Print Friendly, PDF & Email

تتدخل السياسة العامة اليوم في كافة أوجه الحياة الخاصة والعامة للمواطنين، حيث يلاحظ أن الدولة تشرع القوانين وتصدر القرارات المختلفة لتنظيم العلاقة بين المواطنين، أو بين المواطنين والدولة، أو بين الدولة وبقية أطراف النظام العالمي ككل. عليه، نسمع أن الأدبيات تتحدث عن سياسة عامة محلية وأخرى دولية أو خارجية، وسياسة عامة للمرآة وأخرى للبيئة، وسياسة عامة نقدية وأخرى ضريبية وهكذا.
إن ارتباط السياسة العامة بالحياة اليومية للمواطنين يعتبر من المواضيع الهامة التي تستحوذ باهتمامات الباحثين والسياسيين ومؤسسات البحث العلمي بمختلف اتجاهاتها الفكرية. وبالرغم من حداثة حقل السياسة العامة في مجال علم السياسة على وجه الخصوص، وفي مجال العلوم الاجتماعية على وجه العموم، إلا أن الأدبيات تشير بوضوح إلي تنامي هذا المجال من مجالات المعرفة بشكل ملحوظ خلال العقود الأربعة الماضية، لاسيما في الدول المتقدمة حيث يلعب محللو السياسة العامة أدوار مهمة في المراحل المختلفة للسياسة العامة.
وبالرغم من تنوع مجالات السياسة العامة المعاصرة، إلا أن هذه الدراسة تندرج تحت المحور الأول لهذا المؤتمر العلمي والمتعلق بالإطار النظري لدراسة السياسة العامة وتحليلها. فمحور تركيز هذه الدراسة سينصب إذن على نظرية السياسة العامة كحقل متميز من حقول المعرفة الاجتماعية والإنسانية، وبالتالي فإن ذلك سيقودنا للحديث عن منهجية ومحاور هذه الدراسة.
منهجية الدراسة:
تتمشى تقسيمات الدراسات العلمية في العادة وتباين المدارس الفكرية المختلفة، ولكن يلاحظ في هذا السياق أن هناك دراسات استطلاعية تستكشف موضوع الاهتمام من خلال تتبع الأدبيات، وأخرى تنطلق من إشكالية وفرضية محددة تجسد علاقة متوقعة بين متغيرين تابع ومستقل. وتندرج هذه الدراسة عموما تحت التصنيف الأول، وبالتالي يمكن القول بأنها دراسة استطلاعية لا تنطلق بالضرورة من فرضية محددة.
إذن، فالهدف الذي تسعى إليه هذه الدراسة يتمثل في الأتي:
• استطلاع نظرية وواقع السياسة العامة في إطار أدبيات الموضوع.
• وصف نظرية وواقع السياسة العامة كحقل من حقول المعرفة.
• تحليل نظرية وواقع السياسة العامة في إطار مقارن يأخذ في الحسبان تطور علم السياسة بشكل خاص والعلوم الاجتماعية بشكل عام.
أما فيما يتعلق بأهمية هذه الدراسة، فإنه يمكن القول بأنها تجسد الاعتبارات التالية:
• حداثة موضوع السياسة العامة في إطار علم السياسة وبقية فروع العلوم الاجتماعية الأخرى.
• محاولة الجمع بين النظرية والواقع.
• ندرة ما كتب عن نظرية وواقع السياسة العامة خاصة باللغة العربية، وبالتالي نأمل أن تساهم هذه الدراسة في توضيح بعض الغموض في هذا السياق.
ولكي يتم تحقيق الأهداف السالفة الذكر، عليه فإنه سيتم تقسيم هذه الدراسة إلي مجموعة المحاور التالية:
أولا، مفهوم السياسة العامة.
ثانيا، ، نظرية السياسة العامة.
ثالثا، نظرية السياسة العامة الكلاسيكية.
رابعا، نظرية السياسة العامة السلوكية.
خامسا، نظرية السياسة العامة المابعدية.
سادسا، الخاتمة: النتائج والتوصيات.
أولا، مفهوم السياسة العامة:
بالرغم من تعدد تعريفات السياسة العامة، إلا أن المقام لا يتسع هنا لاستعراض كل هذه التعريفات.(أنظر هلال، 1988; الفهداوي، 201:31-39; القوي، 1989:44-48) ويلاحظ أن الأدبيات تصنف تعريفات السياسة العامة عموما إلي ثلاثة أنماط رئيسية، كما هي موضحة في الشكل: 1. فالسياسة العامة إما أن تكون متغيرا تابعا، أو متغيرا مستقلا أو كلاهما معا. فعندما تؤثر عوامل مختلفة على السياسة العامة يعتبر متغيرا تابعا، وعندما تؤثر السياسة العامة في العوامل الأخرى فإنها تعتبر متغيرا مستقلا، وعندما يتم التعامل مع السياسة العامة كعملية فإنها تعتبر نتيجة وسببا في نفس الوقت.(خشيم، 2001، ص ص. 81-132) عليه، سيتم التعرض لأبرز تعريفات السياسة العامة التي تعكس تطور هذا المفهوم.
أولا، السياسة العامة كمتغير تابع “dependent Variable”، أو كنتيجة لقيام النظام السياسي بممارسة نشاطاته من خلال السلطة التشريعية، حيث تختص في العادة السلطة التشريعية بسن القوانين والتشريعات التي تنظم الحياة العامة في إطار الدولة. ويلاحظ أن هذا التعريف يؤكد على السياسة العامة في حد ذاتها، وبالتالي ينصب محور التركيز على السبل المتاحة لتحسين المحتوى حتى يمكن صناعة قرارات أفضل.(Henry, 1980:303) ويعكس هذا المفهوم عموما رأي أصحاب المدرسة الكلاسيكية في إطار علم الإدارة العامة، الذي يؤكد على الأخذ بمبدأ فصل السلطات الذي يحصر إصدار القوانين والتشريعات على السلطة التشريعية. أما السلطة التنفيذية فإن مهمتها تنحصر في عملية التنفيذ الحرفي والمنظم للقانون، وبالتالي فإن وودروه ولسون قد أكد في مقالته التي نشرت عام 1887 على الحياد الوظيفي للجهاز التنفيذي أو السلطة التنفيذية أيا كانت مسمياتها.
