الدكتور عذاب العزيز الهاشمي

عضو المجلس الدولي التجاري فرنسا

محكم وعضو المركز الأمريكي للقانون الدولي تكساس

عضو جمعية التحكيم الدولي بروكسل

 

 الملخص:

يتكون مفهوم المواطنة في سياق حركة المجتمع وتحولاته، وفي صلب هده الحركة تنسج العلاقات وتتبادل المنافع وتخلق الحاجات وتبرز الحقوق وتتجلى الواجبات والمسؤوليات؛ ومن تفاعل كل هده العناصر يتولد موروث مشترك من المبادئ والقيم والعادات والسلوكيات، يسهم في تشكيل شخصية المواطن، ويمنحها خصائص تميزها من غيرها؛ وبهذا يصبح الموروث المشترك حمايةً وأمانًا للوطن والمواطن.

فالمواطنة حقوق وواجبات وهي أداة لبناء مواطن/ة قادر/ة على العيش بسلام وتسامح مع غيره/ا على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والعدل، بقصد المساهمة في بناء وتنمية الوطن والحفاظ على العيش المشترك فيه.

المقدمة:

ان حقوق المواطنة وقيمها ونوعيتها، تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري في المجتمع. وهي -بوصفها مفهومًا تاريخيًا شاملًا- خيارٌ ديمقراطي اتخذته مجتمعات معينة، عبر مراحل تاريخية طويلة نسبيًا، تكرَّست فيها حقيقة المواطنةُ بأنها العضويةُ الكاملة والمتساوية في الوطن، بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، أي أن كافة أفراد الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية من دون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الجنس أو الدين أو المذهب أو الإثنية أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري

الكلمات المفتاحية : المواطنة – حقوق انسان – قانون دولي

اهمية البحث:

تكمن اهمية البحث ان مفهوم المواطنة  له أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام:

1- بعد قانوني يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين استنادًا إلى عقد اجتماعي يوازن بين مصالح الفرد والمجتمع.

2- بعد اقتصادي-اجتماعي يستهدف إشباع الحاجيات المادية الأساسية للبشر ويحرص على توفير الحد الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وإنسانيتهم.

3- بعد ثقافي-حضاري يعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية، ويرفض محاولات الاستيعاب والتهميش .

 

اهداف البحث:

وباختصار اهداف البحث هي انة يمكن اعتبار المواطنة مجموعة من القيم والنواظم لتدبير الفضاء العمومي المشترك، ويمكن تحديد أهم تجليات المواطنة في أربعة نواظم، هي: الانتماء – الحقوق – المشاركة – الواجبات.

مشكلة البحث:

تكمن مشكلة البحث بالاجابة على الاسئلة التالية هل للمواطنة الحقوق والمرتكزات التالية:

  • – قيمة الحرية:

 والتي تنعكس هذه القيمة في العديد من الحقوق مثل حق الحياة، وحق الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية الرأي والانتماء السياسي، وحرية التنقل داخل الوطن.

  • – قيمة المساواة:

والتي تنعكس في العديد من الحقوق مثل الحماية المتكافئة أمام القانون، وحق التعليم، والعمل، وحق الجنسية، وحق المعرفة والحصول على المعلومات التي تساعد على ذلك.

  • – قيمة المشاركة:

والتي تتضمن العديد من الحقوق مثل الحق في تأسيس الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، أو أي تنظيم آخر يعمل لخدمة المجتمع أو لخدمة بعض أفراده والاشتراك فيه، وكذلك حق تنظيم حملات الضغط السياسي على الحكومة أو بعض المسؤولين لتغير سياستها أو برامجها أو بعض قراراتها، وحق ممارسة كل أشكال الاحتجاج السلمي المنظم مثل التظاهر والإضراب، وحق الترشيح والتصويت في الانتخابات العامة بكافة أشكالها.

منهجية البحث: نتبع في بحثنا هذا منهجية التحليل المقارن وفقا لمبادئ حقوق الانسان للمواطنة

خطة البحث:

المتطلب الاول: مفهوم المواطنة واسس معاييرها.

المتطلب الثاني: المواطنة وحقوق الانسان.

المتطلب الثالث: تعزيز مبدأ المواطنة وفقا لمبادئ القانون الدولي.

 

المتطلب الاول : مفهوم المواطنة واسس معاييرها

تعتبرالمواطنة بصفتها مصطلحاً معاصراً تعريب للفظة (Citizenship) التي تعني كما تقول دائرة المعارف البريطانية (علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، متضمنة هذه المواطنة مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات).

   ويعرف قاموس المصطلحات السياسية “المواطنة” بأنها: مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين شخص طبيعي، وبين مجتمع سياسي (الدولة)، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق القانون). وينظر إليها فتحي هلال وآخرون من منظور نفسي بأنها الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطار المصيرية[1].

   فالمواطنة هي صفة المواطن والتي تحدد حقوقه وواجباته الوطنية ، ويعرف الفرد حقوقه ويؤدي واجباته عن طريق التربية الوطنية، وتتميز المواطنة بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه، وخدمته في أوقات السلم والحرب، والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسساتي والفردي الرسمي والتطوعي في تحقيق الأهداف التي يصبو لها الجميع، وتُوحد من أجلها الجهود، وتُرسم الخطط، وتُوضع الموازنات[2].

    فالتحولات الحاصلة اليوم في شتى المجالات وانتشار مبادئ الديمقراطية، وتنوع وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة زاد من وعي المواطن، وكثرت مطالبه، وتنوعت واختلفت اهتماماته الحديثة مقارنة بالاهتمامات القديمة. وأصبح الأمر يتطلب من أي وقت مضى ضرورة إشراك المواطن في كل قرار وفي جميع مراحله، وأن يكون متواجدا في جميع دوائر صنع القرارات،  ومنه جاء التحول المنظم لعلاقات الدولة بالمواطن ليشكل نقطة انطلاق وتحول حقيقيين نحو إرساء علاقة قانونية واضحة بين الطرفين.

أسس المواطنة.

