقل – وكرين برينتون 1952- تيلي (1975- 1978)، وسكوبول 1979.

هذه الأجيال المتعاقبة كانت تنظر إلى الثورة باعتبارها متغير تابع، ومن ثم كان الاهتمام الرئيسي بدراسة العوامل التي تؤدي إلى ظهورها دون إيلاء الاعتبار لأهم نتائجها، وتمثل الاستثناء من ذلك في ظهور أهم الكتب في دراسة الثورات عام 1966 للمفكر “بارينجتون مور” بعنوان “الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية”، حيث تطرق بمهارة إلى أسباب الثورات وتداعياتها، لكن هذا العمل شابه بعض القصور، حيث لا توجد مدرسة واحدة من العلماء تتبنى التحليل المقارن لنتائج الثورات، بل اهتم أغلبها بتفسير أسباب الثورات وصعوبة التطرق إلى نتائجها نظرًا لاتساع نطاق الثورة وتوقيتها، ويمكن إرجاع تحليل أثار الثورات عبر الحدود إلى كرين برينتون.

يتضح وجود تناقض في مجال النظم السياسية المقارنة، فعلى الرغم من وجود وفرة كبيرة في الدراسات الخاصة بالثورات في كل دولة على حدة، إلا أن هناك ندرة في الدراسات المقارنة بين نتائج الثورات في أكثر من دولة، مما يصعب معه الوصول إلى تعميمات حول هذه النتائج.

تهدف هذه المقالة إلى توضيح بعض وجهات النظر التحليلية ولفت الانتباه لبعض العثرات في تحليل نتائج الثورات، وذلك بالاعتماد على تحليل الخبرة التاريخية الخاصة بالثورات للاستفادة منها في توقع مسارات الثورات في الحاضر.

سكوبول (1979)، وتيلي (1975- 1978)، وراسيل (1974) – قبل تفريقهم بين المواقف الثورية ونتائج الثورات – كانت التوترات الثورية والمواقف والائتلافات الثورية غير متوافقة مع التعريف المعياري للثورة، حيث حدث تغير جذري في الهياكل الاجتماعية، وأبنية السلطة، فضلا عن اختلاف المخرجات عن نتائج الثورات، وتحدث الثورات نتيجة تزايد فجوة التوقعات التي يشعر بها الثوار، وتزايد الضغوط التي تشعر بها الحكومة نتيجة ندرة الموارد، وعدم كفاءة مؤسسات الدولة، وضعف مخرجات الدولة، أو عجزها عن تلبية التوقعات، وبالتالي، فإن أداء الأنظمة الثورية يمثل منظومة واحدة من العوامل التي تؤثر على مخرجات الثورات، وخاصة في المدى المتوسط والطويل، لكن توجد مجموعة أخرى من العوامل لا تقل أهمية على رأسها “التغيير الاجتماعي” كمتغير تابع يخضع للدراسة، فحتى الآن جميع المتغيرات التابعة المحتملة تندرج تحت مظلة هذا المفهوم.

يوضح الشكل رقم (1) نموذج العلاقات السببية لنتائج الثورات على الاقتصاد والسياسة والثقافة، وما هو تأثيرها على البنية الاجتماعية والأيدلوجية وعضوية النخبة؟، وإلى أي مدى يتضرر الاقتصاد كنتيجة للثورات؟، وعلى الرغم من وجود وفرة من الدراسات حول كل موضوع من هذه الموضوعات على حدة، إلا أن هناك ندرة في التحليل المقارن.

فإذا وضعنا نتائج الثورات تحت المجهر تظهر أهمية التحليل المقارن سواء بين الأنظمة الثورية أو بين الأنظمة التي شهدت ثورات وتلك المستقرة، ومن ثم يأتي تحليل نتائج الثورات في إطار التحليل السياسي والاجتماعي الكلي حيث يتناول الأنظمة ككل.

