إن الحديث عن مصطلح السياسة العامة يضفي إلينا غلالة من الحداثة, لكننا نجد له إرهاصات في التراث الحضاري والإنساني القديم,فالظاهرة السياسية ملازمة للحياة الإنسانية وتتطور بتطور المجتمعات,فمند أن وجد الإنسان وزادت إهتماماته بالظواهر المختلفة المحيطة به,عرف أشكالا من التنظيم الذي يخص أمور أفراده وكل ما يرتبط بمشاكلهم الاجتماعية والسياسية التي تخص شؤون الحكم ولوازم الاجتماع.ويمكن أن نقسم مراحل هذا التطور إلى مرحلتين:

إ/ السياسة العامة بالمنظور التقليدي بين النشاط والممارسة:

لقد إنخرط الإنسان على مر الحضارات في تنظيم شؤون المجتمع بأشكال مختلفة،خاصة في أمور الإدارة وفنون الحكم والقيادة والرياسة والتدبير وغيرها, مع العلم هنا أن الظاهرة الإدارية كانت أولى إهتماما من الظاهرة السياسية, لأن هذه الأخيرة كانت تنحصر في أيدي الطبقات العليا الحاكمة والتي تنصهر في شكل من أشكال المجتمع آنذاك .فالإدارة العامة مثلا كانت من أقدم ممارسات الظاهرة الإجتماعية التي تقتضيها ضرورة الإجتماع والقيام بشؤون الأمة. لكن يعتبر حقل السياسات العامة أيضا حقلا قديم الممارسة ويأتي هذا القدم من الإرتباط بالمشكلات المجتمعية التي هي محاور علم السياسات ومحاور تحليلاته, وإلا كيف نقدم تفسيرا لكل الممارسات الإجتماعية والسياسية التي عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ(1).

فالفراعنة مثلا شهدوا أسمى أشكال التطور الإداري والتنظيم الحكومي وبصورة منسقة ودرجة من الكفاءة في النظر في الشؤون العامة من خلال “الأراضي,الشرع والمظالم…..الخ”، وكذلك كل ما يتعلق بشؤون الحكم والسلطة,أما عن الحضارة الصينية فقد بلغت تقدما كبيرا في التنظيم السياسي.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور علي الشريف :” تعتبر الحضارة الصينية القديمة أول من اشترط للتعيين في الوظائف الحكومية الذي يراعي فيه التجارب العلمية والمؤهلات العلمية….”1. كما نصح كونفوشيون بضرورة توخي المعرفية القيادية و نصح رجل السياسة بإتباع الأسلوب القائم على الحكمة والقدوة الحسنة والإدراك الواعي لعادات وسلوك التابعين والأخذ بآرائهم، فهدا يعد تعبيرا صادقا عن السياسة العامة و إدارة المشاكل الاجتماعية مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق البيئية من التنشئة الاجتماعية والسياسية ، وهذه هي السياسة بأسمى معانيها . ومن جهة أخرى عرف الإغريق أشكالا مختلفة للسياسات, فدرجة الممارسة لشؤون الحكم جعلت علماء وفقهاء اليونان يولون اهتماما بالغا لهذا الجانب حيث يقول أفلاطون :” أن النظام السياسي السليم هو الذي يعتمد على التفكير, ولا يترك أمره للضروف”،كما عبر أيضا في قوله “… وظيفة الدولة في هذا النظام هو إيجاد أوفق الطرق لإشباع الحاجات وتنظيم الخدمات…” .

هذان القولان يؤكدان على وصف السياسة العامة ولو من زاوية محددة إلا أن التفكير في مواجهة المشكلات الاجتماعية والقيام بالمصلحة العامة, يعبر عن السياسة العامة التي تعد نتاج أي نظام سياسي موجه لخدمة الصالح العام .ولعل الطابع القانوني الذي إتسمت به الحضارة الرومانية كذلك والتقسيم الجغرافي لأقاليمها , وكيفية صياغة الحكم بها،وعلاقتها بالإمبراطور لنموذج عن الممارسة الواقعية للسياسة العامة آنذاك وذلك لحماية المواطنين وممتلكاتهم وتنظيم مختلف الرعايا بها (1) .

إن الممارسات السياسية لمواجهة المشكلات المجتمعية ظلت مرتبطة إرتباطا جوهريا بحياة المجتمعات, كما قطعت أشواطا كبيرة في سبيل التعامل مع المعطيات الجديدة وتعقد الحياة الإجتماعية والسياسية, فبعدما كانت تشع من جدران الكنائس في العصور الوسطى وما تلهمه الكنائس للحكام والملوك من تعاليم يقوم عليها تدبير شؤون المجتمعات،جاء الإسلام من جهة أخرى ليعطي نهجا قويا وإهتماما جديا بقضايا المجتمع البشري وما يخص السياسة والحكم وفق ما أقره الكتاب والسنة في الدولة والحكومة والخلافة , حيث أتت بأروع القيم والدعامات التي ينادي بها المتحضرون اليوم ،والتي تقوم عليها أسس السياسة العامة المتمثلة في الديمقراطية والعدل والمساواة والإخاء , و إعطاء كل ذي حق حقه, ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب والوقت المناسب…الخ وغيرها من القيم والإسهامات الفذة التي جاء بها الإسلام في مجال تطوير الفكر الإداري والسياسي وإرساء العديد من القواعد العامة كالشورى, والقيادة والسلطة .

وهذا سواء في دولة الرسول“صلى الله عليه وسلم”أو في عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا.والسياسة العامة لم تكن آنذاك إلا مجرد تدبير لشؤون الأمة و إقامة أمورها بما يصلحها(1).

ب/معالم بروز السياسة العامة بالمنظور الحديث:

إن بداية ظهور وتشكل معالم الدولة في بداية عصر النهضة كان له الأثر البالغ في تطور مفهوم السياسة العامة، حيث بدأ الإهتمام بالمؤسسات السياسية التي أصبحت فيما بعد كأحد مقومات السياسة العامة، حيث أجمع علماء السياسة أن نشأة الدولة أسس شعورا إنسانيا يحتم نوعا من التعاون الإنساني ضمن الجماعة، ولابد أن يكون ذلك ضمن نظام معين له قدر من السلطة, إلى أن ظهرت الدولة الحديثة بمقوماتها وممارساتها وأعبائها وبدأ أيضا من جهة أخرى علم السياسة يتبلور وغدي فرعا من فروع العلوم الإجتماعية, وإنتقل الفكر السياسي من حدود السياسة إلى السياسة في كل مكان ومن الممارسة إلى التجربة العلمية والميدانية(1).

لقد عرف مفهوم السياسة العامة تطورا مرحليا هاما, وأصبح يلقى إهتماما واسعا من قبل العديد من فقهاء وعلماء السياسة،وذلك بفعل زيادة أعباء الدولة وتدخلاتها لحماية المصلحة العامة الذي شهدته المرحلة بعد الحرب العالمية الثانية, فعلى خلاف ما كان عليها سابقا من تحليل سطحي أثبتته الممارسة والإهتمام التقليدي في أبسط معانية، حيث كان يشير المصطلح إلى الجهد الجماعي المنظم لتحقيق الأهداف العامة،ولم تكن فيه إشارة واضحة للسياسة العامة سوى بعض المفاهيم في الحكم والسلطة, والتدبير والرياسة …الخ كمجرد وصف لسلوك الحكام وما يصدر عنهم من أمور تخص شؤون مجتمعاتهم .

أما مع مطلع العصر الحديث تعاضم الاهتمام بموضوع السياسة العامة, حين جرى التركيز على مفهوم السياسة العامة وكيفية بلورتها والتبصر بأهدافها ومضامين وأساليب تنفيذها , ضمن إطار تحليلي بحسب الأولويات والإمكانيات المتوفرة, وبفعل تنامي الأصوات المنادية بضرورة تدخل الدولة كمحرك للنشاط الإقتصادي وتوجيه الموارد لسد حاجيات عموم المواطنين ولأجل إستعاب النمو المتزايد في الخدمات المطلوبة وضرورة توفيرها وتحقيقها , كالتعليم , والصحة والمواصلات , و إقامة المشروعات …الخ. كل هذا أدى إلى التركيز على التبريرات الفلسفية للأجهزة التي توكل لها مهمة وضع السياسات العامة والقوى التي تسهم في بلورتها , وجاء هذا التحول في دراسة السياسة العامة بما جاء به بعد علماء السياسة مثل“هارول لاسويل” في مؤلفه المرسوم بعنوان“علوم السياسات” بطرحه العلمي في تناول هذا الموضوع كحقل له أسسه ومناهجه,

وكذلك شيوع أفكار المدرسة السلوكية الحركية فكرية شكلت ثورة علمية حقيقية في عالم المفاهيم, وتحدث المفاهيم التقلدية بإدخال مصطلحات جديدة في تناول الظواهر السياسية والاجتماعية, مثل” النسق , السلوك , النظم , القرار …..” ووضعت عدة إقتراحات ومناهج أدت إلى إحلال الحركية في تحليل شؤون السياسة العامة(1).

كما تم الإعتماد على الجوانب الكمية والمناهج الإحصائية وتعدد الدراسات بعدها والأبحاث في مجال السياسة العامة, خاصة مع السنوات الأخيرة بعد تقليص دور الدولة والتلاشي التدريجي في مفهوم السيادة , وظهور مصطلحات مثل الدولة التدخلية أو الدولة الوطنية, و الدور الجوهري الذي أصبحت تلعبه القوى الخارجية في صياغة الأولويات للسياسة العامة وتحديد مساراتها. وعليه يمكن القول أن مفهوم السياسة العامة حديث نسبيا , لكننا على يقين من الإهتمام به كممارسة على مر العصور والحضارات , فلم تقم أي حضارة دون تدبير شؤون أمتها وتقوية أصـول الحكم فيها، ليأخذ بعدها صورا عدة في ظل النظم الحديثة الديمقراطية التي تتجلى فيها بوضوح معالم السياسات العامة.فلم تعد حكرا على الزعماء والحكام بل أصبحت مفهوما شاملا تقوم عليه الاتجاهات الحديثة بوصف السياسة العامة كمحصلة لتفاعلات عدة رسمية وغير رسمية على المستويين الدولي والمحلي .