     لقد اقترن تطور مبدأ المواطنة بحركة البشرية من أجل العدل والمساواة والحرية، واتخذت هذه الحركة صبغة دولية من خلال إصدار القوانين التي تنظم حقوق وواجبات الإنسان المعاصر، وشمل تطور حقوق المواطن أربع جوانب هي:

  • الجانب التشريعي: تتضمن دساتير جميع دول العالم تقنينا لحقوق المواطن وواجباته.
  • الجانب السياسي: وضع آليات تنظم مشاركة المواطنين في صياغة السياسة العامة لبلدانهم.
  • الجانب التربوي: يتضمن النظام التربوي في عدد كبير من الدول تعليم الأسس التي تكرس مفهوم المواطنة والوعي الوطني منذ الصغر عند الناشئة.
  • الجانب الشعبي: إنشاء شبكة من المنظمات الشعبية في أغلب دول العالم للتعريف بحقوق الإنسان والدفاع عنها[3].

   إن الممارسة الحقيقية للمواطنة لا تقوم إلا على ضمانات قانونية يتم تكريسها ضمن أحكام ومبادئ الدساتير، وتترجم عن طريق القوانين والتنظيمات المعمول بها إلى ممارسة فعلية يعيشها المواطن وتمارس بآليات مناسبة لتحقيقها على الوجه الأمثل.

  • الأساس الدستوري لفكرة المواطنة

   يعتبر التشريع مصدرا للحقوق والحريات حيث يتبوأ الدستور الدرجة الأعلى متضمنا أحكاما ومبادئ عامة تتصف بالسمو وتضفي على الموضوعات التي تعالجها طابع الشرعية والدستورية مما يجعلها تحاط بضمانات حقيقية، ونظرا لقيمة المواطنة[4] وأهميتها كان لها حيزا في ديباجة الدستور وفي بعض بنوده.

   فمن خلال مضمون ما جاء في الديباجة الخاصة بالمواطنة يتبين أن المؤسسه الدستورية اعتمدت لفظ الشعب الذي هو مجموع الأفراد أساس وضع الدستور وبناء مؤسساته، وتسيير هذه المؤسسات العمومية بمشاركة جميع الناس  دون تمييز وعلى قدم المساواة، وهو إذ ينص على أن البناء يتم في إطار دولة ديمقراطية اوجمهورية او ملكية يؤكد من جديد على حكم الشعب.

   وجاءت جميع المواد في الدساتير العر بية  بنص صريح مفاده أن الدولة تشجع على الديمقراطية التشاركية على مستوى جميع فئات المجتمع.

   وعلى وجه التحديد خصت  باعتباره يمثل قاعدة اللامركزية على أنه المكان الذي تمارس فيه العملية الديمقراطية النيابية و التشاركية، ويتحقق فيه الادارة  الجماعيه للشؤون العامة للدولة .

   في حين أبرزت المواد الغاية من وجود المؤسسات العامة والخاصة  فهي تهدف بشكل أساسي إلى ضمان مساواة كل المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات وتعمل على إزالة العقبات التي تعوق تفتح شخصية الإنسان، و توكد على مشاركة الجميع الفعلية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية[5].

  • الأسس الدولية للمواطنة

    إن كل الموثيق الدولية أشارت إلى المواطنة أو بالأحرى إلى الحقوق المتعلقة بالمواطنة حيث أقرت الاعتراف بجميع الحقوق المختلفة المدنية والسياسية والاجتماعية، والحقوق التضامنية، وأكدت على ضرورة ممارستها في إطار الديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان، وترتبط المواطنة ارتباطا وثيقا ببعض الموضوعات، كموضوع الجنسية والمشاركة، فتنصص مثلا المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الحق في الحصول على الجنسية، والحق في تغيير جنسية الفرد، والحق في عدم الحرمان من الجنسية. وجاء في إعلان الحق في التنمية 1986 المادة الثامنة الفقرة الثانية:” ينبغي للدول أن تشجع المشاركة الشعبية في جميع المجالات بوصفها عاملا هاما في التنمية وفي الإعمال التام لجميع حقوق الإنسان”[6].

    وتم التأكيد على هذا الحق في العديد من المواثيق الدولية الأخرى بما في ذلك الاتفاقية الأوربية بشأن الجنسية التابعة لمجلس أوربا 1977 ففي سياق القواعد الدولية عادة ما تستعمل الجنسية والمواطنة كمترادفين، وهو ما أكده تقريرها التوضيحي: ” الجنسية… تشير إلى العلاقة القانونية المحددة بين الدولة والفرد، وتعترف بها الدولة …فيما يتعلق بتأثير الاتفاقية فإن مصطلحات الجنسية والمواطنة هي مرادفة “[8].

إن الحق في الحصول على الجنسية مهم جدا لما له من أثار على الحياة اليومية للأفراد، وكون الفرد مواطنا معترفا به في بلد ما، يعني ذلك أن لديه العديد من الفوائد القانونية، والتي قد تشمل  الحق في التصويت وشغل الوظائف العامة، والحق في الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية، والتعليم العام والإقامة الدائمة، وتملك الأرض والانخراط في العمل، وغيرها.

ومن أشكال المشاركة التي يقوم بها المواطن بشكل كامل هي تلك التي تتم على مستوى الدرجات الثلاث العلوية : الشراكة والسلطة المفوضة، وسيطرة المواطن، تشكل سلطة المواطن الحقيقي على احسن وجة في  ممارسة المواطنة، وترى الجمعية العامة أنه يحق لكل فرد بمقتضى أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن يتمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن فيه إعمال الحقوق والحريات المبينة في هذا الإعلان إعمالا تاما، وإذ تشير إلى أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية. والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[9].

 

المتطلب الثاني: المواطنة وحقوق الانسان.

من وجهة نظر حقوقية لايكفي تعريف المواطنة باكتساب جنسية والتمتع بها بما يضمنه هذا الاكتساب من حقوق مدنية وعسكرية واقتصادية وسياسية وما الى ذلك
بل تعرف إضافة الى تلك الحقوق المشاركة الفاعلة في الحياة العامة دون ان يكون هناك مايلزمه من ممارسة تلك الحقوق بمعنى المواطن حر في ان يساهم في الحياة العامة وتشمل هذه المشاركة في النشاط الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وعندها يكون مواطنا فاعلا أو ان يختار عدم المساهمة في الحياة العامة وعندها يكون مواطنا غير فاعل او” سلبي ” ومن هنا تصبح الحرية هي الوضع القانوني للمواطن, اذن شرط المواطنة ليست المشاركة بل هي الحرية ويبقى المواطن مكتسبا لحقوقه سواء كان فاعلا او سلبيا والمواطن الفاعل يجد كامل معناه في ممارسة حق الانتخاب لان هذه العملية( الانتخابية ) أو هذا النشاط هي الممارسة الاستراتيجية الوحيدة في حقوق المواطن التي لاتتضمن مصلحة مباشرة او آنية كباقي الانشطة و لانها الممارسة العملية والفعلية للمواطن في صياغة التوجهات الكبرى لسياسة البلد.