افتراضات البحث

يعرض البحث للعوامل ذات الأهمية عند دراسة نتائج الثورات، من خلال النظر إلى المتغيرات المباشرة لتأثير الثورة، مع عدم إغفال أهمية المتغيرات الأخرى التي تتأثر بصورة غير مباشرة.

عند دراسة نتائج الثورات يجب التفرقة بين أربعة فترات زمنية، الفترة الأولى، وهي الوضع قبل الثورة حيث تفقد المؤسسات التقليدية سلطانها وقوتها، والفترة الثانية عندما تكتمل الثورة، والفترة الثالثة عندما يترك النظام الثوري الجديد بصماته مع سلسلة من مخرجات السياسة، والفترة الرابعة والأخيرة، وهي عندما يتم تقييم هذه المخرجات وإخضاعها للدراسة.

لا يوجد وقت محدد يمكن البدء به في تقييم مخرجات السياسة، ولكن في الأغلب يكون هذا الوقت أبعد من المستخدم في النموذج الحالي، أخذا في الحسبان العملية الفعلية للإطاحة الثورية بالأنظمة والتي يمكن أن تؤدي إلى تعقيد الاستدلال في النموذج الحالي.

ومن ثم لا يجب إغفال اختلاف الفترات الزمنية عند مقارنة نتائج الثورات من حيث النجاح أو الفشل، فعند تقييم نتيجة الثورة في بلد ما يكون من الحكمة الوقوف على علامات زمنية مختلفة، فالاكتفاء بفترة الثورة فقط يؤثر على التنبؤ في المدى القصير أو الطويل، ومن ثم

الهياكل الاقتصادية السابقة
مستوى التنمية الاقتصادية السابق
عوامل التمكين
القيود الدولية:–          المشاركة في الحروب وتبعاتها.

–          الموقع الجيواستراتيجي للدولة

–          الموقع في الاقتصاد العالمي

–          الاعتماد على المساعدات الخارجية

–          الانتشار التكنولوجي

التوترات الثورية
الأبنية السياسية–     النخب الثورية

–     بنية الحكومة

–     بيروقراطية الدولة

المؤسسات الاقتصادية
العنف السياسي (النخب المتعارضة)
المرحلة الأولى: حين تفقد المؤسسات سلطتها وقوتها
المرحلة الثانية:عندما تكتمل الثورة
مخرجات السياسة
المرحلة الثالثة: عندما يترك النظام الجديد بصماته في صورة مخرجات
النتائج
سياسية:(تركيب النخبة – الحريات السياسية – الصراع السياسي – أشكال المشاركة السياسية)
اقتصادية:(الإنتاج الصناعي والزراعي – الإنتاجية – توزيع الدخل -العلاقات الصناعية –الاعتماد الخارجي)
اجتماعية ثقافية(ترتيب الطبقات – الرفاهية الاجتماعية – حالة الاقليات – اسس ورموز الشرعية – الشرعية)
سلطة الدولة:(نفقات الحكومة المركزية – موارد الدولة – حجم الإنفاق العسكري – مخرجات الاقتصاد في القطاعات الحيوية)
المرحلة الرابعة: عندما تخضع المخرجات للتقييم

شكل  رقم (1)

عن نتائج الثورات ومراحلها

تصبح دراسة سلاسل الثورات العالمية ضرورة للتنبؤ بآثارها على المدى القصير والمتوسط والطويل. فعلى سبيل المثال النتائج الاقتصادية للثورة الروسية تقود إلى فهم مختلف تماما وفقًا للفترة الزمنية محل الدراسة، فإذا نظرنا إلى آثارها عام 1920 نجد عدم وجود تأثير كبير، أما إذا نظرنا إلى تلك الآثار عام 1930 فقد أدت السياسات الاقتصادية بعد الثورة إلى الأضرار بالطبقة الوسطى الزراعية نتيجة الاهتمام بالصناعة على حساب الزراعة.