ثالثا: مكونات السياسة العامة

إن المتمعن في تعريف السياسة العامة, يدرك ثقل ودور السياسة العامة في كل دولة أو حكومة إزاء القضايا الهامة, والتي تشكل أكبر تحدي تفرضه البيئة السياسية والإجتماعية علي المسؤولين وصناع القرار وتضعهم في موقف حرج و أمام مسؤوليات جسام ينبغي مواجهتها ومعالجتها عبر بناء سياسة عامة حكيمة عميقة وبأكبر دقة وفعالية،والتي في معضمها تتكون ممايلي:

*- المطالب والاحتياجات :

وهي الإجراءات التي تطالب الجهات العامة أو الخاصة الحصول عليها أو إنجازها من قبل الموظفين الرسميين في الدولة بخصوص قضية أو مشكلة معينة, وما يطرح على طاولة الساسة في الحكومة التي تأتي من قبل الأفراد والمواطنين بصرف النظر عن هويتهم وأجناسهم وإنتمائهم, والتي تمثل الإحتياجات الإجتماعية وتفصيلاتها المتنوعة, وتختلف هذه المطالب في طبيعتها فقد تكون رغبة المواطنين أو المشرعين بأن تقوم الحكومة بعمل شيء معين1. كما تعمل الأبنية والتنظيمات الموجودة في النظام السياسي كالجمعيات المحلية والأحزاب والنقابات

وجماعات الظغط وقادة الرأي ووسائل الإعلام على تنظيم وتعبئة هذه المطالب, والتي تقدم في صورة معينة إلى الحكومة(2). حيث تدفع بالحكومة إلى التحرك إزاء القضايا المعروضة لتكون هذه المطالب متغيرا محوريا ومولدا ومسببا مباشرا يثير قلق الحكومة ويشد إنتباهها المباشر دراستها والإستجابة لها بالفعل أو عدم الفعل .

*- القــــرارات :

هي التي تتخذها الجماعات الرسمية والتي تكون بمثابة توجيهات ومحتويات لإجراءات السياسة العامة،أي ما يصدره المخولون قانونا ورسميا من الأوامر تعبيرا عن إرادة الحكومة المستجيبة للمطالب المقدمة,كرد فعل إيجابي أو سلبي لها. وتشمل القرارات والأطر التشريعية المتخذة صيغة القوانين, واللوائح الإدارية والقواعد التنظيمية الموجهة لأعمال الإدارة للقيام بالعمليات الإجرائية لتنفيذ السياسة العامة.

*- مصادر السياسة العامة ومحتوياتها :

وتمثل التفسير الرسمي لمضمون السياسة العامة وبيانها و تشمل كل الخطابات والإعلانات الرسمية أو التصريحات الحكومية العامة الموجهة للمجتمع والرأي العام وللمعنيين (1). والتي تعبر عن اتجاهات الحكومة وما تنوي القيام به لتحقيقها, وكذا الموقف الحكومي الواضح إزاء المشاكل المطروحة , كالتلوث , والجريمة , وتبديد الأموال , والبطالة ….الخ .

*- مخرجات السياسة ونتائجها :

وهي المؤشرات الملموسة الناتجة عن السياسات العامة, والتي تمثل الأشياء المنجزة نتيجة القرارات المتخذة والبيانات الوضعية, وتعني ما تنجزه الحكومة مقارنة بما تدعي القيام بإنجازه مستقبلا،أي ما يمكن تحويله إلى عملية التنفيذ والتحقق منه عمليا, وكذلك تمثل مجموعة الأفعال والقرارات الملزمة التي تعبر عن ردود أفعال الحكومة المزمع تنفيذها بشكل حقيقي وظاهرة للعيان ويمكن تقويمها وقياسها (1). لتكون بذلك السياسة العامة كما تم تنفيذها وتحقيقها بدلا من أن تكون قرارات أو بيانات متداولة بين المشرعين والمنفذين السياسين.

*- أثار السياسة العامة :

وتمثل صدى السياسة العامة في المجتمع وما تحققة من عوائد سواء بالرضى والقبول أو بالرفض والتنديد ،وتكون مقصودة أو غير مقصودة، فلكل سياسة أثار معينة, فإذا كانت ناجحة وإيجابية تكون فالمصلحة العامة وتحقيق رضى الشعب, أما إذا أحدثت أثارها ومضاعفات سلبية فلابد من سياسة أخرى لاحقة لتعود العملية من جديد (2) .

فالسياسة التي تنظر في رفع الأجور مثلا قد تكون مجدية إذا كانت تحقق رغبات الموظفين من حيث الرواتب والامتيازات والحوافز أما إذا كانت السياسة العامة في هذا الشأن مجرد إظافات شكلية فسوف تقابل بالرفض وعودة الإضرابات من جديد وكذلك البطالة ما لم تكن السياسة العامة قد منحت أكبر عدد من مناصب الشغل والتكفل التام بهذه الشريحة .وبهذا تكون أثار السياسة العامة مؤشرا هاما في تقييم وتقويم وتحليل السياسة العامة, من أجل التأكيد من كون هذه السياسة قد خدمت أغراضها التي شرعت من أجلها.كما يمكن أن تنقسم السياسة العامة إلى عدة (مستويات)(*).

رابعا: مراحل إعداد السياسة العامة

وفقا لما عرفت به السياسة العامة على أنها برنامج عمل هادف يوجه ويرشد الفاعلين المتعاملين مع مشكلة أو قضية تثير عمل موزعة عبر سقف زمني محدد،وبالتالي يتعذر تعريفها بأنها قرار فردي فالقرارات السياسية هي حصيلة أخذ وعطاء وتجاذب وتنافر وتجاوب وصراع ومساومة أيضا بين العديد من الفواعل ومراكز القوة

والتأثير،ويزداد الأمر تعقيدا في ظل حالة من عدم التأكد والغموض والضبابية والتعتيم،فالطريق من التفكير في حلول عملية في مشكلة ما إلي إقرار سياسة بشأنها إلي وضع هذه الأخيرة حيز التنفيذ ومعرفة آثارها شاق ومحفوف بالمخاطر، فلا بد من التدريجية والمرحلية للوصول إلي الإتفاق في المواضع المختلف عليها بين الجماعات،وللتقليل من بؤر التوتر ودرجات التشنج التي قد تصيب السياسات وكذا من تكاليف المغامرة التي قد تتخذ لها القرارات البديلة .

وعلى أساس هذه المنطلقات تعتبر السياسة العامة خطوات مترابطة فيما بينها ومتعاقبة في العمل والتصرف،إلاُ أن التميز بين خطوات ومراحل السياسة العامة أصبح صعبا بسبب التداخل بين هذه الوظائف خاصة إذا أردنا دراسة كل مرحلة على حدي،بسبب النشاطات الوظيفية المتداخلة لكن التأكيد على هذه الخطوات الإجرائية يسهم في إخراج مفهوم السياسة العامة من إطارها الأكاديمي ويربطها بالقواعد والبيئة المطبقة فيها. ولعل هذا الإختلاف في فحوى السياسات العامة وديناميكية صنعها وتطبيقها قد لا يدلنا تحديدا عما إن كانت هذه الأخيرة تمر بمراحل أساسية في صياغتها فهناك صعوبة نظرية في إيجاد مراحل محددة يمكن تعميمها والإعتماد عليها بشكل جوهري في السياسات المقارنة وحتى من الزاوية التحليلية من قبل العديد من فقهاء السياسة وخبرائها.وعليه سوف نتعرض إلى تفصيل المراحل الأساسية التي تمر بها السياسة العامة كمبادئ عامة يمكن تبنيها في أي مصر من الأمصار دون أن نغوص في الكيفيات الإجرائية والتنظيمية التي قد تختلف بإختلاف البيئات والظروف والإمكانات المتاحة .

*- المرحلة الأولى : التحليل والإستخبار ( صياغة المشكلة )

إن إستمرار أي نظام سياسي يبقى رهن الإستجابة الفعلية والمستمرة للمشاكل والقضايا التي تواجه, سواء تعلق الأمر بالبيئة الداخلية ما يأتي منها من طلبات اجتماعية, اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، أي كل ما من شأنه أن يتصل بخدمة المصلحة العامة،وكذا ما قد يرد من البيئة الخارجية من التغيرات وتحديات في شتى المجالات تلزم الأنظمة الوطنية أخذها بعين الاعتبار في بناء أو صياغة أي سياسة عامة رشيدة وفعالة وشاملة ومتوازنة تكون قادرة على الإستفاء بهذه المتطلبات, أي قادرة على الحصول على رأس المال وإستخراج الموارد اللازمة والإستخدام المتاح لها. وعليه فالدول والحكومات تواجه عدة مشاكل وقضايا محلية ودولية تكون بمثابة عائق في سبيل صنع سياساتها العامة، وفي سبيل تقدمها الاقتصادي والحضاري بشكل عام يحتم عليها دراسة المشكلات وتحليلها ودراستها بأساليب علمية لتكون قادرة على مواجهتها ،وصياغة ووضع إجراءات وتدابير

بشأنها, من أجل الوصول إلى الأهداف المرجوة التي يمكن أن تتجلى حيال وضع السياسة العامة حيز التنفيذ وتحويلها إلى نتائج واقعية . فالمشكلات العامة إذا هي جوهر بناء أي سياسة عامة التي تبدأ من حيث توجد المشكلات , التي تتطلب تحليلا لأبعادها وأثارها كمحفز للتحرك الحكومي, نحو إتخاذ البدائل المناسبة إزاءها وتعرف بأنها:”ظرف أو موقف يثير الحاجات وعدم الرضا لدى الأفراد , وربما يجعلهم يطلبون العون والمساعدة لمواجهة ما يعانون منه،وهذا يقع عادة من جانب الذين يهمهم الموقف أو المتأثرين به أو جانب الممثلين أو المتعاطفين معهم “(1).

أو هي” انحراف أو عدم توازن بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون” (2), لكن الجدير بالانتباه هنا هو ما الذي يجعل الحكومة تتحرك إتجاه المشكلة دون الأخرى ؟ أو ما الذي يجعل المشكلة عامة ؟،بالتأكيد يمكن القول أن القضايا العامة هي التي يكون تأثيرها واسعا وشاملا وتمس أكبر شريحة المتأثرين من المجتمع،أو بتغيير دقيق هي تلك المشاكل التي تلفت وتثير إنتباه الحكومة وتدفعها للفعل مثل الفقر , البطالة , الأمية , والتلوث , انخفاض الدخل , انخفاض القدرة الشرائية , التخلف والتبعية , الإصلاح والتغيير الإداري , التنمية …. الخ.كل هذه المشاكل على سبيل المثال وليس الحصر تشكل موجة من القلق وعدم الارتياح الحكومي من جهة،كما قد تشكل لبا خصيا لبعض الأطراف والمتأثرين والمتعاطفين للتحرك نحو التأثير على الحكومات وتوجيه نظرها لهذه المشكلة دون أخرى , فلا بد للمشكلة العامة أيضا أن تتعالى الأصوات بشأنها وإلا لا يكون لها صدى أو وقع في المسرح الحكومي.

