نظريات تحليل السياسات العامة

المحور الأول: تحليل السياسة العامة: إطار مفاهيمي

  1. مفهوم تحليل السياسة العامة.
  2. تحليل السياسة العامة : جذورها وتطور الاهتمام بها.
  3. خصائص تحليل السياسة العامة.
  4. مراحل تحليل السياسة العامة.
  5. علاقة علم تحليل السياسة العامة بغيره من العلوم.

المحور الثاني: مداخل ونظريات تحليل السياسة العامة

  1. مداخل الدراسة السياسية (التقليدية)
  • مدخل الجماعة.
  • مدخل النخبة.
  • مدخل النظم (النسقي).
  • المدخل الوظيفي (المؤسساتي)
  • المدخل التراكمي.
  1. المداخل السياسية المعاصرة.
  • نظرية الاختيار العام.
  • المدخل التجريبي.
  • المدخل العقلاني.
  1. المداخل الاقتصادية:
  • النظرية الكرسيكية.
  • النظرية الماركسية.
  • النظرية الكينزية.
  • النظرية الكلاسيكية الجديدة
  1. المداخل العقلانية: التيار المهني الفني

المحور الثالث: أساليب تحليل السياسة العامة:

  1. الأساليب الحدسية غير الكمية
  • أسلوب دلفي
  • أسلوب بناء السيناريو
  1. الأساليب الكمية:
  • أسلوب بحوث العمليات
  • أسلوب البرمجة الخطية
  • أسلوب المنفعة والنفقة
  • أسلوب شجرة القرارات.

تحليل السياسات العامة هو حقل متعدد التخصصات لدراسة وضعت في العلوم السياسية، وشديدة التلوث مع تخصصات أخرى مثل’ اقتصاد، في علم الاجتماع في احصائية.[1][2][3] ما يميزه عن غيره من العلوم السياسية بالمعنى التقليدي هو محور ‘تحليل، يتم نقل أي من هذه الدراسة في السلطة والمؤسسات (المؤسساتية نهج) لدراسة سلوك من الجهات الفاعلة في الساحة العامة (نهج السلوكية).

دراسة السياسة العامة، وبعد ذلك، هو العمل البحثي الذي يحتوي على وحدتها الأساسية للتحليل فيما يتعلق مشكلة الجماعي الذي السلطات العامة (وتحت ظروف معينة حتى المنظمات الخاصة) تقرر أن تفعل أو لا تفعل شيئا.

قد نهج لدراسة السياسات العامة تختلف باختلاف الطرق المستخدمة (استقرائي استنتاجي أو) والغرض (وصفي أو مفروضة).

المحور الأول: تحليل السياسة العامة: إطار مفاهيمي

1.مفهوم تحليل السياسة العامة:

لقد ساهم العديد من المفكرين في إعطاء تعريف شامل عن تحليل السياسات العامة من بينها نذكر:

* حيث عرفها “ج.جلبرث G.R.Gilbert” في كتابه (Making and Managing Policy) 1984م، بأنها مصطلح شمولي يعني البحث الهادف لتحديد بدائل السياسة العامة، التي يمكن أن تؤمن أقصى درجة من الأهداف المطلوبة في إطار الظروف والصعوبات البيئية الماثلة.

* كما يرى “ت.بويستر T.A.Poister” في كتابه (Public Program Analysis) 1978م، تحليل السياسة العامة بوجه عام، يعني تحليل خصائص ومحددات السياسة العامة، وما يتصل بها من برامج وبصفة خاصة العلاقة بين محتوى السياسات والبرامج، وما ينبع من هذه العلاقة من آثار ومقتضيات ونتائج.

         إن هذه التعريفات لمفهوم تحليل السياسة العامة تختلف في حيثياتها، فمنهم من عرفها بنوع من الشمولية، ومنهم من أكد على إبقاء حالة التوافق بين عمليات ومراحل ونتائج السياسة العامة، ومنهم من ركز على مفهوم القرار، لكن معظمها يتسم بالتشابه المنهجي في سياقاتها.

* كما قدما كلا من “كرستوفر هام Ch.Ham” و “ميشل هل M.Hill” مجموعة من التعريفات، وهي:

– إن تحليل السياسة العامة يصف مجموعة من الأنشطة المتعددة والمختلفة، بالشكل الذي يجعل من الصعوبة بمكان إيجاد تعريف واحد شامل ومحدد لها.

– إنه مصطلح يتضمن وصف وتحليل الأسباب والحالات في تصرفات الحكومة.

– إنه عبارة عن نشاط نظري، كما أنه نشاط تحليلي.

– إنه يُعنى بالمشكلات، ويستمد عمله من المشكلات التي تواجه صانعي القرارات، ويهدف إلى معالجة تلك المشكلات عن طريق الإبداع وتفعيل الخيال والتصورات.

* كما يعرفها “توماس داي Thomas Dye” أنها تتضمن وصف وتحليل وتفسير أسباب ونتائج النشاط الحكومي، حيث تتضمن وصف محتوى السياسة العامة، وتقييم تأثير القوى البيئية على مضمونها وتحليل أثر الترتيبات القانونية المتنوعة أو العمليات السياسية عليها، وفحص نتائجها المتنوعة على النظام السياسي، ثم تقييم تأثير نتائجها على المجتمع.

* كما يعرف “وليام دان William Dunn” تحليل السياسة العامة بأنها بحث علمي يتجه نحو تطبيق العلم الإجتماعي  من خلال استخدام المناهج المتعددة في البحث لإنتاج المعلومات الأساسية ذات العلاقة بسياسة معينة، وهذه المعلومات تؤدي إلى معرفة السلوكيات المرتبطة بالفعل السياسي.

* ويرى “السيد يسين” أن تحليل السياسة العامة هو ذلك الجهد الهادف إلى توضيح الآثار، التي يمكن أن تترتب عن اختيار حل واحد أو عدة حلول، سواء تم ذلك بطريقة قبلية أو بعدية، أي أن تحليل السياسات العامة، يتنبأ في حالة التحليل القبلي بالآثار المتوقعة، وقد يحدد في حالة التحليل البعدي آثار هذه السياسات العامة.

* كما يعرفها “أحمد رشيد” بأنها وظيفة قد أصبحت من إحدى سمات التنظيم الإداري الحديثة للجهاز الإداري للدولة وتختص هذه الوظيفة بعناصر المشورة وبمجموعة حيوية من الأنشطة المساندة لقرارات القيادة والتنفيذ.

* يعرفها أيضا “حسن أبشر الطيب” بأنها الجهد المنظم للبحث والدراسة والتحليل لبدائل السياسة العامة بهدف توافر وتكامل المعلومات، التي تحدد مواطن القوة والضعف في كل بديل، وبالتالي لتحقيق هذا الهدف، فهي تشمل: تجميع وتفسير دلالات المعلومات، واستخدام أساليب حل المشكلات، ومحاولة استكشاف الآثار المترتبة على اختيار كل بديل من البدائل الممكنة.

         من التعاريف السابقة نستنتج أن تحليل السياسة العامة هي منهجية علمية عملية، ترتبط بمناقشة المشكلات والقضايا العامة للمجتمع، تبدأ بتحليل المشكلات المجتمعية وتستخدم عدة أساليب كمية وإجرائية وفنية، خاضعة لتوجه الحكومة والنظام السياسي ولأساليب الإدارة العامة، وبالتالي هي منظومة متكاملة تتتبع السياسة العامة في كل مراحلها وهنا نفرق بين السياسة العامة كبرنامج عمل، وبين تحليل السياسة العامة كمنهجية لتحليل المشاكل واستكشاف البدائل لحل المشكلات المجتمعية.

  1. تحليل السياسة العامة : جذورها وتطور الاهتمام بها.

إن جذور تحليل السياسة العامة قديمة، فهي تعود إلى ما قبل بروزه كعلم له أطره الفكرية ومناهجه العلمية وأساليبه التحليلية، ذلك لأن جوهره يعنى بمعالجة القضايا المجتمعية، وهذه الميزة واكبت معظم الحضارات العريقة كحضارة الرافدين، وواد النيل، والصين وغيرها، كلها تعد تجارب حية في مجال تحليل السياسة العامة واختيار البدائل، تبعا لطبيعة المشكلات المجتمعية فيها.

         وحسب “أحمد مصطفى الحسين” فإن تحليل السياسات العامة له جذور علمية وأخرى أكاديمية فكرية، فعن الجذور العلمية يعد الاهتمام بعملية تحليل السياسات العامة يندرج ضمن التوجهات العملية والممارسات التطبيقية للعديد من المؤسسات السياسية والحكومية في مختلف الدول، بهدف رفع كفاءة البرامج الحكومية وزيادة فعاليتها وتحقيق أهدافها.

ولضبط ذلك تاريخيا فإن جذور هذا العلم تعود إلى الدول الأنجلوساكسونية، وبالضبط إلى نشاطات وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية، حيث بدأت اتجاهات تحليل السياسات والبرامج الحكومية بغرض رفع كفاءتها أثناء الحرب العالمية الثانية، كما أدت بعض التطورات الداخلية التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية إلى تطور هذا الحقل، فالقوة الإقتصادية التي ساهمت في توسيع دور الحكومة في المجتمع، وذلك بعد كارثة الكساد الإقتصادي سنة 1929م، والتي قادت إلى ظهور الإقتصاد الكينزي، قد ساعدت أيضا في ظهور حقل تحليل السياسات لمساعدة الحكومة في أداء هذا الدور.

لذلك يرى معظم الباحثين أن حقل تحليل السياسات نما مع نمو دور الحكومة المركزية الأمريكية وليس مع التطور الذي حدث في العلوم الإجتماعية، فمنذ حوالي أكثر من قرن نجد أن أي توسع في دور القطاع الحكومي صاحبه طلب وعرض متزايد للمعلومات الضرورية لتحليل وصنع السياسات العامة، فكما أن الحكومة قد تطورت وتوسعت بتطور بطيء أو سريع، فإن الحاجة للعملية التحليلية في دراسة السياسات العامة قد تطورت بنفس الصورة.

         أما عن الجذور الفكرية الأكاديمية، فقد برزت على يد “هارولد لازويل” وزميله “دانيال ليرنر” سنة 1951م، وتم بعد ذلك الإهتمام بالأساليب الكمية ووسائل التحليل العلمية التي استفاد القطاع الحكومي منها، حيث تركز الإهتمام نحو تدريب الموظفين العموميين، لغرض إكسابهم المعارف العلمية والمهارات الفنية، المرتبطة بجوهر السياسة العامة، لضمان التوصل إلى الحلول المناسبة للمشكلات القائمة ضمن بيئة السياسات العامة، وذلك بالإعتماد على مجموعة النماذج والطرق والأساليب الفاعلة في إقامة التحليل المنهجي، لمختلف القضايا المجتمعية، ووضع البدائل المناسبة لحلها، لكن مع مرور الزمن، فقد طرأت على حقل تحليل السياسات العامة في فترة التسعينات عدة تغيرات، يمكن التطرق إليها من خلال المتغيرات التالية:

أولا: وحدة التحليل: لقد كان التركيز في السبعينات من القرن الماضي على الدولة ومؤسساتها في تحليل السياسات العامة، حتى الدراسات التي كانت تستهدف دراسة وتحليل دور الأحزاب السياسية أو جماعات المصالح، كانت تهدف إلى تحليل قدرتم على التأثير في صياغة الدولة للسياسات العامة، وليس باعتبارهم فاعلين مستقلين، فالدولة كانت دائما هي الفاعل الأساسي في مجال السياسة العامة، لكن ذلك تغير بظهور فاعلين جدد على المستوى الداخلي أو الخارجي، فظهرت عدة اتجاهات تعبر على دور هؤلاء الفاعلين في السياسات العامة والذين يشكلون مفهوم شبكة السياسة، الذي يشير إلى وجود أكثر من جماعة فاعلية في صياغة السياسة العامة، وهي جماعات تتغير من قضية لأخرى ومن فترة لأخرى، كما يشير هذا المفهوم إلى وجود أكثر من نمط اتصالي، وعلى الرغم من أن هذه الشبكات عادة ما تضم أطرافا حكومية وغير حكومية، إلا أنها تتمتع بقدر من الاستقلالية عن الحكومة، وإن كانت الحكومة تستطيع بطريقة غير مباشرة توجيه هذه الشبكات.