ومن ثم يكشف الواقع التجريبي عن أن الحد الأدنى لدراسة تبعات الثورات هي فترة جيل على الأقل أي (25 سنة) من ترك النظام الثوري الجديد لبصماته وتقييم هذه المخرجات، وكلما ذادت هذه الفترة كلما أعطى ذلك أفضلية للمقارنة فعمر جيلين (50 عام) يمكن من التحكم في الدوائر الاقتصادية قصيرة المدى، وخير مثال على ذلك حالتي كوبا وإيران، وإيمانًا بأهمية تعاقب الأجيال على الثورات للتأكد من نتائجها، يمكن القول بأن الظواهر الثورية التالية على الحرب العالمية الثانية تخدم أغراض المقارنة بشكل أفضل.

في التحليل النهائي لنتائج الثورات يتم التأكيد على أربع تقسيمات أساسية هي (السياسة، والاقتصاد، والنظام الاجتماعي الثقافي، وسلطة الدولة)، ويتضمن كل تقسيم منهم مجموعة من المؤشرات الفرعية التي يعتمد عليها في مقارنة نتائج الثورات، وذلك على النحو التالي:

  1. النتائج السياسية:

عند دراسة النتائج السياسية للثورات يؤخذ في الاعتبار مجموعة من المتغيرات يمكن ربطها بمقاييس السلوك والأحداث والأبنية والهياكل، وتتمثل أبرز هذه المؤشرات في:

  • تركيب النخبة (رجال أعمال/ عسكريين/ تكنوقراط).
  • الحريات السياسية (على مستوى الفرد/ على مستوى الجماعات العرقية/ الدينية/ العنصرية/ الأقليات الأخرى/ الجماعات المهمشة).
  • الصراع السياسي (سواء داخل النخبة نفسها، أو بين النخبة والعامة).
  • أشكال المشاركة السياسية.
  • أشكال المشاركة غير المنظمة.

  1. النتائج الاقتصادية:

يمكن تقييم النتائج الاقتصادية من خلال دراسة العوامل التالية:

  • الإنتاج الصناعي والزراعي.
  • الإنتاجية وخاصة ما يتعلق منها بالاستثمار.
  • توزيع الدخل.
  • العلاقات الاقتصادية (وما يرتبط بها من دور للنقابات المهنية واتحادات العمال).
  • درجة الاعتماد على الخارج.

  1. النتائج الاجتماعية والثقافية:

تتداخل هذه النتائج إلى حد بعيد مع النتائج السياسية، وتشتمل على مجموعة من المتغيرات الفرعية، أهمها:

  • ترتيب الطبقات وهيراركيتها.
  • مقاييس الرفاهة الاجتماعية، منها (الصحة والتعليم .. وغيرها).
  • حالة الأقليات والنساء.
  • أسس ورموز الشرعية/ الأيدلوجية.
  • الثقافة ذات الطابع الخاص.

  1. سلطة الدولة:

يمكن القول بأن سلطة الدولة هي تلخيص وظيفي للمتغيرات الثلاث السابقة، فهي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن هذه المتغيرات، ويقصد بالدولة، القائمين على إدارة الدولة والبيروقراطيين، وهنا تبرز الدولة كتقسيم فرعي، على الرغم من كونها كيان سياسي واقتصادي مستقل سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. وليس أدل على ذلك من تحليل سكوبول عام 1979 للثورات الاجتماعية في فرنسا وروسيا والصين (والإصلاحات الهيكلية الفاعلة من جانب الطبقة الحاكمة في بروسيا واليابان ).

فمع التطورات النظرية في مجالات دراسة العلوم السياسية، ظهرت ضرورة دراسة مخرجات الدولة أو أدائها السياسي، بالنظر إلى كونها فاعل الحكم الذاتي، فعلى الصعيد الداخلي يمكن تقييم سلطة الدولة من خلال:

  • حجم الإنفاق الحكومي كنسبة من الناتج القومي الإجمالي.
  • مصادر الإيرادات العامة واستخدامها على نحو فعال.
  • الناتج الاقتصادي في القطاعات الحيوية للبلد.