المواطن في القانون
عُرف بانه شخص يحمل الجنسية الوطنية للبلد ( سورية – تركية- عراقية … ) يتمتع بحقوق مدنية وسياسية ويترتب عليه واجبات تتمثل في احترام القوانين والنواظم الدستورية والمساهمة في دفع الضرائب كجزء من المساهمة في المصاريف العامة وكذلك الدفاع عن البلاد سواء عبر الخدمة الالزامية أو التطوع اثناء الحروب.
ويمكن ايجاز حقوق المواطن في القانون في :
– الحقوق المدنية والحريات الاساسية :كحق التملك والزواج والامان والمساواة امام القانون وفي حرية التفكير والتعبير والاجتماع والمشاركة في تأسيس او الانضمام الى الجمعيات والاحزاب وحرية التظاهروهذه الحقوق وردت في اغلب دساتيرالدول المعاصره ومنها الدستور السوري في المواده من /25/الى المادة /39/ الا انه رهن هذه الحريات بما يتوافق مع القانون
– حقوق سياسية : ويتكثف هذا الحق في حق الانتخاب والترشح وحق استصدار القوانين او الغاءها عبر ممثليه في مجلس النواب أو مجلس الشعب أو 000 وهذا ماثبته اعلان حقوق الانسان والمواطن في 26 اب 1789
– حقوق اجتماعية كحق العمل وحق الاضراب والحق في التعليم والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية
هذه الحقوق والواجبات تفقد معناها اذا لم ترتبط بمجموعة قيم يمكن تسميتها بقيم المواطنه يمكن تكثيفها ب
الآدب العامة واحترام حق الاختلاف والمعتقدات والمسؤولية المدنية تجاه المصلحة العامة اضافة الى الوعي الفردي لواجباته تجاه المجتمع والادراك الواعي لصورة المجتمع الذهنية كحالة مشتركة وليس كحالة تجاور لمجموع افراده ,وتظهرهنا المواطنة كتعبير عن هوية مشتركة رابطها الاساسي الجنسية سواء اكتسبها من حق الدم او الارض او الزواج او التجنيس …..الخ
لكن هذا الوضع الحقوقي للمواطنه لم يعد كافيا في ايامنا لسببين نقيضين رغم اهميته
أولا بسبب تداخل الاوضاع العالمية وتطور مفهوم الانتماء والهوية كما يبدو الان على امتداد دول الاتحاد الاوربي الذي اعطى مفهوما اكثر دينامكية لمفهوم المواطنه نتيجة امكانيات الاندماج الجديدة وفاعلية ممن اكتسب الجنسية في المساهمة في الحياة العامة ومن هنا نجد ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان في 10 كانون الاول 1948 في مادته الثانية لم يميز في الاصل الوطني بين الافراد وفي المادة السادسة منه ثبت الاعتراف بالشخصية القانونية للانسان اينما كان .
والثاني : بقاء مجموعات اثنية ما تزال تعيش حالة أغتراب عن مفهوم المواطنة لكونها لم تستنفذ مشروعها الوطني أو أنها تعاني الاضطهاد والقسر والتمايز الاثني والعرقي مما يجعل الحس بالانتماء الى الوطن يتراجع ويصبح مفهوم المواطنة عندها محل شك .
الحريات والحقوق الاساسية للمواطن
يمكن تعريف الحريات والحقوق الاساسية بأنها تلك التي وردت في اعلان حقوق الانسان والمواطن الصادر عام 1789 وتنص عليها اغلب الدساتير ومنها الدستور السوري في الفصل الرابع منه ,وهذه الحقوق والحريات هي اساس الدولة المدنية ويمكن التمييز بينها في شكلين من الحقوق
الحقوق الملازمة للشخصية الانسانية وقد عددها اعلان حقوق الانسان والمواطن كحق المساواة وحق التملك والحق في مقاومة الاضطهاد وحق الامان الذي يبرر حظر أي انواع التعسف كالاعتقال التعسفي او التهجير مثلا وضمان المحاكمة العلنية و العادلة . وهناك حقوق تعتبر من مظاهر الحقوق السابقة كمبدأ الحق في المساواة ومبدأ حق التصويت ومبدأ حق الانتخاب والمساواة بين الجنسين وومبدأحق المساواة في فرص التحصيل الثقافي ’والحقوق الاجتماعية كحق العمل وحق الرعاية الصحية والتعليم المجاني .
انواع حقوق المواطن
يمكن التمييز تاريخيا بين انواع مختلفة من الحقوق وهي بمجملها اعترفت بها الدول المدنية ومن اولى هذه الحقوق التي اعترفت بها الدول نتيجة النضالات كحرية التعبير والاجتماع وحرية تشكيل او انخراط في الجمعيات ذات الطابع السياسي ورغم اعتراف اعلان حقوق الانسان والمواطن مبكرا بهذه الحقوق لكنها بقيت رهن الادراج لفترة طويله وبالاخص تلك التي تتعلق بالامن الشخصي للافراد كالحماية من التوقيف والاعتقال القسري الذي يمارس على مدى واسع في أكثر الدول وبالاخص تلك التي تغيب فيها الدوله بصفتها القيم والناظم الحياد بين مؤسساتها أو مايسمى بالنظم الاستبدادية .
وهكذا تطورت حقوق المواطن عبر التاريخ مما يظهر عدم ثباتها فمن المعروف ان المرأة لم تتمتع بحقوق متساوية مع الرجل في كثير من الاحيان لكن نضالها المرافق لتطور الوعي بشكل عام اديًا الى ادراج حقوق خاصة بها كتلك الخاصة بالامومة ,وفي مراحل لاحقة ظهرت حقوق يمكن تسميتها الان بالجيل الثالث من الحقوق وهي لاتخص افراد دولة بعينها انما تتطلب تضامنا دوليا مثال ذلك الحق في بيئة نظيفة .
هذا التطور للحضارة البشرية انتجت علاقات جديدة وفرضت نواظم حقوقية لها فكان الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اقر بموجب قرار الامم المتحدة في 10/كانون الاول 1948
الذي يعتبر المستوى الذي تستهدفه كافة الشعوب والامم ساعية الى توطيد احترام حقوق وحريات الانسان .
لكن السؤال كيف يمكن صون هذه الحقوق