ويلاحظ أن تعريف ولسون لم يشر صراحة إلي مصطلح السياسة العامة، ولكن من الواضح أنه يعني ذلك طالما أنه قد تحدث عن التشريعات والقوانين التي تنظم العلاقات داخل وخارج إطار الدولة. كما يلاحظ أن تعريف ولسون يأتي في إطار نظريته للإدارة العامة، وليس في إطار نظرية خاصة بالسياسة العامة،
الشكل: 1
المدارس الفكرية للسياسة العامة

وبالتالي تمحور اهتمامه بمبادئ عامة، مثل: فصل السلطات، الحياد الوظيفي، تطوير نظرية عامة مجردة على غرار نظريات العلوم الطبيعية. وفي هذا السياق،
يعرف البعض السياسة العامة بأنها عملية تنفيذ التشريعات والقرارات عبر مراحلها المختلفة.(Dimock and Dimock, 1969) كما يؤكد علماء الاقتصاد منذ أن نشر أدم سميث كتابه الشهير ثروت الأمم عام 1776 على أن الاقتصاد يؤثر في السياسة العامة.( Schmidt, 2005:3-6)
ثانيا، السياسة العامة كمتغير مستقل “Independent Variable”، حيث يركز هذا النوع من التعريفات على أهمية الدور الذي تلعبه السياسة العامة كعامل مؤثر في العديد من المجالات داخل وخارج إطار الدولة. فالسياسة العامة وفق هذا المنظور تؤثر على القطاعات المختلفة، مثل: التعليم، والصحة، والبيئة، والتنمية، والفقر، والعلاقات الخارجية. إذن، فمحور التركيز لم ينصب على السياسة العامة في حد ذاتها، ولكنه تعدى ذلك إلي تحديد القطاعات والنشاطات المتأثرة بالسياسة العامة خلال مراحل تشكلها المختلفة.( Henry, 1980:298-303)
ثالثا، السياسة العامة كعملية “As a Process” حيث تعتبر متغيرا تابعا ومستقلا في نفس الوقت، وبالتالي يلاحظ أن هذا المفهوم يضفي سمة التعقيد والتداخل على المراحل المختلفة للسياسة العامة. ووفقا لهذا المنظور، فإن السياسة العامة تعتبر عملية تتأثر بالبيئة المحيطة بها وتكون بالتالي نتيجة لتفاعل العديد من العوامل الداخلية والخارجية، إلي جانب كونها متغير مستقل يؤثر في البيئة المحيطة من خلال نظام ما يعرف بالنتائج “Outcomes” ونظام التغذية العكسية “The Feedback System” التي تؤثر بدورها في البيئة المحيطة بأبعادها وجوانبها المختلفة.
إن المفهوم الشامل والمعقد للسياسة العامة يأخذ عموما في الحسبان العناصر الخمسة التالية: (خشيم، 2002أ، ص. 30)
• أن السياسة العامة تجسد عملية تنسيق وتعاون بين أجهزة الدولة المختلفة، سواء أكانت رسمية متمثلة في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، أو غير رسمية متمثلة في التنظيمات غير الرسمية كالنقابات والروابط المهنية وتنظيمات المجتمع المدني.
• إن عملية التنسيق والتعاون تشمل بطبيعة الحال السلطات الثلاث.
• إن الجهاز التنفيذي يلعب دورا هاما في المراحل المختلفة لصنع السياسة العامة.
• إن السياسة العامة تعكس بطبيعة الحال المصلحة العامة “Public Interests”، وبالتالي فهي على صلة مباشرة ووثيقة بالمجتمع والحياة اليومية للمواطنين.
• إن المصلحة العامة التي تسعى الدولة إلي تحقيقها تختلف عن المصلحة الخاصة لجماعة مصلحية أو نخبة سياسية معينة.
نظرية السياسة العامة:
بالرغم من أن الأدبيات تؤكد على حداثة الدراسات المتعلقة بالسياسة العامة، والتي ترتبط بقيام ما يعرف في أدبيات علم السياسة بالثورة المابعدية أو ما بعد السلوكية “The Post-Behavioralism” في بداية العقد السادس من القرن العشرين، إلا أن تاريخ الاهتمام بعملية صنع القرارات يعود، كما لاحظنا، إلي بداية تشكل علم الإدارة العامة في نهاية القرن التاسع عشر عندما نشر ولسون مقالته الشهيرة عام 1887.(أنظر أندرسون، 2002:23-28) عليه، يلاحظ أن نظرية السياسة العامة يمكن وصفها بأنها نظرية تتسم بالخصائص التالية:
• إنها تعتبر نظرية معاصرة لا تتجاوز في عمرها الزمني أربعة عقود من الزمن، حيث أنها ارتبطت بالمدرسة المابعدية.
• أنها تجسد العلاقة المتينة ما بين علم السياسة وبقية فروع المعرفة المختلفة، لاسيما العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل: الاقتصاد، الإدارة، الإحصاء، علم النفس، والأحياء.
• إنها نظرية متكونة من عدة نظريات “Theories” ونماذج “Models” فرعية، وبالتالي يصعب القول بوجود نظرية عامة واحدة تصف وتحلل وتتنبأ بالسياسة العامة ككل. ومن أمثلة النظريات والنماذج الفرعية المرتبطة بنظرية السياسة العامة: نظرية المنفعة، نظرية الاتصالات، النموذج الوظيفي، نموذج النظم، النموذج العقلاني.
لكن حداثة نظرية السياسة العامة لا ينفي وجود اهتمامات مبكرة بدراسة بعض جوانبها، عليه فإن الشكل: 2 يشير إلي اهتمامات المدارس الفكرية بالأبعاد المختلفة للسياسة العامة. فوفقا لمفهوم توماس كون :Thomas Kuhn”، يلاحظ أن علم السياسة قد شهد ثلاث ثورات فكرية متتالية، وذلك على النحو التالي: (خشيم، 2002ب، ص ص. 73-74)
• الثورة الكلاسيكية أو البارادايم التقليدي “The Traditional Paradigm” الذي تأسست في إطاره العلوم السياسية كحقل من حقول المعرفة الاجتماعية.
• الثورة أو البارادايم السلوكي “The Behavioral Paradigm”، والذي تحولت السياسة في إطاره من علوم إلي علم له هويته واستقلاليته ومنهجيته الخاصة في دراسة العملية السياسية.
• الثورة أو البارادايم المابعدي “The Post-behavioral Paradigm”، الذي يجسد تطور علم السياسة منذ بداية الستينيات من القرن العشرين.