وعلى صعيد علاقة الدولة بالعالم الخارجي، يمكن تقييم سلطتها من خلال:

  • حجم القطاع العسكري باعتباره ذو أهمية قصوى للقوة العسكرية للدولة.
  • درجة إهمال التحالفات والموارد الخارجية الأخرى في الوقت الحالي.

يمكن دراسة الخصائص المميزة لكل من التبعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية على مستوى النظام ككل أو على مستوى المجموعة، أخذا في الاعتبار أن الفصل بين هذه التبعات ليس فصلا تحكميًا، حيث يمكن أن تنتقل الآثار السببية القوية من السياسة إلى الاقتصاد والمجال الاجتماعي والثقافي وسلطة الدولة، ولكن يظل تأثير مختلف العوامل وخصوصا الاقتصاد على السياسة أكبر، حيث قد تؤدي إلى الإصلاح  من أعلى لأسفل وهو ما كشف عنه برنامج الإصلاحات الاقتصادية “البيريسترويكا” الذي أطلقه رئيس الاتحاد السوفييتي “ميخائيل جورباتشوف” وفريقه من المستشارين الاقتصاديين والذي تضمن إصلاحات أكثر جذرية باتجاه إعادة الهيكلة، الأمر الذي أعقبه انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.

مخرجات السياسة يجب أن يكون لها تأثير على نتائج الثورات، فقد تكون هذه المخرجات في اتجاه تطوير النظام السياسية وتحقيق رفاهية المواطنين، وقد توجه هذه المخرجات إلى فئات محددة فقط على حساب باقي المواطنين، وقد تأخذ هذه المخرجات شكل إرهاب الدولة كما حدث في عهد ستالين بالقضاء على الطبقة الزراعية لصالح القطاع الصناعي. ومن ثم فمخرجات السياسة بدورها تكون نتيجة لنوايا النخب الثورية والمؤسسات السياسية خاصة هيكل الحكومة والمسئولين بالدولة، وهنا تبرز أهمية دراسة درجة المعارضة داخل النخبة، والأبنية الاقتصادية والاجتماعية المتواجدة قبل الثورة والهبات والموارد التي تمتلكها الدولة، فضلا عن القيود الدولية – ومن بينها المعارضة الدولية للسياسات الاقتصادية والسياسية داخل الدولة- التي تترك بصمتها على مخرجات السياسة، وهنا تقدم الثورة الفرنسية عام 1789 والثورة الروسية مثالا وضحًا على ذلك.

قد ترجع القيود الدولية إلى سوء تقدير القادة الثوريين للأوضاع المحيطة مما يدفعهم إلى الانخراط في الحروب الخارجية أو المبالغة في تقدير موارد الدولة، أو الوضع الجيواستراتيجي لبلادهم ، ووجود المنافسين الدوليين، أو موقع الدولة على خريطة الاقتصاد العالمي، فعلى سبيل المثال الاقتصاد الخارجي والسيطرة السياسية لها تأثير على مخرجات السياسة، وأيضًا درجة اعتماد الدولة على المساعدات الاقتصادية الخارجية، من ناحية أخرى يمكن توظيف نتائج التقدم التكنولوجي واتساع الفضاء الافتراضي في نجاح الثورة والترويج لما يسفر عنها من نتائج سواء كانت إيجابية أو سلبية.

الصراعات الداخلية العنيفة التي قد تحدث في سياق الثورة تمثل في كثير من الأحيان دعوة للتدخل العسكري الخارجي الذي بحكم التعريف يزيد من القيود الدولية المفروضة على نظام ثوري أو يؤدي إلى إجهاضه مثل (الثورة الفرنسية عام 1789، والثورة الروسية، والثورة الصينية، والفيتنامية ، وثورة نيكاراغوا).