تبدأ المقدمة الاولى في صيانة هذه الحقوق بتثبيتها في مقدمات الدستور أوبنصوص رسمية , فالاعتراف بها من الوجه التشريعية والقانونية يجعل من الصعب وان كان ليس مستحيلا اغتصابها من هنا كانت تعبئة المواطنين انفسهم وسيلة هامة جدا لصيانة حقوقهم ويتم ذلك من خلال نشرالثقافة القانونية التي ُتمكن المواطن من معرفة هذه الحقوق والدفاع عنها وذلك من خلال التجمع في هيئات وجمعيات ومنظمات غير حكومية أي ما يعرف بالمجتمع المدني وهيئاته الفعالة هو الضمانة الاكيدة لصون حقوق المواطنين ومن الضروري ان يكون بمقدور المواطن ان يتوجه الى سلطة لديها الصلاحية في اثبات الاغتصاب لحق من الحقوق ومعاقبة المغتصب وهذا ما تسعى اليه منظمات حقوق الانسان بصفتها منظمات مكملة لمنظمات المجتمع المدني من جهة ومن جهة اخرى بكونها منظمات تمتلك القدرة الاقتراحية والاجرائية من خلال ناشطيها واعلامها والتي قطعت شوطا لابأس بها في الدول ذات النظم الديمقراطية كما في دول الاتحاد الاوربي التي استطاعت ان توجد المحكمة الاوربية لحقوق الانسان لمحاسبة أي قصور يترائ في القوانين المحلية في موضوع حماية الحريات
ان التأكيد على نشر الثقافة القانونية والحقوقية كضمان لحماية الحقوق والدفاع عنها لايعني اطلاقا ان يعرف كل مواطن بمجمل القوانين التي يضمنها النظام القضائي المحلي اذ لااحد يمكنه معرفة مجمل القوانين والتشريعات بما فيهم القضاة انفسهم لكن في الوقت ذاته هذا المبدأ ضروري ( القانون لايحمي المغفلين ) لضمان فعالية القوانين نفسها وقطع الطريق على التهرب منها , ومن جانب اخر ,هذه المقولة تأتي لبيان فقدان المواطن للضمان الحقوقي الذي يتجلى في شكلين
اولهما :الصياغة الغير واضحة لبعض القوانين و تعدد المعايير الناظمة على المستوى الوطني أحيانا سواء لاسباب سياسية كحق التملك التمييزي في بعض المحافظات في سوريا او اكتساب الجنسية المرهون بالانتماء القومي عربي او غير عربي والنشاطات المرافقه لها كالحزام والاحصاء أو القبلي أو الطائفي كما في الكويت والبحرين ( بدون ) ,احيانا في بعض الدول المدنية نتيجة لامركزية الادارة .
وثانيهما : وهو الاخطر في غياب الضمان الحقوقي ووجود القوانين الاستثنائية كقوانين الطوارئ والاحكام العرفية التي لا تخضع فيها الاحكام لنص ثابت بل يصبح القانون مرهونا ببعض الاشخاص او بالاجهزة الامنية كما هو الحال في معظم الدول التي غيبت دساتيرها ورهنت حياة مواطنيها بقوانين استثنائية من طوارئ وأحكام عرفية كما هو الحال في سوريا .
من بين الحريات والتي قلنا عنها بأنها من مظاهر او تجليات الحقوق التي اخذت حيزا كبيرا من النقاش والتداول بين المشرعين ودفع على مذبحه الكثير من الدماء ومازالت, حرية الرأي والتعبيروالاعتقاد وهي تعني ان كل انسان حر بأن يفكر كما يشاء وان يبدي من الاراء والافكاربحرية حتى لو كانت مناقضة لرأي الغالبية وقد اكد اعلان حقوق الانسان والمواطنة ان هذه الحرية تمتد لتشمل الحرية الدينية والمعتقد حيث كل انسان حر بأن يتبى او يختار الدين الذي يرغبه أو الرأي السياسي , لكن هذا الحق من أكثر الحقوق عرضة للانتهاك سواء من خلال نصوص دستورية أو قانونية مثاله فرض شكل دين الدولة أو رهن رئاسة الدولة بدين محدد أو طائفة محددة , أوبغياب فصل السلطات وهيمنة السلطة التنفيذية على القضائية والتشريعية فيغيب القانون وينتهك هذا الحق يوميا من خلال الاعتقالات وغياب الحريات العامة والخاصة .
ورغم تكريس الدستور السوري في المادة 35 منه على حرية الاعتقاد الا ان هذا الحق منتهك في في الكثير من صوره مثالا لا حصرا في قانون الاحوال الشخصية مباح لغير المسلمات الزواج من المسلم لكن العكس غير مجازفأين يكمن حرية الاعتقاد والاختيار هنا؟؟؟.
تطور مفهوم حقوق الانسان شكلت النقاشات التي دارت في روما القديمة حجر الزاوية في ظهور وتبلور مفهوم حقوق الانسان اذ ان المجتمعات العبودية والمشاعية لم تعرف هذه الحقوق وقد انطلقت البداية من روما ومن مقولة ان الناس يولدون احرارا حسب قوانين الطبيعة ,الا ان البشر او قوانين البشر هي التي مايزت بينهم وتطورت هذه الفكرة واخذت دورا اساسيا في المفاهيم والعقائد المسيحية وبلغت ذروتها في عام 1215 عندما اعترف magnaw cartaبعدد من الحريات للاشخاص الاحرار واقر بان الغلبة للقانون وليس للحكام لكن هذا المفهوم اخذ طابعه السياسي في اوربا وامريكا في سن قانون الاحضار ثم في انكلترا 1689 في ملتمس الحقوق وكان اعلان حقوق الانسان والمواطن في فرنسا الانتقال النوعي لهذه الحقوق اذ اكتسب المواطن من خلاله الحقوق المدنية والسياسية واجاز الاعلان له الحرية الفردية وحق التملك وهذا ما كان انتقالا نوعيا في صيغتة كمفهوم لحقوق الانسان والمواطن وقد اتسع مجال وطيف هذه الحقوق لتشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 الذي تضمن اضافة الى تلك الحقوق الاعتراف بحق العمل وفي حماية المراة والطفولة والحق في احترام الحياة
وبتطور هذه الحقوق واتخاذها للصبغة الكونية ازدادت الاعتراضات والانتقادات لها ففي حين وجد البعض فيها رغبة لهيمنة النموذج الغربي الليبرالي وجد اخرون اعاقة للتنمية الشاملة في الدول الفقيرة واخرون ابدو تمسكهم بحرفية الشرائع كبعض الجماعات الاسلامية والمسيحية واليهودية وظهرت بعض الوثائق تتضمن رؤية هؤلاء لمفهوم حقوق الانسان كميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي والميثاق الافريقي لحقوق الانسان والبيان العالمي لحقوق الانسان في الاسلام وغيرها .