ثانيا: قضايا ومحتوى السياسات العامة: كان لنشأة علم تحليل السياسات من بوتقة نظام الحكم الأمريكي أثره على الأطر النظرية المستخدمة في التحليل، والتي عكست إلى حد كبير ملامح النظام السياسي الأمريكي في شكله الداخلي وإغفال دور العامل الخارجي على صنع وتحليل السياسة العامة، وهذا أثر على معظم الدراسات الخاصة بتحليل السياسة العامة في الفترة ما بين 1970/1980م، لكن مع بداية فترة التسعينات وبعد بروز العولمة (Globalization) التي تعد ظاهرة مركبة لها أبعادها الإقتصادية والاجتماعية والسياسية، من أهم مظاهرها منظمات الإقتصاد العالمي (Global Economy) والذي أصبح أمرا واقعا، مع ظهور منظمة التجارة العالمية (WTO) ، وانتشار الشركات المتعددة الجنسيات وبروز التكتلات الإقتصادية الدولية، أما على المستوى السياسي شاعت مفردات أساسية مثل التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان، كما تصاعد دور منظمة الأمم المتحدة، أما على المستوى الاتصالي بدأ الحديث عن أن العالم أصبح “قرية صغيرة”، كما ذاع مصطلح “الجغرافيات العالمية الجديدة” تعبيرا عن دول بلا حدود، من هذا كله بدأ الاهتمام بقضايا جديدة تعكس التغيرات العالمية لهذا العصر الذي يتميز بطغيان البعد الخارجي عن البعد الداخلي وأصبحت هناك قضايا ذات صبغة عالمية تحتل أجندة دراسات تحليل السياسة العامة في كل الدول مثال ذلك: قضايا البيئة والخصخصة والإدارة المالية والحكم الراشد (Good Governance) ، حتى أضحى هناك ما يسمى بالسياسات العامة العالمية، وعلى مستوى البعد الداخلي تزايد الاهتمام بدراسات تنفيذ وتقويم السياسات.

ثالثا: المنهجية: إن منهجية تحليل السياسات العامة تعتمد على حل المشكلات، لذا اهتمت دراسات تحليل السياسة باستخدام أدوات التحليل التي تساعد في تحديد المشكلة من جهة وتعظيم كفاءة البدائل المتاحة لحل هذه المشكلة من جهة أخرى، وقد تطورت هذه المنهجية بحيث أصبحت تجمع بين التحليل الكمي والكيفي وتأخذ بالأسلوب المقارن، كما أصبح تحليل وتقييم السياسات العامة يعتمد على إتباع الأسلوب الوقائي وليس فقط الأسلوب العلاجي، حيث عادة ما يتم التفكير في المشكلات وأساليب علاجها قبل أن تتفاقم، وقد ساعد التطور التكنولوجي، على تدعيم أدوات التحليل في السياسات العامة، حيث تم الأخذ بأساليب المحاكاة والنمذجة للاختيار والمفاضلة بين البدائل الممكنة.

رابعا: المدارس الفكرية: لقد تعددت المدارس التي ارتبطت بتحليل السياسات العامة، وترجع روافدها إلى بداية الستينات حيث ظهرت محاولات لتطبيق المبادئ العلمية على دراسة الظواهر الإجتماعية، ومنذ ذلك الحين تعددت تلك المدارس وتعددت اتجاهاتها، لكن أكثرها تأثيرا كانت المدرسة الإقتصادية، التي استطاعت أن تقدم إسهامات متعلقة بسلوك الإنسان وكيفية التنبؤ بردود أفعال الأفراد أو المنظمات اتجاه السياسات العامة ومتغيراتها، ولقد اعتمدت عملية تحليل السياسات العامة لفترة طويلة على فرضيات الإقتصاد الجزئي التي تركز على الرشادة والحيادية، وسعي الأفراد إلى تعظيم مصالحهم، كما سادت في الثمانينات النظريات المتعلقة بالخيار الرشيد والخيار العام كأساس لتحليل السياسات العامة، إلا أن هذه الاتجاهات تجاهلت مفهوم القيم والأخلاق، لكن تم تدارك ذلك في فترة التسعينات فظهرت الكتابات تركز على البعد القيمي والأخلاقي، منها على سبيل المثال دراسة “كاترين هاري Katharine Harring” بعنوان “الأخلاق وتحليل السياسة العامة Ethics and Public Policy Analysis”، والتي تعرضت فيها لدور البعد القيمي في العلاقة بين الحكومة ورجال الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية، وتأثير ذلك على السياسات العامة.

       خلاصة لما سبق، إن علم تحليل السياسات العامة له أهمية كبيرة في هذا العصر، ذلك لأنه منهج فكري يعد من أهم علوم الحاضر والمستقبل، لأنه يستبطن الإستكشاف المبدع لتحديد الحل الأفضل للقضايا الماثلة والمتوقعة، ومن هنا تبرز أهميته كمنهج فكري وعملي يعين الشعوب في تحديد خياراتها وحل مشاكلها، داخل نظامها الإجتماعي في الحاضر والمستقبل.

  1. خصائص تحليل السياسة العامة:

         إن عملية التحليل للسياسة العامة من حيث اهتماماتها ومجالات دراساتها، ترتبط بمختلف نشاطات السياسة العامة، في مدخلاتها وعملياتها ووسائلها ومخرجاتها والتأثيرات التي يمكن أن تحدثها، ومن ثم فالسياسة العامة الجيدة هي التي تلازمها عملية التحليل بشكل مستمر ومتواصل، إعدادا وتنفيذا وتقويما، وعليه فإن أهم خصائص هذه العملية هي:

  1. إن تحليل السياسة العامة منهج متنوع العلاقة والتأثير، إذ يتميز بالطابع المشكلي، من حيث عنايته بمختلف المشكلات والقضايا المرتبطة بمفهوم (العام، والبيئة والمجتمع)، كالصحة والتعليم والسكن وذلك من خلال تحليل هذه القضايا والمشكلات المرتبطة بها.
  1. إن تحليل السياسة العامة لا تقتصر على تحديد المشكلات المجتمعية الماثلة أو المتوقعة، وإنما يهتم أيضا بالسياسة العامة الحالية موضع التنفيذ، للتحقق من مدى كفاءتها وفعاليتها بهدف تعديلها واقتراح سياسة عامة بديلة.
  2. يتبنى تحليل السياسة العامة الأسلوب الوقائي-الفعل، حيث يفكر في القضايا والمشكلات، ويحدد أسلوب علاجها قبل وقوعها، كما يتبنى الأسلوب العلاجي – رد الفعل، من خلال تحليله للسياسات العامة القائمة لأجل تدعيمها أو تطويرها أو إلغائها أو بناء سياسات عامة جديدة.
  3. يُعنى تحليل السياسة العامة بالقيم والإفتراضات، بغية تحديد القيم التي يمكن أن تبنى عليها السياسة المستقبلية وفرضياتها، ضمن سياق تحليلي للمتغيرات السياسية المؤثرة وللإمكانيات السياسية المتاحة، والجدوى من تفعليها.
  4. يضفي تحليل السياسة العامة بعدا معياريا على الموضوعات التي يقوم بدراستها وتحليلها ويراعي جوانب العدالة والأخلاق عند اختياره للبديل الأفضل، ومع ذلك فهو ينزع إلى إبراز البراهين والشواهد التي تساعد في اتخاذ القرارات السليمة، من خلال استخدامه لعدة أساليب في جمع المعلومات والبحث والتحليل، كبحوث العمليات وأسلوب دلفي وغيرها.
  5. يتضمن تحديد وتحليل المتغيرات السياسية، وما تتضمنه من تحليل للإمكانية السياسية، وكذا ما يتصل بذلك من تحقيق التوازن بين القوى الإجتماعية، واستهداف التوصل إلى الرضا السياسي.
  6. يتسم تحليل السياسة العامة بالتوجهات الإبتكارية والإبداعية، في بلورة سياسات عامة جديدة تعكس الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، كما تعبر عن جوهر المشكلة أو القضية القائمة المراد مواجهتها، ووسائل مثل تلك التوجهات ترتبط باستمرارية التجريب وكثرة الاختبارات وكذا الأخذ بعين الاعتبار التغذية العكسية.
  7. إن تحليل السياسة العامة، يقوم على منهج علمي مفتوح على مختلف المحاور العلمية الأخرى، ويستقي من مناهجها، في سبيل تقديم إطار متكامل من المعلومات والمتغيرات ذات العلاقة بمضمون السياسة العامة وبعملية صنعها وتنفيذها وتقويمها.

من هذه الخصائص نستنتج أن تحليل السياسة العامة هو علم قائم بذاته له غاية وهدف واضح، وهو فن يعتمد على الدراسة العلمية والتحليل التخصصي في معالجة المشكلات المجتمعية، يهدف إلى تحسين عملية صنع السياسات العامة ومنظماتها التنفيذية، وذلك باستخدام عدة إقترابات ووسائل وأدوات، ومن ثم فهو يركز على مضمون السياسة العامة من خلال كل الاعتبارات السياسية والإجتماعية، ويركز على عملياتها السياسية، وهذا يجعل منه بالغ التأثير في تشكيل وتطوير مجال سياسي، وبنية اجتماعية مناسبة لعمل الحكومة في نطاق بيئة مجتمعية معينة.

  1. مراحل تحليل السياسة العامة:

1- تحديد وتصور المشكلة:

تعتبر عملية تحديد المشكلة أول عملية في التحليل، ولكي تحدد مشكلة ما، لابد من  التعرف عليها أولا، ثم تشخيصها ودراستها للكشف على الحلول والبدائل اللازمة لحلها.

أولا: التعرف على المشكلة:

أ. تعريف المشكلة: إن المشكلة اصطلاحا هي انحرافات عما هو محدد مسبقا، أو الفرق بين ما يحدث فعلا وما يجب أن يكون، أو مجموعة من الصعوبات تمنع الوصول إلى هدف معين،  فالمشكلة عادة ترتبط بقضية أو موقف أو حالة معينة أو حاجات مطلوبة، أو فرص غير مدركة، وتمثل بالتالي ظاهرة محددة لها أعراضها وآثارها المباشرة وغير المباشرة، وهي قابلة للحل في إطار المقومات البيئية.

ب. الإحساس والشعور بالمشكلة: وهو أمر ضروري وهام وجوهري وأساسي في عملية تحديد المشكلة وحلها، ويمكن لمحلل السياسات أن يحس ويشعر بالمشكلة إذا كان يملك القدرة الكافية والكاملة والشاملة لما هو كائن، ولما يجب أن يكون.

