العميد: أحمد عيسى

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

حقق بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء الموافق 9/4/2019، فوزاً إنتخابياً هو الأهم الذي يحققه مرشحاً لرئاسة الوزراء في إسرائيل منذ قيامها العام 1948، وذلك لإنتصاره على الكتلة المنافسة له التي يقف على رأسها ثلاثة رؤساء أركان سابقين للجيش الإسرائيلي، فيما يواجه شخصياً ثلاثة لوائح اتهام بتهم الرشوة وإسائة الأمانة، فضلاً عن تقدمه بهذا الفوز على رئيس الوزراء المؤسس للدولة دافيد بن غوريون الذي شغل  منصب رئيس الوزراء مرتين لمدة أربع عشرة عاماً.

كما يسمح هذا الفوز لنتنياهو أن يضع اسمه الى جانب قائمة زعماء اسرائيل كدافيد بن غوريون ومناحيم بيغن الذين كانت لهم بصمة بارزة في تاريخ الدولة من حيث تاسيسها، ومن حيث تثبيت وجودها في المنطقة، حيث أسس بن غوريون الدولة العام 1948، ووقع بيغن اتفاقية السلام الأولى مع  الدولة العربية الأكبر والأهم في المنطقة (مصر) العام 1979.

وأما نتنياهو فسيذكره تاريخ اسرائيل بأنه رئيس الوزراء الذي ثًبت القدس الموحدة كعاصمة أبدية لإسرائيل، وشرًع في عهده قانون القومية الذي يجعل من فلسطين وطناً قومياً لليهود فقط، وفي فترة رئاسته للوزراء شرع البرلمان (الكنيست) الاستيطان في الضفة الغربية، وهو رئيس الوزراء الذي فرض السيادة الإسرائيلية على الجولان السورية، علاوة على أنه رئيس الوزراء الذي يؤسس لتحالف اسرائيل مع الدول العربية لمواجهة الخطر الإيراني في المنطقة، وفي عهده أصبحت إسرائيل من الدول الخمس الأولى حول العالم تكنولوجياً، وهو رئيس الوزراء الذي يسعى الى تحويل اسرائيل من دولة صغيرة من حيث محدودية الموارد والمساحة الجغرافية وعدد السكان، مما يفرض عليها الاعتماد الكلي على دولة عظمى (امريكا) لتتمكن من مواجهة تهديدات الأمن القومي، الى دولة تعتمد على مواردها، الأمر الذي يفسر اعتماد خطة اسرائيل 2028 التي تهدف الى الى رفع مستوى دخل الفرد من 23 الف دولار سنوياً حتى نهاية العام 2008، الى اكثر من 50,000 دولار سنوياً حتى نهاية العام 2028، (وقد بلغ مستوى دخل الفرد حتى نهاية العام 2018 35,000 دولار).

وعلى الرغم من قائمة الإنجازات الطويلة السياسية والإقتصادية والتكنولوجية التي حققها نتنياهو خلال رئاسته للوزراء، يرى البعض من مؤسسات التقدير الاستراتيجي داخل اسرائيل وخارجها أن نتنياهو لم ينجح بقدر مماثل في توحيد المجتمع الإسرائيلي حول استراتيجية واحدة للأمن القومي، علاوة على أن هذه المؤسسات تحمله مسؤولية رفع درجة الاستقطاب داخل المجتمع اليهودي الى اعلى مستوياتها، كما وتحمله مسؤولية تقويض مبادئ الديمقراطية في دولة تتغنى باعتناقها قيم الديمقراطية في الشرق الأوسط لإستماتته في المحافظة على هيمنته على الحكم لفترة زمنية طويلة على الرغم من توجيه القضاء له تهماً بالرشوة وإسائة الأمانة، والأهم من ذلك ترى هذه المؤسسات أن نتنياهو قد وظف في علاقته مع الفلسطينيين استراتيجية خاطئة لأسباب تبدو صحيحة الأمر الذي ينطوي على تهديدات مستقبلية جدية لإسرائيل.

وفي شأن رؤيته للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ينقسم المجتمع اليهودي في إسرائيل الى ثلاثة معسكرات، يؤمن المعسكر الأول أن التهديد الحقيقي لإسرائيل يكمن في ضعف تموضعها الإستراتيجي نتيجة لحالة التحول الجارية في الإقليم منذ بداية العقد الجاري، وليس من الأعمال العدائية التي ينفذها الفلسطينيون ضد أهداف اسرائيلية من وقت لآخر، الأمر الذي يوجب على اسرائيل الإنفصال عن الفلسطينيين دون تدميرهم، حتى لو أدى هذا الإنفصال الى زيادة وتيرة الأعمال العدائية التي قد تصدر عن بعض الفلسطينيين، كون هذا الإنفصال  هو الممر الإجباري لتحسين موضع اسرائيل الإستراتيجي في المنطقة.

وعلى عكس المعسكر الأول يرى المعسكر الثاني أن التهديد الحقيقي لإسرائيل يكمن في الأعمال العدائية التي ينفذها الفلسطينيون ضد أهداف اسرائيلية من وقت لآخر، ويؤمن هذا المعسكر أن التهديدات التي يتخوف منها المعسكر الأول ليست أكثر من افتراضات نظرية. أما المعسكر الثالث وهو المعسكر الديني الحريدي الذي يرفض التنازل عن اراض في الضفة الغربية لأسباب دينية.

وتشير نتائج الإنتخابات التي جرت في اسرائيل منذ العام 2009، أن تحالف المعسكرين الثاني والثالث يمثل الأكثرية التي لا زالت تتحكم في تحديد من هو رئيس وزراء اسرائيل.

ويعتبر فوز نتنياهو برئاسة الوزراء للمرة الخامسة بمثابة تفويض جديد من معسكر اليمين الذي يهيمن على الدولة لمواصلة استراتيجيته القائمة على عدم السماح بقيام دولة فلسطينية بين البحر والنهر، وعدم تفكيك أي من المستوطنات في الضفة الغربية وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها اي ضمها للسيادة الإسرائيلية، وإدامة الإنقسام الفلسطيني، وإنجاز اتفاق تهدئة مع حركة حماس في قطاع غزة، الأمر الذي يبدو متماهياً مع ما يرشح عن خطة الرئيس ترامب المعروفة بصفقة القرن، حيث ترى مؤسسات التقدير الإستراتيجية داخل اسرائيل وخارجها أن تداعيات تنفيذ هذه الخطة تنطوي على مخاطر استراتيجية للرؤية الأمريكية الإسرائيلية للمنطقة، ولمصير عملية التسوية برمتها، لا سيما وأن الفلسطينيين قد أعلنوا رفضهم للخطة وابدوا استعدادهم لمقاومتها.

وعلى الرغم من أهمية الرفض الفلسطيني للرؤية الإسرائيلية الأمريكية للمنطقة ولعملية التسوية، إلا أنه غير كافي، اذ عليهم المفاضلة بين انتزاع الحد الأدنى من حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، و إما قلب الطاولة وليخسر الجميع، لكن بعقلانية وحذر وتدرج، وإن بدى أن منظمة التحرير الفلسطينية تعمل وفق استراتيجية قلب الطاولة، فمن المهم جداً أن تدرك أن عليها إشراك الشعب الفلسطيني في تنفيذ هذه الإستراتيجية، الأمر الذي يؤخذ على منظمة التحرير الفلسطينية حتى الان.

  

 

Print Friendly, PDF & Email