Print Friendly, PDF & Email

نظريات التنمية السياسية: نظرية التحديث: الإطار الفكري العام لهذه النظرية يقوم على تقسيم المجتمعات إلى “مجتمعات تقليدية” هي المجتمعات المتخلفة و”مجتمعات حديثة” هي البلدان المتطورة، والإيمان بوجود خط مستقيم وحتمي للتطور التاريخي تسير فيه المجتمعات من التقليد إلى الحداثة، إلى جانب هذا السياق النظري العام تتميز نظرية التحديث بسمتين هما (العمومية والشمول)، لأن التحديث مفهوم شامل يتناول التنمية السياسية في حركية واحدة شاملة للمجتمع بأسره من دون التركيز على المجتمع السياسي وحده. والسمة الأخرى أن نظرية التحديث تركز على (العوامل الخارجية) من حيث أنها تقوم بدور كبير في نقل المجتمعات المعنية من التقليد إلى الحداثة، وتحقيق التنمية السياسية نتيجة لذلك.
مدرسة الثقافة السياسية: أشهر الباحثين وواضعي مقولات هذه المدرسة “غابرييل ألموند” يعتقد «ألموند» أن أي ثقافة من الثقافات تضم ثلاثة جوانب، جانب معرفي: يتعلق بمعارف المرء عن النظام السياسي، وجانب شعوري: يخص التعلق الشخصي بالقادة والمؤسسات، وجانب تقييمي: يشمل الأحكام والآراء التقييمية عن الظواهر السياسية. ومنه يمكن تعريف الثقافة السياسية بأنها: مجموع ما يملكه الفرد من معارف عن النظام السياسي، ومشاعر إيجابية أو سلبية نحو القادة والمؤسسات وأحكام تقييمية بشأن الظواهر والعمليات السياسية «ألموند» حلل الثقافة السياسية فميز بين ثلاثة أصناف هي: ثقافة محلية: تكون متجهة نحو الأنظمة الفرعية المحلية مثل القرية والعشيرة والقومية من دون النظام السياسي برمته. ونجدها في النظام اللامركزي. ثقافة التبعية: أو الخضوع تجعل الناس يعلمون بوجود النظام السياسي لكنهم يقفون منه موقفا سلبيا، ينتظرون منافعه وخدماته ويخشون تجاوزاته ولا يرون أنفسهم قادرين على التأثير فيه. ونجدها في نظام ممركز سلطوي. ثقافة المشاركة: هنا يعتقد المواطنون أنه باستطاعتهم أن يؤثروا في سير النظام وفي العملية السياسية بطرق ووسائل شتى كالانتخابات والمظاهرات وتنظيم الجماعات الضاغطة. ونجدها في النظام الديموقراطي.

أوضح «ألموند» أن ما حدده من أصناف الثقافة السياسية إنما هي “نماذج مثالية” لا توجد بصورة خالصة في أي نظام من الأنظمة الملموسة. بل نجد مزيجا من الثقافات الثلاث، وانتهى للقول إلى أن بريطانيا وأمريكا تحققان مزيجا جيداً ومتوازنا من الثقافة السياسية تسوده ثقافة المشاركة بما يجعله ملائما للديموقراطية.
نظرية الديموقراطية أولاً: انطلاقا من دراسات عن بلدان عديدة فقيرة متقاربة المستوى من حيث الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكنها مختلفة في أنظمتها السياسية، بعضها أخذ بقدر معين من الديموقراطية وبعض آخر ظل خاضعا لأنظمة سلطوية، لاحظ عدد من علماء أن الديموقراطيات الفقيرة حققت نموا لا يقل سرعة وحجما عما حققته الأتوقراطيات الفقيرة، وتفوقت الأولى على الثانية في الأداء وحسن التسيير. نتائج هذه الدراسات حملت أصحابها للقول بأسبقية الديموقراطية على التنمية الاقتصادية. وكان الطعن الأكبر الذي قدموه ضد فكرة (أولوية التنمية الاقتصادية) أنها وطدت الاستبداد وأطالت عمره وأجلت قضية الديموقراطية، ذلك أن في مقولة “التنمية أولا” إقصاء لقضية الديموقراطية وغض للبصر عن ممارسات أنظمة سلطوية.
أما أسباب تفوق الديموقراطيات على غيرها في الأداء والتنمية تكمن في أن بنية النظام الديموقراطي ومؤسساته تفسح المجال لمحاسبة شعبية مستمرة وفعالة من ناحية، ورقابة متبادلة بين المؤسسات والسلطات من ناحية أخرى. فالضغط الشعبي عن طريق الانتخابات الحرة والتحرك من خلال منظمات المجتمع المدني يجعل الحكام يقدمون الكفاءة والجدارة على المحسوبية.
خامساً:علاقة التنمية السياسية بالتنمية البشرية وأهميتها: إن الإنسان منطلق التنمية البشرية وغايتها، ولعل أهم مكون هو مستواه التعليمي والثقافي. مما يلزمنا تعريف التنمية البشرية وعناصرها الأساسية. لأن التنمية السياسية ترتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية البشرية.