الشكل: 2
البارادايم المختلفة للسياسة العامة

Framework” ولكل بارادايم أو مدرسة فكرية عموما إطار فكري يتعامل مع السياسة العامة، وذلك من خلال نظريات، نماذج، أطر تصورية “Conceptual”، وتصنيفات نظرية Taxonomies”. عليه، يلاحظ أن الشكل: 2 يشير إلي ارتباط كل مدرسة فكرية من مدارس علم السياسة بالأنماط المختلفة لنظريات السياسة العامة. وسيتم عموما استعراض نظريات السياسة العامة وفق التسلسل الوارد في الشكل: 2، على اعتبار أن ذلك يجسد بعدين تاريخي وفكري، وبالتالي يمكن تحديد أبرز نظريات السياسة العامة في الآتي:
• النظرية الكلاسيكية للسياسة العامة.
• النظرية السلوكية للسياسة العامة.
• النظرية المابعدية للسياسة العامة.
النظرية الكلاسيكية للسياسة العامة:
تجسد النظرية الكلاسيكية للسياسة العامة عموما التركيز على عملية اتخاذ القرارات، حيث يلاحظ في هذه المرحلة المبكرة من نشأة العلوم السياسية مدى ارتباطها مع بقية العلوم الاجتماعية الأخرى، خاصة الاقتصاد والإدارة. عليه، يمكن القول بأن هناك نظرية لاتخاذ “Decision Making Theory” القرارات وليس بالضرورة نظرية للسياسة العامة، على اعتبار أن تركيز النظرية الكلاسيكية أنصب على المفاضلة بين البدائل وصنع القرار الأكثر عقلانية.
وتعكس النظرية الكلاسيكية للسياسة العامة عموما أفكار مترابطة، هي: (Cyert & March, 1992:232-233)
• إن النشاطات والأحداث التي تجسدها السياسة العامة يمكن ترتيبها في إطار سلسلة من الأهداف والوسائل، الأسباب والنتائج، وبالتالي يمكن تنظيم العلاقة بين المشاكل وحلولها من ناحية والمشاركة وصنع القرار من ناحية أخرى.
• إن المنظمات تعكس وجود تسلسل هرمي للسلطات يراقب فيه المستوى التنظيمي الأعلى الأدنى منه، كما تراقب فيه السلطة التشريعية السلطة التنفيذية.
• تجسد السياسة العامة وجود مبادئ وخصائص محددة يمكن تعميمها، وبالتالي هناك طريقة واحدة أفضل “The One Best Way”، ووظائف محددة “Functions”، وخصائص مثالية يتم الالتزام بها في إطار عملية صنع القرار.
وتجسد النظرية الكلاسيكية للسياسة العامة عموما مجموعة الأطر النظرية التالية:
• نظرية ولسون للإدارة العامة.
• النظرية المؤسساتية.
• النظرية البيروقراطية.
• النظرية العقلانية.
• النظرية التدريجية.
ويلاحظ أن كل من نظرية ولسون والنظرية المؤسساتية تضفي الطابع القانوني على السياسة العامة، حيث أن الدستور يحدد طبيعة العلاقة بين السلطات
الشكل: 3
النظرية العقلانية للسياسة العامة

والمؤسسات السياسية القائمة في إطار الدولة. فالدستور يحدد إذن الجهة المسئولة عن صنع وتنفيذ السياسة العامة، وبالتالي فإن كلا النظريتين لا تعيرا أي اهتمام للتنظيمات غير الرسمية، مثل الجماعات المصلحية. عليه، يلاحظ أن نظرية الجماعة تؤكد على أهمية الدور الذي تلعبه الجماعات المصلحية في عملية صنع السياسة العامة. لكن من الواضح أن الأطر النظرية السالفة الذكر تتعامل مع السياسة العامة كمتغير تابع أو نتيجة، وبالتالي فهي تتفق في ذلك مع كل من النظرية البيروقراطية والنظرية العقلانية.
ويشير الشكل: 3 إلي أبرز فروع النظرية العقلانية للسياسة العامة حيث أنه بينما يؤكد البعض أن صانعي القرار هم عقلانيون، يلاحظ أن البعض الأخر يؤكدون بدورهم على أنهم قد يكونوا قانعون أو غير عقلانيون بالمرة.(Luthans, 1985, p.593)
ولقد تعرضت النظرية الكلاسيكية لصنع القرار عموما لجملة من الانتقادات، لعل أهمها:
• تركيز هذا النموذج على مرحلة محددة من السياسة العامة أ ألا وهي مرحلة صنع القرار، وبالتالي تتجاهل هذه النظريات والنماذج المراحل الأخرى لاسيما المتابعة والتقييم والتعديل.
• فشل النظرية الكلاسيكية في تفسير صنع القرار المفاجئ الذي لا تتوفر فيه بيانات كافية، حيث أن المواقف المفاجئة لا تسمح لصانع القرار باستعراض كافة البدائل المتاحة بعقلانية كاملة.
• التعامل مع السياسة العامة كنظام مغلق لا يتفاعل مع الظروف البيئية المحيطة.
النظرية السلوكية للسياسة العامة:
لقد تشكلت النظرية السلوكية للسياسة العامة في إطار الثورة المنهجية التي شهدها علم السياسة خلال عقد الخمسينيات، حيث يلاحظ أنها أصبحت نظرية إمبيريقية بدل أن كانت نظرية قيمية في إطار النظرية الكلاسيكية. وطالما أن النظريات السياسية لا تنبع من فراغ، عليه فإن النظرية السلوكية للسياسة العامة تنطلق من فرضية الإنسان القانع، الذي أشار إليها سايمون،(Simon, 1957) وليس الإنسان الكامل الرشاد، وأن السياسات والأهداف تعكس عدم الترابط وعدم التوافق. فعلى عكس النموذج العقلاني الذي يؤكد على تمشى السياسات مع الأهداف، تؤكد النظرية السلوكية للسياسة العامة أن الأهداف تعتبر متعددة ومقبولة في نفس الوقت وبالتالي قد يكتفي صانع القرار بالبديل الأول طالما أنه يحقق أهداف السياسة العامة. فالمنظمات ومؤسسات صنع السياسة العامة تتكيف إذن مع بيئتها المحيطة الداخلية والخارجية، وبالتالي فهي توفق بين تحالفات مختلفة وأهداف ومصالح متباينة.