ج. التعرف على المشكلة: إن التعرف على المشكلة يتم بإحدى الطرق التالية:

– حدوث وظهور المشكلة بصورة مباشرة وواضحة ومؤكدة أمام متخذ القرار أو صانع السياسة، فيلجا إلى مواجهتها بشكل مباشر.

– اكتشاف المشكلة والتعرف عليها من خلال تحسس ودراسة الظواهر والوقائع والحقائق والمؤشرات.

– اكتشاف المشكلة بواسطة وسائل الاستخبارات والتبليغ.

– اكتشاف المشكلة بواسطة التغذية العكسية أو قياس الرضا العام للمواطنين.

وهنا نشير إلى تعدد طرق التعرف على المشكلة، ولا تكون المشكلة دائما في سياقها السياسي فقد تكون اجتماعية أو اقتصادية أو قد تخص فئة ما، ولكي تصعد إلى مستواها السياسي ليتم مناقشتها، يتم ذلك بشكل مباشر باكتشاف صناع السياسة أثرها ومن ثم معالجتها، أو عن طريق قنوات الإتصال المتمثلة في الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني التي تعد كهمزة وصل بين الحكومة وبيئتها، ولأجل التعرف الجيد على المشكلة، من حيث كونها مثيرة للاهتمام، لابد وأن تكون متضمنة للحاجات التي بدورها تدفع الناس للتحرك والعمل والمطالبة، وتغدو ذات منحى سياسي، إلى جانب كونها متضمنة للبعد العام وليس للبعد الفردي الخاص، وان يكون لها تأثيرا يتعدى من حيث التأثيرات والنتائج حدود الأشخاص المباشرين المعنيين بها كمشكلة.

د. تصنيف المشكلة: يتم تصنيف المشاكل أو القضايا المجتمعية وفقا لدرجة تأثيرها (عامة أو استثنائية) أو نوعيتها (سياسية، اقتصادية، اجتماعية…)، أو الظرف الزمني الذي برزت أو يتوقع بروزها فيه.

ثانيا: تشخيص المشكلة:

ذلك من خلال توصيفها أولا عن طريق أسبابها ومكانها وحدودها، وحجمها ووقتها، ثم القيام ثانيا بدراسة وتحليل وتفسير المشكلة، بوضع تصورات وآفاق علاج مناسبة لها، وهنا يتم طرح عدة تساؤلات: ما هي طبيعة المشكلة؟ ما هي القوى الدافعية التي قادت أو ستقود لبروز المشكلة؟ ما هي العناصر المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في تكوين المشكلة ؟ ما هي الحدود التي تفصل جوهر المشكلة عن الأعراض المترتبة عنها ؟

2- جمع المعلومات عن المشكلة:

         إن لكل مشكلة أو قضية معلومات وبيانات وإحصاءات تتعلق بأسبابها وبأهداف حلها وعناصرها، لذا يجب جمع كافة المعلومات والبيانات والإحصائيات ودلالتها التي تتعلق بالمشكلة موضع الدراسة، ثم القيام بعملية فحص وتحليل ودراسة هذه الحقائق والمعلومات، ثم تصنيفها وترتيبها وتنسيقها وفق أسس منطقية، ثم القيام بعملية بالمقارنات بالشكل الذي يسهل الاستفادة منها.

فالمعلومات هي بمثابة العمود الفقري لكل مراحل تحليل السياسة العامة، فهي القدرة على زيادة المعرفة بطبيعة المشكلة، وتعد الركيزة الأساسية لكافة مراحل الاستدلال والاستنتاج والتحليل والتقييم واختيار البديل الأفضل، لذلك فإن عملية صياغة سياسة عامة جديدة، تعالج مشكلة ما، تعتمد بشكل رئيسي على طبيعة المعلومات من حيث الكم والنوع والمصدر العلمي، ولكي تتحقق الإفادة الكاملة من المعلومات فلا بد أن تتوافر فيها الخصائص التالية:

  • الدقة والموضوعية: بعيدا عن الذاتية والتحيز.
  • الشمول: بمعنى توافر كل المعلومات المتصلة بطبيعة المشكلة والعناصر المؤثرة والمتأثرة بها.
  • الملائمة: بمعنى أن تكون المعلومات ذات دلالة وأثر في تحديد أبعاد المشكلة، أو تحديد أفضلية البدائل الممكنة لحلها.

ولجمع المعلومات هناك عدة أساليب منها: الملاحظة والاستقصاء، والاستبيان، واستخدام الوسائل الإحصائية، تحليل التغذية العكسية.

3- استكشاف البدائل الممكنة وتقويمها:

         تتطلب هذه المرحلة درجة عالية من الفهم والتصور والخيال والمرونة في استقراء المعلومات واستكشاف كل البدائل الممكنة لحل المشكلة، وبالتالي يجب على محلل السياسة رصد كافة البدائل القابلة للتنفيذ مع تحديد تكلفة وعائد كل منها، وهذا يرجع إلى قدرة المحلل على إيجاده لبدائل متعددة مثل: بديل الإبقاء على الوضع الراهن، أو بديل عدم التدخل في مجريات الأحداث، بما يعزز من احتواء الموقف لضمان عدم معارضة الحلول المتوصل إليها بالمستقبل، وبما يبعد الآثار الجانبية التي تعيق التوصل إلى الحل السليم للمشكلة، وهذا يستدعي بالمحلل العودة على التحري لمعرفة مصادر كل بديل، من خلال طرق الإستبصار بالأشياء، وطرق البحث العلمي، وتوظيف النظريات العلمية وبحوث السلطة والقوة والقيم، والمنظومة الأخلاقية القائمة في المجتمع محل الدراسة والاهتمام.

وهذه المرحلة تحتاج من محلل السياسات أن يختار الأساليب المناسبة التي تؤمن الدقة في تحليل البدائل وتحديد نتائجها ومن أهم هذه الأساليب: أسلوب الحدس، أسلوب دلفي، أسلوب بناء السيناريو، وبحوث العمليات، وأسلوب النماذج الرياضية.

  1. تحديد واختيار البديل الأفضل:

         إن البديل الأفضل هو البديل الذي يستبطن القيم القصوى (أكثر البدائل نجاعة في حل المشكلة)، مع إمكانية تطبيقه وفق الطاقات والإمكانات المادية والفنية المتوافرة، ووفق الظروف البيئية ومستوجبات الزمان، ومن أهم المعايير في المفاضلة بين البدائل نذكر:

– تكلفة البديل المترتبة عنه حينما يتم تنفيذه.

– قدرة البديل على استغلال الموارد المتاحة.

– نوعية المعالجة (كلية أو جزئية) التي يقدمها إزاء المشكلة.

– مدى انسجام البديل مع أهداف السياسة العامة.

– مدى السرعة والتوقيت المطلوب في تحقيق الحل ونتائجه.

– درجة المخاطرة المتوقعة عن البديل في حالة عدم تحقيقه للهدف المرجو منه.

         كما تستخدم في هذه المرحلة أيضا عدة وسائل ونظريات وأساليب تساعد على اختيار البديل الأفضل أهمها: نظرية المباراة، شجرة القرارات، نظرية الإحتمالات وغيرها.

  1. اختبار البديل المختار:

         هنا على محلل السياسة أن يخضع البديل إلى الإختبار التجريبي، للتأكد من سلامة الاختيار وضمان جدوى نتائجه وانعكاساته التأثيرية، تمهيدا لاعتماده في المستقبل عبر الواقع الميداني العملي للسياسة العامة في حلها للمشكلة المعنية وهنا لابد أن يأخذ محلل السياسات في الحسبان مدى توافر أسس الكفاءة والفعالية والعدالة والمساواة، كما يجب عليه أن يكون ملما إلماما كافيا ودقيقا بالأهداف الجوهرية التي تشكل محصلة إيجابية مترابطة فيما بينها لجهود المحلل.

  1. تنفيذ البديل:

         إن المراحل السابقة تتم ضمن سياقات وإجراءات غير معلنة، بفعل الطابع التخصصي والتقني والاستشاري لطبيعة مهام محللي السياسات العامة، لكن هذه الخطوة تختلف عن سابقتها، لأنها تكتسي الطابع المرضي لجميع الأطراف المعنيين بالقرار، بوصفها الحاسم المعلن الذي يختزل حجم الصراعات والمساومات، ويتطلب التنفيذ الفعلي للبديل بعض الإجراءات، تتلخص في الآتي:

– صياغة البديل بوصفه قرارا دالا على مضمونه بشكل جيد وواضح.

– اختيار الوقت المناسب لإعلان هذا البديل أو القرار.

– تهيئة البيئة الداخلية المعنية بتنفيذ القرار، وتهيئة الموارد والإمكانيات اللازمة.

– تهيئة البيئة الخارجية، الرأي العام والمجتمع، لضمان الإلتزام وحسن التجاوب مع القرار وتنفيذه على أحسن صورة.

  1. متابعة التنفيذ:

لابد من وضع نظام متكامل لمتابعة ومراجعة وتقييم مراحل التنفيذ، في ضوء التغذية العكسية التي يمكن توافرها عبر قنوات الإتصال الداخلية والخارجية، وتتمثل أهمية هذه المرحلة في إمكانية تحقيق بعض التعديلات الضرورية التي تستوجبها المتغيرات البيئية بما تشمله من ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية، كما أن هذه المتابعة تكون بمثابة صمام الأمان للنظر في إيقاف مراحل التنفيذ والعودة لاختيار بديل آخر، إذا لم يحقق هذا البديل القيم القصوى المتوقعة منه.

  1. تقويم النتائج والآثار:

         وهذه المرحلة مكملة لسابقتها، إذ على محلل السياسات أن يباشر التقويم الموضوعي للنتائج المتحققة، وللآثار الفعلية الناجمة عن تنفيذ ذلك البديل المعتمد في السياسة العامة سواء بالنجاح أو الفشل، ومن ثم فإن التقويم هو عملية تكشف عن التأثيرات التي أنتجتها السياسة العامة المتخذة ومدى تحقيقها الأهداف المرجوة منها.

         ووفقا لهذه المراحل نستنتج أن علم تحليل السياسة العامة هو علم وصفي وتحليلي في آن واحد، لأنه يهتم بوصف وشرح طبيعة المشكلات المجتمعية من جهة، ويعمل من جهة أخرى مستعينا بكل الوسائل الحدسية والفكرية والعملية لتحديد البدائل العملية الممكنة لحلها وفق مقتضيات البيئة ومستوجبات الزمان.

المحور الثاني: مداخل تحليل السياسات العامة:

  1. مداخل الدراسة السياسية

يرى بعض الخبراء والأكادميين السياسيين أن تحليل السياسات العامة يمكن منهجيا فصلها إلى نوعين من الأنشطة المرتبطة بهذه العملية، المجموعة الأولى تتعلق بتحليل محددات السياسة العامة، وهذه المجموعة تلقى إهتمام علماء السياسة الأكاديميين وعلماء الإجتماع، وهي تساعد على تحديد القوى السياسية والإجتماعية والإقتصادية، التي تؤثر بشكل كبير على صياغة وتشكيل السياسة العامة وكذا وصفها وتحديد أهميتها النسبية من حيث الآثار التي تحدثها على هذه العملية، أما المجموعة الثانية فهي تساعد الباحثين والعاملين في مجال الإدارة العامة على تقييم نتائج السياسة والبرامج الحكومية.

وتتبع عملية تحليل السياسة العامة عدة مداخل منهجية (Approaches) مقسمة حسب المجموعات السابقة حيث تضم المجموعة الأولى: مدخل الجماعة، ومدخل النخبة، ومدخل النظم والمدخل المؤسساتي والمدخل التراكمي، أما المجموعة الثانية فتضم المدخل العقلاني، والمدخل التجريبي، ومدخل الاختيار العام.