على نفس القدر من أهمية نوايا النخبة الثورية ومخرجات السياسة والقيود الدولية على الأنظمة الثورية، تأتي أهمية موارد الدولة قبل الثورة وبعدها، باعتبارها العامل الأكثر أهمية في تحديد قدرات الدولة المالية، ودرجة الخسائر البشرية جراء الثورة سواء كان ذلك بفرار المواطنين من الدولة أو بإبادتهم وتعرضهم للأذى، أيضا تدمير الممتلكات عادة ما يشكل عائقا خطيرا لأداء الأنظمة الثورية باتجاه إعادة البناء وإصلاح ما تم إتلافه،

وعلى الرغم من أنه عادة ما يتم تبرير الإخفاقات الاقتصادية بعد الثورة بتدهور الأوضاع الاقتصادية قبلها، إلا أن الدراسة السياسية المقارنة تكشف عن تمكن بعض الدول من تحقيق التعافي الاقتصادي في أعقاب الثورات ومنها اليابان، وألمانيا الغربية وأوروبا الغربية، ونقطة الانطلاق نحو هذا التعافي تكمن في القوة البشرية التي تمتلكها هذه الدول وتوفر الموارد ورأس المال والقدرة على توظيفهم واستغلالهم الاستغلال الأمثل.

على الرغم من أن المؤسسات الاقتصادية المنشأة حديثا أو التي تم إصلاحها في ظل الأنظمة الثورية تترك أثارها على النتائج الاقتصادية بصورة أكبر من تأثيرها على المخرجات والنتائج السياسية للثورات، إلا أن نتائجها يجب أن تؤخذ في الحسبان.

المجموعة الأخيرة من المتغيرات ترجع إلى الفترة الأولي وهي السابقة على الثورة، حيث يتم النظر إلى الهياكل والأبنية الاجتماعية والاقتصادية السابقة على الثورة، للوقوف على مدى تأثرها بنتائج الثورة، فعلى الرغم من أن هذه الأبنية قد تزول أو تختفي بعد الثورة، إلا أن العقلية والأفكار التي تشكلت في إطارها تظل قائمة ومؤثرة بعد الثورة، وتحتاج إلى فترة زمنية لتتغير بشكل تدريجي، فغالبً ما يتم التغير المادي في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية بمعدل أسرع من التغير الفكري والثقافي، (خير مثال على ذلك حالتي الاتحاد السوفيتي والمكسيك).

أيضًا من العوامل شديدة الأهمية في الفترة السابقة على الثورة، المستوى السابق من التنمية الاقتصادية، فهذا المستوى يعتبر عقبة رئيسية تواجه أي نظام ثوري، خاصة في ظل الحاجة إلى تنمية اقتصادية واسعة النطاق في أعقاب الثورات، وبالدراسة المقارنة نجد دول لجأت إلى تفسير تدهور التنمية الاقتصادية بعد الثورة بالأوضاع الاقتصادية السابقة على الثورة، مثل الثورة البلشفية، في حين نجد دول أخرى استطاعت تحقيق نجاحًا اقتصاديًا لفترة وجيزة، منها حالة كوبا التي اتبعت سياسات اقتصادية حققت نجاح على المدى القصير، ومع فشل هذه السياسات اعتمدت كليًا على المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الاتحاد السوفيتي، وهناك حالة ثالثة وهي دول استطاعت أن تحقق معدلات نمو أعلى من جيرانها، مثل إيران التي تمثل انطلاقة اقتصادية قوية، الأمر الذي يكشف عن ضرورة الوقوف على الهياكل الاجتماعية والاقتصادية السابقة للثورة، لتقييم مدى كفاءة الأنظمة بعد الثورة.

وفي جميع الأحوال لا نستطيع أن نهمل أثر المتغيرات الدولية والتي تلعب دور كبير في دفع نمو النظم الثورية أو تعطيله سواء من خلال تقديم معونات وقروض أو اللجوء إلى فرض عقوبات اقتصادية أو إثارة النزاعات والحروب مع الأنظمة الثورية مما يعوق التنمية الاقتصادية في هذه النظم.