فحديثنا هنا ليس على طبيعة المشكلات , أو عن هذا التأثير أو ذاك بقدر ما يدفعنا الأمر إلى معرفة كيف تتم الإحاطة بالمشكلات وتشخيصها في سياق عملية صنع السياسة العامة كأول خطوة يجب تحليلها .إن هذه المرحلة المتقدمة من السياسة العامة تعتبر القاعدة والركيزة التي تبنى عليها،حيث تشمل تحديد محيط المشكلة وأبعادها وتحديد المهام والمسائل المتعلقة والمرتبطة بها (1).حيث أن المشكلة أو القضية ذات الاهتمام المثير في الوسط البيئي الداخلي والخارجي هي التي تدفع صناع السياسة العامة للتحرك بوصفها مجموعة من المطالب والحاجات والقيم يجب الاستجابة لها, وبذلك لا بد من إستخدام الأساليب الكمية والغير الكمية للتعرف على المشكلة وتصنيفها فمثلا يشكل الفقر اكبر تحدي تواجهه الحكومات من خلال سياستها العامة فهي بذلك تقوم

بإجراء المسوح والقيام بدراسات إمبريقية لتحديد حجم الظاهرة وتداعياتها ومتطلبات مكافحتها وتخفيف حدتها . فلا بد على الحكومة أن تجد سبيلا لتشخيص المشكلات كأول خطوة في عملية صنع السياسة العامة سواء كان ذلك بتشكيل لجان فنية خاصة والإعتماد على خبرة المسؤولين والموظفين الحكوميين أو بالإعتماد على مؤسسات خاصة بتحليل المشكلات وتقديم المعلومات اللازمة حولها وفي هذا الصدد يحدد لنا “بيتر دراكر (p.dracker)“عميد الإدارة الأمريكية وصاحب نظرية الإدارة بالأهداف إجراءات أساسية تتعلق بكيفية التعامل مع المشكلة العامة وتحديدها:

1-تصنيف المشكلة:هل هي عامة أو متكررة يمكن حلها بطرق محددة أم أنها إستثنائية تتطلب تطوير برنامج أو نطاق جديد لحلها ، كذلك يساعد تصنيف المشكلات إلى إيجاد ترتيب لها في السلم الحكومي حسب الأولوية وطبقا لدرجة تأثيرها والصدى الذي توقعه ودرجة القلق وعدم الإرتياح الذي تثيـره .

2- التعرف على المشكلة: أي تحديدها ومنحها تفسيرات مناسبة معبرة عن جميع الحقائق التي تدور حولها وذلك بالإجابة على الأسئلة ، مالذي يحدث بالضبط ؟ والذي له علاقة فعلية بما يحدث ؟ و ما هو جوهر أو مفتاح المشكلة ؟ هذه الإجابات تقود محلل السياسة العامة تركيب تصورات متبانية حول أبعاد المشكلة والتي تقدم لصناع السياسة كمفاتيح تساعدهم على بناء السياسات وإتخاذ القرارات.

3- تحديد الجواب على المشكلة:وذلك بتحديد المعايير الواضحة والخاصة بما يجب على الإجراء المتخذ أو القرار أن ينجزه وما الهدف الذي يجب على القرار أن يصل إليه ؟ (1).

تعد هذه النقاط الثلاث قوام التشخيص الدقيق للقضايا والمشكلات التي تعالجها السياسات العامة، فهذه هي صلب عملية ضع السياسة العامة،وهذا إنطلاقا من التعبير القائل بأن تشخيص المشكلات هو نصف حلها ، لذلك يجب أن تستخدم لأساليب الدقيقة وتسند العمليات إلى محصلة وافية من المعلومات المساعدة للإحاطة التامة والشاملة بالقضايا محل الإهتمام،لأن العملية تتطلب تشكيل حوصلة عن الأبعاد الحقيقة للمشكلة وكذالك عن مختلف ردود الأفعال وماقد تثيره من حساسيات عند معالجتها أو حتى عن صرف نظر صناع السياسة عنها. ومن خلال هذا التحليل يمكننا القول أن القضايا تتطور من مشاكل خاصة إلي قضايا عامة تمس أكبر قدر من الفئات الإجتماعية وتتعالى حيالها الأصوات وتجلب إليها نظر المسؤولين السياسيين وتحثهم على القيام بإجراءات في سبيل تحديد هذه القضايا على إختلاف مجالاتها ودرجة تأثيرها،أي يجب أن تدرج المشكلات في خانة معينة داخل الحكومة حسب الأولوية.

هذا يدلنا أيضا أن القضايا محل الإهتمام ورغم وقعها في الأوساط الحكومية ليس بالضرورة إتخاذ إجراءات بشأنها لحلها جزئيا أو نهائيا ،بل قد يكون صرف النظر عنها إستجابة ضمنية للحكومة لها،وعلى الرغم أيضا من الدراسات والبحوث المخصصة لها والأموال التي تهدر في سبيل معروفة أبعادها ، إلا أن هذا لا يبرر الفعل الحكومي حيالها لما قد تثيره من مشاكل وحساسيات أخرى،وقد يكون من أمثلتنا هنا هو ما قد تصرف الحكومات النظر عنه من مشاكل إثنية أو عرقية، فهذه مشاكل عامة تستدعي التدخل المباشر للحكومة لحلها وتسوية النزاع والخلاف ، لكن تظل بعض الحكومات في حالة من التجاهل وعدم الإدلاء بأي شئ لكي تأخذ المشكلة منحنى آخر وعلى هذا الأساس يتم ترتيب المشاكل في جدول الأعمال الحكومة .

*المشكلة في جدول أعمال الحكومة ( الأجندة ):

تعرف المشكلة بطريقة خاصة في أعمال الحكومة فمن بين آلاف المطالب التي ترد الحكومة يلاحظ أن قلة منها هي التي تحضي بإهتمام صناع السياسة العامة فهذه القائمة من المشاكل التي يختارها هؤلاء بمحض إرادتهم أو التي تجد الحكومة نفسها ملزمة بالإستجابة لها هي التي تعبر عن جدول أعمال الحكومة فمتخذي السياسات وفي سبيل التعامل الجدي مع المشكلات والقضايا يقومون بتصنيف هذه المشكلات حسب الخطورة ودرجة الصدى التي تحدثه هذه المشكلة أو تلك في أذن الحكومة في شكل جدول مهام و أعمال السياسة العامة أو ما يسمى بأجندة سياسة الحكومة (Erovemment policy Agenda ) *.

وعليه فالقضية عندما تتطور وتصبح مشكلة عامة تتطلب تحديد ودراسة رسمية لها كتبرير للتدخل الحكومي أي يجب أن تصل المشكلة إلى درجة معينة من الخطورة حتى تحرك الحكومة نحوها، وشرط أن تكون عامة كذلك حتى تجد لها ترتيبا في أجندة الحكومة كأول نقطة في دراسة المشكلات العامة وتصنيفها كمرحلة أساسية وحاسمة تقتضيها أي محاولة لصنع سياسة عامة في مجال ما، فجدول الحكومة يحتوي على ترتيب منطقي للمشكلات والقضايا العالقة الأهم والأشد إلحاحا من بين المطالب العامة وكذلك يبحث في كل مشكلة بالشكل الذي يجعل من المؤسسات المعنية ومن ممثلي الحكومة يفكرون في إيجاد السبل والخيارات والتحاليل المناسبة لطرحها لبدائل متاحة فيما بعد (1).

حيث تقع مسؤولية إنتقاء المشكلات على فئة معينة من الموظفين الحكوميين يطلق عليهم إسم المنظمون السياسيون(Political.Enterpreneurs )الذين يستثمرون جهدهم وأوقاتهم وخبرتهم في سبيل التعرف على حجم المشكلات وتحليلها والتعرف عليها ، فالمشكلة حين تحضي بمركز في (جدول أعمال الحكومة)(*) تكون في مرحلة البحث والإستخبار،ولكن لكل نظام سياسي أكثر من جدول أعمال واحد تكون فيه القضايا العامة متبانية من حيث درجة تأثيرها. (1).

وقد ترد أيضا بعض القضايا في هذا المستوى من الأجندة ذات بدائل واضحة ومعلومة وذات تأثير تبني وحجم متوسط الشئ الذي يسهل من مهمة العاملين بالسياسة وتكون القضايا ذات معالم واضحة في الفقه الحكومي وعقيدته في العمل.أما إذا أدرجت قضايا جديدة لم يسبق أن نوقشت كإضراب قطاع ما أو ظهور بؤر تلوث جديدة فتكون المسألة هنا بحاجة إلى التحرك والتفصيل أكثر وترهق الحكومة مقارنة بالقضايا والمشاكل القديمة لكن المزيد من التوضيح هنا قد يفيدنا بعض الشئ ، فالقضايا الجديدة حتى ولو أدخلت في جدول أعمال الحكومة لايعني بالضرورة أنها ذات أولوية،فما لم تزداد حدتها وترتفع موجة الطلب والتنديد عليها قد تتقادم وتترك الفرصة إلى قضايا قديمة سرعان ما تصبح قضية سياسة حية بالشكل الذي يلفت النظر إليها في محاولة إلى إعادة التوازن الذي يفرض نشاطا إضافيا من الحكومة .

وبالتالي لابد من التأكيد بان جدول أعمال السياسة لا يكون منتظما أو معرفا بالتفصيل والوضوح وتبقى موضوعاته محل نقاش وجدل سواء كان نظاميا أو مؤسسيا والذي يهمنا هنا هو أن التعرف على المشكلات يكون بإيجاد موقع لها في أجندة الحكومة حتى يتم التحرك بشأنها لحصر أبعادها والبحث عن الخيارات التي تأمن للمسؤولين الحكوميين حرية التحرك وإبداء الرأي إزائها.