في حين يرى البعض الآخر تقسيمها من وجهة نظر أخرى حيث يرى “أحمد حسين مصطفى” أنها تنقسم إلى مداخل تقليدية وأخرى معاصرة (السالفة الذكر) بالإضافة إلى المداخل الاقتصادية والمداخل العقلانية ممثلة في التيار المهني الفني

أولا: مداخل تحليل محددات السياسة Policy Determinant Analysis Approachs: (التقليدية)

         يمكن تحليل المحددات الأساسية للسياسة العامة من خلال المداخل السابقة، والتي تمثل أهم المداخل  في هذا المجال، حيث يساهم كل منها في تحليل محددات السياسة العامة، وكلٌ منها له ما يميزه عن الآخر، حسب ما يلي:

  1. مدخل الجماعة The Group Approach:

         الجماعة هي تجمع أفراد تربطهم مصالح أو مشاعر موحدة، يقومون بطرح مطالبهم على الجماعات الأخرى في المجتمع، تتخذ طابعا مصلحيا عندما تطرح مطالبها أمام المؤسسات الحكومية(*) هذه النظرية ترى أن السياسة العامة هي حصيلة كفاح الجماعات، أو تعادل وتوازن تتوصل إليه الجماعات عبر كفاحها في موقف ما، لضمان مصالحها أو التعبير عن إرادتها، فهذه النظرية تنطلق من أن التفاعل والكفاح بين الجماعات هو أساس الحياة السياسية، وكلما تغيرت الجماعة وتبدلت مواقفها ووضعيتها، فإن السياسة العامة تتغير بتغير الجماعة.

ومنه إن هذا المدخل يعتبر أن السياسة العامة هي بمثابة توازن داخل الجماعة التي تتشكل من تنظيمات شبكية تضم أفراد وأحزاب وجمعيات ونقابات، تعمل بالتفاعل والتصارع للتأثير على السياسة العامة، ومهمة النظام السياسي هنا هي إدارة صراع الجماعة وذلك بإرساء قواعد اللعبة في الصراع، وتدبير حلول وسط وتوازنات في المصالح، وتنفيذ هذه الحلول في شكل سياسة عامة ثم تطبيقها.

         إن هذا سيجعل من السياسة العامة المتخذة تعكس رؤية الجماعة، التي تزداد درجة تأثيرها وضغطها، من خلال عدة مقومات كالقيادة القوية والثروة والقوة التنظيمية، التي تجعل من صناع السياسة يأخذونها بالحسبان.

         كما يقوم نموذج الجماعة على مجموعة أطر فكرية ومحصلات توازنية، يمكن التطرق إليها من خلال:

أ. المحور الفكري: نموذج الجماعة من خلال بناءها ووظيفتها ودورها في السياسة العامة: من خلال:

– النظر إلى الجماعة بوصفها كتلة نشاط عملية ومتحركة، وليست مجرد تجميعا للأفراد، وترتكز على عملية التفاعل بين عدة جماعات تشكل النظام الاجتماعي ككل.

– تعيش الجماعة وسط تفاعلات الجماعات.

– لكل جماعة مصلحة خاصة بها ينبغي دراستها وتحليلها، لأنها تمثل نشاطاتها نحو سياسة عامة ما.

– ينبغي التمييز بين الجماعة الأصلية وبين التجمعات المؤقتة، كما يجب إدراك أن الأفراد يلتحقون بجماعات عديدة في آن واحد، وهنا تختلف كثافة وقوة انتمائهم.

– ترتبط حالة المجتمع وتتحدد بالتوازن بين ضغوطات الجماعات، وقد يتغير كليا أو جزئيا بسببها.

– قوة الجماعة تتفاوت حسب تنظيمها، عدد أعضائها، كثافة الاهتمام، التمويل، وليس كل نشاطها هو سياسي.

ب. المحور التوازني: من خلال توازن النظام السياسي: وذلك يتمثل بالعلاقة بين قوى توازنية هي:

– وجود جماعة كبيرة وشبه عامة وربما مستترة، تقوم بمساندة النظام السياسي، وتدعيم قواعد اللعبة الحالية في السيطرة على صراعات الجماعات.

– تداخل عضوية الجماعات، حيث تعدد الجماعات التي ينتمي إليها الفرد تمنع أية جماعة من التطرف والتعارض مع القيم الإجتماعية والسياسية القائمة، مما يضفي هذا اعتدالا على مطالب الجماعات.

– إن التنافس القائم بين الجماعات، يدعو إلى إقامة التوازن والمراجعة، حيث تعدد الجماعات وتنافسها يخلق مراكز ومواقف متعارضة للقوة، تعمل على مراجعة نفوذ كل جماعة، كما تحمي الفرد إلى حد كبير من تعرضه للاستغلال.

         إن مثل هذا النموذج الذي يجسد تأثير القوى والضغوط والجماعات المختلفة، مثل المجموعات الصناعية وشركات البترول والمؤسسة العسكرية، ونقابات العمال والأطباء والمحامين، يظهر نشاطها وتأثيرها واضحا في الدول المتقدمة عنه في الدول النامية، حيث يقل الوعي والتخصص ودرجة العمل والتعبير والمصلحة العامة، ففي الدول المتقدمة تعيش هذه الجماعات حالات التنافس والصراع خاصة أثناء مناقشة السياسة العامة في السلطة التشريعية، والشكل رقم (01) يوضح هذا النموذج.

الشكل رقم (1)دور جماعات الضغط أو المصالح في السياسة العامة

المصدر: فهمي خليفة الفهداوي، السياسة العامة: منظور كلي في البنية والتحليل. ط1، عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة،2001، ص 171.

وحسب الشكل السابق، فإن تفاعل الجماعات هو أساس الحياة السياسية، وبالرغم من أن  (السلطة) لا يتم توزيعها بالتساوي بين هذه الجماعات المختلفة، إلا أنه يمكن – حسب دعاة هذا الاتجاه – أن تتحقق سياسة عادلة، وذلك للأسباب التالية:

  1. ليس هناك مصلحة أو اهتمامات فردية يمكن أن تكون المسيطرة أو السائدة، وذلك بدون تحقيق تسويات واتفاقات مع المصالح والاهتمامات الأخرى.
  2. معظم الأفراد هم أعضاء في جماعات مختلفة ومتداخلة من حيث مصالحها، فهم مستهلكين مثلا ومنتجين في نفس الوقت، ودافعي ضرائب ومستقبليها وذلك في صورة خدمات عامة، ومن ثم فإنهم سيعملون على تحقيق تأثير معتدل في قيادات الجماعات التي ينتمون إليها.
  3. تقف الحكومة في وضع يمكنها من أن تكون جاهزة للتدخل لصالح هؤلاء الذين تتعرض حقوقهم المنصوص عليها في الدستور إلى التهديد، نتيجة أي اتفاقيات أو تسويات قد تتم فيما بين جماعات الاهتمامات القوية.

         ويرى علماء السياسة المعاصرين أن تشكيل السياسة العامة من خلال هذا المدخل، إنما يشجع على المشاركة السياسية بين كافة القطاعات في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تعمل على توفير الحماية المطلوبة لتحقيق الإستقرار في المجتمع، لكن هذا لا يعني ربط تحليل العملية السياسية بالجماعات فقط، وإهمال دور وتأثير العناصر الأخرى التي تتضمنها البيئة المحيطة.

  1. مدخل النخبة The Elite Approach:

         النخبة أو الصفوة (Elite) بمعناها العام تدل على أكثرية شرائح المجتمع هيبة وتأثرا، أو أعلى شريحة في أي ميدان من ميادين التنافس، وتتألف عادة من الأفراد الذين يعودون – بالقياس إلى غيرهم- قادة في مجال ما، كالصفوة السياسية، والصفوة العلمية، والصفوة الدينية…إلخ، من شأنهم مباشرة غرس النفوذ المؤثر في تشكيل قيم واتجاهات القطاعات التي يمثلونها في المجتمع.

         والصفوة السياسية (Political Elite) هي ظاهرة مجتمعية، تعد من أهم متطلبات تنظيم المجتمع السياسي الحديث، تقتضي ضرورة تقسيم العمل السياسي بين أعضائه، بحيث تختص قلة منهم بمهمة رسم السياسات واتخاذ القرارات السلطوية، وهي النخبة الحاكمة، في حين الأكثرية الغالبة من المواطنين تمتثل للأوامر.

والسياسة العامة من وجهة نظر هذه الفئة، تعتبر بمثابة القيم والتفضيلات لدى النخبة الحاكمة وهذه النظرية تقوم على أن الجماهير ليسوا هم الذين يحددون السياسة العامة من خلال مطالبهم وأفعالهم، وإنما القلة الحاكمة، من خلال البيروقراطية الحاكمة التابعة لها هي التي توجه السياسات العامة وتصنعها، من خلال المبادرة وصياغة السياسة وإصدار التشريعات وأوامر التنفيذ التي تصدر من قبلهم كمسؤولين مهمين في الدولة.

ويتلخص مدخل النخبة من خلال المحورين التاليين:

  1. الفلسفة التي يقوم عليها نموذج النخبة: حيث لخص كلٌ من “داي Dye” و”زيجلير Zeigler” في كتابهما “تجاهل الديمقراطية” هذه النظرية بما يلي:
  • إن المجتمعات تنقسم إلى فئتين: القلة التي تمتلك بيدها القوة، وأغلبية مستضعفة، وان أفرادا محددين هم الذين يوزعون الخيارات على الجماهير.
  • إن القلة الحاكمة ليست ممثلة للكثرة المستضعفة، فكثيرا ما تكون النخبة الحاكمة من الطبقة العليا والغنية.
  • إن تسرب الأفراد من الأكثرية إلى النخبة، يقيد بضوابط شديدة للحفاظ على الاستقرار وتجنب الثورة، ولا يدخل للنخبة إلا الذين يؤمنون حقا بمعاييرها ويقتنعون بأفكارها.
  • لدى النخبة اتفاق عام على القيم الأساسية للنظام الإجتماعي، وعلى الحفاظ على النظام.
  • لا تعكس السياسة العامة مطالب الجماهير، وإنما تعكس القيم السائدة للنخبة، والتغيرات في السياسة العامة تغيرات جزئية وتدريجية أكثر منها ثورية.
  • إن النخبة الفاعلة لا تخضع لضغوط الجماهير إلا بالحد الأدنى، فالنخبة هي التي تضغط وتؤثر في الجماهير وليس العكس.
  1. تطبيقات مدخل النخبة على تحليل السياسة العامة: وذلك من خلال:
  • أن السياسة العامة لا تعكس مطالب الجماهير، بل هي انعكاس لإرادة وقيم ومصالح النخبة، ومن ثم فإن أي تغيير في السياسة العامة، ينتج من إعادة تعريف النخبة لقيمها.
  • النخبوية لا تعني أن السياسة العامة تكون ضد مصلحة الجماهير ورفاهيتها، إنما مصلحة الجماهير هي من المهام الواقعة على عاتق النخبة السياسية، وليس على عاتق الجماهير.
  • ترى النخبة في الجماهير أنها غير مبالية وجامدة وسلبية، وأن آراء الجماهير عادة ما يتم تضليلها والتأثير عليها من قبل النخبة، دون أن يكون لتلك الجماهير أي رد فعل في قيم النخبة.
  • إن خطوط الاتصال بين الجماهير والنخبة تكون بشكل رأسي هابط، ولهذا فالإنتخابات العامة والمنافسة الحزبية، لا تمثل الجماهير في الحكم، فقيمتها رمزية، فهي تربط الجماهير بالنظام السياسي بإعطائهم يوم الإنتخاب دورا يلعبونه، وحزبا ينتمون إليه ومنه فالسياسة العامة نادرا ما يتم إقرارها من طرف الجماهير.
  • تؤكد النخبة على وجوب الاتفاق إزاء قواعد محددة للسلوك التي يقوم عليها النظام الإجتماعي، وعلى القواعد الأساسية للعبة، وهذا ما يحقق استقرار وبقاء النظام، وهذا لا يعني أن النخب لا تختلف ولا تتنافس، وإنما يعني أن النخبة تؤكد على جعل المنافسة تجري ضمن مجال ضيق، فالنخب تتفق على الموضوعات المحددة أكثر مما تختلف حوله.