وهنا يمكن الوقوف أيضًا على بعض الأحداث الكارثية أو الطارئة والتي من شأنها تقويض كفاءة النظم الاقتصادية بعد الثورات، مثل مواسم الحصاد السيئة أو الوفاة المبكرة لأحد القادة الثوريين مما يؤثر بشكل كبير على نتائج سياسات ما بعد الثورة، مثل ما شهدته روسيا خلال عام 1930 من انتشار وباء الجوع، مما استدعى الحديث عن السياسات الزراعية غير المدروسة، وهنا يثور التساؤل حول هل تعتبر هذه العوامل الطارئة من نتائج الثورات؟.

قبل أن نتحول إلى مزيد من التوضيحات التاريخية والآثار الإضافية لنتائج الثورات  في النموذج الحالي، ينبغي على القارئ ملاحظة عدم وجود ربط بين آثار الثورات كما يتم التطرق إليها في هذه الورقة وبين ندرة أو توفر مواد خام بعينها مثل (القصدير أوالنحاس أو النفط)، إلا في حالة أن تمثل هذه الموارد أهمية كبرى لجيران الدولة الاقوياء أو القوى العظمى بشكل عام، وعلاوة على ذلك، فإن حالات الصراع السياسي ليست هي محور الاهتمام في هذا النموذج على الرغم من ورود ذكرها كمتغير مترتب على الثورة كنتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية بما يحرض على مزيد من (العنف) الصراع السياسي.

أمثلة تاريخية

وفقًا للمنهجية المتبعة في هذا النموذج تم الرجوع إلى ثورات القرن السادس عشر، حيث ينظر إلى الثورة في هذا النموذج على أنها “النجاح في الإطاحة بالنخبة الحاكمة، بواسطة نخبة جديدة تقوم بالاستيلاء على السلطة، وعادة ما تقوم النخبة الجديدة باستخدام العنف للإطاحة بالنخبة الحاكمة، كما تقوم بتعبئة وحشد الجماهير، وإحداث تغيير جذري في البنية الاجتماعية وأبنية السلطة”.

ويلاحظ على تعريف الثورة أنه لا يتطرق لمعيار “عدم شرعية الفعل الثوري”، ولكن يتضمن هذا في الإطاحة وتغيير هياكل السلطة، أخذا في الاعتبار وجود فترة زمنية بين هدم النظام القديم وإعادة بناء النظام الجديد، وركز هذا التعريف على النخب الجديدة كقوى ثورية دون أن يعني ذلك عدم وجود ثورات جماهيرية، حيث غالبًا ما تقوم النخب الجديدة بحشد الجماهير لصالح الإطاحة الثورية، كما أن إعادة بناء النظام الاجتماعي تعد عملية تفاعلية بين النخب والجماهير الثورية.

يوضح الجدول التالي سلاسل الثورات العالمية خلال الفترة (1960 – 1990)

م الفترة الثورة
1 1640 -1649 الثورة الإنجليزية
2 1688- 1689 الثورة المجيدة في انجلترا
3 1789 – 1795 الثورة الفرنسية
4 1830 ثورة في فرنسا
5 1848 ثورة في فرنسا
6 1910 – 1920 الثورة المكسيكية
7 1911 – 1927 الثورة الصينية
8 1917 الثورة الروسية
9 1927 – 1949 الثورة الشيوعية الصينية
10 1941 – 1945 الثورة اليوغسلافية
11 1945 – 1973 الثورة الفيتنامية
12 1952 الثورة البوليفية
13 1954 – 1962 الثورة الجزائرية
14 1959 الثورة الكوبية
15 1978 الثورة الشيعية الإيرانية
16 1978 – 1990 ثورة نيكاراجوا

يلاحظ تزايد عدد الثورات الناجحة في القرن العشرين، وكثير من هذه الثورات حدث في أعقاب حروب أو مجابهات خارجية – باستثناء الثورة الروسية – حيث هبت أغلب هذه الثورات لمناهضة الاستعمار ومعاداة الأجانب، باستثناء الثورتين المكسيكية والإيرانية حيث كان يدعمهم الأيدلوجية، لكن القاسم المشترك بين كل ثورات القرن العشرين هو تعزيز دور الدولة.