*المرحلة الثانية : تجميع البيانات والمعلومات حول مشكلات السياسة العامة

إن توفير المعلومات اللازمة والدقيقة سيؤدي حتما إلى الكشف عن هوية المشكلات ومواطن الخلل في أي بناء سياسي , كما تعطي المعلومات الواردة من تحليل المشكلات ودراستها بعض الخيارات والتصورات التي قد تدور في أذهان الساسة وصناع القرار وتكون بمثابة بدائل في المرحلة القادمة , فالدراسة العلمية للمشكلات وتصنيفها من قبل المختصين والخبراء في الحكومة وحتى مختلف المراكز البحثية المعلوماتية سواء كان حكومية أو خاصة تعطي حصيلة وافية من البيانات والمعلومات التي تعتبر كمواد خام تستخدم في إنتاج السياسة العامة، والمقصود هنا هو الإحاطة التامة بالمشكلات من مختلف الجوانب وتحديد العلاقات السببية بين جميع المتغيرات والتأثيرات المتبادلة بينها , فلا يمكن التوصل إلى حلول موضوعية دون إستقصاء وجمع المعلومات وتكريرها للوصول إلى حقائق علمية وواقعية تكون سببا مباشرا في صنع السياسات وتوجيهها (1). وهناك طرق عديدة لجمع المعلومات نلخصها فيمايلي:

1/ بالطرق التقليدية كالاعتماد على الأحداث والمقارنات مع حلول ونماذج سابقة , أو الملاحظة المباشرة التي تتوقف على الخبرة العلمية للعاملين بالسياسة وفقهائها , أو إستخدام أساليب علمية كما سبق وأن أشرنا كبحوث العمليات التي تعد عملية منتظمة لتطبيق الوسائل العلمية في مواجهة المشكلات المعقدة (2). أو النماذج الرياضية الإحصائية والبحثية التي تؤدي إلى تكوين حصيلة من البيانات يتم إختزانها في ذاكرة الحكومة , ودائما يبقى دور التكنولوجيا الحديثة جليا في إختزان المعلومات وإيصالها في الوقت المناسب لطالبيها , فمعظم الدراسات وتحليلات الجهات الحكومية والمراكز ذات العلاقة بشبكة المعلومات الوطنية , تساهم في جمع وتحليل المعلومات اللازمة وتخزينها التي تساعد على التوصل إلى البديل السليم الذي يمكن ترشيحه للعلاج .

2/ إن توفير المعلومات اللازمة والكافية لصنع السياسة العامة يرتبط بالمنهجية العلمية لتحليل السياسة العامة كما سبق وان أشرنا في التعريف السابق لدور محلل السياسات حيث تسهم العلمية في خلق الإطار الموضوعي والعلمي الذي يمكن أن تستند إليه الحكومات في مواجهة المشكلات والقضايا العامة (1).وذلك بشكل يؤدي إلى إستخدام الوسائل المعرفية وتطبيق الأدوات العلمية وتوظيف الإمكانات التي من شأنها أن تكون ذات أثر إيجابي في تذليل المشكلات واحتوائها , حيث أن الارتباط وثيق بين مراحل السياسة العامة , فالمرحلة السابقة

فيما فيها تشخيص لمشكلة علميا هذا يعطي جملة من الحقائق في صورة بيانات , يأتي دور معالجتها في هذه المرحلة لتقدم في صورة معلومات عن المشكلات والقضايا محل الاهتمام .

3/ تأتي المعلومات من جهات أخرى سواء كانت حكومية خاصة , من مراكز المعلومات أو الهيئات الإستشارية , أو مراكز البحوث والدراسات والمعاهد المتخصصة وصناع القرار من خلال عملية التخطيط و إعداد المشروعات. و دون أن نتعمق هنا في هذا الدور لابد من التأكيد على أن هذه المرحلة تعمل على جمع أكبر قدر من البيانات والإحصائيات المتعلقة بالمشكلات من جهة وبالإمكانات المتوفرة والتي يجب أن تكون البيانات والمعلومات دقيقة وحديثة ومعبرة عن الواقع الفعلي حتى يمكن الإعتماد عليها في المرحلة القادمة لإجراء التفضيلات ووضع البدائل , وكذلك يجب تحديد المصادر الوطنية والروافد الدولية التي يمكن أن تتدخل في هذه المشكلة أو تلك في حالة من الافتراضات المستقبلية (1).

وهناك ثلاث أسس يجب الإلتزام بها في سبيل التمكن من تجميع المعلومات المتكاملة التي يحتاجها صناع السياسة العامة للقيام بمهامهم .

أ- التفكير الدقيق والمستمر بالمشكلات لضمان دقة تحديد مصادر المعلومات المرتبطة بتلك المشكلة وأبعادها المؤثرة .

ب- تفعيل دور الإستشارة والمشاورة مع ذوي الإختصاص والخبرة والمحللين من أجـل الحصول على معلومات إضافية ، تعزز من فهم حدود المشكلة وظاهرتها .

جـ- حسن إستخدام المعالجات الإحصائية لتوفير معلومات كافية كما ونوعا وفي الوقت المحدد سواء تعلق الأمر بالأهداف والوسائل وبالتأثيرات المتبادلة بين القرارات والبدائل السياسية وتوظيف أحسن المعلومات بالإسناد إلى مقاييس الموضوعية والصدق والثبات بما يضمن الفعالية في إعطاء القرارات والتقييمات الجيدة للخيارات و التفضيلات (1).

وفقا لهذه الإعتبارات الثلاثة يمكن الحصول على أكبر قدر من المعلومات حول المشكلة محل الإهتمام حيث تعبر هذه المعلومات القاعدة الأساسية في بناء السياسات، فكلما كانت المعلومات دقيقة ومتكاملة كلما كان الإستدلال الإستنتاج والتحليل والتقديم والإختيار للبدائل واضحا وجليا جدا ، كما تعد أيضا الدعامة الأساسية التي تحرك السياسات وتهديها إلى سبيل الرشاد , وتتوقف المعلومات أيضا على عملية الإتصال فإذا كانت العملية على مستوى عال من الكفاءة أمكن ذلك من رصد وإستقصاء أوفر وأحسن وأدق للمعلومات

وبسرعة ممكنة من كل الفواعل وعلى جميع الأصعدة وفي كل الاتجاهات،أي جلب كل الحقائق الموضوعية المتعلقة بالمشكلة موضع الاهتمام وكل الآراء التي تدور حولها في الأوساط السياسية والاجتماعية والبيئية عموما، ومن خلال ضخ المعلومات إلى مراكز التخزين الحكومية وذاكرتها عن كل ردود الأفعال التي قد تنجم عن تلك المشكلة .

وعليه تعطينا هذه النقاط تصورات واضحة عن مدى الحاجة إلى إستخدام العلم والمعرفة في سبيل مواجهة المشكلات على إختلاف أنواعها وإستخدام الأساليب العلمية الكمية والكيفية من خلال إفعال دور المحللين والمتخصصين والخبراء من أجل فهم وإستعاب القضايا وتذليلها وإثراء الحوار السياسي بآراء وطروحات مفيدة ، تعكس منطلقات السياسة العامة،فضلا عن إجراء التعديلات المطلوبة لمواجهة التحديات البيئية بالإلتزام حيال المجتمع أما المعلومات التي يستطيع رجال السياسة تقديمها لا تتعدى في المجالات العادية تصورات وتصريحات لكنها لا تخلو تماما من النظرة العلمية الواقعية.

*المرحلة الثالثة بلورة السياسة العامة ( وضع البدائل ):

تمثل هذه المرحلة إتجاها فاعلا نحو إيجاد حل للمشكلة محل الإهتمام وذلك بوضع حلول وإقتراحات أولية مبنية على المعلومات المقدمة من المرحلة السابقة، وهي توضيح لمدى الإستجابة وخلق بدائل وذلك بناءا على تساؤلين جوهريين هما :

*هل يتم ترك المشكلة على ماهي عليه ؟وهل يتم التدخل لحلها ؟.فإذا كان الجواب يشير إلى ضرورة التدخل والحل فيتم هنا طرح تساؤل آخر ما هي البدائل المطروحة للحلول ؟. (1)

إن طرح حلول للمشكلات العامة الحالية ينبع من واقع خبرات محللي السياسات العامة بطرق وصفية مع إستخدام محدود لبعض الأساليب الرياضية ، خاصة إذا كانت السياسات إقتصادية أما السياسات الإجتماعية فغالبا ما تناقش بدائلها وفق إعتبارات دور الدولة مسؤولياتها .كذلك فإن عملية طرح البدائل هي عملية علاجية في زمن محلل السياسات فهو متلقي لأوامر الجهات الرسمية التي تطرح السياسات ولا يكون دوره في التنبؤ بمشكلات مستقبلية أو يساهم في وضع سيناريوهات وقائية لحلها . وتعبر هذه المرحلة أيضا عن محاولة التعرف على الحلول المختلفة للمشكلة القائمة فلا توجد مشكلة لها طريق واحد في نظر صناع السياسة،بعد جمع المعلومات وترشيحها وتنقيتها من الشوائب وتقديمها ، لتعطي صورا عن حلول مختلفة وكذا عن مدى التحول والتأثير عن إستخدام هذا الحل أو ذاك ومدى قابلية هذه الحلول على إمتصاص تأثيرات المشكلة،وكون

العملية تخضع لصراع ومساومة فإن عملية وضع البدائل تراعي جميع الأطراف وتتجنب البدائل التي من شأنها أن تحدث آثارا سليبة أو تفقد السياسة فحواها في المراحل القادمة.

إن هذه المرحلة تتطلب دراسة عميقة وتحليل دقيق سواء تعلق الأمر بمن يحضرون السياسات من موظفين رسميين وشخصيات وزارية،لكن الدور البارز هنا يرجع إلى محلل السياسات العامة والذي يعد دوره من صلب مراحل صنع السياسة العامة، وينبع هذا الدور من المنهجية العلمية المطبقة في عملية التحليل ووضع البدائل،وإنطلاقا كذلك من الوظيفة الهادفة إلى تحسين مستوى كفاءة كل بديل ، حيث تختلف منهجية محلل السياسات والأساليب المستخدمة حسب الموقع في الجهاز الحكومي، فقد يكون محلل السياسات شخصا أو موظفا حكوميا ولا بد أن نشير إلى الفرق الجوهري بين المستشار ومحلل السياسات فالمستشار يقدم رأيا إستشاريا أو بديلا ويثير مشكلة لكنه على مستوى أعلى لأنه يقدم توصيات لصانع القرار بينما محلل السياسة فتلازم وظيفته جميع مراحل صنع السياسة العامة ويكون رأيه أقل مستوى من المستشار وكذلك قد يكون محلل السياسات دوانا في وزارة أو هيئة أو مؤسسة أو مراكز بحث أو معاهد متخصصة وبالتالي تختلف (أساليب التحليل وطرح البدائل)(*) .