المتطلب الثالث: تعزيز مبدأ المواطنة وفقا لمبادئ القانون الدولي

   يتطلب تحقيق المواطنة وتعزيزها مجموعة من الوسائل والآليات الضرورية، ولعل من أهمها التربية والتعليم، وشبكات التواصل الاجتماعي، وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، والأسرة ودور العبادة. وسنقتصر في تحليلنا لهذه الآليات على التربية و التعليم والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني.

  • التربية والتعليم

    ينظر إلى المواطنة على أنها هدف للنظام المدرسي بأكمله، فوظيفة المدرسة الحديثة إعداد الطلبة لأدوار المواطنة المختلفة انطلاقا من كون المواطنة مهارات وقيم مكتسبة بالممارسة، وكلما تم تزويد الطلبة بمهارات المواطنة ومعارفها زادت فرص مشاركتهم المستقبلية في شؤون وطنهم[12].

    إن قيام الدولة الحديثة على مبدأ المواطنة هو أكبر ضمان لاستقرارها, أمنها وتقدمها، حيث يشعر جميع أفراد المجتمع بأنهم متساوون في المكانة، وأن التفاعل والفرص التي يحصلون عليها هي نتيجة لعضويتهم في جماعة وطنية وقدرات ومهارات، وليست نتيجة لمكانة قبَلية أو مرتبة اجتماعية، وهو ما يسهم في تشكيل شعور حقيقي بالانتماء إلى الوطن[13].

   و إثر العمل التأسيسي الذي قامت به اليونسكو، لتوضيح الدعامات المفاهيمية للتربية على المواطنة العالمية وتوفير السياسات والإرشادات البرنامجية، تم تطوير هذه الوثيقة كاستجابة لاحتياجات الدول الأعضاء إلى توجيه شامل حول دمج التربية على المواطنة العالمية في أنظمتها التعليمية ، كما تعرض اقتراحات لترجمة مفاهيم التربية على المواطنة العالمية إلى مواضيع وأهداف تعلمية عملية ومراعية للأعمار بطريقة تسمح بمواءمتها مع السياقات المحلية.

      وهذه الوثيقة ضرورية وتشكل موردا للمربين، ومطوري المناهج والمدربين إضافة إلى صانعي السياسات، فضلا عن كونها مهمة أيضا، لأصحاب المصلحة الآخرين في مجال التعليم في أُطر نظامية، أو غير نظامية[14].

   ومنذ عام 2012 جعلت اليونسكو التعليم من أولوياتها من أجل دعم وتعزيز المواطنة حيث تشمل التربية على المواطنة العالمية ثلاث مجالات[15] : معرفية، عاطفية، سلوكية.

  ففي المجال المعرفي يكتسب المتعلمون المعرفة وفهم القضايا المحلية والوطنية والعالمية، والترابط والتداخل بين مختلف البلدان والسكان، ويطورون مهارات التفكير والتحليل النقدي.

   و في المجال الاجتماعي العاطفي، فيختبر المتعلمون شعور الانتماء إلى الإنسانية المشتركة، يتقاسمون القيم والمسؤوليات المرتكزة على حقوق الإنسان، يطور المتعلمون مواقف التعاطف، والتضامن، واحترام الاختلاف والتنوع.

   أما في المجال السلوكي، فيعمل المتعلمون بفعالية ومسؤولية على المستويات المحلية والوطنية والعالمية من أجل عالم أكثر سلاما واستدامة، يطور المتعلمون الحوافز والاستعداد لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

  • وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي

     يسهم الإعلام في بناء المجتمع من خلال الارتقاء بالرؤى والتصورات التي تساعد الأفراد على أن يصبحوا قيمة مضافة في عملية التنمية، ويمثل الإعلام وسيلة مهمة للتعبير عن آراء المواطن ومشكلاته، وعرض قضاياه، بل إن وسائل الإعلام الحديثة في ضوء حرية تدفق المعلومات، أصبحت من أبرز الأدوات لتبادل الثقافات والخبرات بين مواطني مختلف الدول في شتى بقاع الأرض[16].

     وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أكثر مشاهدة  وأهم وسيلة إعلامية لما لها من تأثير وسهولة نشر للمعلومات والتوعية، بل وفضح الممارسات الخاطئة، ولفت انتباه المواطنين وتعريفهم بحقوقهم وتثقيفهم، وجعلهم أكثر تعايش للأحداث. فالحق في المعرفة، والحق في التعبير، والحق في المناقشة حقوق أساسية معترف بها في الأعراف والمواثيق الدولية[17].

  ويتضمن حق الحصول على المعلومات أو الحق في المعرفة، إتاحة المعلومات لجميع الأفراد في المجتمع حول ما يحدث في المجتمع والسماح لهم بالمشاركة في تداول المعلومات بحرية.

  وبالرجوع إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، نجد أنه ينصص على أن:” لكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود. سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب أو فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”[18].

   والإعلام سلاح ذو حدين، لذا يجب أن يوجه الوجهة الصحيحة ليلعب دورا إيجابيا في غرس قيم المجتمع، وتوطيد العلاقة بين المواطنين والوطن، ويخدم القضايا الإنسانية ذات الاهتمام العالمي والإقليمي والمحلي، كالدفاع عن حقوق الإنسان، والتنمية، والبيئة.

