نظريات العلاقات الدولية و الحرب في أوكرانيا: تفوق واقعي مقابل فشل ليبرالي.
اعداد و تقديم : د. إبراهيم بولمكاحل.

في مقاله الأخير الصادر في مجلة Foreign Policy بتاريخ 8-3-2022، المعنون بـ:
An International Relations Theory Guide to the War in Ukraine-A consideration of which theories have been vindicated—and which have fallen flat-.

أكد البروفيسور ” ستيفن والت/ Stephen M. Walt ” بأن ما يحدث في أوكرانيا يدعم و يؤكد القدرة التفسيرية المتفوقة للواقعية مقارنة بباقي النظريات الأخرى على غرار الليبرالية، مقدما عددا من الحجج على ذلك:
1- أعادت الأحداث المقلقة في أوكرانيا تأكيد الأهمية الدائمة للمنظور الواقعي في السياسة الدولية. عموما ، تصور يتفق الواقعيون ان العالم لا توجد فيه هيئة أو مؤسسة يمكنها حماية الدول من بعضها البعض ، ما يجعل الدول قلقة بشأن امكانية تعرضها لاعتداء خطير قد يهددها في وقت ما في المستقبل. هذا الوضع يجبر الدول – وخاصة القوى العظمى – على القلق بشأن أمنها والتنافس على القوة. لسوء الحظ ، تدفع هذه المخاوف الدول أحيانًا إلى القيام بأشياء مروعة. بالنسبة للواقعيين ، يذكرنا الغزو الروسي لأوكرانيا (ناهيك عن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003) بأن القوى العظمى تتصرف أحيانًا بطرق فظيعة و حمقا عندما يعتقدون أن مصالحهم الأمنية الأساسية معرضة للخطر. هذا الدرس لا يبرر مثل هذا السلوك ، لكن الواقعيين يدركون أن #الإدانة_الأخلاقية وحدها لن تمنعه.

2- توضح الحرب في أوكرانيا أيضًا مفهومًا واقعيًا كلاسيكيًا آخر: فكرة (المعضلة الأمنية/security dilemma) . تنشأ المعضلة لأن الخطوات التي تتخذها دولة ما لزيادة و تعزيز أمنها غالبًا ما تجعل الآخرين أقل أمانًا. تشعر الدولة “أ” بأنها غير آمنة وتسعى إلى خلق تحالفات أو لزيادة تسلحها ؛ ما يؤدي إلى انزعاج و تحسس الدولة “ب” من هذه الخطوة التي تعتبرها كتهديد لها، ما يجعلها تتصرف بنفس النهج ، الأمر الذي يؤدي لتعميق الشكوك ، وينتهي الأمر بافتقاد الأمن بالنسبة لكلا الدولتين. من هذا المنطلق يمكن تقديم تفسير منطقي لرغبة دول في أوروبا الشرقية في الانضمام إلى حلف الناتو (أو أقرب ما يمكن إليه) ، نظرًا لمخاوفها طويلة المدى بشأن روسيا. ولكنفي المقابل ينبغي تفهم سبب اعتبار القادة الروس – وليس بوتين فقط – لهذا التطور أمرًا مقلقًا.

3- حسب “والت” إن رؤية الأحداث في أوكرانيا من منظور الواقعية لا يعني تأييد أفعال روسيا الوحشية وغير القانونية(نفهم من هذا أن الواقعية لا تدعو للحرب كخيار وحيد او مرغوب فيه، بل إن اللجوء اليها شر لابد منه بحكم قانون الصراع الموضوعي الذي يحكم و يضبط سلوكات الدول ) ؛ و يتبع بأننا مضطرون للاعتراف-موضوعيا- بما يقع في اوكرانيا باعتباره سلوكا متكررا في الشؤون الإنسانية بالرغم من الجانب المؤسف في ذلك. الواقعيون من Thucydides وصولا الى ( E.H. Carr, Hans J. Morgenthau, Reinhold Niebuhr, Kenneth Waltz, Robert Gilpin, and John Mearsheimer) جميعم أدانوا الطبيعة المأساوية للسياسة العالمية ، بينما حذروا في الوقت نفسه من أنه لا يمكننا إغفال المخاطر التي تبرزها الواقعية ، بما في ذلك المخاطر التي تنشأ عندما تهدد ما تعتبره دولة أخرى مصلحة حيوية.
ليس من قبيل المصادفة أن الواقعيين قد أكدوا منذ فترة طويلة على مخاطر الغطرسة ومخاطر السياسة الخارجية المثالية المفرطة ، سواء في سياق حرب فيتنام ، أو غزو العراق في عام 2003 ، أو السعي الساذج لتوسيع الناتو المفتوح. للأسف ، تم تجاهل تحذيراتهم في كل حالة ، لتثبتها الأحداث اللاحقة.

في المقابل اعتبر “ستيفن والت” ان الليبرالية عجزت كنظرية في السياسة الدولية عن تقديم تفسيرات لما يحدث، معتبرا أن النظريات الليبرالية الرئيسية التي استرشدت بها الجوانب الرئيسية للسياسة الخارجية الغربية في العقود الأخيرة لم تحقق نجاحًا جيدًا في تنظيم او تفسير الواقع الدولي . ككل مرة ، أثبت القانون الدولي والمؤسسات الدولية أنها تشكل حاجزًا ضعيفًا و عاجزا أمام جشع القوى العظمى . ايضا يحاجج أن الترابط الاقتصادي (الاعتماد المتبادل) لم يمنع موسكو من شن غزوها ، على الرغم من التكاليف الباهظة التي ستتكبدها نتيجة لذلك. ايضا لم تستطع القوة الناعمة إيقاف الدبابات الروسية ، كما أن أصوات الجمعية العامة للأمم المتحدة غير المتوازنة 141-5 (مع امتناع 35 عن التصويت) التي تدين الغزو لن يكون لها تأثير كبير أيضًا.

قد تكون الواقعية حسب ” ستيفن والت” أفضل دليل شامل لفهم و تفسير ما يحدث ، لكنها بالكاد تخبرنا القصة كاملة. على سبيل المثال ، يقلل الواقعيون من أهمية دور المعايير كقيود قوية على سلوك القوى العظمى ، لكن المعايير لعبت دورًا في تفسير الاستجابة العالمية للغزو الروسي. يدوس بوتين على معظم ، إن لم يكن كل ، القواعد المتعلقة باستخدام القوة (مثل تلك الواردة في ميثاق الأمم المتحدة) ، وهذا جزء من السبب الذي جعل الدول والشركات والأفراد في معظم أنحاء العالم يصدرون احكاما قاسية على روسيا، و يعتبرون سلوكها خرق واضح و انتهاك للمعايير العالمية، و تهديدا للأمن و السلم الدوليين، و من المحتمل ان ارتكاب المزيد.من التجاوزات الواضحة والعلنية ستؤثر دائمًا على كيفية حكم الآخرين على نواياها. و في حال صعدت القوات الروسية من هجماتها في الأسابيع والأشهر المقبلة ، فمن المحتم أن تتكثف الجهود الحالية لعزلها ونبذها بشكل أوسع….
تحدث أيضا “ستيفن والت” عن عناصر أخرى مرتبطة بمسألة سوء الادراك و التقدير و ايضا مدى التزام القادة بقرارات السلم و قراءة في جدوى العقوبات الاقتصادية…

يمكنكم الاطلاع على المقال كاملا عبر الرابط:

An International Relations Theory Guide to the War in Ukraine