فمهما كانت الطرق المؤدية إلي صياغة مقترحات السياسة العامة وما قد يحدث فيها من تناقضات وتضارب في المصالح بهدف الكسب السياسي ، فإن جدوى البدائل المقدمة تتوقف بصورة شبه كلية على المعلومات والواردة إلى ذاكرة الحكومة من المرحلة السابقة وكذا مدى ملائمة ودقة وشمولية وحداثة هذه المعلومات ، ووصولها في الوقت المناسب سواء كان الرافد هو محللون سياسيون أو مراكز معلومات أو معاهد بحوث ودراسات متخصصة .

وأخيرا تعد هذه المرحلة النقطة المنتصف من طريق صنع السياسة العامة فهي من جهة توظيف معطيات المرحلة السابقة من معلومات ومعطيات ومن جهة أخرى تعطي خيارات وتصورات تكون بمثابة المنعطف لوضع سياسة عامة بشأن قضية ما .حيث تتوقف جدوى هذه الحلول على قيمة المعلومات والتحاليل والخبرات المتوفرة لدى صناع السياسة الرسميون , وذلك في صورة نماذج مختلفة يستخدمها صناع السياسة في عملية وضع الحلول وإعداد البرامج , حيث يتم ذلك في جو من الرشد أي إختيار الحلول التي ينبغي أن يتمخض عنها أكبر عائد إجتماعي بالشكل الذي يعبر عن تحقيق فوائد كبيرة , أي لاينبغي على صانعي قرارات السياسة العامة تبني أية سياسة من شأنها أن تترك أثار جانبية أو تتطلب تكلفة كبيرة , ولا يعني هذا التضحية بالقيم الاجتماعية في سبيل تعظيم الكسب المادي , فالرشادة والعقلانية تضم كل ما يجري في البيئة وتعد من المتطلبات الأساسية والهامة في وضع الحلول .

*المرحلة الرابعة صياغة السياسة العامة :

في هذه المرحلة يتم التساؤل حول طبيعة السياسات العامة , حيث تسعى الحكومات(صناع السياسة) إلى تحسين مستويات الحياة والمجتمعات بما يلبي حاجيات أفرادها , والحرص على العمل من أجل تأمين وضمان حياة أفضل، وهذا يجعل الحكومة ويحثها على معرفة الخيار الأفضل الذي يجب تبني مفردات في السياسة العامة , فالصياغة جهد يركز على إختيار بديل من البدائل المطروحة , وتؤدي العملية إلي إصدار القرارات بشكلها النهائي , حيث تتضمن قرارات السياسة العامة عملا يصدر من بعض الرسميين والهيئات لتصادق ولتعدل أو لتفرض , والشكل الإيجابي للقرارات يمثل في شكل تشريع أو أمر إداري

ولابد من التذكير هنا بما تطرقنا إليه في حول مكونات السياسة العامة في الحياة اليومية , وقد تكون بعض قرارات السياسة مجموعة من القرارات التنظيمية و الروتينية تتخذ في عملية صنع السياسة وتنفيذها , فقرار السياسة هو في الأخير محصلة نهائية لقرارات متنوعة , وكل الذي يحدث ليس إختيار أو المفاضلة بين البدائل المطروحة فحسب، وإنما العمل علىبلورة البديل الذي يتم إعتماده كبديل مفضل للسياسة، فان هذا الإختيار قد يتعرض أيضا للمساومة وللإضافة أو الحذف , وقد يضل القرار هذا مشروعا غير مؤكد حتى يتم التصويت عليه ويعلن رسميا (1) .

ليس الوصف لعملية المفاضلة بين البدال وإنما الدور الجوهري الذي يلعبه الرسميون والمحللون والخبراء في عملية صياغة قرارات السياسة .حيث يقوم محلل السياسة العامة باختيار البديل بحسب السياق المنطقي للمفاضلة،وعلى أساس التوجه الموزون والمحسوب في ضوء المعايير والمقاييس ذات العلاقة بالأبعاد الاجتماعية

والسياسية والاقتصادية وغيرها,وضمن الكلفة والمنفعة المترتبة عن البديل الأمثل ومن أهم المعايير في المفاضلة هي :

أ – كلفة البديل المترتبة عنه , حينما يتم تنفيذ أي النفقات الواجب إدراجها في الموازنة العامة لتغطية إحتياجات تنفيذ هذه السياسة في أي مجال كان .

ب- قدرة البديل على إستغلال الموارد المتاحة التي سيتم تسخيرها في حل المشكلة .

ج – نوعية المعالجة التي يقدمها إزاء المشكلة هل هي جزئية أو كلية ؟.

د- مدى إنسجام البديل مع أهداف السياسة العامة على صعيد الفلسفة والنظام والمجتمع والعوامل البيئية .

هـ- درجة المخاطر والآثار الجانبية المتوقعة عن تنفيذ هذه السياسة , وفي حال عقم السياسة وعدم تحقيق الأهداف المتوخاة ،فلابد أن تكون المخاطرة محسوبة (1) .

هذه بعض المعايير التي قد يسترشد بها محلل السياسات والخبراء والعاملين بالسياسة في سبيل ترشيد السياسات قبل تنفيذها،وتوفير المناخ المناسب لإجراء التنفيذ الفعلي للسياسة العامة .و لا يكون أثر المحلل للسياسات العامة في عملية المفاضلة بين البدائل بصورة عشوائية و إنما يكون مبني على رؤية ومقاييس علمية دقيقة حيث قدمت الخبرات الميدانية ,والعلوم السلوكية المختلف توجهاتها طرق ووسائل ونظريات, بمقدورها أن تساعد المحللين وصناع السياسة في اختياراتهم السياسية مثل نظريات المباريات أو شجرة القرار أو نظرية الاحتمالات أو بحوث العمليات كأساليب كمية ضليعة قادرة على الكشف عن هوية البدائل وأثارها في شكل طرق بيانية تهدي المحللين إلى التوصل إلي توقعات سليمة التعامل مع الأحداث والمواقف والمشكلات والقضايا الغامضة وغير المؤكدة.

ولا نستثني أيضا دور الأساليب الكيفية , كنظرية تحليل النظم أو نظرية الرشد الكلي أو المحدود , كل هذه الأساليب فالنظرية تكسب الخبرة المتواصلة والقدرة الإبداعية و الإبتكارية إذا ما حسن توظيفها وتطبيقها.وعلى العموم ودون أن نخوض في تفاصيل الآثار المتوقعة للسياسة العامة ، فإن جوهر ولب هذه المرحلة هو أن تعكس السياسة العامة ما يسمى بالجدوى السياسية( Political.feasabihith ) حيث تعكس هذه الخاصية تقويما قبليا للآثار المتوقعة من السياسة العامة .كما تشكل الجدوى مؤشرا ما من مؤشرات نجاح السياسات وحسبما يرى ( ماثيوكان Mathewicann) الذي أشار إلى أي مدى سوف تسفر هذه السياسة العامة عن تحقيق النتائج والأهداف المرجوة منها ؟.

ولما كانت السياسة موضوع غاية في التعقيد ، بل وربما من أكثر المواضيع التي تواجهها الدول والحكومات وحتى الإنسان تعقيدا فلا بد من:

*- أن يكون إختيار السياسة في أي مجال كان مبنيا على مقاييس معيارية.

*- أن يملك صناع القرار والسياسيون (أحكاما إمبريقية)1 عن القضايا محل الإهتمام حتى تأتي مفاضلتهم لهذا البديل أو ذاك ، ذلك لأنه عند إختيارك لسياسة مايعني أنك تحاول التحرك نحو هدف ما تعتقد أنه مرغوب ،وعلى هذا الأساس تجد الحكومة والقائمين بها نفسها مجبرة على إصدار أحكام تتعلق بالسبل الممكنة للوصول الى هدف، وتتعلق كذلك بصعوبة وسهولة كل بديل وسبيل من هذه السبل.

*- إن السياسة الجيدة ماهي إلا طريق يقود إلى أفضل الأوضاع التي يمكن الوصول إليها بتكلفة ينظر إليها أنها مجدية تماما .

*- إن تبني أي سياسة خاصة إذا ما كانت هامة أمر محاط دائمة بسحابة من عدم اليقين والشك ، فلا يكون أصحاب القرار على يقين بخصوص المسائل المتعلقة بحقائق واقعية(1) .

فعلى سبيل المثال هل السياسة التي سيتم تطبيقها تتطلب مشاركة سياسة فاعلة ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي السبيل وما لذي أستطيع فعله لأوسع من نطاق المشاركة السياسية ؟ فإذا كان الأمر كذلك كيف يمكن التحكم في ذلك محليا ؟.هذه الأسئلة وأخرى تفسر حالة الشك التي تنتاب صانع السياسة ومحللها في تبني بديل معين ، ويبدو أن عدم اليقين من وجود إجابات قاطعة عن هذه الأسئلة والآلاف منها هو جزء من السياسة العامة ذاتها ، فما هي نوعية إستراتجيات الإستقصاء التي تساعد على الإرتقاء بمستوى قرارات السياسة وسط الزخم الذي لايمكن تجنبه من الإجابات الغير المؤكدة.إن الإجابة على سؤال كهذا يطلعنا بصدق عن صعوبة عملية إختيار أفضل بديل وتبنية كسياسة عامة شاملة كاملة ومتوازنة وعقلانية تحقق الرضي لجميع الأطراف التي تدخل في صياغتها.

وعليه لابد أن تكون المعايير والمقاييس موضوعية وأن تكون المعلومات الضرورية واللازمـة متوفرة ومؤدية الى تأكيد صحة إجراءات إختبار أي بديل ووافية الغرض في قياسة .ولعل مزايا البيانات الكمية هنا هو تسهيل إمكانية القيام بتحليل سببي ، يتصف بكفاءة أعلى ، وتقدم أيضا طريقة ممكنة للتعامل مع تدفق المعلومات التي تخدم عملية المفاضلة بين بدائل السياسة وإختيار أنجع بديل ، ولا يعني هذا في مطلق الأحوال أن هذه السياسة

المقترحة بعد تزكيتها من جميع الأطراف أنها تحمل حلولا كاملة وتحقق أبعد رضى يمكن تحقيقه وتحسم كل الآثار البيئية ، فلا يمكن حسم الخلاف دائما ، فإن الخلافات تكون مفيدة في بعض الأحيان ، لأن في الغالب ما تتقاسم أطراف كثيرة وجهات نظر متشابهة حول مسائل واحدة موجهة السياسة العامة في إتجاه معين وترجح بديل دون غيره .وفي ظل هذا الجو من التجاذب سوف يظل عدد كبير جدا من الخيارات السياسية أسيرا لضباب عدم اليقين لأن الأحكام الأخلاقية والقيمية في ميدان السياسة منتشرة وقوية ومعقدة ، لذلك لابد أن يعتمد في هذه المرحلة على تحليل سياسي موضوعي للقضايا وبشكل عميق.