  • مؤسسات المجتمع المدني

    يقوم المجتمع المدني بدور مهم كوسيط إيجابي بين الدولة وقطاعات المجتمع المختلفة، ويسهم بكافة مؤسساته وأطيافه من أحزاب سياسية، وجمعيات أهلية، ومنظمات وطنية، واتحادات طلابية، وأندية ثقافية ورياضية، ونقابات في تشكيل الرأي العام وغرس وتنمية قيم المواطنة لدى أفراد المجتمع، وذلك من خلال ما تقدمه هذه المؤسسات من برامج توعوية، وإرشاد للمواطنين[19].

    فتتعزز المواطنة بالعمل على توجيه طاقات الشباب نحو المشاركة البناءة في العمل داخل المجتمع المحلي، وتدريب القيادات، وتقوية الحساسية لدى التلاميذ والمواطنين نحو المشكلات والقضايا الإنسانية، وتدعيم الثقة في النظم السياسية النظامية. ومن الواضح أن لهذه الجماعات قدرة هائلة على التأثير في القرارات الاجتماعية، وبعض هذه الجماعات تتشكل لمتابعة هدف معين، قد يكون تحقيق إصلاحات، أو تغير قوانين في اتجاه أو آخر ، أو حماية البيئة أو حرية الاتصال نفسها .

    وإذا انتقلنا إلى مستوى آخر من التفاعل، فإن دور وأنشطة الجماعات والهيئات الطوعية والمؤسسات غير الحكومية التي تجمع بينها مصالح وأراء وأهداف مشتركة يحضى بالأهمية في إشراك الأفراد في الشؤون الجماعية وهو ما يعد من الأهداف الخاصة للتنشئة الاجتماعية.

تعزيز المواطنة في القانون الدولي

   إن المواطنة كفكرة وكأسلوب للمشاركة والممارسة تعمل على تكريس مختلف الحقوق المعترف بها للمواطن وللإنسان وإن كانت ممارسة هذه الحقوق تتباين من مجتمع لأخر حسب طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لكل دولة، فإنه يمكن القول أن الاعتراف والاهتمام بالحقوق المدنية والسياسية وبعض الحقوق الاجتماعية والاقتصادية قد قطع أشواطا مهمة، لأنها تميل إلى المحلية أكثر منها إلى العالمية.

     ومن جهة أخرى فإن حقوق الإنسان تقوم على مبدإ التكامل وعدم التجزئة، لذا بدأ الفكر ينعطف نحو التعاون الدولي لتحقيق وتكريس حقوق الجيل الثالث التي هي حقوق تضامنية كالحق في الأمن والسلام، والحق في البيئة والتنمية، والحق في الإعلام والاتصال، وهو ما فرض تحول في مفهوم المواطنة من ثوبها المحلي الذي كانت تقترن فيه (بالوطنية) لتلبس ثوبا عالميا تحت مسمى المواطنة العالمية التي هي تطويرا وتنمية للمواطنة التقليدية وليست نقيضا لها. وهذا خدمة للإنسانية وتكريسا لحقوق الإنسان.

  • دور المواطنة في تكريس الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

   إن المشاركة في الحياة السياسية والثقافية حق من حقوق الإنسان الأساسية المعترف بها في العديد من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان بدء من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[20] الذي ينصص على المشاركة في الحكومة، والانتخابات الحرة، والحق في المشاركة في الحياة الثقافية، للمجتمع، والحق في التجمع السلمي، وتكوين الجمعيات، والحق في الانضمام إلى النقابات العمالية.كما أن المشاركة هي أيضا مبدأ أساسي لحقوق الإنسان، وشرط أساسي للمواطنة الديمقراطية الفعالة لجميع الناس.

    وتفهم المواطنة كممارسة في لعب دور فعال في المجتمع، وقد تكون هذه الممارسة في الحي، أو في مجموعة اجتماعية رسمية أو غير رسمية، في الدولة أو في العالم ككل. و يعني مفهوم المواطنة النشطة العمل من أجل تحسين المجتمع من خلال المشاركة في تحسين حياة جميع أفراده.

     والمواطنة الديمقراطية مفهوم ذو صلة وثيقة، ويؤكد الاعتقاد بأنه ينبغي أن تستند المواطنة إلى المبادئ الديمقراطية، وقيم كالتعددية واحترام كرامة الإنسان، وسيادة القانون.

فالمواطنة عبارة عن منظومة تتحقق فيها أربعة أبعاد: نظام الحقوق ويتضمن مجموعة الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية التي يجب أن يتمتع بها المواطنون.

  • الانتماء الاجتماعي والثقافي والعابر للحدود
  • المشاركة السياسية والوطنية والمدنية.
  • الهوية الوطنية التي تضم عناصر مادية ومعنوية متعددة[21].

     إن هذه الأبعاد أكدت عليها جميع المواثيق الدولية، فتأسست في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكرست في ميثاق الأمم المتحدة، وأعطي لها الطابع الإلزامي في العهدين الدوليين للحقوق، فعلى سبيل المثال نصت المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه: “تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون أو الجنس، أو اللغة أو الدين، أو الرأي السياسي، أو غير السياسي، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب”[22].

   أما نصوص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[23] فقد أوردت هذه الحقوق بنوع من التفصيل والتصنيف في الجزء الثالث بدء من المادة السادسة وما بعدها، و هذا من أجل إعطاء هذه لحقوق الصبغة الدولية، وإحاطتها بسياج من الضمانات المتمثلة في الشروط والقيود المحددة في هذا العهد.

  • دور المواطنة العالمية في تكريس الحقوق التضامنية وخدمة الإنسانية

   بدأت فكرة المواطن العالمي أو الإنساني تفرض وجودها اليوم أكثر من أي وقت مضى نظرا للتقارب الكبير الحاصل في شتى المجالات، والانتشار السريع لمظاهر العولمة التي حولت العام إلى قرية صغيرة، بالإضافة إلى ظهور بعض القضايا ذات الاهتمام العالمي المشترك التي أصبحت الدول عاجزة عن تحقيقها أو معالجتها بصورة منفردة، وأصبح يطلق على العصر عصر المنظمات والتكنولوجيا والانترنت، وتجنس الأفراد بجنسية الإنسانية بغض النظر عن العلاقة السياسية التي تربطهم بإقليم معين.