يمكن إجراء التحليل المقارن بين الثورات الخاصة بالقرن السادس عشر، بتتبع نتائجها في جميع المجالات، أخذا في الاعتبار القيود الدولية التي حددها النموذج وتتمثل في (المشاركة في الحروب وتبعاتها، موقع الدولة الاستراتيجي حال تمثيله لمطمع خارجي، موقع الدولة في الاقتصاد العالمي، الاعتماد على المساعدات الخارجية، ودرجة الانتشار التكنولوجي)، فضلا عن المستويات السابقة للتنمية الاقتصادية؛ موارد الدولة، .. وغيرها.

ويكشف تتبع هذه العوامل عن وجود بعض الأسباب للتبعات السلبية للثورات، لعل أهمها الانقسامات في القيادة الثورية، مما يؤدي إلى عدم وجود سياسات متسقة مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد والأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية.

بحكم التعريف يحتل التماسك الاجتماعي أهمية كبرى عند تحليل نتائج الثورات، فجميع الثورات السابق الإشارة إليها باستثناء الثورة الإنجليزية، الثورة المجيدة والثورات الفرنسية 1830 و 1848، نجحت في إحداث تغير جذري في تكوين النخب السياسية، من أجل رفع سقف الحريات السياسية والحد من عدم المساواة العرقية والإثنية، وهو ما حدث في كل من الثورات البريطانية، والثورات الفرنسية الثلاث، والثورة المكسيكية وربما الجزائرية.

وبالمقارنة بين الثورات وفقًا لطبيعتها من حيث استخدام العنف السياسي، نجد ان اغلب الثورات محل الدراسة انطوت على درجات متصاعدة من العنف، وهو ما برز جليا خلال الثورة الفرنسية عام 1789، والثورة المكسيكية، والثورة الصينية، والثورة الروسية، والثورة الفيتنامية والثورة البوليفية والثورة في نيكاراغوا. في حين انخفضت معدلات العنف الداخلي في حالة الثورة المجيدة في بريطانيا، والثورة الكوبية.

وفيما يتعلق بالنتائج الاقتصادية للثورات، نجد أنها يصعب الوقوف عليها بوضوح، فعلى سبيل المثال في حالة الثورة الفرنسية عام 1789 حدث ارتفاع في معدلات الإنتاج الخاصة بكل من القطاعين الصناعي والزراعي، إلا أن ذلك صاحبه عدم عدالة في توزيع عوائد التنمية، (وهو ما أصبح غير معبرًا عن  التحسن من وجهة النظر الدولية)، وكان الاعتماد على المساعدات الخارجية في فرنسا ضعيف جدا في القرن الثامن عشر. أما في حالة الثورة المكسيكية فقد كانت توزيع عوائد التنمية أكثر هامشية، وكان الاعتماد على المساعدات الخارجية بشكل أكبر، في حين اهتمت كل من الثورات الشيوعية الروسية والصينية بالتركيز على الإنتاج الصناعي مع تهميش القطاع الزراعي، وتم تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية بشكل كبير.

في حين اعتمدت كل من الثورة المكسيكية واليوغسلافية والصينية والفيتنامية والكوبية ونيكارجوا، والجزائر على المساعدات الاقتصادية الخارجية بشكل كبير، ونجحت هذه الدول في تحقيق مكاسب في الإنتاجية، ومن ثم كانت المساعدات الخارجية ذات أثر إيجابي.

تم تحسين وضع الأقليات بشكل ملحوظ خلال الثورة البريطانية والفرنسية، والثورة اليوغسلافية، بينما لم يولى نفس الاهتمام بحقوق الأقليات في الثورة الجزائرية والكوبية، ولم يتم الاهتمام بحقوق المرأة إلا مؤخرا، فقد كان الاهتمام الأساسي حقوق الأقليات بشكل عام.

