ريناس بنافي – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي – لندن

ليس كل من رفع شعار أو قام بممارسة سياسية خاطئة لا تمت للسياسة بصلة أو كتب شيء سطحي عن السياسة أو جلس في استوديو وحلل الوضع حسب ما يريد وليس حسب ما تفتضيه الظاهرة السياسية هو سياسي حتى أن الكثير من الأحزاب السياسية تعتبر أحزاب غير سياسية لأنها فاقدة لمشروع سياسي حقيقي يرجى منه الخير في المستقبل
فعلم السياسية تخصص استراتيجي ومهم جنى عليه الدخلاء
فكما أن للوضوء نواقض فللسياسة نواقضها وكما أن للإسلام شروطا فكذلك للسياسة شروطها
أن الاستجابة الشكلانية للممارسة السياسية وللمعرفة السياسية هي مصدر من مصادر تأخر الاستجابة الحضارية العميقة للممارسة السياسية والمعرفة السياسية وهي الفارق بين المسكن وبين العلاج الجذري
فسياسة البشر وإدارة المجتمعات هي من أجل وأدق المسؤوليات، فالاختلافات الكائنة بين النوع الإنساني تتطلب عقلا
ومنطقا صحيحا لإدارة النزاعات وترشيد القرارات وتحويل الاختلافات إلى طاقة خلاقة للبناء والاستثمار، وهذا المقصد الصعب لا يمكن أن يناله إلا العارفون بالسياسة علما وفكرا وممارسة.
فالسياسة تعرف بما يلي:
1- علم السياسة هو علم إدارة الدول والأنساق المجتمعية، والعلاقات الدولية من منظور تفاعلي.
2- هو العلم الذي يضطلع بتقديم المقاربات والمناهج العلمية لبناء الدول الحديثة وإدارة الأزمات وحل المشكلات على الصعيد الداخلي والخارجي.
3- هو العلم الذي يدرس شكل الدولة ونظامها وأنساقها ومرتكزاتها والفواعل والمتغيرات المرتبطة بها.
4- هو علم جامع للأدوات والمقاربات التحليلية في العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والقانونية إضافة إلى خصوصيته الموضوعية.
5- هو العلم الذي يبحث في كل السبل الآمنة والممكنة لحل الأزمات بعيدا عن العنف، إذ بغياب السياسة تحضر الحرب والصدام والدمار.
6- هو علم تتماهى فيه ملكات الإبداع والتحليل والاستنباط والاستشراف والنظر الاستراتيجي، والتأسيس والتجديد بروح الواقعية والموضوعية.
7- السياسة هي علم على مستوى التأصيل والتنظير وفن وإبداع على مستوى الممارسة والتطبيق.
ومما يثير العجب أنه في الوقت الذي يحظى فيه هذا التخصص بالاهتمام البالغ لدى الدول المتقدمة، والتمكين المستحق والتطوير الدائم لأدواته المنهجية ومقارباته العلمية ومؤسساته البحثية، نجد الكثير من دول العالم الثالث تهمل أو تهمش هذا التخصص
فقد أضحت السياسة في بلادنا بعد أن حرفت معانيها ومراميها بممارسات كاذبة ومختلة وماكرة، وأصبح اسم سياسي أو محلل سياسي يطلق على كل من تلون بلون من الأيدلوجيا والتسطيح الفكري، فشوهت واقعنا وحرمتنا من الولوج إلى ما هو حقيقي في عالم السياسة، وأصبحت حرفة لمن لا طموح له ولا رجاء له، ولا مهنة له ولا علم له.