*المرحلة الخامسة: تنفيذ السياسة العامة :

أن هذه المرحلة تستدعي التنفيذ الفعلي للسياسة أو البديل الذي تم تبنيه , فحال الإنتهاء من تبني سياسة ما وتشريعها تصبح المقترحات والمشروعات واللوائح التي تعبر عن مضمونها مؤهلة لأن توصف بالسياسة العامة،و التي تكتسي بطابع الرضى لجميع الأطراف المعنية بها والتي تمت فيها إختزال حجم الصراعات والمساومات وتفاوت الآراء بطريقة إئتلافية مرضية ولو على حساب قلة قليلة التي لم تبدي إستحسانها لهذا النوع من السياسة .

إن تنفيذ السياسة العامة public policyim plementation يمكن أن يحمل أكثر من دلالة، ومصطلحات التي يمكن إستخدامها لمرادفة تنفيذ هي الإدارة والتطبيق أو التفصيل , وهنا قد يصعب الفصل بين مرحلتي التشريع والتنفيذ كما قال أندرسون: “هناك صدق كبير في المقولة التي ترى بأن السياسة العامة تشرع في ضوء إمكانية تطبيقا،وهي تطبيق في ضوء ما تنص عليه لائحة تشريعها “ (1).

وعلى هذا الأساس هذا القول الحصيف فان تنفيذ السياسة العامة بعبارة بسيطة هوتحويلها إلى نتائج عملية ملموسة , وتشير أيضا إلى مجموعة النشاطات والإجراءات والتدابير التنفيذية الهادفة لإخراج السياسة العامة أو وضعها حيز الواقع العملي , باستخدام الوسائل والإمكانات المادية والبشرية والتكنولوجية وغيرها في سبيل تحقيق مقاصد السياسة العامة.

وكما سبق وأن أشرنا في علاقة الإدارة العامة بالسياسة العامة.فالإدارة هي الأداة التنفيذية التي تكلف بالنهوض والإنجاز حسب ما تقتضيه القرارات الصادرة عن سلطات الدولة فهي تقوم بوضع أفعال وإجراءات فاعلة ومؤثرة , من خلال المشاهد التطبيقية والممارسات العلمية ضمن برامج ومشروعات دعت إليها السياسة العامة بالشكل الذي يؤكد على قدرة الإدارة العامة من إنجاز أهدافها . والملفت للإنتباه هنا هو أن دور محل السياسة مهما كان موقعه جهاز أو مستشار أو مؤسسة تنتهي مهمته بمجرد تشريع السياسة والموافقة

عليها ، فالأجهزة الإدارية غالبا ما تعمل في ضوء قوانين عامة تجعلها تتحرك في حيز واسع لتقرير ما تريد فعله ، فالسلطة السياسة لم تضيق الخناق بصفة مطلقة بل تترك هامش لإصدار اللوائح التنفيذية والتنظيمية وفق الحدود والصلاحيات المخولة لها في الهيئات المركزية او المحلية وإن كان هذا له إنعكاسه السلبي في إمكانية التلاعب بالسياسات العامة لكن ستكشف الأخطاء وتقوم وتراقب إذا ما كان هناك إفعال حقيقي لهاذين الأسلوبين وفق أطر سليمة وموضوعية .

كما يعني تنفيذ السياسة العامة تنفيذ الأوامر الشرعية “Mandotes ” للسياسة من خلال البرامج العامة وعادة ما يعبر ذلك التنفيذ عن منجزات البيروقراطية الحكومية ومهاراتها الآدائية،على الرغم من أن بعض السياسات تحتاج إلى تدخل دوائر الدولة المركزية والمحلية والأفراد وجهات عديدة من خارج الحكومة ، فهذه العملية ليست بالسهلة فهي عملية ذات تأثير ولا بد أن تكون بصفة مرنة ومستمرة، لأنه في النظم المعاصرة ونظرا لتعقد مهام الإدارة يتم تنفيذها من قبل نظام إداري ضخم ومعقد التركيب ومتنوع الوحدات ، يتم من خلاله جعل السياسة العامة حقيقة فعلية. (1) .

فهي كما هو معروف تتوزع عليها الأنشطة وتتقاسم الصلاحيات كل حسب دائرة تخصصه أو نطاق إقليمه الجغرافي ، وهي ليس كما يضن البعض أنها تباشر عملية التنفيذ مباشرة مرة واحدة فور إنتهاء من تشريع السياسة .فهذا يتم وفق أوامر تنفيذية تصل بموجبها السياسات إلى المستويات الدنيا في الجهاز الإداري في الدولة ولنقص الوقت والمعلومات والخبرات كثير ما يقود المشرعين لتخويل الإدارات بعض الصلاحيات الواسعة لتنفيذ السياسات.فهي بذلك عملية تنفيذ السياسة العامة كعملية فنية إجرائية تمكن المدراء التنفيذيين في أجهزتهم الإدارية من اتخاذ القرارات في إطار الصلاحيات الممنوحة لها جغرافيا وفي إطار حدود المكان والبيئة والإمكانيات المتاحة (1).

ولكن لا يعني هذا أن الأجهزة الإدارية تنفرد بعملية تنفيذ السياسات العامة من منطلق أن السياسة العامة تصنع مثلما تنفذ وتنفذ مثلما تصنع ، ويتم تشريعها في ضوء إمكانية تنفيذها وأيضا يتم تطبيقها في ضوء عملية تشريعها وكل هذا يعكس التأثير المتبادل صنعا وتنفيذا . ووفق هذه إلاعتبارات يشارك المشرعون في عملية تنفيذ السياسة العامة فالسلطة التشريعية وإن كانت مهمتها إقرار السياسة العامة لكن من خلالها عملها بدقة أكبر وتفصيل أشد تضغط على الإدارة العامة بطرق عديدة وتحدد مساراتها ومبرراتها ،كما أن اللجان الفرعية التخصصية التابعة للمشرعين أو السلطة التشريعية التي تتولى مراجعة اللوائح والعمل الإجرائي إزاء الطريقة التي

تعتمدها الإدارات في تطبيق اللوائح كذلك إعتماداتها المالية السنوية لابد أن تحظى بموافقة السلطة التشريعية التي يكون عملها في هذه الحالة مندرجا في مهام ذات إختصاصات تنفيذية.

كما تلعب المحاكم أو القضاء أدوارا محورية في الآداء التنفيذي من خلال وحدات إدارية تتمتع بسلطة إجراء التحقيقات وتطبيق اللوائح القانونية سواء كانت هيئات عمومية أو في شكل هيئة مستقلة كتلك التي تقوم بكشف التلاعبات والإنحرافات والتجاوزات التي قد تحصل على مستوى الوحدات التنفيذية الإدارية، بالإضافة الى كل هذا تلعب وسائل الإعلام دورا بارزا في عملية إقرار السياسة العامة وتنفيذها حيث تقوم بحث العديد من المنفذين على الجهد الواسع ،كما تتخذ كمراقب لتطبيق السياسة عن طريق كشف التلاعبات ونشر التقارير المزيفة وتضع المعنيين في صورة الأحداث.لا يمكننا أن نحصر كل الأطراف التي تدخل في تنفيذ السياسة العامة أو تشارك أو تؤثر على تنفيذها فالقدرة التأثيرية للجهات المعنية تختلف بحسب موقع هذه الجهة في النظام السياسي ، إستنادا إلى متطلبات العملية التنفيذية وطبيعتها التخصصية التي تفرض إلتزاما معنيا وتوفيرا محددا للإمكانات والوسائل والموارد كما تتطلب ظرفا موقفيا محسوبا في أبعاده الزمانية المكانية والبيئة ،إلى جانب الحفاظ على أهداف ومقاصد السياسة العامة المعبرة عن توجيهات وفلسفة النظام السياسي القائم .

إن معظم التشريعات الحديثة هي ذات طبيعة عامة وشاملة لعموم الأفراد في البيئة الإجتماعية ، وبالتالي لا يمكن تطبيقها ما لم يقم المسؤولون الإداريون بالعمل على وضع لوائح تفصيلة وإجراءات تنظيمية لتحويل تلك التشريعات التي تتضمنها السياسة العامة إلى نتائج واقعية ملموسة ، تكون أكثر وضوحا ونفعا في الوسط البيئي وبالشكل الذي يتحقق معه أيضا الأهداف العامة للسياسة وتوجيهات النظام ، وعلى سبيل المثال هناك عدة تشريعات تنص على تقديم قروض ومنح ومساعدات أو التأمين فهذه سياسات عامة لم تصمم مباشرة لتنظيم وتوجيه سلوك الأفراد فكيفية تنفيذ هذه البرامج يتطلب قرارات أكثر تفصيلا على مستوى الهيئات الإدارية والبنوك المحلية ومؤسسات الضمان الإجتماعي وبما أن السياسات العامة تهدف إلى التأثير والسيطرة على السلوك البشري بشكل أو بآخر لتوجه الشعب لأن يتصرف وفقا لما يريده صناع السياسة ليحقق الأهداف والمصالح العامة ، هذا التأثير والسيطرة وصفه جيمس أندرسون بالإذعان((Compliance .

*المرحلة السادسة: تقويم وتقييم السياسات العامة:

تتضمن هذه المرحلة نشاطات متسلسلة تهتم بتقدير وتثمين وتحديد الأهمية للمضمون التي تنطوي عليه السياسة العامة ،وبالتالي فإن السياسة العامة لايمكن أن تعني بمتطلباتها بشكل تام وتكون بعيدة عن بعض مقاصدها على مستوى الصنع والتنفيذ ، لذلك تصاحب معها عملية هامة جدا وهي عملية التقويم التي تدعو الى معرفة عملية وحقيقة وموضوعية بالإنعكاسات السلبية والإيجابية المترتبة عن السياسة العامة وعن تنفيذها وعن آثار مخرجاتها ومدى فعاليتها وكفاءتها في تحقيق الأهداف التي صممت لأجلها .