ولا تقتصر النظرية السلوكية للسياسة العامة للتعرض لعملية صنع القرار في إطار المنظمات العامة، ولكنها تتعرض أيضا لعملية صنع القرار في إطار المنظمات الخاصة على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من تنظيمات الدولة المؤثرة في السياسة العامة. وتستمد النظرية السلوكية للسياسة العامة أصولها عموما من ثلاثة مصادر، هي:
• النظرية البيئية The Ecological Theory”.
• نظرية الاتصالات أو النظام “System Theory”، حيث ترفض النظرية السلوكية للسياسة العامة فهم عملية صنع القرار بناء على مبدأ التسلسل الهرمي، ولكن الفهم يتم في إطار علاقات التفاعل والتداخل بين أجزاء النظام المعنية.
• نظرية صنع القرار وما يرتبط بها من نتائج معنوية.
ويشير الشكل: 4 إلي الأنماط المختلفة للنظرية السلوكية للسياسة العامة، حيث يلاحظ عليها عموما الآتي:
• إن هذه النماذج مستمدة من نظرية الاتصالات، الأمر الذي يعني أن السياسة العامة تؤثر في البيئة المحيطة من خلال نقل نظام التغذية العكسية لردود الأفعال السلبية والايجابية.
• إن السياسة العامة تتسم بالتفاعل المستمر مع البيئة المحيطة، وبالتالي لا يمكن القول بوجود سياسة عامة ثابتة طالما أن السياسة العامة توجد في إطار نظام مفتوح وليس مغلق.
• أن محور التركيز بالنسبة لهذه النماذج قد انصب على المستوى الكلي وليس الجزئي كما هو الحال مع النظرية العقلانية.
• إن السياسة العامة تعتبر جزء أو نظام فرعي يرتبط مع بقية الأجزاء أو النظم الفرعية بعلاقة اعتماد متبادل، وبالتالي لا يمكن القول بوجود نظرية سلوكية مستقلة للسياسة العامة. فإذا كانت السياسة العامة بالنسبة لنموذج النظم تعتبر من مخرجات النظام السياسي، فإنها تعتبر أحد الوظائف التي يقوم بها النظام السياسي بالنسبة للنموذج الوظيفي.
الشكل: 4
النظرية السلوكية للسياسة العامة

إن فهم السياسة العامة يتطلب الإلمام بالبيئة الداخلية والخارجية في إطار المستويات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
النظرية المابعدية للسياسة العامة:
لقد ارتبط البارادايم أو المدرسة المابعدية عموما بوجود نظرية متكاملة وخاصة بالسياسة العامة، على اعتبار أن النظريات السالفة الذكر اهتمت بذلك إما من خلال التعويل على عملية صنع القرار، أو من خلال التعرض للنظام السياسي بشكل عام. ويشير الشكل: 5 إلي الأطر النظرية المختلفة للسياسة العامة في إطار المدرسة المابعدية. إن تلاحق الأحداث على المستويين النظري والعملي أدى إلي تعديل وتطوير العديد من نظريات ونماذج السياسة العامة الكلاسيكية، وبالتالي برزت مسميات تضفي جانب التجديد على ذلك، مثل: النظرية الكلاسيكية الجديدة،
الشكل: 5
نظريات السياسة العامة المابعدية

التي أقرت بوجود بيئة مفتوحة للسياسة العامة، والنظرية المؤسساتية الجديدة التي حددت أنماط مختلفة للسياسة العامة تتعلق بالتوزيع وإعادة التوزيع والتنظيم، والنظرية الماركسية الجديدة التي أكدت على استمرار هيمنة الطبقة الحاكمة في صنع وتنفيذ السياسة العامة، والنظرية الأخلاقية التي تؤكد ضرورة استناد السياسة العامة على الأخلاقيات والمصلحة العامة. لكن نظرا لحداثة وشمولية نظرية دائرة السياسة العامة، عليه سيتم التعرض لها بشيء من التفصيل.
نظرية مراحل السياسة العامة:
تعتبر هذه النظرية من أحدث نظريات السياسة العامة المابعدية، وبالتالي فهي قد استفادت من الأطر النظرية الكلاسيكية والسلوكية السابقة لوجودها. فلقد لاحظت رادين أن مسار السياسة العامة الأمريكي قد تغير خلال عقد التسعينيات مقارنة بالستينيات، من حيث الآتي: (Radin, 1992)
• توسيع قاعد المشاركة في دائرة السياسة العامة، حيث أنها لم تعد مقتصرة على عدد معين من محللي السياسة العامة.
• زيادة عدد القضايا وتنوعها، نظرا لتوسع مجالات الاهتمام بالنسبة لصانعي القرار.
• عدم الاقتصار على الجانب ألوصفي للسياسة العامة، حيث أن الحاجة أصبحت ماسة للتوفيق بين البعدين ألوصفي والتحليلي للسياسة العامة.
ويلاحظ إن اختلاف مناهج وأساليب دراسة السياسة العامة، جعلت رادين تضفي سمة الميكيافلية وما بعد الميكيافلية على دراسة السياسة العامة، وذلك قبل وبعد عقد التسعينيات من القرن العشرين. ويتسم النموذج الميكيافلي لدراسة السياسة العامة عموما بجملة من الخصائص، لعل أهمها: (Radin, 1992)
• اقتصار علاقة صانعي القرار على نخبة معينة من محللي السياسة العامة، الذين كانوا يقدمون بشكل مستمر توصيات عن مشاكل وسياسات معينة.
• إن السياسة العامة يمكن أن تعالج معظم إن لم يكن كل القضايا التي تواجهها.
• إن محللي السياسة العامة قد ركزوا على الوصف وتجاهلوا التحليل، وبالتالي انصب جل اهتمامهم على منهجية بحث محدودة تركز مثلا على عناصر التخطيط، نظام الميزانية، وتحليل العائد والفاقد في السياسة العامة.
• إن محور التركيز قد انصب على صنع السياسة العامة، وليس على المراحل المختلفة للسياسة العامة، مثل التنفيذ والتقويم.(أنظر مثلا غانم، 1989)
• إن محللي السياسة العامة قد انخرطوا في فرق عمل مغلقة ذات طابع أكاديمي صرف، وبالتالي لم يتفاعلوا مع الآخرين إلا في أضيق الحدود. عليه، فقد شبهت رادين محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة قبل عقد التسعينيات بمستشاري ميكافيلي، على اعتبار أنهم يقدمون نصائحهم إلي شخص أو جهة معينة فقط.