وهكذا تصبح السياسة العامة حسب هذا المدخل مضادة للجماهير، لكنها موجهة نحو مصالح الأقلية ومعبرة عن قيمهم ويمكن توضيح هذا المدخل في الشكل رقم 2

الشكل رقم 02: دور النخبة في صنع السياسة العامة

المصدر: فهمي خليفة الفهداوي، المرجع السابق، ص 175، (بالتصرف).

  1. المدخل المؤسسي The Institutional Approach:

         ينطلق هذا المدخل من نظرية “مونتسكيو” لفصل السلطات التي يعتبرها آلية ضرورية لتنظيم شؤون الجماعة  كما ينطلق من القاعدة التقليدية التي يقوم عليها علم السياسة، من أنه علم يعنى بدراسة المؤسسات(*) الحكومية وهي المؤسسات الثلاث، المؤسسة التشريعية والمؤسسة التنفيذية، والمؤسسة القضائية، وأن السياسة العامة يتم تحديدها من خلال هذه المؤسسات، التي تعمل على تبنيها والسهر على تنفيذها بشكل رسمي.

         فالحياة السياسية في أي مجتمع تظل وثيقة الصلة بسلوك السلطات الحكومية المتمثلة بالسلطات الثلاث والأحزاب السياسية، ودراسة المؤسسات كانت من خلال المدخل التقليدي الذي يركز على الجوانب الرسمية، وعلى القواعد والصلاحيات والنظم، ولكن سرعان ما تحول اهتمام علماء السياسة لدراسة الجانب السلوكي في المؤسسات الحكومية، (أي التحول من دراسة ما ينبغي أن يكون إلى دراسة ما هو كائن)، فدراسة المؤسسة التشريعية مثلا أصبحت ديناميكية وواقعية، بعدما كانت استاتيكية وإجرائية بخطواتها، إلا أن الهياكل المؤسسية والإجراءات والقواعد تلعب دورا في صنع السياسة، ولا يجب أن تهمل في تحليل السياسة، مع الأخذ بعين الاعتبار المظاهر الحركية للسياسة.

وبالتالي يرى هذا المدخل السياسة العامة بمثابة نشاط يجري داخل الهياكل والمؤسسات الحكومية، وهذا ما يضفي على السياسة العامة ثلاث سمات مميزة وهي: الشرعية، والعمومية، وطابع الإلزام:

– الشرعية تعني أن تمنح الحكومة السياسة العامة شرعيتها، بحيث تصبح سياسات حكومية عامة تحظى بالإلتزامات القانونية، التي تتطلب من المواطنين والولاء والإخلاص لها.

– العمومية تعني أي أن السياسة العامة تتصف بالشمولية وبطابعها العام، الذي يمتد ليشمل كافة المجتمع.

– الإلزام أي أن الحكومة تفرض معاقبة المخالفين لسياساتها العامة، والتحكم في ولاء مواطنيها.

         إن المدخل المؤسسي من خلال أنماطه الهيكلية للسلوك الفردي والجماعي، يؤثر في مضمون السياسة العامة، ذلك أن نشأة بعض المؤسسات قد تكون من أجل تفعيل مخرجات السياسة العامة، أو الحد من مخرجات أخرى، وهذا يعني أن أي تغيير مؤسسي مرتبط بتغيير في السياسة العامة، يعني ذلك وجود علاقة بين المؤسسة الحكومية والسياسة العامة، وهما يتصلان بدرجة كبيرة بالقوى الإجتماعية والإقتصادية.

ويمكن توضيح هذا المدخل في علاقتها بتحليل السياسة العامة في الشكل رقم (3)

الشكل رقم 03: المدخل المؤسساتي في عملية تحليل وصنع السياسة العامة.

المصدر: فهمي خليفة الفهداوي، المرجع السابق، ص 184.

  1. مدخل النظم: The systems Approach:

         يقوم هذا المدخل على فكرة النظام أو النسق، ونشأت فكرة هذا المدخل في العلوم الهندسية والبيولوجية ويهدف مدخل النظم إلى بناء إطار موضوعي لدراسة عملية تحليل وصنع السياسة العامة، بطريقة تتشابه مع المدخل الإقتصادي التقليدي في محاولته لبناء نماذج ميكانيكية السوق، ويمكن النظر وفق هذا المدخل للسياسة على أنها نظام  حيث ترد مدخلاته من البيئة التي يعمل فيها النظام السياسي في مجتمع ما، وتأخذ هذه المدخلات شكل من الأشكال التالية: مطالب من جانب الأفراد أو الجماعات لنتائج محددة للسياسة، ودعم وتأييد لنتائج النظام.

         كما يطلق على هذا المدخل بالنظرية الشمولية أو النظام المتكامل، التي تقوم على تأثير البيروقراطية في عملية صنع السياسات العامة، وكذا تأثير المدخلات الخارجية على البيروقراطية لكي تقوم هذه الأخيرة بتحويل المطالب والاحتياجات إلى سياسات عامة، وتوجيهات وبرامج جاهزة للتطبيق.

وتقوم منهجية تحليل مدخل النظم على المقومات والمفاهيم التالية:

  1. إن السياسة العامة تمثل استجابة النظام السياسي لما ينجم عن البيئة المحيطة من مطالب.
  2. يتألف النظام السياسي من تلك المؤسسات والنشاطات المتفاعلة في المجتمع، التي تقوم بصنع القرارات، وتوزيع القيم بصورة إجبارية ملزمة في التنفيذ لجميع أعضاء المجتمع.
  3. تتكون مدخلات النظام السياسي من المطالب، والدعم، والمعارضة، والموارد، والمعلومات الراجعة.
  4. أن تلك المدخلات بمكوناتها متأثرة ومرتبطة بنوعين من البيئات، البيئة الإجتماعية الداخلية، والبيئة الإجتماعية الخارجية، وما تحتويه من أنظمة فرعية.
  5. إن الصندوق الأسود يجسد النظام السياسي وعملياته الجارية في كيفية التعامل مع المدخلات، ويتضمن هذا الصندوق العمليات الآتية فيما يختص بتحليل وصنع السياسة العامة:
  • التحويل أو التغيير.
  • تشكيل وبناء الإجراءات المطلوبة في عملية التحويل، من خلال صانعي السياسة العامة.
  • بلورة إطار العمل النفسي والإجتماعي، الذي تتطلبه السياسة العامة، من أجل إخراجها للمجتمع بصورة إلزامية.
  • تتكون المخرجات الصادرة عن عمليات الصندوق الأسود، بوصفها السياسة العامة المتخذة.
  • تعمل محاور ومفاهيم مدخل النظم، في ظل دورة متكاملة (بيئيا، وإجتماعيا، وسياسيا)  وبشكل مترابط للإحاطة بالمعلومات حول عملية تحليل وصنع السياسة العامة وتنفيذها، ومعرفة نتائجها وأثارها على أعضاء المجتمع، وضمن إطار كلي للبيئة المحلية والدولية التي تحيط بالنظام السياسي.

ويرى “دفيد استون David Easton” – رائد هذا المدخل- أن التفاعلات السياسية في المجتمع، تكون بمجموعها نظاما عاما للسلوك، بحيث لا يمكن عزل النظام السياسي أو فصله عن النظام الإجتماعي الكلي، مما يجعل من إمكانية التمييز بين الأبعاد والمتغيرات الأساسية داخل النظام السياسي، من حيث عملياته وأفعاله، وبالأخص ما يتعلق بتوزيع القيم واستمرارية الإلتزام والطاعة، وبين الأبعاد والمتغيرات البيئية التي تؤثر على هذا النظام السياسي وعلى مخرجاته الناتجة عنه في شكل سياسات عامة.

ويمكن أن نقدم شرحا لهذا المدخل حسب ما أتى به “دفيد استون D.Easton” في الشكل رقم (04)

المصدر: فهمي خليفة الفهداوي، المرجع السابق، ص 180، (بالتصرف).

  1. المدخل التراكمي: Incrementalism Approach

يرتبط هذا المدخل بالفلسفة السياسية الليبرالية، يرى أن عملية اتخاذ قرارات السياسات العامة هي نتيجة للتفاوض والمساومة بين الجماعات التي لها مصلحة في قرار معين، وتسمى هذه العملية بالتعادل السياسي المشترك، إن هذه النظرية طورت لتجاوز الانتقادات الموجهة إلى نظرية الرشد والشمولية، أو الصعوبات التي تواجه تطبيقها كما أنها أكثر وصفية و توضيحية بالنسبة لمتخذي القرارات السياسية، حيث يقول شارلس لند بلوم رائد هذا الاتجاه: إن التراكمية أو التدريجية تمثل العملية النموذجية لاتخاذ القرار في المجتمعات التعددية كالولايات المتحدة الأمريكية.

وتتلخص أهم عناصر هذا الاتجاه حسب لندبلوم في الآتي:

  • يركز صانع السياسات العامة على السياسات التي تختلف هامشيا عن السياسات الحالية التي تمثل الوضع الراهن.
  • يأخذ صانع السياسة عددا محدودا من البدائل، ولا يقوم بإجراء عمليات تحليلية شاملة لدراسة نتائج البدائل المختلفة.
  • ليس هناك حلول جذرية لقضايا السياسات، ولذلك يحاول صانع السياسة تجنب الآثار السلبية المباشرة، وذلك عن طريق الدراسة المتكررة للمشكلة، ولذلك ليس هناك تعريف واحد لمشكلة معينة، بل تظل عملية تعريفها مستمرة، ولذلك ليس هناك حل واحد أمثل للمشكلة.
  • يركز هذا المدخل على الأسلوب العلاجي الموجه نحو تخفيف حدة المشاكل الحالية، وليس أسلوبا موجها نحو تحقيق أهداف مستقبلية.
  • يشجع عملية التفاوض والمساومة بين الجماعات التي لها اهتمام بالقضية موضوع السياسة العامة.
  • يسمى هذا المدخل بأسلوب المشي في الوحل لأنه يركز على السير والتقدم بخطى بطيئة ولا يركز على التخطيط طويل الأجل.