يعتبر التقييم عملية أساسية للذين يصممون وينفذون السياسات العامة، وتهدف هذه العملية إلى تشخيص وقياس آثار ونتائج السياسة للتوصل إلى معرفة المنجز من النتائج سواء كان ذلك قياسا بالسلع أو الخدمات التي تقدمها البرامج أو النتائج المرحلية للسياسات العامة في مجال معين ، أو ما يترتب من أثر “Impact” على السياسة العريضة و الطويلة المدى للمجتمع ومقارنة النتائج مع المعدلات “Standards” (1).إلى جانب هذا يجب أن يتم التقويم ضمن جميع عمليات السياسة العامة وأن لا يتوقف إجراء التقويم على النتائج التنفيذية بل هو نشاط وظيفي يجب أن يتحقق من خلال عمليات الصنع والصياغة والتطبيق،أي ينبغي أن يكون خلال النظر في القضايا والمشكلات العامة ، لأجل توفير المعلومات وحساب الحسابات المنطقية والعلمية حول المقترحات والآراء المطروحة ثم خلال عملية الإختيار حتى يتم توظيف النتائج المفيدة لمحتويات السياسة العامة ليصل من بعد إلى المتابعة المستمرة لتنفيذ السياسات وتعزيزها، ليكون التركيز منصبا على نواتج وآثار تلك المخرجات ، ففي ظل هذه الدائرة التقويمية يمكن الوقوف على حقيقة السياسات العامة وكشف عيوبها ، وتبيان مواطن الخلل فيها لإعادة النظر فيها في السياسات المقبلة .

إن التقويم كنشاط وظيفي يعد قديما قدم السياسة ذاتها ، فصناع السياسة ومديرها يطرحون عادة أحكامهم بشأن أهمية وقيمة هذه السياسة أو تلك أو هذا البرنامج أو ذلك ، ومثل هذه الأحكام تعتبر في الغالب تعبيرات شخصية وإنطباعات ذاتية عما تعكسه وجهات نظر هم المباشرة بمواقعهم أو بعقائدهم أو إنتمائهم ومصالحهم. لكن مع التطور في المجتمعات والزيادة الضخمة لتدخل الدولة والإنفاق الحكومي جاء التطور التاريخي للتقييم في ضوء رغبة الدولة وحكومتها في تنفيذ برامجها في مجالات السياسات الإجتماعية والإقتصادية والعدالة الإجتماعية والتعليم والصحة ……الخ ، مما زاد في إتساع العلاقات والنشاطات المترتبة على ذلك ، هذا قد يكون له سببا في التلاعب بالسياسات من جراء الأعمال الروتينية التي تقوم على المستويات الفنية الإجرائية ، فلا بد من مرآة تعكس حقيقة هذه السياسات ، وهل قامت مقامها ؟ أم أصابها شلل على مستوى معين ؟ ولم تركت هذه الآثار ؟ وهل أديرت السياسة وبرامجها بنزاهة ؟ وهل حدث هناك تضارب في برامجها ؟ وإلى أي مدى لقت إستحسانا وتجاوبا شعبيا وتجانسا واقعيا ؟.

وتذكر إحدى التعاريف أن التقييم يعني:”قياس مدى فعالية برنامج معين تحت التنفيذ في إنجاز أهدافه ، أو مقارنة مرحلة التصميم بمرحلة التشغيل وربط النتائج بالعناصر المستخدمة في البرنامج ، وكذلك العمل على تطوير البرنامج عن طريق التغيير في العمليات الحالية”(1).

وهناك عدة تعاريف أخرى تنوعت فيها الطروحات في ضوء المرتكزات المعرفية والنظرية التي تقوم عليها هذه العملية ، وكذا المنهجية العلمية للأدوات والمقاييس التي يتم إستخدامها من زاوية الإختبار والفحص ذي الغاية التجريبية لأجل معرفة آثار الساسة العامة يعرف التقويم بأنه :”تلك العملية المنهجية التي يقوم بها محلل السياسة العامة ويطبقها في سبيل تحديد قيمة النتائج المترتبة عن تنفيذها ، بحيث ينجم عن هذه العملية التحليلية إثبات صحة البديل أو فشله” (2).أي نشاط يستند على أساس علمي بهدف إلى تقييم العمليات المرتبطة بالسياسات العامة وآثارها والبرامج المصاحبة لعملية التنفيذ.وأحسن من عبر عن عملية التقويم هو ( وليام دانWilliam dann ) حيث يرى أن :”التقويم يرتبط بتطبيق بعض المقاييس والقيم على نتائج السياسات العامة والبرامج المعبرة عنها ،فهو مصطلح مرادف لمعاني لكلمات أخرى مثل : التثمين والقياس والتقدير والتي تتضمن هي الأخرى جهودا في تحليل السياسة العامة بأكبر خصوصية، فإن معنى التقويم يشير إلى إستخلاص المعلومات حول نتائج السياسة العامة لتقويمها بشكل واقعي” (1).

يتضح بأن التقويم عملية ذات طابـع علمي تطبيقي تهدف إلى فحص البرامج والمشروعات والعمليات التنفيذية المرتبطة بالسياسة العامة ودارسة نتائجها وما يترتب عنها من عوائد وفوائد، وتشمل تحديد فاعلية البرامج ومدى تحقيق أهدافها بواسطة مبادئ علمية ونماذج وأساليب تميز بين الآثار المباشرة للبرامج ، كما يمثل مقياسا جيدا يمكن بواسطته قياس آداء صانعي السياسة العامة.

أ/أنواع التقويـم :

تعددت الإتجاهات ونوعيات التقويم في السياسة العامة بتعدد المناظير التقويمية والأهداف المتوخاة من ذلك ، حيث تقوم الحكومات القومية بتقويم السياسات بطرق مختلفة ومن قبل جهات متعددة ويكون أحيانا التقويم دوريا ونظاميا ، بينما يكون أحيانا أخرى طارئا ومفاجئا وقد يكون مؤسسيا وله أجهزة متخصصة أو يظل غير رسمي وليس له أي إطار مؤسسي ، لذلك سنتناول بعض أشكال التقويم من زوايا مختلفة ، حسب الأهداف المرجوة منه .

1- التقويم المتقدم : هذا النوع يتم قبل إتخاذ أو تبني السياسة العامة ، حيث يكون الآدات الإرتكازية في عملية إعداد السياسات وتحديد الخيارات والأولويات والمفاضلات ، وعادة ما يقوم به الخبراء والساسة أنفسهم ومحللي السياسة العامة للحصول على المعلومات اللازمة خلال عملية الصنع ، وقد يسمى أحيانا بالتحليل

وأحيانا بقياس التأثير وأسماء أخرى لكنه يستند الى معايير موضوعية تولد معرفة حول الآثار التي قد تنجم في المرحلة القادمـة .

2التقويم الإستراتيجي : يأتي هذا النوع في مستوى أدنى من التقويم السابق ،حيث يساعد على القيام بتعديلات وترتيبات وتحسينات ضرورية قبل البدئ في عملية التنفيذ وردم الهوة بين الصنع والتنفيذ ، ويضع المنفذين في صورة تجعلهم أكثر إطمئنانا وأكثر دقة وتحديدا ، ويمنحهم معطيات عن البيئة الداخلية والخارجية التي تساعدهم في إعادة النظر في إمكناتهم ومواردهم وجدولهم الزمني المخصصة لغرض بدئ التنفيذ .

3- تقويــم البرامـج : ربما هذا هو جوهر عملية التقويم في السياسات العامة ، حيث يحضى بإهتمام خاص قد يتعدى مهمة التنفيذ والسبب المباشر هو الوقوف على مدى نجاح الممارسات العملية للعمليات التنفيذية ، على المستويات الفنية الإجرائية،ومعرفة مدى تحقيق البرامج الحكومية لأهدافها، فهل أعطت سياسة المخصصة مثلا ببرامجها آثارا إقتصادية إيجابية ، كرفع مستوى الدخل أو مستوى التشغيل أم أنها زادت من حدة البطالة أو سرحت العمال ورفعت من معدل الأسعار …الخ. هذه الآثار كان لابد أن تتخذها الدول في الحسابات من خلال عمليات التقويم المستمرة في المراحل الأولية قبل تبني مثل هذا النوع من السياسات ، وحتى وإن كان هذا قد فرضه منطق دولي معين ، لكن لابد من تقييم شامل لأرضية تطبيقه محليا .

قد لا يطلعنا هذا المثال بصدق عن حقائق أخرى لكن بالنظر الى القضايا العامة المتمثلة في الفساد السياسي والإداري والرشوة وإختلاس الأموال وتبييضها والجريمة…الخ كلها تحضي ببرامج واسعة في أدبيات الحكومات وتترك إنطباعا خاصا في العقيدة السياسية لدى صناع القرار فهل لتقويم البرامج حول مثل هذه القضايا يترك صدى في الأوساط البيئية من جهة ؟ وله جدوى وفعالية تقضي على مثل هذه الظواهر من جهة أخرى ؟.

4- تقويم الفعالية : يساعد هذا النوع من التقويم على معرفة القدرة الإنتاجية للبرامج الحكومية ومدى تحقيق الأهداف الموضوعة في السياسة العامة ، ويكشف عن كل الإنحرافات التي قد تحدث في عمليات التنفيذ والتلاعبات السياسة أو الإدارية أو أي إسراف في الجهد والوقت والإمكانات ، ويعطي حقيقة وجوهر السياسات العامة وصداها في الواقع، وأهم مؤشر للفعالية هـو المواطن، أي إلـى أي مدى إنعكست عليه السياسات العامة في الإتجاهين الموجب أو السالـب ؟.

5- تقويم الآداء : يستخدم هذا المدخل في التقييم لمعرفة ماذا يجري داخل البرامج ، وهنا يراقب المسؤولون مدخلات البرامج ويكون الخيار الوحيد لخبراء التقويم في المراحل الأولى للبرنامج ، فمثلا يقوم خبير التقويم بمراقبة حجم القوى البشرية المستمرة في البرنامج وكمية الموارد المادية من مواد أولية وتجهيزات التي يستخدمها ، كما يركز أيضا على العمليات والنشاطات ومنها يقوم بجمع معلومات عن ما يجري في البرنامج مما يؤدي إلى

عمليات تقييم مرحلية لقياس حجم العمل المنجز وجزئياته ، كما يقوم مدخل تقويم الآداء بالتركيز على المخرجات ومنها تكون المصلحة والتركيز على ما يقدمه البرنامج أو النظام من إنتاج أو عائد لبيئته . وهو النوع أيضا الذي يعني بتقويم الدرجة التي تحافظ فيها أية سياسة عامة أو برنامج حكومي على أقل تكلفة ونفقـة ممكنـة كمؤشر إقتصادي يتفق ومنطق الخدمات العامة في الوسط الإجتماعي.