وتحقيق التنمية البشرية يعد أحد أهم مكونات النجاح في التنمية السياسية، نتيجة علاقتهما الجدلية. التنمية البشرية هي: عملية مركبة تقوم على توسيع خيارات البشر والارتقاء بقدراتهم من اجل تحقيق مجموعة من الأهداف، أهمها تلبية الاحتياجات الأساسية أولاً، ثم الارتقاء بنوعية الحياة ثانياً.
ومن هذا التعريف نستلخص عدة عناصر: – توسيع خيارات البشر: أي تقديم مجموعة من الخيارات حتى يختار كل إنسان ما يناسبه. وهذا يعني ليس فقط وجود خيارات بل القدرة على الاختيار منها ما يشاء.
– الارتقاء بقدراتهم: أي التعليم والتجريب والتأهيل لتنمية القدرات الفردية.
– الحاجات الأساسية: أي التي لا يستطيع الفرد العيش بدونها.
-الارتقاء بنوعية الحياة: أي تحقيق الرفاه .

إن النجاح في التنمية يعني خلق بيئة مناسبة لرفع معدلات الإنتاج الحقيقي. وتبين الاقتصاديات الحديثة (المسماة باقتصاديات المعرفة)، والتي تقوم على الاستثمار في المهارات البشرية والذكاء الإنساني، وذلك من خلال الاكتشافات العلمية وبراءات الاختراع في مجالات الذكاء الصناعي والانترنت والمعلوماتية وغيرها في أن العمل في هذه القطاعات ينتج فائض قيمة تفوق 100 مرة فائض القيمة الناجم عن العمل في الزراعة و الصناعة الحديثين!!. وذلك ما يعني أن التركيز على العمل في هذه القطاعات هو الذي سيحسم التقدم العالمي في المستقبل لصالح الدول والمجتمعات التي ستنتج في هذه الحقول العلمية والاقتصادية الجديدة.
كوريا الجنوبية مثلاً تحصل من براءات الاختراع أكثر مما يجنيه العرب من النفط. فتشير الإحصاءات أن عدد براءات الاختراع في كوريا الجنوبية يفوق 3850 سنويا، بينما هو في سورية 5، وفي مصر 70، والكثير من الدول العربية لم تسجل أي براءة اختراع . وتؤكد التقديرات أن العائد من براءات الاختراع على الاقتصاد الكوري يفوق قيمة النفط العربي مجتمعا، الأمر الذي يؤكد أن المعرفة والعلم من أبرز مظاهر القوة.
المصدر: 1زرزار العياشي، سفيان بو عطيط .(2012،شباط).

الجامعة والبحث العلمي من أجل التنمية : إشارة إلى الحالة الجزائرية.المستقبل العربي ،العدد 396. ص 113. 2- د.صالح بلحاج، التنمية السياسية: نظرة في المفاهيم والنظريات، جامعة الجزائر

 

المصدر : https://www.syr-res.com/article/11819.html