إذن السياسات العامة حسب هذا المدخل هي حصيلة “الأخذ والرد” والاتفاق بين عدد من المشاركين الحزبيين في عملية صنع واتخاذ القرار، ومن ثم التراكمية تتميز بأنها تعد مقبولة سياسيا لأنها تسهل الوصول إلى الاتفاق في المواضيع المختلف عليها بين الجماعات، وقد يصبح البرنامج المعدل والمكيف هو الأنسب بدلا من الالتزام بالطريقة القائلة “احصل على كل شيْ أو لا شيْ” وطالما أن متخذي القرارات في ظل ظروف عـدم التأكـد حيث يتعاملون مع التوقعــــات المستقبلية لتصرفاتهم، فإن القرارات التدريجية تقلل من أخطاء عدم التأكد ومن تكاليف المغامرات التي قد تتخذ لها القرارات البديلة، وهي تتلاءم مع الواقع الذي يتميز بمحدودية الوقت المتاح لأخذ القرارات، ومحدودية المعلومات والقدرات لديه لاتخاذ القرارات البديلة و الأكثر من ذلك فإن الناس بطبيعتهم عمليون وواقعيون أكثر فهم لا يبحثون عن الحلول المثالية في القرارات التي يتعذر تنفيذها ويفضلون الحلول الواقعية و الممكنة.وباختصار فإن النظرية التدريجية يمكن أن تسهم في صنع قرارات عملية مقبولة ومحدودة.

ثانيا: المداخل السياسية المعاصرة أو مداخل تحليل نتائج السياسة العامة Analysis of Public Policy Consequences:

  1. المدخل الرشيد (العقلاني): Rational Approach:

         تعود جذور العقلانية إلى الإيمان بأن الإنسان كائن عقلاني بطبعه، يحاول أن يحقق أكبر قدر من الفوائد بأقل التكاليف، وقد ظهرت هذه الفكرة في حقل الإقتصاد بما يعرف “بفكرة الرجل الإقتصادي” التي تمثل الأساس الفكري لعلم الإقتصاد، وانتشرت بعدها في الفكر الإداري والسياسي.

         يعتبر هذا المدخل السياسة العامة بمثابة سياسة رشيدة مصممة بهدف الكفاية في تعظيم صافي الإشباع للقيم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، وهذا المدخل يفترض أنه يمكن المفاضلة بين القيم الإجتماعية ووزنها، أي أن يتطلب فهما كاملا للقيم المجتمعية، ويتطلب معلومات عن السياسات البديلة، ويتطلب ذكاء لاحتساب معدل التكاليف إلى العائد، وأخيرا يتطلب نظاما لصنع القرار يسهل الرشد في تشكيل السياسات، وباختصار هذا المدخل يركز على:

  • السياسات الرشيدة : هي التي تحقق أكبر قيمة مضافة في مقابل ما يضفي به المجتمع من قيم اقتصادية وسياسية واجتماعية
  • مفهوم الرشد في منظور هذه النظرية مرادف لمفهوم الكفاءة الاقتصادية ( الرجل الاقتصادي )
  • لتحقيق الرشادة الكاملة يتطلب ذلك التعامل مع كافة القيم والحقائق عن موضوع السياسة العامة ومحاولة قياس تلك القيم والحقائق قياساً كمياً لمعرفة القيمة المضافة للسياسة العامة .

ويترتب على ذلك تطبيق منهجية هذا المدخل :

  • حصر كافة القيم الاقتصادية / الاجتماعية / السياسية وقياسها كمياً وتحديد الأهمية النسبية لكلاً منها ( توليد المشكلة / الهدف يوضح وبدقة )
  • معرفة كافة السياسات البديلة.
  • معرفة النتائج المترتبة على تطبيق كل بديل
  • حساب القيم المضافة لكل بديل .
  • اختيار البديل ألتعظيمي والذي يحقق أكبر قيمة مضافة.

         إن الخاصية المميزة لهذا المدخل هو أنه يحاول تقديم حلولا شاملة للمشاكل الإجتماعية وخاصة الإدارية، وذلك من خلال تقسيم مراحل السياسة العامة إلى مراحل متسلسلة، ومحاولة إيجاد حل عقلاني بأقل التكاليف وأعظم النتائج وذلك باستخدام عدة أساليب فنية.

  1. المدخل التجريبي Empirical Approach :

         وهو يعتمد على المبادئ السلوكية ويعد من المداخل ذات الفائدة المحدودة في التطبيق العملي، ويمكن تجسيده من خلال التجربة الإجتماعية، والتجربة القائمة على التشابه، وهو يستخدم بشكل مكثف نظرية الإحتمالات والإستنتاج الإحصائي، بالإستناد إلى طرق البحث في العلوم السلوكية، وقد أمكن للنموذج التجريبي أن يقدم نتائج غير غامضة حول علاقات السبب والنتيجة، وذلك عندما تكون تحت ظروف مثالية، ولعل هذا ما يمثل أهم عيوب هذا النموذج، حيث أن الظروف المثالية نادرا ما تكون متاحة في ظل عالم اليوم، وما يسوده من تفاعلات اجتماعية متشابكة ومعقدة.

         إن النموذج التجريبي يتطلب دراسات وبحوث ذات درجة عالية من المهارة والتخيل ونفس طويل، من أجل تقليل النتائج السلبية، التي قد يتعرض إليها بسبب المؤثرات والضغوطات البيئية فالصعوبة تكمن في كيفية استخدام وتطبيق نتائج بحوث ودراسات معملية، وتكييفها مع المجتمع الذي يقع تحت سيطرة متغيرات اجتماعية عديدة، ورغم ذلك فهذا لم يمنع مساهمة مثل هذه الدراسات الإجتماعية والسلوكية في توفير البيانات المهمة والضرورية في تحليل وصنع السياسات العامة وتحليل نتائجها.

  1. نظرية الاختيار العام: Public Choice Approach

هذه النظرية هي نتاج حركة الاتجاه النيوكلاسيكي في الاقتصاد التي تدعو إلى تقليص دور الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وهي تهتم بدراسة الدوافع الاقتصادية وسلوكيات الناخبين والموظفين العاميين في عملية صنع القرار الجماعي مقابل صنع القرارات الفردية في السوق الاقتصادي.

إذن الاختيار العام مصطلح توصف به مجموعة من النظريات والنماذج الاقتصادية التي تحاول تفسير دوافع وسلوكيات الناخبين والموظفين في عملية اتخاذ القرار الجماعي وتأثير تلك الدوافع في نوعية السياسات التي يتبنونها، ومنه يمثل التصويت أساس الاختيار العام فالأفراد ينتخبون المسؤولون في مستويات صنع السياسات على المستوى الوطني والمحلي، فهم يخولون سلطة العمل نيابة عنهم كمجموعة إذن يعد التصويت آلية وهمزة وصل تحول القرارات الفردية إلى اختيار جماعي، ومن ثم لب هذه النظرية يقوم على أن السياسات العامة قرارات جماعية تتم عن طريق أفراد يبحثون عن مصالحهم الخاصة.

 وتقوم هذه النظرية على المزج بين وجهتي نظر مختلفتين وهما الرجل الاقتصادي (Home-economicus) الذي يعكس التصور الفردي في علم الاقتصاد ويسعى بذلك إلى التعظيم من مصلحته الذاتية، والرجل السياسي (Home-politicus) الذي يعكس التصور العام في العلوم السياسية والإدارة العامة، والذي يبحث عن تحقيق المصلحة العامة، وهذا يعني وجود تصوران مختلفان للدوافع البشرية، لكن نظرية الاختيار العام أكدت أن الانسان لا يتصرف في السوق الاقتصادي بشكل يختلف عنه في السوق السياسي، فهو في الحالتين يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية، وهذا ما أكده “جيمس بكنان James Buchanan” أهم رواد هذا الاتجاه.

إذن يمكن تلخيص أهم أسس هذه النظرية في الآتي:

  1. تعتبر كل الفاعلين السياسيين من مشرعين ومنفذين ومرشحين وغيرهم يبحثون بنفس مستوى الرجل الاقتصادي عن تعظيم منافعهم الذاتية في السياسة كمل يفعلون في السوق الاقتصادي،
  2. يعد الاتفاق أو التعاقد الذي يحدث في السوق السياسي لفائدة السياسيين الذاتية، شبيها لما يحدث في التجارة في السوق الاقتصادي.
  3. تُحدث الدوافع الأنانية الفائدة المشتركة لكل الأفراد من خلال نظام اتخاذ القرار الجماعي، وهذا يؤكد الأصل الكلاسيكي لهذه النظرية وعلاقتها بنظريات آدم سميث التي تركز على عقلانية الفرد.
  4. الفرد في النظام السياسي يعد مستهلك لسلع وخدمات الحكومة، وهو عقلاني بطبعه ويتجاوب مع المعلومات التي لها علاقة بمصلحته الخاصة، وذلك حسب موقعه في نظام اتخاذ قرارات السياسات العامة.
  5. الفواعل السياسية كالأحزاب السياسية في ظل نظرية الاختيار العام تطبق نظرية الناخب الوسيط التي تؤكد أن الأحزاب والمرشحون غير مهتمين بتقديم مبادئ سياسية، وإنما همهم هو الفور في الانتخابات عن طريق برامجهم الانتخابية التي تتضمن قضايا السياسات التي تجذب أكبر عدد ممكن من الأصوات، ومع وجود التوزيع الطبيعي للآراء المختلفة في المجتمع السياسي حول أنواع السياسات فإن الأحزاب تتجه عادة نحو المركز وذلك لتعظيم الأصوات، وهذا ما يسمى بنظرية الصوت الوسيطي، والتي ينبثق منها ما يلي:
  • السياسات العامة التي يتم اختيارها لا تعكس رغبات كل الأفراد.
  • إخفاء انتماء المرشحون (اليمين أو اليسار) كمستثمرين سياسيين للفوز بالموقع الوسط أثناء الانتخابات.
  • يقوم المرشحون بمراقبة استطلاعات الرأي العام بشكل مستمر لتعديل مواقفهم في اتجاه موقف الخصم (بشكل خفي) في القضايا التي تلقى تأييدا في استطلاعات الرأي.
  • سعي الأحزاب للموقع الوسيط لا يعني أن مواقفها في الانتخابات ستكون متطابقة، وذلك بسبب عدم قدرة المستثمرين السياسيين من معرفة الموقف الوسيط، وذلك لأن الرأي العام ورأي الناخب الوسيط هدف متحرك.
  • الأحزاب والمرشحون يميلون غالبا للاتفاق حول الأهداف النهائية بغض النظر عن وسائل تحقيقها
  1. هذه النظرية تنظر إلى عملية صنع السياسات العامة في السوق السياسي في مقابل السوق الاقتصادي، مع وجود فصل البعد السياسي عن البعد الاقتصادي في اتخاذ قرارات السياسات العامة، التي تؤمن بالفلسفة الفردية التي تركز على الفرد كوحدة تحليل وعلى قدرة الفرد على معرفة مصلحته، وهذا الأمر كان له آثار على دور الدولة والسياسات العامة من خلال:
  • أن السوق الاقتصادي أكثر كفاءة من السوق السياسي في تخصيص الموارد، ولذلك من الضروري تقليص نشاطات ونطاق السوق السياسي لمصلحة السوق الاقتصادي.
  • تقليل تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي بقدر الإمكان، ففشل السوق الاقتصادي أقل خطورة من فشل السوق السياسي.

ثالثا: المداخل الاقتصادية في تحليل السياسات العامة:

  1. المدخل الكلاسيكي: السياسات المحايدة
  2. المدخل الكينزي: السياسات المتدخلة
  3. المدخل الماركسي: السياسات الشمولية
  4. المدخل الكلاسيكي الجديد: العولمة وسياسات الخصخصة

رابعا:المداخل العقلانية: التيار الفني المهني المستقل

لقد نمى وتطور هذا المدخل بشكل مستقل كتخصص علمي رغم وجود آراء تقول أنه وجد في إطار حقلي العلوم السياسية والإدارة العامة فقد أكد بعض رواده استقلاليته عن العلوم السياسية لطبيعته التطبيقية، وذلك لاستخدامه الأساليب العلمية الحديثة كبحوث العمليات، ومنه يرى الكثير في ظل هذا المدخل حيادية تحليل السياسات وعدم ارتباطها بمواضيع السياسة والاقتصاد، رغم عدم اهماله للعوامل السياسية والاقتصادية.