لكن رادين تؤكد بالمقابل على بروز إطار أخر للسياسة العامة يعتبر أكثر انفتاحا أطلقت علية البارادايم ما بعد الميكيافلي، والذي من أبرز خصائصه الآتي: (Radin, 1992)
• وجود إجماع على قيم مشتركة معينة بين محللي السياسة العامة.
• تنوع الاستشارات والخيارات المتاحة لصانعي القرار من قبل محللي السياسة العامة.
• تعدد الأطراف الفاعلة في عملية السياسة العامة، وعدم اقتصارها علة نخبة محدودة إلي جانب وجود نظام اتصالات وتغذية عكسية فعالة.
ويلاحظ عموما أن حقل السياسة العامة يواجه اليوم تحديات مختلفة لم تكن موجودة من قبل، نتيجة لتطور وتعقد عالمنا المعاصر على المستويين النظري والعملي. فبينما أنصب محور اهتمام محللي السياسة العامة قبل الستينيات على الأبعاد المنهجية والإجرائية للسياسة العامة، يلاحظ أن جل الاهتمام في إطار نظرية دائرة السياسة العامة قد انصب على الجوانب الجوهرية والعملية للسياسة العامة مما يجعل الأمور أكثر تعقيدا من حيث الآتي: (Moudud, 2006:13)
• من يصنع السياسة العامة؟
• ضرورة وأهمية توسيع قاعدة المشاركة في عملية السياسة العامة حتى يمكن إضفاء سمة التفكير الاستراتيجي على صانعي القرار.
• هل هناك نظرية شاملة للسياسة العامة؟
إن محور التركيز بالنسبة لأصحاب هذه النظرية يتمثل في مراحل أو دائرة السياسة العامة “Public Policy Cycle”، على اعتبار أن اتسام العملية السياسية بالتعقيد والتداخل يتطلب تبسيط ذلك عن طريق تقسيمها إلي مراحل مختلفة.(Howard, 2005) وبالرغم من أن بروز نظرية دائرة السياسة العامة يعود فقط إلي بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين على يد بردجمان وديفس،(Bridgman & Davis, 1993) إلا أن المتتبع لأدبيات الموضوع يلاحظ بجلاء أن بداية التنبيه إلي وجود مراحل مختلفة للسياسة العامة يعود إلي نهاية العقد السابع من القرن العشرين.( May & Wildavsky, 1982; Nachmias & Felbinger, 1982)
ويؤكد بردجمان وديفس على أن هدفهما من تطوير دائرة السياسة العامة يتمثل في تضييق الهوة بين النظرية والتطبيق في هذا المجال، وبالتالي فهما يسعيان إلي مخاطبة الأكاديميين والسياسيين والإداريين الذين يمكنهم عن طريق تبني مقولات هذه النظرية أن يصفو ويحللوا بدقة عملية صنع السياسة العامة عبر مراحلها المختلفة. ويعزى البعض بروز البارادايم الجديد للسياسة العامة إلي عدة عوامل، لعل أهمها: (Pressman & Wildavsky, 1984)
• تركيز النظريات السابقة على مرحلة صنع القرار وتجاهلها لمرحلة التنفيذ وغير ذلك من المراحل الأخرى.
• تجاهل النظريات السابقة لأهمية محلل السياسة العامة.
• وجود صراع فكري حاد بين الكلاسيك والسلوكيين حول إطار الفكري الملائم لدراسة السياسة العامة.
• زيادة التشاؤم السياسي خلال عقد الستينيات حول السياسات العامة المتبعة في ذلك الوقت.
• زيادة عدم الثقة في خبراء ومحللي السياسة العامة.
• عدم احترام السلطة.
• وجود بدائل للاستشارات المتعلقة بالسياسة العامة داخل وخارج إطار السلطة.
• بروز تقنيات جديدة زادت من سرعة عملية اتخاذ القرارات.
ويؤكد ولدفسكي على أنه من الخطأ اعتبار دائرة السياسة العامة مجرد إتباع خطوات محددة تتسم بالثبات في كل الحالات، عليه فقد حدد خصائص نظرية دائرة السياسة العامة في مجموعة النقاط التالية: (Wildavsky, 1978)
• إن السياسة العامة تجسد عملية تفاعل مستمرة مع الظروف البيئية المحيطة.
• إن دائرة السياسة العامة تعتبر نظرية عامة وليست مجرد نموذج لوصف السياسة العامة المطبقة في كل الدول. فنظرية دائرة السياسة العامة لا تمكن محللي السياسة من مجرد الوصف الذي تقوم به النماذج السلوكية، ولا من مجرد التحليل الذي تركز عليه النماذج الكلاسيكية للسياسة العامة، ولكنها تمكن هؤلاء من وصف وتحليل واستشراف مستقبل السياسة العامة.
• إضفاء سمة الديمقراطية على عملية تحليل السياسة العامة، على اعتبار أن عهد النخبة المقتصرة على عدد محدود من المستشارين قد ولت لصالح مشاركة غير محدودة من خبراء ومحللي السياسة العامة “Multiple Players”، ومن أمثلة ذلك مشاركة تنظيمات استشارية غير حكومية في المراحل المختلفة للسياسة العامة. إن توسيع قاعدة المشاركة في عملية صنع القرار قد زاد من حدة التنافس بين محللي السياسة العامة، وعليه فقد تم تقديم أفضل الطرق العلمية لتبني سياسات عامة أكثر فعالية وكفاءة.(Trske & Schneider, 1994; and Howard, 2001)
• زيادة التركيز على تضييق الهوة التي تفصل بين نظرية وواقع السياسة العامة، وبالتالي فقد تم التركيز على تتبع المراحل المختلفة للسياسة العامة لتحقيق هذا الهدف. ولتضييق الهوة بين النظرية والتطبيق، فقد طور البعض دليل يمكن إتباعه من قبل الجهات المعنية خلال المراحل المختلفة للسياسة العامة حتى يمكن التحكم في النتائج المترتبة عليها.(Bridgman & Davis, 1998; Edward et. al., 2001; Howlett & Ramesh, 2003) إن دليل السياسة العامة الذي تقدم به بريدجمان وآخرون لم يقدم استشارات عن كيفية التعامل مع المراحل المختلفة للسياسة العامة، نظرا لأن الجهات المعنية ترفض من الأساس الأخذ بفكرة نظرية دائرة السياسة العامة. إن وجود الفجوة بين النظرية والتطبيق ليس مرده تجاهل أو دمج أو حرق المراحل، ولكن يعزيه مودود إلي تجاهل صانعي القرار لنظرية دائرة السياسة العامة لاعتبارات سياسية واجتماعية.(Moudud, 2006:12)
• التركيز بشكل ملحوظ على تعقيدات السياسة العامة على أرض الواقع، وبالتالي يتحتم على محللي السياسة العامة قضاء وقت أطول في تحديد وتشخيص المشاكل الناتجة عن سياسات سابقة وإجراء أية تعديلات لازمة لزيادة مستوى فعاليتها.( Wildavsky, 1979; Kentis and Schneider, 1991)
• توفير العديد من البدائل أمام صانع القرار، وبالتالي لم يعد الأمر مقتصرا على استشارة محددة وتوصيات فريق عمل محدد كما كان الحال في الماضي.