يمكن توضيح تأثير الثورات على سلطة الدولة من منظور مقارن، فالثورات الناجحة تزيد من قوة الدولة وقدرتها على إنهاء حالة عدم الاستقرار التي تعقب الثورات، وخير مثال على ذلك تزايد قوة الدولة بصورة ملحوظة في جميع الثورات الشيوعية، وخاصة في الاتحاد السوفيتي، والصين ويوغوسلافيا وفيتنام وكوبا وكذلك في الجزائر. كما شهدت الثورة الفرنسية عام 1789 زيادة كبيرة في قوة الدولة المركزية، وفي المقابل ضعفت سلطة الدولة في الحالة البريطانية، والصينية والثورة الفرنسية عام 1830.

وجدير بالذكر هنا أن كل ثورات القرن العشرين مقارنة بما قبلها حدثت في دول ذات اقتصاديات ضعيفة، وتعتمد على المساعدات الخارجية بدرجة كبيرة، ومن ثم كانت عرضه للمؤثرات السياسية الخارجية، ومن بينها (كوبا، ونيكاراجوا، وبوليفيا، وفيتنام، وإيران، والجزائر، ويوغوسلافيا)، وقد أسفرت المساعدات الخارجية التي تلقتها بعض الدول من بينها (المكسيك ويوغوسلافيا والجزائر والصين وفيتنام وكوبا ونيكاراجوا) عن تحسن اقتصادي ملموس ونقل للتكنولوجيا الحديثة.

ملاحظات ختامية موجزة:

برزت الثورة الفرنسية عام 1789، والثورة الروسية، والثورة الشيوعية الصينية، والثورة الفيتنامية واليوغوسلافية والكوبية، كثورات لها تداعيات واضحة على المجالات الأربعة محل الاهتمام في هذا النموذج، ويمكن إيضاح ذلك كالتالي:

  • تركت الثورة الفرنسية لعام 1789 آثارها على السياسة والاقتصاد والمجال الاجتماعي وقوة الدولة، وحدثت نتيجة للضغوط الدولية المتمثلة في الموقع الاستراتيجي، والوضع الاقتصادي السابق على الثورة.
  • تركت الثورة الروسية آثارها على السياسة والاقتصاد والمجال الاجتماعي، وحدثت هذه التغيرات في ظل قيود دولية كبيرة، تمثلت في موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية تحت قيادة ثورية منقسمة، وقد سلكت الثورة الشيوعية الصينية أنماط متشابهة جدا، إلا أن موقفها الجيواستراتيجي كان في غير صالح الثوار.
  • غالبًا ما يثار التساؤل بشأن معيار تصنيف الثورة الفرنسية والروسية والشيوعية الصينية كثورات اجتماعية كبرى، وليس ثورات اقتصادية، على الرغم من تداعياتهم الاقتصادية، ونجاحهم في تغيير التوازنات بين القوى السياسية داخل الدولة، وتكمن الإجابة على هذا السؤال في أن أهم ما ميز الثورة الفرنسية كان مساحات الحرية، في حين تميزت الثورة الروسية والصينية بالقمع الشديد.

رؤية نقدية:

  1. على الرغم من تطبيق الكاتب على 16 ثورة حدثت خلال الفترة من (1960- 1990)، إلا أنه اغفل تصنيف هذه الثورات ما بين ثورات كبرى، وثورات ما بعد العولمة أو الحداثة، كما اغفل معيار اختيار هذه الثورات على وجه التحديد.
  2. بالرغم من تعريفه للثورة كما يتم دراستها إلا أنه لم يحدد محور تركيزه في دراسة الثورات من حيث كونها سياسية أو اجتماعية.
  3. تعمق الكاتب في ذكر الأمثلة التوضيحية ومعايير التفرقة بين الثورات من حيث النجاح والفشل جاءت بديهية وبشكل مفصل.
  4. لم يتطرق الكاتب إلى عوامل نجاح أو فشل الثورات، بل اكتفى بالتفرقة بين الثورات من حيث النجاح أو الفشل.

المصدر: ملتقى الباحثيين العرب