وليد عبد الحي

فخامة الرئيس:

منذ اندلاع الأزمة السورية ، ومع بدء اتساع رقعتها في الجغرافيا السورية، طغت التنبؤات السياسية والاكاديمية القائلة بأن النظام السياسي في سوريا ساقط لا محالة، وأن أغلب هذه التنبؤات كانت تعطي النظام عمرا لا يتجاوز العام الواحد بل بعضهم اعطى النظام مهلة اسابيع قليلة ليصلي في الجامع الاموي، لكني كنت من بين الباحثين الذين يزعمون الموضوعية ممن قالوا أن النظام باق، بل قلت في الدراسة المنشورة وجرت مناقشتها في دول عربية وفي تركيا تحديدا (عام 2011 وبعدها) أن نقاط بقاء النظام هي 118 نقطة ونقاط المعارضة هي 84 نقطة، وان نقاط النظام ستتزايد تدريجيا على حساب تراجع نقاط المعارضة..واظن ان الأحداث اثبتت صحة ذلك.

لا اقول ذلك من باب عرض العضلات الفكرية، بل لاطرح موضوعا جديدا – بعيدا عن المناكفات والاحقاد السياسية_ ، وموضوعي الجديد هو الهجمات الإسرائيلية على سوريا وعدم الرد عليها، وسأحاول سيدي الرئيس أن أطرح وجهة نظري في الموضوع بكل حذر وعقل بارد.

وساشرح رأيي من خلال محورين:

أولا: الموازنة بين مخاطر الرد ومخاطر عدم الرد:

   أعتقد ان العوامل الكابحة للرد من وجهة نظر سيادتكم هي:

أ‌- ان الظروف الداخلية في سوريا هشة الى الدرجة التي قد تسمح بمزيد من الاضطراب في حالة الانخراط في رد الفعل على اسرائيل.

ب‌- ان القوى الحليفة –تحديدا روسيا وايران_ قد تكون غير متحمسة للرد أو لا تراها مناسبا الآن

ت‌- أن الوضع الاقتصادي السوري لا يحتمل مزيدا من الخسائر بخاصة مع جائحة الكورونا وآثار الحرب منذ 2011.

ث‌- احتمال استغلال الجانب التركي لامكانية تصاعد المواجهة مع اسرائيل لتعزيز قوات المعارضة في الشمال .

ج‌- احتمال ان تكون القيادة العسكرية السورية معارضة لتوسيع دائرة انتشارها اذا اتسعت المواجهة مع اسرائيل.

ح‌- احتمال ان يترافق مع المواجهة –المحدودة- حملات اعلامية عربية وغربية للتشكيك في جدوى المواجهة(واعتبارها مغامرة كما جرى مع حزب الله في مواجهة سابقة) وتعزيز تردي الحالة النفسية في الوسط الاجتماعي السوري.

ثانيا: بالمقابل ارى سيادة الرئيس ضرورة النظر في ” مسوغات الرد”، مع الاقرار مسبقا ان ليس هناك أي رد دون ثمن، ولكن لنتمعن في الجوانب التالية في حالة الرد:

1- رغم ان امكانيات حزب الله في جنوب لبنان ، وامكانيات المقاومة الفلسطينية في غزة محدودة بالمقارنة مع الجيش السوري، إلا انهما فرضا توازن ردع فاعل مع اسرائيل ، ولم تعد اسرائيل للضرب في لبنان(مباشرة وعلنا) وتحاول ان تجعل ضرباتها تكتيكية محدودة في غزة ، وهو ما يعني ان القاعدة يمكن تطبيقها على الجبهة السورية مع أهمية دراسة الأهداف الاسرائيلية التي ستكون هدفا للرد، واكاد اجزم لك سيادة الرئيس ان هناك العشرات من الدراسات المتخصصة التي توصلت الى ان اكثر دولة في العالم لديها حساسية تجاه الخسائر البشرية هي اسرائيل، وهي نقطة تدعو للاستثمار من الجانب السوري واقناع الحلفاء لكم بأن الرد سيوقف الاعتداءات.