• زيادة أهمية السياسة العامة في توجيه وتحديد مستقبل الشعوب والدول المعاصرة.
ويحدد بردجمان وديفس ثماني مراحل متداخلة للسياسة العامة، هي: (Bridgman & Davis, 1993)
• تحديد المشكلة أو المشاكل التي تحظى باهتمام وأولويات صانعي القرارات.
• التحليل.
• اختيار الإدارة المناسبة.
• التنسيق.
• الاستشارات.
• اتخاذ أو صنع القرار.
• تطبيق القرار أو تنفيذه.
• التقييم والتعديل إذا لزم الأمر.
وبالرغم من أن أنصار نظرية دائرة السياسة العامة يتفقون على وجود العديد من المراحل التي تمر بها عملية السياسة العامة، إلا أنهم لا يتفقون في نفس الوقت على عدد هذه المراحل ومسمياتها من ناحية، ولا على ترتيب هذه المراحل من حيث الأولويات من ناحية أخرى. ويشير الشكل: 6 عموما إلي أبرز المراحل التي تمر بها عملية السياسة العامة وفق منظور أغلبية أنصار هذه النظرية: (Nachmias & Felbinger, 1982)
ويلاحظ عموما، إن اختلاف المراحل من حيث العدد والترتيب والمسميات يعني اختلاف مساهمة ودور الفاعلين والمؤسسات التي تسهم في المراحل المختلفة لعملية صنع السياسة العامة. فالأطراف المختلفة التي تساهم في عملية صنع القرار تتفاوت بطبيعة الحال في مهاراتها وخبراتها، وبالتالي تكون مساهماتها في مرحلة ما أكثر فاعلية من بقية المراحل الأخرى. إذن، فتعدد الأطراف والمراحل يعني أن السياسة العامة يمكن تطويرها وتكييفها مع الظروف البيئية المحيطة كلما دعت الحاجة إلي ذلك.
ويلاحظ على الشكل: 6، مدى اتسام المراحل المختلفة لعملية السياسة العامة بالتسلسل المنطقي الذي يعكس واقع السياسة العامة المعاصرة، حيث أن مرحلة تحديد وتشخيص المشاكل الناتجة عن تطبيق سياسات عامة سابقة، إلي جانب المشاكل الجديد المترتبة عن تفاعل العوامل البيئية الداخلية والخارجية بأبعادها وعواملها المختلفة، تسبق من حيث التسلسل الزمني مرحلة صنع وتنفيذ السياسة العامة.
لكن النظرية المابعدية لدائرة السياسة العامة لا تخلو بدورها من نقاط ضعف، وعلية يمكن حوصلة الانتقادات الموجهة إليها في مجموعة النقاط التالية:
إن الانخراط في السياسة العامة يشير باستمرار إلي وجود فجوة بين النظرية والتطبيق، حيث يلاحظ مثلا أن المراحل المقترحة لعملية السياسة العامة يمكن اختصارها ودمجها، أو تغيير ترتيبها، أو التوسع فيها دون أن ينتج عن ذلك تكرار في إطار دائرة السياسة العامة.(Howlett & Ramesh, 2003) كما يؤكد البعض الأخر في هذا السياق على أن تطبيق مقولات هذه النظرية المتعلقة بوجود مراحل متسلسلة للسياسة العامة على استراليا قد أوضح بجلاء وجود فجوة على مستوى التطبيق، وبالتالي يصف بردجمان هذه النظرية بأنها أقرب ما تكون إلي نظرية ماكس فيبر المثالية للبيروقراطية. إن تطبيق هذا النظرية يشير إلي استمرار الفجوة بين النظرية والتطبيق،
الشكل: 6
مراحل السياسة العامة وفق منظور نظرية دائرة السياسية العامة

على اعتبار أنه يضفي سمة الرتابة على عملية السياسة العامة من ناحية، ويرفض التعقيد والاستمرارية بدل من عدم المرونة في الكشف والتطوير المنطقي للمراحل المشار إليها من ناحية أخرى. (Bridgman & Davis, 1998 and 2003)
إن نظرية دائرة السياسة العامة لا تعتبر بالنسبة لهاولت ورامش نظرية عامة ذات تطبيق مطلق كما يدعى أصحابها، نظرا لاستمرار صعوبة تحقق ذلك في إطار العلوم الاجتماعية. فالعلاقة بين نظرية وواقع دائرة السياسة العامة لا يمكن أن تعكس وجود علاقة خطية مفادها أن تحديد المراحل التي تمر بها عملية السياسة العامة يمكن أن تحل المشاكل العامة بطريقة منظمة وموحدة متعارف عليها.(Hawlett & Ramesh, 2003) كما أن مودود يؤكد بدوره على عدم إمكانية تطبيق نظرية دائرة السياسة العامة في كل الدول، نظرا لاختلاف الظروف البيئية من بلد إلي أخر، وبالتالي فإن تسلسل مراحل السياسة العامة لا يمكن أن يكون بنفس الترتيب.(Moudud, 2006:3-4)
عدم اختلاف هذه النظرية عن النظرية الكلاسيكية لصنع القرار، لاسيما فيما يتعلق بهدف تطوير نظرية عامة. فنظرية دائرة السياسة العامة بالنسبة لايفرت Everett”” عبارة عن إصلاح وتطوير للنظرية الكلاسيكية العقلانية لصنع القرار، نظرا لتركيزها على تبني إجراءات رسمية من ناحية، ونظرا لتجاهلها لكل التعقيدات المتعلقة بعملية صنع القرارات وما يرتبط بها من صراع للقوى الأمر الذي يجعلها غير ملائمة وغير عملية لدراسة معظم القضايا ذات العلاقة من ناحية أخرى.(Everett, 2003) إن الجدل القائم بين الكلاسيك والمابعدين حول النظرية الأفضل لدراسة السياسة العامة يجب أن يأخذ في الحسبان جملة من الاعتبارات، لعل أهمها: أهمية الجمع بين البعدين النظري والعملي، وما مدى مساعدة صانع القرار على أداء مهامه بإتقان وفعالية وتبني سياسة عامة أفضل.(Moudud, 2006:3) لكن المتمعن لخصائص النظريتين يمكنه ملاحظة وجود خصائص مختلفة لنظرية دائرة السياسة العامة، وهذه الخصائص هي:
• وجود تنافس وصراع على أولويات القيم في السياسة العامة.