      وساهمت الجهود التي كانت تدعم كل ما هو وطني إلى تعزيز ماله صبغة دولية تحقيقا للمصلحتين ، الوطنية والعالمية، ومن هذه الأنشطة ما تقوم به المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، ومراكز الأبحاث العالمية، والجمعيات والنوادي ، ونذكر منها اهتمام مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم بالمواطنة حيث تضمن مشروع تضمين مفاهيم المواطنة العالمية في مقررات التعليم العام في الدول العربية ثلاثية من الأهداف تمثلت في :

تعزيز مفهوم المواطنة العالمية في المناهج والمقررات الدراسية للتعليم العام بالدول العربية. التعرف على التوجهات المستقبلية لدى صناع القرار حول دمج مفاهيم المواطنة العالمية بوزارات التربية والتعليم العربية. رسم الخطوط العريضة لإطار عربي معنى بدمج مفاهيم المواطنة العالمية في مناهج مراحل التعليم المختلفة.

  إنه في القرن الحادي و العشرين شهد مفهوم المواطنة تطورا مال به إلى العالمية وتحددت مواصفات المواطنة الدولية على النحو التالي[24]:

  • الاعتراف بوجود ثقافات مختلفة
  • احترام حق الغير وحريته
  • الاعتراف بوجود ديانات مختلفة
  • الاهتمام بالشؤون الدولية
  • المشاركة في تشجيع السلام الدولي

   ومن مظاهر الفكر المتطور ظهرت فكرة المواطنة العالمية، التي جاءت كرد فعل لمعاناة البشر من الحروب والمشكلات الاقتصادية والسياسية والصحية والطبيعية، وهذه الفكرة لم تكن وليدة اللحظة بل سبقتها كثير من الجهود والمحاولات فقد ناضلت الشعوب والحكومات، وعنيت الشرائع السماوية بكل ما هو صالح للبشرية جمعاء، بل إن المنظمات الشعبية والدولية كان لها دورها الواسع بهذا الشأن[25].

   صرحت إيرينا بوكوفا، المدير العام لمنظمة اليونيسكو:” إن مهمة التعليم لا تنحصر في نقل المعلومات والمعارف وإنما تشمل أيضا خلق القيم والقدرات والسلوكيات التي يمكنها أن تساهم في بناء عالم” آمن وعادل وشامل ومستدام”[26].

وأضافت بوكوفا: ” يجب أن تكون رؤيتنا ثاقبة وأن نضع التعليم من أجل المواطنة العالمية في سياق جميع أعمالنا كي نستأصل الفقر، ونعزز من الاندماج الاجتماعي، ونستجيب لاحتياجات جميع المجتمعات على نحو مستدام، ونبني ثقافة السلام.

    إن التربية على حقوق الإنسان تعترف بشمولية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة؛ حيث يؤدي  ذلك إلى زيادة المعرفة بحقوق الإنسان وتفهمها وتمكِّن الأشخاص من المطالبة بحقوقهم، وتساعد الأشخاص على استخدام المواثيق والآليات القانونية التي وُضعت لحماية حقوق الإنسان، تستخدم المنهجية التي تقوم على التفاعل والمشاركة لتكوين مواقف تنطوي على احترام حقوق الإنسان، تطور المهارات اللازمة للدفاع عن حقوق الإنسان، تدمج مبادئ حقوق الإنسان في الحياة اليومية وهو ما يخلق مجالاً للحوار والتغيير ويشجع على الاحترام والتسامح.

     إن احترام حقوق الإنسان هو مصلحة عليا لكل فرد وجماعة وشعب وللإنسانية جمعاء، باعتبار أن تمتع كل فرد بالكرامة والحرية والمساواة هو عامل حاسم في ازدهار الشخصية الإنسانية، وفي النهوض بالأوطان وتنمية ثرواتها المادية والبشرية، وفي تعزيز الشعور بالمواطنة كاملة غير منقوصة.

      فلا يكفي ترديد مبادئ حقوق الإنسان والانتظار من الوسط الاجتماعي أن يتبناها، بل يجب ربط هذه المبادئ بالحياة اليومية وبالثقافات المحلية لتبيان أن تبنيها سيساعد في تحسين التواصل والتفاهم والتسامح والمساواة والاستقامة، فلا يمكن تعليم حقوق الإنسان في فراغ، بل لا مناص من تعليمها من خلال تطبيقها وتكريسها مباشرة على أرض الواقع وفي هذا الصدد إن تعليم حقوق الإنسان كمعارف نظرية مجردة دون ربطه بالواقع المعاش وبالممارسة اليومية لمنظومة حقوق المواطنة وواجباتها من شأنه أن يؤدي إلى التعرف السطحي على حقوق لا يمكن تحقيقها حاليا الشيء الذي قد يؤدي بدوره إلى عكس المنتظر.

    وباستطاعة المواطنين تكوين حس الانتماء إلى الأسرة السياسية العالمية من خلال التماهي مع القيم الإنسانية التي تلهم هذه المبادئ مثل المساواة في الحقوق، واحترام الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والتضامن الدولي، التي تستند إلى فلسفة أطر العمل المعيارية الدولية[27].

     إنه لا يمكن التمتع على الوجه الأكمل بأي حق من حقوق الإنسان ما لم يعش العالم في كنف السلم والأمن الدوليين لذا تعتبر العلاقة بين المواطنة والأمن القومي علاقة وثيقة وقديمة، وللأمن القومي أبعاد سياسية واقتصادية و إيديولوجية وجغرافية متشابكة، ويشكل المواطن أحد أهم المؤثرات في تلك الأبعاد فضلا عن كونه أحد الدعائم الرئيسية للأمن القومي. وتشكل هذه الأبعاد قدرة على تحقيق دعم السلام الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فعلاقة المواطن بالأمن القومي قوة فاعلة في تنمية المواطنة.

   ويلعب مفهوم المواطنة دورا فعالا في مواجهة الجريمة المنظمة والحد من آثارها على الأمن القومي، ولأن إدراك ووعي المواطن بخطورة الشبكات، والتشكيلات الإجرامية، وما ترتكبه من جرائم في حق وطنه، وحقوقه كمواطن يدفعه إلى التعاون المستمر والمثمر مع الأجهزة الأمنية لمواجهة أية تهديدات للأمن القومي والعالمي[28].