حيث يؤكد كل من “ريتشارد”و”ستوكي” – من رواد هذا الاتجاه- أن اتجاههما نحو تخليل السياسات هو اتجاه متخذ القرار العقلاني، الذي يضع أهدافا مسبقا ويستخدم المنطق للوصول إليها، وذلك باستخدام أدوات التحليل الفني الكمية، وتحليل السياسات موجه نحو تحسين سلوك وإجراءات وممارسات إدارة المنظمات السياسية كالبلديات والمديريات، فهو يهدف في النهاية لتغيير القوانين والإجراءات والهيكل الإداري الذي تعمل من خلاله هذه المنظمات السياسية، ولذلك فإن أغلب تحليل السياسات تقوم به الوحدات الإدارية الحكومية وخاصة في أقسام التخطيط وغيرها من الوظائف الاستشارية، ولعل أكثر المعاني شمولا لعملية تحليل السياسات يكمن في أي عمل لموظف عام يقوم بصورة دقيقة بوزن وفحص إيجابيات وسلبيات الطريقة التي يقوم بها بعمله.

وعلى هذا الأساس يمكن تعريف تحليل السياسات بأنها موازنة بصورة دقيقة بين معارضين ومناصرين القيام بتغيير معين في وظائف أو إجراءات أو لوائح المنظمة (وهنا يتشابه تحليل السياسات مع تحليل النظم)، لكن في الحقيقة تحليل النظم يكون غالبا كميا، بمعنى المحلل يستطيع أن يحسب بصورة كمية القيم الرقمية للعديد من المنافع والتكاليف، وتحليل السياسات يميل لأن يكون أقل كمية، أو إذا كانت بعض النواحي قابلة لأن تكون كمية، فإن هناك نواحي أخرى لا تخضع للقياس الكمي(الفرق بينهما هو في الدرجة)، فمصطلح تحليل السياسات يشير إلى أنه سيكون هناك تركيز أقل على الطرق الكمية، وتركيز أكثر على المصالح المتعارضة مقارنة باستخدام تحليل النظم.

         ووفقا لهذا المدخل فإن عملية تحليل السياسات غالبا تبدأ بتصور موظف أو عضو في المنظمة أن هناك احتمال تحسين طريقة أداء العمل أو ظهور مشكلة تحتاج لحل، وهو اعتقاد بأن هناك منافع يمكن أن تعود على غالبية أعضاء المنظمة، أو أن المنظمة نفسها يمكن أن يتحسن آداءها إذا أحدثت بعض التغييرات في وظائفها و قوانينها، ولذلك قد يقرر شخص أو موظف مسؤول في المنظمة أن قضية ما تحمل في طياتها فرص جديدة تستحق الدراسة.

يستخدم هذا المدخل عدة أساليب فنية وهي تركز بشكل أساسي على ثلاث نشاطات:

  • تحديد إلى أي مدى يقدم الأسلوب المستخدم بديلا معينا لحل المشكلة.
  • تقييم أثر هذا البديل على المنظمة وعلى الأفراد الذين يمكن أن يتأثروا بهذا البديل.
  • مقارنة البدائل من حيث تلك قالآثار في محاولة لتحديد البديل الأفضل.

وتمر عملية التحليل عادة بالمراحل الآتية:

  • تحديد المشكلة: وذلك يطرح المحلل عدة أسئلة: ما هي المشكلة ؟ وما هي الأهداف التي يسعى لتحقيقها من خلال مواجهة المشكلة.
  • وضع البدائل: وذلك بعد جمع المعلومات عن المشكلة وتحديد البدائل القابلة لحل المشكلة.
  • التنبؤ بالآثار: ما هي نتائج وآثار كل بديل ؟ وما هي الأداة الفنية التحليلية المناسبة للتنبؤ بتلك الآثار ؟
  • تقييم الآثار: تحديد إيجابيات وسلبيات آثار كل بديل؟
  • اختيار البديل: وبتجميع كل جوانب التحليل مع بعضها، ما هو البديل الأفضل ؟

المحور الثالث: أساليب تحليل السياسة العامة

  1. الأساليب الحدسية غير الكمية: ( التنبؤ وتقدير الموقف Forcasting and Estimating:)

         ينبني التنبؤ بصفة أساسية على الحدس، ويقوم على جمع واستقراء كل ما يمكن جمعه من معلومات متصلة بالمشكلة المجتمعية موضع الدراسة، وتصنيف وترتيب هذه المعلومات بشكل منهجي بعد تمحيص دلالتها، ثم تقدير الموقف بالصورة التي تستجلي البديل الأفضل الذي يمكن اختياره، وعلما بأن التنبؤ ينبني على الحدس، فإنه من غير الممكن التوصل إلى تنبؤات دقيقة وحتمية، فالتقديرات المفيدة التي يمكن التوصل إليها ذات فائدة كبيرة في تحديد البديل الأفضل في مجال السياسات العامة، فمثلا إن التنبؤات عن عدد الأطفال في الجزائر المتوقع بلوغهم الست سنوات في سنة لاحقة يفيد كثيرا في رسم سياسة تعليمية لاسيما في حالة التعليم الإجباري كما هو معمول به في الجزائر.

         إن الجهود الرائدة في أسلوب التنبؤ وتقدير الموقف، تعود إلى أواخر العشرينات من القرن الماضي في مجال التكنولوجيا، وتزايد الاهتمام به بعد الحرب العالمية الثانية، ووجد تطبيقا له في مجال غزو الفضاء والمجالات العسكرية، وقد كانت نتيجة العناية والإهتمام بأسلوب التنبؤ ظهور أساليب فرعية متعددة في هذا المجال من أهمها:

1/ أسلوب بناء السيناريو Scenario:

         يقوم مفهوم بناء السيناريو (تصميم المشاهد) على إسقاط الخبرة في الماضي والحاضر، بتخيل صورة المستقبليات البديلة التي يمكن أن تتطور إليها الأمور، إنه عملية تتبع افتراضي للأحداث، وبناء السيناريو يعطي فرصة كبيرة للخيال وإطلاق الذهن بهدف استكشاف كل الإحتمالات التي يمكن أن يتضمنها المستقبل، ولكن الضرورة أن يظل هذا الخيال في إطار النسق الكلي للمجتمع، فكما يقول “هيلمر Helmer” إن بناء السيناريو يشتمل على استخدام بناء للتخيل فهو يهدف إلى وصف أحد مظاهر المستقبل، ولكن لا يصل إلى درجة كتابة قصة أو رواية، فالسيناريو العملي والتحليلي يبدأ بالحالة الحاضرة للعالم المحيط، ثم يظهر كيف أن الوضع المستقبلي يمكن أن ينشأ ويتطور في صورة واقعية، وذلك من خلال الوضع الراهن.

فبناء السيناريو يمثل أداة تجريبية لتحديد السياسات البديلة، وتوضيحا لذلك يمكن تقديم مثال: الجزائر مثلا تعتمد بشكل أساسي على النفط، وهنا نطرح عدة تساؤلات: ما هو أثر التغيير في الأسعار العالمية للنفط في العامين القادمين (بناء على التطورات الحالية في موجة التحول الديمقراطي في بعض الدول العربية) على أداء أجزاء الإقتصاد الوطني للدولة ؟ وما هو الأثر الذي سيترتب على معدلات نمو الإستثمار الوطني وعلى الإنفاق الحكومي وعلى ميزان المدفوعات ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة يمكن أن تبرز ثلاث سيناريوهات لما يمكن أن يحدث للإقتصاد الوطني للدولة خلال العامين القادمين: وهي السيناريو الرئيسي، والسيناريو المتفائل والسيناريو المتشائم، فالسيناريو الرئيسي يتم التوجه فيه إلى استمرار القروض الخارجية والداخلية خلال العامين القادمين، ويفترض السيناريو المتفائل حدوث متغيرات مستقبلية أكثر تفاؤلا، أما المتشائم حدوث متغيرات أكثر تشاؤما كحدوث أزمة

ومن ثم فإن أسلوب السيناريو يفترض بذلك وجود عدة سيناريوهات، وكل سيناريو يتضمن فروض مختلفة حول الأحداث التي ينطوي عليها المستقبل، فوجود سيناريو أو أكثر يساعد على توسيع أفاق صناع السياسة وتوجيههم إلى فرص متنوعة لاتخاذ القرارات البناءة.

2/ أسلوب دلفي The Delphi Technique:

         يهدف هذا الأسلوب لمعالجة المشكلات المجتمعية المعقدة بواسطة تبادل الآراء بين مجموعة من الخبراء المختصين وهو من أبرز إسهامات المنهجية في مجال البحوث المستقبلية، والذي يمثل رؤية عصرية للدور الذي كان يقوم به كهنة معبد “دلفي” في الحضارة اليونانية بالنسبة للتكهن المستقبلي.

وقد أصبح هذا الأسلوب لصيقا بالدراسات المستقبلية، خاصة بعد العوائد الإيجابية التي نجمت عن استخدامه في مجال التنبؤات المستقبلية، وهذا لكونه يجمع بين أكثر من أسلوب من أساليب الدراسات المستقبلية، فهو يجمع بين أسلوب الحدس الإستطلاعي والمعياري، ويمكن تطبيقه على مراحل، وفي كل مرحلة تمثل خطوة متقدمة منهجيا في جمع البيانات واستخلاص مؤشراتها المستقبلية، ويقوم هذا الأسلوب على أربع مبادئ وهي:

  1. إخفاء هوية شخصيات المشتركين، للحد من تأثيرات نفوذ.
  2. التكرار الذي يمكن كل من المشتركين من إعادة النظر في موقفه في ضوء المعلومات المتجددة.
  3. التحكم في التغذية العكسية، بمعنى أن المشارك يكون في موقف أفضل لتقدير الموقف، وفقا لكم ونوعية المعلومات المتوافرة.
  4. إجماع الخبراء وهي المحصلة النهائية للاتفاق حول البديل أو البدائل الأفضل للقضية المطروحة.

         لكن ما يُعاب على هذا الأسلوب خاصة أثناء المناقشة الجماعية، هو احتمال السيطرة على المناقشة من جانب بعض الأعضاء، وبالتالي التقليل من المساهمات الفعالة لباقي أعضاء الجماعة.

ويمكن إدراج توضيح عن أسلوب التنبؤ وتقدير الموقف، بأخذ أسلوب بناء السيناريو كمثال في الشكل الآتي: مراحل بناء السيناريو

  1. الأساليب الكمية:

أ. أسلوب بحوث العمليات Operations Research:

ارتبطت بحوث العمليات بالمجال العسكري، وترجع جذورها إلى حروب 1872م حينما ادخل البريطانيون استعمال نظرية لعب الحروب، لكن مبادراتها العلمية الأولى تعود إلى الحرب العالمية الثانية، مع أعمال “سير هنري تيزارد” التي بدأها سنة 1935م، وقد عرفها معهد البحوث البريطانية على أنها تطبيق الوسائل العلمية على المشاكل المعقدة المتعلقة بتوجيه وإدارة النظم الكبرى التي تضم القوى البشرية والآلات والمواد في هيئات الصناعة والأعمال بالإضافة إلى المؤسسات الحكومية والعسكرية.