• وجود تنافس وصراع على اختيار أساليب وأدوات السياسة العامة.
• احتمال تعديل أو تغيير السياسة العامة إذا ما دعت الحاجة إلي ذلك.
• إن السياسة العامة الجديدة من المحتمل أن تحدث تعديلات تدريجية للواقع الموجود والفعلي.
إن أهمية بعض المراحل على المستوى النظري لا تبرز بنفس الكيفية على المستوى العملي، حيث يلاحظ في هذا السياق أن بعض الدراسات التطبيقية قد أوضحت مثلا عدم التعرض أحيانا لمرحلة التقييم، أو عدم الاهتمام بمرحلة الاستشارات بنفس الكيفية، أو تطبيق السياسة في الوقت الذي لم يفرغ فيه المحللين من أعمالهم. وفي بعض الأحيان تعطى الحلول وتحدد السياسة ويطلب من الخبراء بعد ذلك وضع الإطار الملائم لكي يتمشى والمراحل المحددة سلفا، ومن أمثلة ذلك سياسة استراليا تجاه الحرب في العراق، حيث وضعت وطبقت بالفعل تم حولت بعد ذلك إلي محللي السياسة العامة لتبريرها ووضع الإطار الملائم لها حتى تحظى بتأييد الرأي العام. إن وجود هوة بين النظرية والتطبيق لا يعني بالضرورة عدم جدوى هذه النظرية، نظرا لأن تطبيقها يختلف من مكان إلي أخر ومن حالة إلي أخرى. عليه، يمكن القول مثلا أن هذه المراحل لا تطبق عندما يكون الوقت ضيق لاتخاذ قرارات أثناء الأزمات، أو عندما تزداد حدة الصراعات الداخلية وتضطر الحكومة إلي تغليب وجهة نظرها وسياستها.(Moudud, 2006:8-9)
إن تسلسل المراحل التي تشير إليها نظرية دائرة السياسة العامة قد لا تتمشى والواقع، حيث أن بعض المراحل قد تتقدم على البعض الأخر، أو أن بعض المراحل قد تحرق. فلقد أوجدت دراسة مودود مثلا أن مرحلة تحديد واختيار المشكلة قد تحدد من جانب صانعي القرار قبل أن يتم تحديدها وبلورتها من قبل محللي السياسة العامة. كما أن البعض يؤكد على تجاهل صانعي القرار أحيانا لتسلسل مراحل السياسة العامة عن طريق رفضهم للتقارير البيروقراطية ذات العلاقة، عليه فإن محور تركيز نظرية دائرة السياسة العامة يجب أن ينصب على التأثير الذي يتمتع به المسئولين في المراحل المختلفة لعملية صنع القرارات.(Cohen et. al., 1972; Moudud, 2006:3-8)
إن تقسيم عملية السياسة العامة إلي مراحل بغرض التبسيط لا يعنى بالضرورة تمشي ذلك وواقع السياسة العامة، وبالتالي فإن ذلك لا ينفي موقف النظرية الكلاسيكية التي تصف نظرية وواقع السياسة العامة بالتعقيد. إن مراحل السياسة العامة التي تؤكد عليها هذه النظرية تصلح لأن تكون دليل عن الكيفية التي يجب أن تصنع بها سياسة عامة مثالية.( Moudud, 2006:9)
إن اقتصار نظرية دائرة السياسة العامة على تقديم وصف للمشاكل واقتراح استشارات لحلها قد يقود إلي وجود تناقض طالما أن الاستشارات والحلول تعكس بعدا قيميا لا يتمش بالضرورة مع الواقع.(Smith & May, 1993) إن البعد القيمي أو التحليلي الذي يركز عليه أصحاب نظرية دائرة السياسة العامة جعل البعض يشكك في الاستفادة منها على أرض الواقع، نظرا لافتقارها إلي وجود مفاهيم ومؤشرات إجرائية قابلة للقياس والتطبيق. لكن أنصار النظرية يؤكدون بدورهم على عدم صحة ذلك حيث يضفون سمة الوصف بهدف تضييق الفجوة القائمة.(May & Wildavsky, 1978; Nachmias & Felbinger, 1982) فنظرية دائرة السياسة العامة تجمع إذن بين الوصف والتحليل،( Everett, 2003) نظرا لأنها: (Bridgman & Davis, 1998; Howlett and Ramesh, 2003)
• تعكس وجود مراحل محددة ومترابطة، حيث أن المراحل لا تعني مجرد إتباع عدد معين من الخطوات لصنع القرارات، ولكنها تشير أيضا إلي الكيفية التي يمكن التفكير من خلالها في العملية السياسية.(Everett, 2003)
• تهدف إلي حل مشكلة أو مشاكل تهم الجماعة ككل.
• وجود عدد من المؤسسات والتنظيمات والأطراف التي تشارك في المراحل المختلفة للسياسة العامة.
• وجود نظام فعال للاتصالات وردود الأفعال يمكن الاستفادة منه في تبني سياسات عامة أكثر استجابة وتفاعلا مع البيئة المحيطة.
خاتمة الدراسة
إن السياسة العامة، سواء أكانت نتيجة، أم سبب، أم عملية، تحظى اليوم باهتمام الباحثين والسياسيين والعامة نظرا لارتباطها بالحياة اليومية للجميع. ولقد لاحظنا من تتبع أدبيات الموضوع أن السياسة العامة كنظرية متكاملة قد مرت بمراحل مخاض طويلة نتج عنها ولادة أول نظرية متكاملة تعني بموضوع السياسة العامة من جميع جوانبه، وهي النظرية المابعدية لدائرة السياسة العامة.