     إن تماسك الجبهة الداخلية, وإيمان أفراد المجتمع وإعلائهم لفكرة الانتماء إلى وطن واحد بغض النظر عن القبلية والطائفية، ومواجهة التحديات التي قد تمليها الانتماءات العشائرية، أو العرقية، أو الدينية،أو العقائدية، ونبذها سيؤدي حتما إلى دعم الوحدة الوطنية، وتحقيق قوة  وتماسك النسيج المجتمعي في مواجهة أية تهديدات داخلية أو خارجية للأمن القومي ومن ثمة الأمن الدولي.

    ويعتبر المواطنون العنصر الرئيس للجيوش من خلال مشاركتهم  وانتظامهم قي صفوفها دفاعا عن أرض الوطن، وسيادته ومكتسباته، اعتماد على شعورهم بالانتماء إلى وطنهم، وغيرتهم عليه، واستعدادهم للتضحية بحياتهم في سبيله، لذلك فمن الطبيعي أن ينتظم أبناء الوطن دون غيرهم من الأجانب في صفوف الجيوش حيث تتوافر الرابطة المعنوية بين المواطنين ووطنهم ، وتنبع تضحياتهم، وبذل كل غالي ونقيس في سبيل الوطن من الولاء والإخلاص الذاتيين[29].

  وهكذا يمكن أن تحقق المواطنة العالمية للإنسانية الاستقرار و التطور وتخفف من حدة التوترات داخل الدولة الواحدة وفيما بين الدول والأمم والمجتمعات.

الخاتمة:

من خلال ما تم تناوله في هذا البحث من مفاهيم حول المواطنة وارتباطها بحقوق الإنسان  والقانون الدولي عموما ودورها في خدمة الإنسانية خصوصا يمكن التوصل إلى النتائج التالية:

لا يوجد مفهوم موحد للمواطنة، لطابعها السياسي، والاجتماعي والفلسفي، والايدولوجي بل تتضح دلالتها من الممارسة بأداء الواجبات والتمتع بالحقوق.

  • المواطنة علاقة أزلية بين الوطن والمواطن يحكمها الانتماء و الولاء والمشاركة.

يمكن التحسيس بالمواطنة العالمية ونشرها في المجتمعات عن طريق قنوات مختلفة كالقانون، والتربية، والتعليم، ووسائل الأعلام والاتصال، ومؤسسات المجتمع المدني، والأسرة، ودور العبادة.

  • للمواطنة دور كبير في ممارسة الحقوق المختلفة وتكريسها، على المستوى الوطني و على المستوى الدولي.

أصبحت المواطنة العالمية وسيلة أساسية للتعايش بين الشعوب والمجتمعات والدول.

  • تعمل المواطنة العالمية على نشر التسامح والاعتراف بالأخر، وخفض التوترات والعنف وتساهم في تحقيق السلم والأمن الدوليين.

وعموما تهدف المواطنة العالمية لتحقق الصلاح والخير للإنسانية.

التوصيات:

يجب ترسيخ المواطنة العالمية ببذل جهود عملية على المستوى الوطني والمستوى الدولي بإدراجها كمادة تعليمية في جميع مراحل التعليم.

يجب تسخير وسائل الإعلام للترويج للمواطنة، من أجل إبراز إيجابياتها ومكانتها في استقرار العلاقات والتقليل من الاضطرابات والتوترات .

نشر وتعليم حقوق الإنسان بين جميع شرائح المجتمع وبين كافة الشعوب.

عقد مؤتمرات دولية للبحث في سبل تطويع المواطنة لمعالجة القضايا الإنسانية.

وضع إعلان عالمي للمواطنة على غرار الإعلان العالمي للتنمية.

وضع الآليات والأجهزة الوطنية والدولية والبرامج الأممية لتعميم فكرة المواطنة العالمية وتفعيلها.

تشجيع دور العلماء والمفكرين والباحثين لتعميق أبحاثهم من أجل التنظير لفلسفة المواطنة العالمية.

يجب أن يلعب القانون دور العامل الرئيس في تنمية وتعزيز المواطنة بإدراج أبعادها في جميع التشريعات الوطنية والدولية.

المراجع:

  1. المنوفي، كمال، النظم السياسية المقارنة، شركة الربعان للنشر والتوزيع، الكويت، 1987.
  2. الوقيان، فارس مطر، المواطنة في الكويت، مركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، جامعة الكويت، 2008.
  3. بوكر إدريس، الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، دار الكتاب، القاهرة، 2003.
  4. حجازين أمنه، الوطنية المصرية في العصر الحديث، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 2000.
  5. رسلان أنور احمد، الحقوق والحريات في عالم متغير، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993.
  6. سعيد، إسماعيل علي، رؤية سياسية للتعليم، عالم الكتاب، القاهرة، ط1، 1999.
  7. صبري السيد، حكومة الوزارة، بحث تحليلي لنشأة وتطور النظام البرلماني في انجلترا، المطبعة العالمية، القاهرة، 1953.
  8. عامر، عبد العزيز، المدخل لدراسة القانون المقارن بالفقه الإسلامي، نظرية الحق، منشورات جامعة قاريونس، بيروت، 1978.
  9. عبد الله، عبد الغني بسيوني، النظم السياسية والقانون الدستوري، دون دار نشر، 1997.
  10. فهمي، محمد كمال، أصول القانون الدولي الخاص، الطبعة 1، الإسكندرية، 1985.
  11. فوزي، سامح، المواطنة، سلسلة تعليم حقوق الإنسان”10″، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ط1، 2007.
  12. قرواني، خالد، الاتجاهات المعاصرة للتربية على المواطنة، منشورات جامعة القدس المفتوحة، 2005.
  13. كشاكش كريم يوسف، الحريات العامة في الأنظمة السياسية المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1987.
  14. ليله، محمد كامل: النظم السياسية، الدولة والحكومة، دار الفكر العربي، 1987.

الكتب المترجمة

  • تورار، هيلينن تدويل الدساتير الوطنية، ترجمة باسيل يوسف، مراجعة الدكتور أكرم الوتري، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2010.
Print Friendly, PDF & Email
blank