6 – تقويم النتائج : محاولات تشخيص وقياس آثار ونتائج السياسات من خلال تبيان الآثار الإيجابية والسلبية التي سببها تنفيذ هذه السياسة العامة ، وكشف المؤشرات المباشرة والغيـر المباشرة المرتبطة بتلك الآثار الناجمة.

7- تقويم السياسات :يأتي مدخل تقويم السياسات مكملا لبقية المداخل التقويمية الأخرى وذلك من زاوية تحليلية بتشخيص الظروف البيئة المهمة التي تتفاعل مع تنفيذ وتطبيق السياسات،ويحاول محلل السياسات بتقييم وتطوير مقاييس أو مؤشرات لمراقبة الظروف البيئية خلال فترة معينة للحصول على معلومات تثبت بأن هذه الظروف لم تتغير أو تحسنت أو تدهورت ، مثلا برنامج حكومي في مجتمع محلي معين لمراقبة البطالة أو معدات الجريمة في هذه الحالة يكون هناك ضرورة لتقدير العلاقات التبادلية (1).

ب/معاييـر التقويـم في السياسـة العامـة :

إن المعايير التي يمكن تبنيها في التقويم عديدة ومتنوعة حسب أنواع التقويم ومجمل الدراسات لم تؤكد على معايير موحدة ، لكن هناك إجتهادات لوضع بعض المقاييس ومن أهم المعايير المهمة الرئيسية الشائع إستخدامها تشمـل :

1- المعيار الإقتصادي : يؤكد على التقليل من الإنفاق الحكومي ومن عيوبه، وهو عدم تمكن من إحتساب زيادة الإنفاق والمنافع التي تتخلى عنها كنتيجة لخفض الإنفاق.

2- الكفاءةEfficiency: تعني مستوى الإنجاز أو النتائج مقاسا بالمقارنة مع الموارد المستعملة أو المدخلات ويشمل التعريف على مواصفات معنية للأشياء التي سوف يتم إنجازها

3- الفعاليةEffectivement : تقيس المقدار الذي أنجز من الأهداف ، أي من حيث القدرة على تحقيق النتائج .

4- العدالـة : من حيث التوزيع العادل للمنافع بين مختلف الشرائح وتستخدم عدد من المقاييس في كيفية توزيع الموارد والثروات الحكومية .

5- الشرعية القانونيةLegality : من حيث مطابقة هذه السياسات إلى التشريعات والقوانين واللوائح المنظمة لتلك السياسات أو القطاعات أو البرامج (1).

هذا ويحدد (الدكتور عامر الكبيسي) عدة مؤشرات في عملية التقويم للبرامج العامة وهي: “مدى تحقق الأهداف،مدى الترشيد في النفقات ،نسب التنفيذ للخطط والبرامج،مدى الرضا والإرتياح لدى المستفيدين،مدى الإلتزام بالقوانين والأنظمة والتعليمات النافذة،مدى قياس المخرجات نسبة إلى قياس النتائج والمعطيات ،نسب المؤثرة الحضارية والاعتبارية،حجم الموارد والعوائد الداخلية المتحققة (2).

إن البت في دراسة التقويم ومعاييره يعد من أصعب العمليات بحثا وتحليلا في الإدارات الحكومية وأكثرها كلفة ، فإذا ما أرادت الحكومات تطبيق التقويم بصورة فاعلة ، فلا بد أن يحتم الأمر التعامل مع هذه العملية أو المرحلة بمثل ما تتعامل مع إدارة وتوزيع الموارد النادرة في المجتمع ، أي يجب القيام بالتخطيط والسيطرة والتوجيه في مجتمع مراحل التقويم للوفاء بالمسؤوليات .

ج/مستلزمات التقويم :

تتطلب عمليات التقويم في السياسة العامة مستلزمات عملية وإجرائية في سبيل القيام بها نحو حسن تأديتها للغرض المرجو منها ، وذلك وفق هذه المراحل .

– تحديد إحتياجات وإهتمامات صانع السياسة وإدارة البرامج في عملية التقويم .

– تحديد طبيعة المشكلة ونطاقها أو مجال التقويم .

– تحدد أهداف السياسة أو البرنامج المراد تقيمه

– تطوير المعايير والمقاييس الشاملة لغرض قياس أهداف البرنامج الخاضع للتقويم (1).

يتم إدارة هذه العمليات كجوهر العملية الإدارية بمختلف أبعادها ، فلا بد من تحضير خطة لدراسة العملية التقويمية من حيث غايتها وأهدافها وإختيار فريق المقومين وأساليب والمعايير التي سوف يتم إستخدامها،وتحديد الأطر والإجراءات لتنفيذ العملية في ضوء تحديد المسؤوليات وتوزيع الأدوار ثم يتم تقويم التقويم من خلال معرفة المسؤول عن التقويـم والتحقق من جدوى وفعالية الجهة والفريق القائم بعملية التقويم،حيث يتم أداء التقويم في السياسة العامة من خلال طرق وجهات عديدة ومختلفة مثل : اللجان البرلمانية ، مكاتب المحاسبة ،

مجالس الرئاسة ، الإدارات الحكوميـة ….الخ،التي تتولى العملية ضمن إطار رسمي ولا يمنع من تفاعلها مع جهات أخرى فاعلة ضمن الإطار اللارسمي .

د/مقومات التقويم الفعال :

1- التناغم والإتفاق مع الأهداف العامة والإستراتيجية.

2 -جودة منهج وطرق ومعايير التقويم.

3-كفاءة وفعالية التكاليف 4 -مدى إستمرار الفوائد والتحسينات في المستقبل

5-أن يكون دقيقا في تحليله.

6 -مستقـلا في تقديــره.

7-يقوم علـى التشــاور .

8 -يتسم بالشفافية في تقاريره (1).

ه/ مشكلات ومعوقات التقويـم :

يعد التقويم من أكثر الوسائل فائدة لصانعي السياسات ، إذ يسعى إلى تحديد علاقات (السببية النتيجة ) ويقيس الآثار والنتائج الناجمة عن السياسة لكن هذا لا يعني أنه يجري بموضوعية وصدق، إذ يقع في معوقات وقيود فالتقويم ليس بالعمل السهل أو البسيط ولا يعد أمرا يسيرا ، لذلك ينبغي مراعاة التغيير الذي يحدثه في الظروف العامة وفي مجالات رسم التي دعت لرسم هذه السياسة . لذلك لمعوقات التقويم لأسباب عدة ، حيث أفرزت التجارب العملية كم من القيود والمعيقات ونذكر منها :

* صعوبة تحديد أهداف البرامج من قبل صناع السياسة الشئ الذي يجعل عمل المقومين عملا معقدا.

* صعوبة تحديد المؤشرات حول آراء البرامج بشكل موضوعي وصادق وما يتعلق بالمصلحة العامة .

* صعوبة رصد معلومات كافية حول متطلبات ومستلزمات العملية ومصادر التحكم فيها.

* معظم السياسات لها قيم رمزية بشكل أساسي ولا تؤدي إلى تغييرات ملموسة مما يجعل التقويم أمرا غير مجدي ولا تأخذ بتوصياته .

* صعوبة تفسير العلاقات السببية ( السبب النتيجة )،فالتقويم يتطلب مراعاة ما تحدثه السياسات من تغير في البيئة وآثارها خاصة ضمن القضايا اجتماعية والإقتصادية المعقدة .

* المحدودية في صدق نتائج التقويم ومحدودية المعطيات والمنفعة مما يجعل منه عملا روتينيا .

* المتغيرات البيئية وعدم استقرارها بالشكل الذي يتيح للمنظمات الإدارية معرفة أحوالها وواقعها جيدا .

* المشكلات المتعلقة بالجوانب الأخلاقية فالتقويم عرضة لها على صعيد عملياتها وعناصرها حيث تنوء المؤسسات السياسية والمؤسسات الحكومية والمنظمات العامة والأجهزة البيروقراطية في كثير من الأحيان بغياب

النزاهة والموضوعية رغم شيوع أخلاقيات المهن والمبادئ المتعلقة بالمهام والمسؤوليات ذات العلاقة بالنفع العام ،بما يضمن الإستقامة في الآداء الوظيفي والإرتقاء به من حيث السمعه والنزاهة والجدارة .

* عدم كفاية الموارد المخصصة للعملية التقويم وغياب الوسائل والمعايير الشاملة،لتعدد أسباب المشكلات والقضايا العامة فغالبا ما تضع السياسات لأغراض أمنية لكنها سرعان ما تحدث أغراض أخرى ، وتحدث أعراض لامتناهية بما يحدث صعوبات منهجية وعملية وفنية في عمليات التقويـم .

وأخير لقد ذكرنا بعض المفاهيم المتعلقة بالتقويم كعملية وكآدات وكفلسفة كمنطق تفرضه عمليات صنع السياسات العامة ، فهو عملية ملازمة لجميع مراحل صنع السياسات ولا يتوقف إجراؤه على نتائج العمليات التنفيذية ، حيث يطلع به عدة جهات رسمية كالجان البرلمانية والمجالس الرئاسية وكل المتخصصين والمحترفين في هذا المجال في النطاق الرسمي ولا يعني هذا أنه لا تشارك فيه جهات غير رسمية ، بلى فهذا منطق تفرضه البيئة الخارجية ويعد أمرا له آثار بالغة الأهمية في عملية التقويم،وللتقويم أبعاد متعددة ، إدارية ، سياسية وهو العملية الباعثة في أي سياسة جديدة والمبعد لأي سياسة عامة فاشلة والمعزز لأي سياسة عامة ناجحة وفاعلة .وهو المرآة العاكسة لصدى السياسات العامة في الواقع ، لكن هناك سؤال قد يطرح نفسه هنا ، وهو لماذا لا تحقق أغلب السياسات العامة لأغراض التي وجدت لأجلهـا؟وهذا ما أجبنا عليه بطرحنا لمعوقات التقويم من صعوبات منهجية وعملية ، فنية ، أخلاقية …الخ .