ووفقا لفلسفة توماس كون عن الثورة العلمية، فقد لاحظنا وجود ثلاث ثورات متتالية في مجال دراسة السياسة العامة، وهي: الثورة الكلاسيكية التي يعود إليها الفضل في تأسيس العلوم السياسة، والثورة السلوكية التي يعود إليها الفضل في بروز علم السياسة المستقل، والثورة المابعدية التي أسهمت في تطوير نظرية متكاملة للسياسة العامة. لكن تطوير نظرية متكاملة للسياسة العامة لا يعني عدم الاستفادة من مساهمات النظريتين الكلاسيكية والسلوكية في هذا المجال، وعليه يلاحظ أن نظرية دائرة السياسة العامة تعتبر مستوفية لشروط النظرية من حيث: الوصف، والتحليل، والتبوء وهي سمات عجزت الأطر النظرية السابقة على تحقيقها مجتمعة.
أما فيما يتعلق بتوصيات هذه الدراسة فيمكن تلخيصها في الآتي:
• التركيز على حقل السياسة العامة من قبل الجهات العامة والمراكز البحثية، حيث أنه يعتبر مجال بحث بكر يحتاج إلي المزيد من البحث والتطوير.
• توجيه بحوث الطلاب في مرحلة الدراسات العليا إلي حقل السياسة العامة، نظرا لما لذلك من فائدة في تطوير هذا المجال من مجالات المعرفة في إطار الجامعات الليبية.
• إنشاء مركز بحثي متخصص في دراسات السياسة العامة، نظرا لارتباط ذلك بالحياة اليومية للجميع.
• إنشاء وتوسيع قاعدة محللي السياسة العامة، حتى يمكن إضفاء سمة الديمقراطية وتضييق الهوة بين النظرية والتطبيق في هذا الشأن.
• الاستمرار في عقد المؤتمرات والندوات العلمية في مجال السياسة العامة.
المراجع العربية:
• الفهداوي، فتحي خليفة، السياسة العامة: منظور كلي في البنية والتحليل. (عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2002)
• المغيربي، محمد زاهي، “التغيرات الهيكلية وأثرها على وضع وتنفيذ السياسات العامة في ليبيا” مجلة قار يونس العلمية 6، 1-2 (1993):209-224.
• أندرسون، جيمس، صنع السياسة العامة، ترجمة عامر الكبيسي (عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2002)
• خشيم، مصطفى عبد الله، نظريات علم الإدارة العامة. (طرابلس: منشورات جامعة الفاتح، 2001)
• خشيم، مصطفى عبد الله، مبادئ علم الإدارة العامة. (طرابلس: منشورات الجامعة المفتوحة، 2002أ)
• خشيم، مصطفى عبد الله، مناهج وأساليب البحث السياسي. (طرابلس: منشورات الهيئة القومية للبحث العلمي، 2002ب)
• عبد القوي، خيري عبد الله، دراسة السياسة العامة. (الكويت: ذات السلاسل، 1989)
• غانم، السيد عبد المطلب (تحرير)، تقويم السياسيات العامة. (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1989)
• هلال، على الدين، تحليل السياسات العامة: قضايا نظرية ومنهجية. (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1988)
المراجع الأجنبية:
Bridgman, P. and G. Davis, The Australian Policy Handbook. (Sydney: Allen and Unwin, 1998).
Bridgman, P. and G. Davis, “What Use is a Policy Cycle?: Plenty, If the Aim is Clear,” The Australian Journal of Public Administration 62, 3 (2003):98-102.
Cyert, R. M. and J. G. March, A Behavioral Theory of the Firm. (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1992).
Dimock, Marshall E. and Gladys O. Dimock, Public Administration. (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1969).
Edward, M. et. al., Social Policy, Public Policy. (Sydney: Allen and Unwin, 2001).
Everett, S., “The Policy Cycle: Democratic Process or Rational Paradigm Revisited?” The Australian Journal of Public Administration 62, 2 (2003): 65-70.
Henry, Nicholas, Public Administration and Public Affairs. (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1980).
Howard, C., “Bureaucrats in the Social Policy Process: Administrative Policy Entrepreneurs and the Case of Working Nation,” The Australian Journal of Public Administration 62, 3 (2001):56-65.
Howlett, M. and S. Ramesh, Studying Public Policy: Policy Cycles and Policy Sub-systems. (Don Hills: Oxford University Press, 2003).
Kentis, P. and V. Schneider, “Policy Networks and Policy Analysis: Scrutinizing a New Analytical Tool Book,” Policy Networks: Empirical Evidence and Theoretical Considerations. Edited by B. Martin and R. Mayntz (Boulder: West view Press, 1991).
Luthans, Fred, Organizational Behavior. (New York: McGrew Hills, 1985).
May, J. and A. Wildavsky (Eds.), The Policy Cycle. (London: Sage Publication, 1978).
Nachmias, D and Felbinger, “Utilization in the Policy Cycle: Direction for Research,” Policy Studies Review 2, 2 (1982):300-308.
Pressman, J. and A. Wildavsky, Implementation (Berkeley: University of California Press, 1984).
Radin, B. A., “Policy Analysis in the Office of the Assistant Secretary for Planning and Evaluation in HEW/HHS: Institutionalization and the Second Generation,” in Organizations for Policy Analysis: Helping Government Think. Edited by C. H. Weiss (Newbury Park, Cal.: Sage Publications, 1992).
Radin, B. A., Beyond Machiavelli: Policy Analysis Comes of Age. (Washington, D.C.: Georgetown University Press, 2003).
Schmidt, Stephen J., Econometrics. (Boston: McGraw-Hill, 2005).
Simon, H. A., Models of Man: Social and Rational. (New York: John Wiley, 1957).
Smith, G. and D. May, “The Artificial Debate Between Rationalist and Instrumentalist: Models of Decision Making,” In The Policy Process: A Reader. Edited by M. Hills (New York: Harvester Wheat sheaf, 1993).
Trske, P. and M. Schneider, “The Bureaucratic Entrepreneur: The Case of City Managers,” Public Administration Review 54, 4 (1994):331-340.
Wildavsky, A., “Principles for a Graduate School of Public Policy,” Public Administration Bulletin 26 (1978): 12-31.
Wildavsky, A., Speaking Truth to Power: The Art and Craft of Policy Analysis. (Boston: Little Brown and Company, 1979)

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا
جامعة قاريونس ـ بنغازي
(11-13 يونيو 2007)
نظرية السياسة العامة
د. مصطفى عبدالله خشيم