2- اعتقد ان الرد في الفترة من الآن وحتى نوفمبر القادم (موعد الانتخابات الامريكية) ستفسد على الرئيس الامريكي ترامب محاولة صناعة صورة لسلام يتمدد في المنطقة ، وسيؤثر ذلك على احتمالات استثماره للتطبيع المتلاحق لتعزيز موقفه الحرج للغاية امام تقدم جو بايدن عليه بنقاط تزيد عن عشرة نقاط ، وهو امر من الضروري التفكير فيه للمساهمة في سقوط ترامب من خلال اعادة احياء صورة شرق اوسط مضطرب، مما يفسد الصورة التي يرسمها بل وقد تضعط عليه لمزيد من سحب قواته من المنطقة.

3- ان الرد السوري سيجعل الاطراف العربية –دون مبالغة او تفكير رغبي- التي تراود نفسها للحاق بقافلة التطبيع تتلكأ قليلا ، وسيعزز جمهور معارضة التطبيع.

4- أعتقد ان الرد سيجعل تركيا في موقف حرج ( دون استبعاد ما سبقت الاشارة له في السيناريو الاول) ، لان استمرار نشاطاتها في الشمال السوري ستبدو كما لو أنها تشارك في العدوان ، وأظن سيادة الرئيس أن تركيا في وضع حرج نظرا لتمددها الزائد في مواجهات واسعة(ليبيا، اليونان، الجنوب التركي مع الأكراد- تراجع متواصل لليرة التركية، الخلافات مع دول الخليج باستثناء قطر والخلاف مع مصر ، توتر حاد في علاقاتها مع فرنسا ، والمرواحة في العلاقات مع روسيا وامريكيا مما افقدها الثقة التامة لكلا الدولتين العظميين لولا اعتبارات براغماتية تخدمهما).

5- ان الرد السوري – ويمكن اخراجه بطريقة معينة وغير عنجهية- قد يجبر ايران وروسيا على اتخاذ موقف اكثر تحذيرا لإسرائيل ، لا سيما ان رصيد نجاحهما في سوريا لا يحتمل المراهنة على خسارته.

6- اعتقد ان الرد السوري سيضع المعارضة السورية في موقف أكثر حرجا ، وبغض النظر عن أي تقييم لهذه المعارضة فان الرد قد يزيد من الثقوب في جدرانها نتيجة الخلاف بينهم على تقييم هذا الرد.

7- لا اعتقد ان نيتنياهو في وضع يسمح له بالتصعيد الى حد الانتقال للمواجهة المباشرة ، فمن غير المعروف ان اسرائيل تدخل في صراع واسع دون ” قدر من الوحدة الوطنية” ، ودون رئيس وزراء عليه شبهات كثيرة ومظاهرة ضده هنا وهناك.

8- اعتقد ان الرد السوري بعد عدد وافر من الاعتداءات الاسرائيلية سيبدو أنه مبرر بقدر ما امام الراي العام الغربي بخاصة الأوروبي ، مع إدراك اسرائيلي ان الموقف الاوروبي ليس مشجعا لها بالقدر الذي كان في فترة الستينات من القرن الماضي.(دون مبالغة بالطبع).

9- من الارجح ان مستوى انتشار الكورونا في اسرائيل سيدفعها للتفكير في ان توسيع المواجهة سيدفع لحشر الآلاف في الملاجئ وتكديس مئات الآلاف في مناطق مزدحمة ويزيد احتمالات اتساع الانتشار للوباء أكثر مما هو منتشر حاليا ، ناهيك عن مخاطر اتساع المواجهة-رغم انه احتمال ضعيف- وتداعيات ذلك.

سيدي الرئيس ، لماذا لا نفكر في الاتجاه الآخر …ربما..مع الشكر الجزيل.