جوهر الموضوع أن بحوث العمليات توظف المنهج العلمي، لفهم وتقصي الظواهر في مجال نظم التشغيل  ويستعين بهذه المعلومات في استشراف الوسائل لتحسين كفاءة العمليات الجارية، أو لتحقيق الغايات المستقبلية المقصودة ومن ثم فإن بحوث العمليات تتميز بـ:

  1. تطبيق الوسائل العلمية على المشاكل المعقدة.
  2. الإحاطة الكاملة للمعلومات المتصلة بالإمكانيات والمتغيرات والخيارات الآنية والمستقبلية.
  3. التركيز على مساندة عملية اتخاذ القرارات.
  4. الإستفادة من النماذج لوضع تمثيل تقريبي للواقع بغية الحد من التعقيدات غير الضرورية، وبالتالي تحليل المعلومات بأسلوب واضح.
  5. الإفادة من الحاسبات الآلية للتعامل مع الكم الهائل من المعلومات وبالتالي الحد من التكلفة والوقت.

إن التطور السريع في ميدان بحوث العمليات، أدى إلى بروز عدة فروع أو مناهج بحثية منها: البرمجة الخطية، نظرية الصف، تحليل السلاسل الزمنية، تحليل المسار الحرج….إلخ، فالتطور في هذه الأساليب قد زاد الإهتمام باستخدام بحوث العمليات في الخدمات الحكومية كالتعليم الصحة، الرعاية الإجتماعية، الإسكان، النقل….إلخ.

ب. أسلوب البرمجة الخطية: Linear Programming

يستعمل هذا الأسلوب في الوصول إلى أفضل الخيارات الممكنة من بين عدة خيارات متعارضة، بحيث يكون استخدام خيار معين على حساب خيار آخر، وهو يقوم على الأسس التالية:

– تناسب العلاقات بين المتغيرات المختلفة، بمعنى أنه إذا ضاعفنا المدخلات فإن هذا سيعني مضاعفة المخرجات.

– إمكانية تقسيم المدخلات والمخرجات إلى أجزاء ومكونات فرعية.

– إمكانية جمع العمليات مع بعضها البعض.

وتمثل المحددات السياسية والقانونية والاجتماعية قيودا على النشاطات التي يمكن القيام يها، مثال ذلك القيود على الميزانية العامة للدولة أي انه لا يمكن أن تقل مخصصات أي برنامج عما خصص له في السنة المالية السابقة، أو أنه لا بمكن زيادة المخصصات أكثر من 10 بالمئة عن مخصصات العام الماضي، أو الإبقاء على المخصصات كما كانت عليه في السنة السابقة، كما أن استعمال هذا الأسلوب يقاضر على الظواهر الخطية التي تتسم بها العلاقات بين المتغيرات بعلاقة تناسبية.

ج. تحليل النفقة والمنفعة Cost-Benefit Analysis:

         يهدف هذا الأسلوب لتحقيق المقارنة بين تكاليف السياسة العامة المتخذة أو المشروع، والمنفعة أو القيمة التي تستنتج من هذه السياسة العامة أو هذا المشروع عند تنفيذه، وباعتبار أن هذه المقارنة تقوم على دراسات الجدوى بشكل متكامل، فإنها لا تقتصر على الإمكانية الإقتصادية فقط، بل تشتمل أيضا على الإمكانية السياسية، وعليه إن هذا الأسلوب لا يتوقف عند تحليل العائدات والتكاليف بشكل كمي، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد حجم ونوعية المجموعات السياسية المطلوب دعمها، وكذا تحديد أصحاب الأدوار السياسية وقدراتهم لتحقيق نجاح سياسات معينة.

إن الإطار العام لتحليل المنفعة والنفقة يتكون من المراحل التالية:

  1. تحديد وتعريف بدائل السياسة العامة المراد تنفيذها.
  2. تحديد جميع الآثار المفضلة وغير المفضلة، الآنية والمستقبلية لكل بديل على المجتمع.
  3. تخصيص القيم المالية للآثار على ان تحسب التأثيرات المرغوبة كعائدات، والتأثيرات غير المرغوبة كتكاليف.
  4. يحسب العائد الصافي لكل بديل (العائد الكلي- التكلفة الإجمالية).
  5. اختيار البديل الأفضل، وهو الذي ينتج أكير عائزكد صاف، وليس بالضرورة أن يكون ذلك في كل الحالات، حيث إن بعض الإعتبارات السياسية قد تستوجب اختيار بديل آخر.

وفي ظل الإطار العام لعملية تحليل العائدات والتكاليف، يتم التمييز بين أربع مجموعات وهي: الحقيقية والمالية، والمباشرة وغير المباشرة، والملموسة وغير الملموسة، والداخلية والخارجية.

المشاكل التي تواجه عملية تحليل السياسة العامة:يمكن التطرق إلى أهمها في الآتي:

  1. إن محلل السياسات العامة في تبنيه المنهجية العلمية للتحليل يواجه مجموعة مشاكل ذات صفة عملية، كنقص البيانات والمعلومات وتناقضها في كثير من الأحيان، والسرية المفروضة من قبل الجهات المسؤولة حول بعض الملفات والموضوعات وكذا ندرة الدراسات المماثلة والمقارنة.
  2. صعوبة قياس التكاليف غير المباشرة والمعنوية لبرامج السياسة العامة، وكذا صعوبة قياس عوائد السياسة العامة على الرفاه الإجتماعي، وتزداد الصعوبة في حساب الأثر الصافي أو النهائي المتحقق من جراء السياسة العامة، والذي يقاس بخصم مجموع كل التكاليف المادية والمعنوية المباشرة والمستقبلية من مجموع الفوائد.
  3. تتطلب المنهجية العلمية من المحلل السياسي أن يأخذ بأطر وإقترابات الإختيار الأمثل بالشكل الذي يجعل من جهده مندرجا ضمن إطار أن تلك الإقترابات لا تفرض قرارا، إنما توضح جدوى الإختيارات البديلة، أما مسألة اختيار الأنسب أو تحاشي اختياره، فهذه مرهونة بالإرادة السياسية وبدورها، أي أن قرار اختيار سياسة ما ليس بالضرورة أن يكون عاكسا لتلك الحسابات والتقديرات التي توصل إليها المحلل بسبب اعتماده على تلك الأطر والإقترابات، ذلك أن الجدوى السياسية لم تزل بعيدة عن الحسابات الكمية، لأنها تعتمد على أحكام قيمية وتصورات فكرية وإجتهادات ذات مضمون إجتماعي وسياسي.
  4. مشاكل الأساليب الكمية والنماذج الرياضية التي يستعين بها محللو السياسات، التي قد تؤدي إلى نتائج غير واضحة إزاء المشكلة المدروسة، فرغم النجاح الذي حققته في معالجة المشكلات الإدارية في القطاع العام (كمشاكل التحضر وتلوث البيئة ومشكلات التنمية)، إلا أن نتائجها في مجال التعامل مع المشكلات المجتمعية المعقدة كانت محدودة، وهذا بسبب عدم قدرة تلك الأساليب على الإستجابة للعوامل والمتغيرات التي لا يمكن قياسها كالقيم والأفكار.
  5. أما عن المداخل، فبغض النظر عن المدخل المستخدم في التحليل، لا يستطيع أي سياسي أن يقوم بتنبؤ صحيح ومؤكد عن تأثير سياسة ما في حل مشكلة معينة، فالسياسات يتم صياغتها كنوع من الإستجابة لحاجات معينة صريحة أو ضمنية مع الأخذ في الإعتبار الظروف والمتغيرات البيئية القائمة والضغوط السياسية الحالية والمستقبلية، ولو فرضنا وجود مدخل يمكنه أخذ كل هذا في الحسبان، فإن هذه المتغيرات ليست ثابتة ، فهي تتغير بصورة مستمرة.

المراجع المعتمدة:

– الحسين مصطفى أحمد، تحليل السياسات: مدخل جديد للتخطيط في الأنظمة الحكومية. الشارقة: جمعية الاجتماعيين، 1994.

– مصطفى أحمد الحسين، مدخل إلى تحليل السياسات العامة. ط1، عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002.

– الطيب حسن أبشر، « المحاور النظرية والتجريبية لعلم السياسة العامة»، مجلة الإداري. العدد 52، مسقط: معهد الإدارة العامة، 5 مارس 1993.

– ، الدولة العصرية دولة مؤسسات. القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2000.

– المغيربي زاهي بشير، قراءات في السياسة المقارنة. ليبيا-بنغازي: منشورات جامعة قار يونس، دت.

– المغربي كمال محمد، الإدارة والبيئة والسياسة العامة. عمان: دار الثقافة، 2001.

– السيد عبد المطلب غانم، الإقترابات والأدوات الكيفية في تحليل السياسة العامة. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1988.

– الفهداوي فهمي خليفة، السياسة العامة: منظور كلي في البنية والتحليل. ط1، عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة،2001.

– بيومي علي محمد، دور الصفوة في اتخاذ القرار السياسي.القاهرة: دار الكتاب الحديث، 2004.

– جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة. ط1، (تر: عامر الكبيسي)، عمان: دار المسيرة، 1999.

– حديد موفق محمد، الإدارة العامة: هيكلة الأجهزة وصنع السياسات وتنفيذ البرامج الحكومية. ط1، عمان: دار الشروق، 2000.

– شريف علي، إدارة المنظمات الحكومية. الإسكندرية: الدار الجامعية، 1999.

– قاسم القريوتي، رسم وتنفيذ وتقييم وتحليل السياسة العامة. عمان: دار حنين للنشر والتوزيع، 2006.

(*)- الجماعة (Community) حسب النظرية السوسيولوجية، مفهوم يعود لعالم الإجتماع الألماني “فرديناند تونير F.Tonnies” الذي يميز بين (المجموعة Gemeinschaft) والمجتمع (Gesellschaft)، ويشير إلى شكل التنظيم الإجتماعي القائم بين الأفراد على أساس التضامن الطبيعي العضوي والعفوي، والذي تحييه أهداف مشتركة، وهو المفهوم له استخدامات متعددة.

(*)- المؤسسة (Insitution) بشكل عام هي مجموعة من البنيات أو الآليات الأساسية ذات الأصل التنظيمي أو العرفي في جماعة بشرية، تنشأ وليدة حاجة أو فكرة أو قيمة، تنقسم إلى المؤسسات-الأعضاء أو المؤسسات-الأجسام، والمدخل المؤسساتي يقوم على دراسة المؤسسات السياسية من زوايا عديدة منها: 1/ الغرض من تكوين المؤسسة، 2/ كيفية تجنيد أعضاء المؤسسة، 3/ أبنية المؤسسة، 4/علاقة المؤسسة بغيرها، 5/ اختصاصات المؤسسة، 6/ الهندسة المؤسسية.

  1.  Hambrick, Ralph Jr.; Bardach, Eugene; Chelimsky, Eleanor; Shadish, William R.; Deleon, Peter; Fischer, Frank; MacRae, Duncan; Whittington, Dale (November–December 1998). “Review: Building the Policy Studies Enterprise: A Work in Progress”. Public Administration Review. 58 (6): 533–9. doi:10.2307/977580JSTOR 977580.
  2. ^ Herbert, Simon (1976). Administrative Behavior (الطبعة 3rd). New York: The Free Press. ISBN 0-684-83582-7.
  3. ^ A Critical Policy Analysis of Internationalization in Postsecondary Education: An Ontario Case Study, The University of Western Ontario, October 24, 2014. نسخة محفوظة 05 سبتمبر 2017 على موقع واي باك مشين.
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14301

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *